العلاج النفسي التنويميتاريخ علم النفسعلم النفس العصبي

حول بريد: المفهوم الفيزيولوجي العصبي وتطوره في تاريخ التنويم الإيحائي

استكشف حَوَل بريد (Braid’s Strabismus)؛ التقنية الفيزيولوجية التي أسست للتنويم العصبي الحديث وربطت بين إجهاد العينين والحالات المتغيرة للوعي البشري.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثل حَوَل بريد (Braid’s Strabismus) إحدى الركائز التاريخية والفيزيولوجية المفصلية التي قادت إلى ولادة علم التنويم الإيحائي الحديث، ونقلت دراسة الحالات المتغيرة للوعي من أروقة السحر والشعوذة والمغناطيسية الحيوانية إلى فضاء البحث العلمي والفيزيولوجيا العصبية التجريبية. تُشير هذه الظاهرة الإجرائية إلى الإجهاد البصري والحَوَل التقاربي العلوي المُتعمَّد الذي وظَّفه الجراح الإسكتلندي جيمس بريد في أربعينيات القرن التاسع عشر لاستحثاث النوم العصبي (Neurypnology). يتناول هذا المقال الموسوعي التأصيل النظري، والآليات البيولوجية العصبية، والأبعاد النفسية والسريرية التي ارتبطت بهذه التقنية، فضلاً عن الجدل العلمي الذي رافق مسيرتها وتأثيراتها المعاصرة في العلاج النفسي التنويمي.

التأصيل المفاهيمي والتعريف العلمي لحَوَل بريد

يُعرَّف حَوَل بريد بأنه حالة اصطناعية مُستحثة من التقارب البصري المائل إلى الأعلى، يتم فيها إجبار مقلتي العينين على التثبيت الحركي الصارم باتجاه نقطة ضوئية أو جسم صغير يُوضع على مسافة قريبة من الجبين وأعلى بقليل من مستوى النظر الطبيعي. لا يُعد هذا الحَوَل خللاً مَرَضياً خلقياً أو مكتسباً في التآزر العضلي للعين، بل هو مناورة فسيولوجية وظيفية دقيقة استهدفت إحداث حالة من الإنهاك السريع والمقصود في العضلات المحركة للعين والجهاز العصبي البصري المركزي المرتبط بها. إن الغاية الأساسية من إحداث هذا التحديق المجهد هي كسر حالة التشتت الذهني والانتقال بالمفحوص من الوعي اليقظ التفاعلي إلى درجة متقدمة من الاسترخاء العصبي والانغلاق الحسي.

أكد جيمس بريد في كتاباته الرائدة، ولا سيما في مؤلفه التأسيسي الصادر عام 1843 والمعنون بـ “التنويم العصبي: أو الأساس الفلسفي للنوم الاسترجاعي”، أن الشلل الوظيفي المؤقت للجفن والإجهاد العضلي البصري يمثلان نقطة الارتكاز المحورية لتعطيل الفعالية الحركية الإرادية. تختلف هذه الاستجابة الفيزيولوجية عن التعب البصري العادي في كونها تترافق مع حالة من الانتباه الشديد والمحصور في منبه واحد لا يتغير، وهو ما ينعكس مباشرة على النشاط القشري في الدماغ. وبالتالي، يُفهم حَوَل بريد في القواميس الطبية والنفسية كإجراء محفز للاستجابة التنويمية عبر إجهاد الأعصاب القحفية المسؤولة عن حركات العين والتكيف البصري.

من الناحية الاصطلاحية، ارتبط مصطلح الحَوَل عند بريد بمفهوم التثبيت البصري (Eye Fixation Technique)، إلا أن الخصوصية التشريحية لهذه المناورة تكمن في فرض وضعية غير مريحة فيزيولوجياً للعينين لفترة زمنية متصلة تتراوح عادة ما بين دقيقتين إلى خمس دقائق. يؤدي هذا التموضع المتكلف إلى استنزاف فوري للطاقة الحركية العضلية واستثارة استجابات كبح لاإرادية تنتهي بارتخاء الجفنين وثقلهما، تليها حالة من الذهول أو النعاس التنويمي العميق. وبذلك أسس بريد لمقاربة تختزل الظواهر الغيبية المزعومة في تفاعلات حيوية حسية-حركية تخضع للتشريح البشري والفيزيولوجيا التطبيقية.

