يمثل عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ (Brain-Derived Neurotrophic Factor – BDNF) أحد أهم البروتينات الحيوية التي تحكم ديناميكية الجهاز العصبي المركزي وتطوره، حيث يؤدي دوراً محورياً في دعم بقاء الخلايا العصبية القائمة وتمايزها ونمو خلايا جديدة ونقاط اشتباك عصبي متجددة. لقد أحدث اكتشاف هذا العامل ثورة معرفية عميقة في حقل علم النفس البيولوجي والطب النفسي، إذ نقل النماذج التفسيرية للاضطرابات النفسية من مجرد اختلالات كيميائية خطية في النواقل العصبية التقليدية إلى فهم تركيبي معقد يتمحور حول مفهوم اللدونة العصبية (Neuroplasticity). تكشف الأبحاث المتواترة أن مسارات تخليق وتفعيل بروتين BDNF ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدماغ البشري على التكيف مع الضغوط البيئية، وتشكيل الذكريات، وتنظيم المزاج، والتصدي للتحلل العصبي المرتبط بالإجهاد النفسي المزمن والشيخوخة.
المفهوم البيولوجي والتطور التاريخي لعامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ
ينتمي عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ إلى عائلة التغذويات العصبية (Neurotrophins)، وهي فئة من عوامل النمو البروتينية التي تشمل أيضاً عامل نمو الأعصاب (NGF)، والتغذوي العصبي-3 (NT-3)، والتغذوي العصبي-4/5 (NT-4/5). تم عزل بروتين BDNF وتوصيفه لأول مرة في عام 1982 من قبل الباحثين إيف-ألان بارد (Yves-Alain Barde) وهانز ثوينين (Hans Thoenen) من دماغ الخنزير، بعد جهود مضنية للبحث عن عامل يمتلك خصائص مشابهة لعامل نمو الأعصاب الذي اكتشفته العالمة ريتا ليفي مونتالشيني ولكن بتركيز نوعي في الجهاز العصبي المركزي. وأظهرت تلك الأبحاث المبكرة أن هذا البروتين يمتلك قدرة فريدة على تعزيز بقاء الخلايا العقدية الشبكية والخلايا الحسية التي لا تستجيب لعامل نمو الأعصاب الكلاسيكي، مما فتح آفاقاً جديدة في فهم آليات تغذية النسيج العصبي.
من الناحية الوراثية والجزيئية، يُشفَّر بروتين BDNF في البشر بواسطة جين يقع على الذراع القصيرة للكروموسوم 11 (الموقع 11p14.1). يتميز هذا الجين ببنية جزيئية بالغة التعقيد، حيث يحتوي على عدة محفزات وراثية غير مشفرة (Promoters) تُشرف على نسخ مناطق وراثية متعددة، مما يتيح تنظيم تعبيره الجيني بطرق شديدة التنوع وفقاً للإشارات البيئية والنشاط الكهربائي العصبي. يُصنّع البروتين في البداية على شكل طليعة بروتينية غير ناضجة تُعرف بـ (pre-proBDNF)، والتي تُقص منها إشارة التوجيه الخلوي لتتحول إلى (proBDNF) بوزن جزيئي يقارب 32 كيلو دالتون. يخضع proBDNF بعد ذلك لانشطار بروتيني، سواء داخل الخلية أو في الفضاء خارج الخلوي، لإنتاج الشكل الناضج الفعال (mBDNF) بوزن جزيئي يصل إلى 14 كيلو دالتون، والذي يتجمع في هيئة ثنائي متماثل (Homodimer) ليمارس تأثيراته الحيوية المعقدة.
يتوزع هذا البروتين على نطاق واسع في الجهاز العصبي المركزي للثدييات، ولكنه يتركز بكثافة فائقة في بنى الدماغ المرتبطة بالوظائف الإدراكية العليا والانفعال، وتحديداً في الحصين (Hippocampus) بمختلف مناطقه (CA1, CA3، والتلفيف المسنن)، والقشرة الدماغية الجبهية، واللوزة الدماغية (Amygdala). لا تقتصر وظيفة BDNF على مرحلة التطور الجنيني حيث يوجه هجرة العصبونات ونمو المحاور العصبية وتكوين نقاط الاشتباك، بل يمتد تأثيره طوال الحياة البالغة كعامل أساسي لصيانة الشبكات العصبية وتنظيم حساسيتها ومقاومة التدهور الخلوي الناتج عن مختلف العوامل الممرضة.