السياق التاريخي: من المغناطيسية الميزمرية إلى التنويم العصبي

لفهم الدوافع التي قادت إلى ابتكار حَوَل بريد، يجب العودة إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين كانت الساحة الطبية الأوروبية منقسمة بشدة حول ممارسات المغناطيسية الحيوانية التي ابتكرها الطبيب النمساوي فرانز أنتون ميسمر. زعم الميسمريون أن هناك سائلاً فيزيائياً كونياً غير مرئي يتدفق عبر الأجساد الحية، وأن الأمراض تنشأ عن انسداد هذا التدفق، بينما يُعاد التوازن المغناطيسي من خلال الممارسات اللمسية وتمرير الأيدي (Mesmeric Passes). واجهت هذه النظريات معارضة شرسة من المؤسسات الأكاديمية والطبية الرسمية، التي اعتبرت الميسمرية ضرباً من الدجل والوهم والتضليل النفسي.

في نوفمبر من عام 1841، حضر الجراح جيمس بريد في مدينة مانشستر عرضاً توضيحياً قدمه المغناطيسي السويسري شارل لافونتين. كان بريد يهدف في بداية الأمر إلى كشف الخدع الميكانيكية والنفسية التي كان يعتقد أن لافونتين يستعملها لإيهام الجماهير وإدخال الأشخاص في حالات الإغماء والجمود العضلي. غير أن بريد، بوصفه جراحاً دقيق الملاحظة وخبيراً في علم التشريح، لاحظ علامة فارقة لم تكن تخضع للحيل، وهي عجز بعض الخاضعين للتجربة عن فتح أعينهم بشكل طبيعي عقب تعرضهم لتحديق طويل ومستمر، حتى مع غياب التلامس الجسدي مع الممارس المغناطيسي.

أدرك بريد ببراعة علمية فذة أن الظاهرة حقيقية سريرياً لكن تفسيرها الميسمري زائف تماماً. بدأ بريد على الفور بإجراء تجارب منزلية وسريرية صارمة، حيث أخضع زوجته وخادمه وبعض الأصدقاء لتجارب التثبيت البصري المكثف باستخدام أشياء غير حية، مثل عنق زجاجة أو علبة مشارط جراحية، متخلياً بالكامل عن مفهوم “السائل المغناطيسي” أو التأثير الشخصي الخارق للطبيب. أسفرت هذه التجارب عن نتائج متطابقة، حيث دخل الأفراد في الحالات ذاتها من فقدان الإحساس بالنخس، والتخشب العضلي، والانفصال عن الواقع الخارجي بمجرد إجهاد عضلات أعينهم عبر الحَوَل، وهو ما أثبت أن التأثير ينبع من الجهاز العصبي للشخص الخاضع للتجربة نفسه وليس من مشغل خارجي.

الآلية الفيزيولوجية والتشريحية لحَوَل بريد

تستند المناورة الفيزيولوجية التي طورها بريد إلى مبدأ إجهاد مجموعات عضلية محددة تشترك في توجيه العين وتكييف الرؤية القريبة. لإحداث هذا الحَوَل، كان بريد يطلب من المفحوص الجلوس في وضع مريح، ثم يمسك بجسم صغير ولامع (مثل قلم حاد أو أداة معدنية أو حتى إصبعه) على مسافة تتراوح بين 8 إلى 15 بوصة من عيني المريض، ويقوم برفع هذا الجسم تدريجياً ليكون أعلى من خط البصر الأفقي بنحو 45 درجة، وبالقرب من جذر الأنف. يُجبر هذا الوضع المريض على النظر إلى الأعلى وإلى الداخل في آن واحد وبشكل متواصل، مما يؤدي إلى استحثاث حَوَل تقاربي تصاعدي حاد.

العضلات المعنية والإنهاك العصبي العضلي

تتطلب هذه الوضعية الشاذة فيزيولوجياً انقباضاً متواصلاً وتآزرياً لمجموعة من العضلات المحركة لمقلة العين والأجفان، وهي على وجه التحديد:

  • العضلة المستقيمة الإنسية (Medial Rectus): المسؤولة عن تدوير المقلتين إلى الداخل لتحقيق التقارب البصري اللازم لتثبيت الجسم القريب.
  • العضلة المستقيمة العلوية (Superior Rectus) والعضلة المنحرفة السفلية (Inferior Oblique): اللتان تعملان على رفع مقلتي العينين نحو الأعلى.
  • العضلة الرافعة للجفن العلوي (Levator Palpebrae Superioris): التي تظل في حالة شد متوتر لإبقاء الجفنين مفتوحين رغم الشد العضلي العكسي والتعب البصري المتسارع.

يخضع هذا الانقباض العضلي الحاد لإشراف العصب المحرك للعين (العصب القحفي الثالث – Oculomotor Nerve). يؤدي الانقباض المتواصل والمتساوي التوتر (Isometric) في هذه العضلات الدقيقة إلى نضوب سريع لمركبات الطاقة الخلوية وتراكم نواتج الاستقلاب، ما يولد إشارات عصبية حسية متواصلة تتجه عبر الفروع الحسية للأعصاب القحفية نحو جذع الدماغ والتشكّل الشبكي، وهو المسؤول الأول عن ضبط اليقظة والانتباه في القشرة المخية.

ديناميكية الاستجابة البصرية والانتقال العصبي

يرافق هذا الإجهاد العضلي تغيرات حركية حدقية ملحوظة؛ ففي البداية، تنقبض الحدقتان كجزء من منعكس التكيف البصري للقرب (Accommodation Reflex)، ولكن مع استمرار التحديق وتزايد الإنهاك، يبدأ اتساع حدقة العين بالتناوب مع انقباضها في صورة تذبذبية تُعرف بالتردد الحركي الحدقي، وصولاً إلى اتساع ملحوظ وشلل تكيفي طفيف. يصف بريد هذه اللحظة بحدوث ارتعاش سريع وغير مسيطر عليه في الجفنين، يتبعه انهمار للدموع، قبل أن يتدلى الجفنان بثقل مفرط ويسقطا بصورة لا تقبل المقاومة، معلنين بداية الدخول في الغيبوبة أو الغفوة التنويمية، حيث ترتفع مقلتا العينين بشكل طبيعي نحو الأعلى أسفل الجفنين المنغلقين في استجابة تماثل منعكس بيل (Bell’s Phenomenon).

الأبعاد النفسية: من الإجهاد الجسدي إلى أحادية الفكرة

على الرغم من أن جيمس بريد بدأ مسيرته البحثية بتركيز فيزيولوجي مادي بحت على العضلات والأعصاب المحيطية، إلا أن نضجه السريري قاده تدريجياً إلى إدراك أن حَوَل بريد ليس مجرد تعب عضلي، بل هو بوابة ميكانيكية لإحداث تحول نفسي وإدراكي حاسم. طور بريد في مرحلة لاحقة من حياته مفهوم أحادية الفكرة (Monoideism)، وهو مصطلح نحته ليعبر عن حصر مجمل النشاط العقلي والتخيلي للمفحوص في هاجس واحد أو فكرة واحدة مسيطرة، مع عزل وإخماد بقية التنبيهات الحسية والأفكار المتنافسة.

يؤدي التثبيت البصري المترافق مع الحَوَل المصطنع إلى إغلاق قنوات المدخلات الحسية المتنوعة؛ فالإنسان العادي يعتمد في وعيه المستمر على حركة العين السريعة والتفقدية (Saccadic Eye Movements) لاستكشاف البيئة وتجديد المعلومات الحسية في الشبكية لتفادي تلاشي الصور. عندما يجبر حَوَل بريد العينين على الجمود التام، تتوقف هذه الحركات التفقدية، مما يتسبب في ظاهرة التكيف الشبكي وظاهرة تلاشي الصور في المجال البصري المحيطي (Troxler’s Fading). يؤدي فقدان التنوع البصري إلى انخفاض دراماتيكي في وتيرة النبضات العصبية الواردة إلى الفص القذالي، مما يهيئ الدماغ لدخول حالة تشبه النوم الحلمي مع بقاء قناة اتصال مفتوحة مع المعالج.