الآليات الخلوية والجزيئية لنقل إشارات BDNF
يمارس عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ تأثيراته الفسيولوجية عبر التفاعل مع نمطين رئيسيين من المستقبلات الغشائية ذات الخصائص الوظيفية المتباينة والمتضاربة في كثير من الأحيان، وهما مستقبل تروبومايوسين كيناز ب (Tropomyosin receptor kinase B – TrkB) ذو الألفة العالية، ومستقبل التغذيات العصبية الشائع (p75NTR) ذو الألفة المنخفضة للشكل الناضج والألفة العالية لشكله الأولي. يمثل مستقبل TrkB بوابة الدخول الأساسية لمسارات النماء والبقاء العصبي؛ فعند ارتباط الشكل الناضج من BDNF بالنطاق خارج الخلوي لمستقبل TrkB، يحدث ارتباط ثنائي للمستقبلين وتفسفر ذاتي لبقايا التيروزين في نطاقه السيتوبلازمي الداخلي، مما يطلق سلسلة من الشلالات الكيميائية الحيوية داخل الخلية العصبية.
تتفرع عن تفعيل مستقبل TrkB ثلاثة مسارات إشارية رئيسية تساهم في تحديد المصير العصبي والوظيفة المعرفية:
- مسار كيناز البروتين المنشط بالميتوجين (MAPK/ERK): ينشط هذا المسار عبر البروتينات المحولة مثل Shc وGrb2، وهو مسؤول بصورة حاسمة عن تنظيم التمايز الخلوي وتنامي التغصنات العصبية، بالإضافة إلى تحفيز نسخ الجينات المعتمدة على بروتين ربط عنصر الاستجابة لـ cAMP (CREB)، وهي الجينات اللازمة لتثبيت التعلم طويل الأمد.
- مسار فوسفوإينوزيتيد 3-كيناز / بروتين كيناز ب (PI3K/Akt): يعد هذا المسار محور النجاة الخلوي الأساسي للعصبونات، حيث يثبط المسارات المبرمجة للموت الخلوي (Apoptosis) من خلال تعطيل بروتينات الموت مثل Bad وكاسباز-9، فضلاً عن تعزيز التمثيل الغذائي وبناء البروتينات المشبكية عبر تنشيط معقد mTOR.
- مسار فوسفوليباز سي-غاما (PLC-γ): يؤدي تحفيز هذا المسار إلى تكسير فوسفاتيديل إينوزيتول 4،5-ثنائي الفوسفات إلى إينوزيتول ثلاثي الفوسفات (IP3) وثنائي أسيل الغليسرول (DAG)، مما يرفع تركيز الكالسيوم الحر داخل الخلايا وينشط بروتين كيناز سي (PKC) والكينازات المعتمدة على الكالسيوم/الكالمودولين (CaMKs)، وهي عناصر حيوية لتعزيز قوة النقل المشبكي السريع وتسهيل إطلاق الحويصلات المشبكية.
في المقابل الصارم، يظهر مستقبل p75NTR وجهاً آخر للديناميكية العصبية؛ حيث يتفاعل هذا المستقبل تفضيلياً مع طليعة البروتين (proBDNF). يؤدي ارتباط proBDNF بمستقبل p75NTR ومعقده المساعد السورتيلين (Sortilin) إلى تفعيل مسارات تؤدي إلى انكماش التغصنات العصبية، وتفكيك نقاط الاشتباك غير الفعالة، وتحفيز الموت المبرمج للخلايا غير الضرورية أو التالفة. وبالتالي، فإن التوازن الدقيق بين شكلي البروتين (proBDNF مقابل mBDNF) ومستقبلاتهما المناظرة يمثل نظاماً تنظيمياً مزدوجاً يُعرف بـ “فرضية الين واليانغ” للتغذيات العصبية، حيث يتحكم هذا التناغم في نحت الدوائر العصبية وصقلها، وهو أمر جوهري للتكيف النفسي والسلوكي السليم.
الدور المحوري في اللدونة المشبكية وتكوين الخلايا العصبية
تُعد اللدونة المشبكية حجر الزاوية الفسيولوجي لقدرة الدماغ على التعلم وتخزين الذكريات وإعادة تشكيل الشبكات العصبية استجابة للتجارب الحياتية، ويحتل BDNF موقع الصدارة في هذه العمليات المعقدة. يتجلى هذا الدور بأوضح صوره في ظاهرة التأييد طويل الأمد (Long-Term Potentiation – LTP)، وهي الزيادة المستمرة في قوة النقل المشبكي بين عصبونين إثر تحفيز متكرر وعالي التردد. يُفرز BDNF بشكل نشط من العصبونات قبل وبعد المشبكية اعتماداً على النشاط الكهربائي، ويعمل فوراً على زيادة نفاذية مستقبلات الغلوتامات من نوع NMDA وAMPA، مما يرفع كفاءة النقل المشبكي خلال دقائق معدودة في مرحلة التأييد المبكر (Early-LTP).