أدرك بريد أن التحديق العيني الصارم يفرض تركيزاً قسرياً للانتباه الانتقائي. فالعقل البشري يجد صعوبة بالغة في الحفاظ على أفكار القلق أو الشرود الذهني عندما تكون طاقته الإدراكية موجهة بالكامل نحو الحفاظ على ثبات العينين في وضعية متوترة. وبالتالي، كان حَوَل بريد يعمل كأداة “تثبيت انتباهي” (Attentional Anchoring)، تعطل الجهاز التنفيذي في قشرة الفص الجبهي الأمامي، مما يجعل المريض خاضعاً ومتقبلاً للاقتراحات والتوجيهات العلاجية دون ممارسة المقاومة النقدية المعتادة لليقظة الكاملة.

التطبيقات السريرية والجراحية لحَوَل بريد

خلال الحقبة التي سبقت اكتشاف وتعميم استخدام التخدير الكيميائي بواسطة الإيثر والكلوروفورم في منتصف القرن التاسع عشر، شكّل حَوَل بريد ثورة طبية حقيقية في إدارة الألم وإجراء التدخلات الجراحية. وجد الجراحون، وفي مقدمتهم جيمس بريد وزملاؤه المعاصرون، في هذه الطريقة وسيلة آمنة وفعالة لإحداث ما عُرف بالخدر التنويمي (Hypno-analgesia)، مما أتاح استئصال الأورام، وبتر الأطراف، وعلاج الكسور، والخلوع دون أن يعاني المريض من الصدمة العصبية المؤلمة التي كانت تودي بحياة الكثيرين.

إلى جانب الجراحة، وظف بريد هذه التقنية في علاج الاضطرابات العصبية والوظيفية. فقد استخدم الحَوَل التنويمي لعلاج الشلل التحولي (الهستيري)، والتقلصات العضلية المزمنة، والروماتيزم، وأنواع الصداع العصبي، واضطرابات النطق مثل التأتأة. كانت طريقته تتضمن إدخال المريض في النوم العصبي عبر حَوَل العينين، ثم تطبيق مناورات فيزيائية كتحريك الأطراف المصابة أو النفخ اللطيف على الوجه، مع تقديم توجيهات شفهية واثقة تؤكد استعادة الوظيفة العضوية الطبيعية، مستفيداً من مرونة الجهاز العصبي أثناء تلك الحالة الخاصة.

أظهرت الحالات التي وثقها بريد أن هذه الطريقة لم تقتصر على تسكين الألم الجسدي، بل امتدت لتشمل إعادة ضبط توتر الجهاز العصبي المستقل؛ فبمجرد استحثاث الحَوَل والدخول في النعاس العصبي، ينخفض معدل النبض، ويهدأ التنفس السطحي المتسارع، وتسترخي التشنجات الحشوية، وهو ما مهّد الطريق لظهور الطب النفسي الجسدي (Psychosomatic Medicine) بمفهومه العلمي المستند إلى دراسة التفاعل بين الجهاز العصبي المركزي والوظائف الحيوية للجسم.

المواجهة المعرفية: مدرسة نانسي ومدرسة سالبتريير

شهدت النصف الثاني من القرن التاسع عشر انتقال أفكار جيمس بريد وتقنيته في الحَوَل البصري إلى فرنسا، حيث تحولت إلى شرارة لأعظم الجدالات العلمية في تاريخ الطب النفسي والعصبي، والمتمثلة في الصراع المعرفي بين مدرسة سالبتريير بقيادة طبيب الأعصاب الشهير جان مارتن شاركو ومدرسة نانسي بزعامة أوغست ليبهولت وإيبوليت برنهايم.

موقف مدرسة سالبتريير (التشريح المرضي)

تبنى شاركو في باريس نموذجاً عصبياً متشدداً يتوافق مع الأفكار الأولية لبريد حول الأساس العضوي للظاهرة، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك بالادعاء أن قابلية التنويم المستحثة بإجهاد العينين والحَوَل هي ظاهرة مَرَضية لا تحدث إلا لدى المصابين بالهستيريا (الهستيريين العصابيين). اعتمد شاركو تقنية التحديق المباشر وإجهاد النظر، واعتبر أن الوصول إلى التخشب العضلي (Catalepsy) والغيبوبة يمثل أطواراً فيزيولوجية عصبية ثابتة تنجم عن خلل في البنية العصبية للمرضى، مقللاً من دور العوامل النفسية والتلقينية البحتة.

موقف مدرسة نانسي (نظرية الإيحاء النفسي)

في المقابل، قاد برنهايم وليبهولت في نانسي ثورة فكرية ضد النظرة التشريحية المحضة؛ حيث أكدا أن حَوَل بريد ليس له أي مفعول فيزيولوجي سحري أو فريد بذاته، بل هو مجرد وسيلة طقسية مساعدة لتركيز الانتباه وتهيئة الذهن لتلقي الإيحاء (Suggestion). رأى برنهايم أن النوم العصبي لا يتطلب الحَوَل البصري المجهد، وأنه يمكن الوصول إلى نفس النتيجة السريرية عبر الإيعاز اللفظي البسيط بمجرد القول: “أغمض عينيك… تشعر الآن بالثقل والنعاس”. لقد أثبتت مدرسة نانسي أن الإيحاء النفسي هو المحرك الجوهري، وأن التعب العضلي الذي ركز عليه بريد كان يمثل عنصراً إيحائياً جسدياً يثبت للمريض أن جسمه يمر بتغير حقيقي، مما يعزز ثقته في حدوث النتيجة المنشودة.

أثر هذا الجدل العلمي العميق في تحول الفكر السيكولوجي؛ حيث اعترف بريد نفسه في أواخر حياته بأن الإيحاء العقلي وتوقع النتيجة يلعبان دوراً حاسماً، لكنه أصر بحزم على أن التغيرات الفيزيولوجية الناتجة عن إجهاد العين ليست مجرد وهم عقلي، بل هي ركيزة حيوية تسهل وتسرع الاستجابة الإيحائية وتفتح المسارات العصبية للتأثير العلاجي.

المنظور المعاصر: الفيزيولوجيا العصبية والعلوم المعرفية الحديثة

مع تطور تقنيات التصوير الدماغي وتخطيط أمواج الدماغ الكهربائية (EEG)، أعادت العلوم العصبية المعرفية قراءة ظاهرة حَوَل بريد في ضوء فهم أعمق للشبكات العصبية الوظيفية. تبيّن أن التحديق العيني المتقارب للأعلى يمارس تأثيراً مباشراً على نشاط الموضع الأزرق (Locus Coeruleus) في جذع الدماغ، وهو المركز الأساسي المسؤول عن إفراز النورادرينالين والتحكم في دورات النوم واليقظة والانتباه المركز.

عندما تُثبت العينان في وضعية حَوَل بريد، يؤدي الإنهاك الحركي البصري إلى انخفاض نشاط موجات بيتا (Beta Waves) السريعة المرتبطة بالتفكير التحليلي واليقظة المضطربة، ويحفز في المقابل ظهور موجات ألفا (Alpha Waves) البطيئة المتزامنة مع الاسترخاء العميق، تليها موجات ثيتا (Theta Waves) التي تسود في حالات التأمل العميق، وبدايات النوم، والوعي التنويمي. يترافق ذلك مع هبوط ملحوظ في نشاط شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network – DMN)، وهي الدارة المسؤولة عن شرود الذهن واجترار الذكريات، مما يفسر تركيز المريض المطلق على اللحظة الراهنة وكلام المعالج.

علاوة على ذلك، ترتبط وضعية رفع العينين نحو الأعلى مباشرة بما يُعرف اليوم بـ “مقياس شبيغل للحث التنويمي” (Spiegel Eye-Roll Scale)، الذي ابتكره الطبيب النفسي الأمريكي هربرت شبيغل في القرن العشرين لتقييم القابلية التنويمية للأفراد. يعتمد مقياس شبيغل على قياس مقدار بياض العين (الصلبة) الظاهر أسفل القزحية عندما يُطلب من الشخص النظر إلى أعلى مستوى ممكن بينما يتم خفض الجفنين ببطء، وهي حركة تعيد إنتاج ديناميكية حَوَل بريد الأصلية، مما يثبت أن الرابط التشريحي العصبي بين حركة العين والوظيفة الإيحائية يمتلك أساساً بيولوجياً راسخاً ومستمراً في الفحص الإكلينيكي المعاصر.

مقارنة بين حَوَل بريد وتقنيات الحث المعاصرة

يوضح الجدول الفكري التالي الفروق الجوهرية والسمات الوظيفية بين مناورة حَوَل بريد الأصلية والتقنيات اللاحقة المستلهمة منها في العلاج النفسي والتنويمي:

  • حَوَل بريد التقليدي (1843): يعتمد على الإجهاد العضلي الصارم للعينين والتقارب المفرط للأعلى نحو نقطة محددة قريبة ومضاءة؛ التركيز يقع على الإنهاك الفسيولوجي الميكانيكي للأعصاب القحفية كمدخل رئيسي للحث.
  • طريقة التحديق المعتدل (مدرسة نانسي وديف إلمان): تستخدم التثبيت البصري لنقطة على السقف أو في عيني المعالج لفترة وجيزة دون إجهاد عنيف، متبوعة بإيحاءات لفظية فورية بالاسترخاء وثقل الجفون، حيث ينصب التركيز على الإيحاء اللفظي المدعوم بالتعب الطبيعي.
  • تثبيت النظر الإريكسوني (تنويم ملتون إريكسون): توظيف التحديق الضمني والفضفاض دون إلزام المريض بوضعية عينية شاذة؛ يعتمد على كسر الأنماط المعرفية واستخدام المجازات اللغوية، حيث تسترخي العينان كأثر جانبي للانغمار الداخلي وليس كسبب له.
  • إلغاء التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (EMDR): تفعيل حركات عينية أفقية إيقاعية وسريعة لتحفيز معالجة المعلومات الثنائية في نصفي الدماغ وتخفيف حدة الصدمات النفسية، وهي عكس حَوَل بريد الساكن تماماً، إلا أنها تشترك معه في استغلال المحرك العصبي العيني للتأثير على المسارات الانفعالية القشرية.

الخاتمة

يمثل حَوَل بريد انعطافة رائدة في تاريخ العلوم النفسية والطبية؛ فمن خلال تحويل التثبيت البصري والحَوَل التقاربي إلى أداة بحثية ومناورة علاجية مقننة، نجح جيمس بريد في فك الارتباط التاريخي بين الظواهر النفسية المتقدمة والتفسيرات الغيبية أو المغناطيسية المزعومة. لقد برهنت هذه التقنية البسيطة على قدرة الإجهاد العصبي العضلي المحيطي على استدعاء كبح قشري مركزي وإحداث تحولات إدراكية عميقة تجعل الوعي البشري أكثر مرونة وقابلية للتشكيل العلاجي. ورغم أن العلاج النفسي والتنويمي الحديث قد تجاوز الاعتماد الحصري على التعب الجسدي العنيف لمصلحة الإيحاء اللغوي والتحالف العلاجي، فإن المنطق العصبي الذي بني عليه حَوَل بريد لا يزال حياً ونابضاً في الأبحاث المعاصرة التي تتقصى التفاعل التبادلي بين الجسد والدماغ، وتؤكد أن بوابة الوعي يمكن العبور منها عبر نافذة العينين.

المراجع

  • Braid, J. (1843). Neurypnology; or, The rationale of nervous sleep, considered in relation with animal magnetism. John Churchill.
  • Crabtree, A. (1993). From Mesmer to Freud: Magnetic sleep and the roots of psychological healing. Yale University Press.
  • Ellenberger, H. F. (1970). The discovery of the unconscious: The history and evolution of dynamic psychiatry. Basic Books.
  • Gauld, A. (1992). A history of hypnotism. Cambridge University Press.
  • Hull, C. L. (1933). Hypnosis and suggestibility: An experimental approach. Appleton-Century-Crofts.
  • Spiegel, H., & Spiegel, D. (2004). Trance and treatment: Clinical uses of hypnosis (2nd ed.). American Psychiatric Publishing.
  • Weitzenhoffer, A. M. (2000). The practice of hypnotism (2nd ed.). John Wiley & Sons.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). حول بريد: المفهوم الفيزيولوجي العصبي وتطوره في تاريخ التنويم الإيحائي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/braids-strabismus-neurohypnotism-technique/
looti, Mohammed. “حول بريد: المفهوم الفيزيولوجي العصبي وتطوره في تاريخ التنويم الإيحائي.” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/braids-strabismus-neurohypnotism-technique/.
looti, Mohammed. “حول بريد: المفهوم الفيزيولوجي العصبي وتطوره في تاريخ التنويم الإيحائي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/braids-strabismus-neurohypnotism-technique/.