أما في المرحلة المتأخرة من التأييد طويل الأمد (Late-LTP)، والتي تتطلب تخليق بروتينات جديدة لبناء نقاط اشتباك مستقرة تستمر لأيام أو أسابيع أو سنوات، فإن BDNF يعمل كإشارة نووية موجهة. ينشط البروتين مسارات جينية تزيد من إنتاج البروتينات الهيكلية مثل الأكتين (Actin) والبروتينات الكثيفة ما بعد المشبكية مثل PSD-95، مما يؤدي إلى تضخم الشوكات التغصنية وزيادة عددها واستقرارها البنيوي. وقد أثبتت التجارب التي أُجريت على الفئران المعدلة جينياً والتي تفتقر إلى جين BDNF في الحصين وجود عجز حاد وشامل في ظاهرة التأييد طويل الأمد، ترافق مع فشل واضح في التعلم المكاني واختبارات الذاكرة العاملة، وهو عجز يمكن عكسه تجريبياً بإعادة إعطاء البروتين أو تنشيط مستقبلات TrkB صناعياً.
إلى جانب تعديل نقاط الاشتباك القائمة، يلعب BDNF دوراً لا غنى عنه في عملية توليد الخلايا العصبية لدى البالغين (Adult Neurogenesis)، وهي الظاهرة التي تتركز في منطقتين محددتين في دماغ الثدييات: المنطقة تحت البطينية (Subventricular Zone) والتلفيف المسنن في الحصين. يوفر BDNF البيئة الدقيقة المواتية للخلايا الجذعية العصبية لتنقسم وتتمايز إلى عصبونات وظيفية ناضجة. كما أنه يحمي هذه العصبونات الوليدة من الموت المبكر، ويوجه محاورها العصبية لتندمج بشكل وظيفي وصحيح داخل الشبكة المشبكية المعقدة للحصين، وهو ما يعد ركيزة أساسية للمرونة المعرفية، والتنظيم الانفعالي، والتخلص من الاستجابات الخوفية المشروطة.
عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ والاضطرابات النفسية
قاد البحث المكثف في بيولوجيا BDNF إلى صياغة “فرضية التغذية العصبية للاكتئاب” (Neurotrophic Hypothesis of Depression)، والتي تفترض أن اضطراب الاكتئاب الجسيم ينشأ جزئياً عن انخفاض تعبير BDNF وتدهور الدعم التغذوي العصبي في البنى الدماغية الحساسة مثل الحصين وقشرة الفص الجبهي، مما يؤدي إلى ضمور التغصنات العصبية وفقدان نقاط الاشتباك المشبكي وتراجع التكوين العصبي. وقد دعمت هذه الفرضية دراسات التشريح الجثثي التي أظهرت انخفاضاً معنوياً في مستويات BDNF وTrkB في أدمغة مرضى الاكتئاب الذين لقوا حتفهم انتحاراً، بالإضافة إلى مئات الدراسات السريرية التي أكدت هبوط مستويات البروتين في المصل وبلازما الدم لدى مرضى الاكتئاب مقارنة بالأصحاء.
تكتسب هذه الفرضية وزناً أكبر عند فحص آليات عمل العلاجات المضادة للاكتئاب؛ حيث وُجد أن الاستخدام المزمن لمثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) ومثبطات استرداد السيروتونين والنورإبينفرين (SNRIs) لا يكتفي برفع تراكيز النواقل العصبية في الفجوة المشبكية بشكل آني، بل يحفز عبر آليات نسخية بطيئة التعبير الجيني لـ BDNF في الحصين. ويفسر هذا التأخر الزمني في تنشيط BDNF وإعادة بناء نقاط الاشتباك الفجوة الزمنية السريرية الشهيرة الممتدة لأسابيع بين بدء تناول الدواء وظهور التحسن السريري الملموس على المريض. كما أظهرت الاكتشافات الحديثة المتعلقة بدواء الكيتامين (Ketamine) كمضاد اكتئاب فائق السرعة، أنه يعمل عبر إحداث تحرير سريع وفوري لـ BDNF وتفعيل مسار mTORC1 المشبكي خلال ساعات، مما يثبت مركزية هذا البروتين في إحداث التعافي النفسي.
ولا يقتصر التورط المرضي لـ BDNF على الاكتئاب فحسب، بل يمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات النفسية:
- اضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): يرتبط انخفاض BDNF في الحصين والقشرة الجبهية بفشل عملية “إخماد الخوف” (Fear Extinction)، مما يبقي الاستجابات الصدمية نشطة ومفرطة في اللوزة الدماغية.
- الاضطراب ثنائي القطب: تشهد نوبات الهوس والاكتئاب الحادة انخفاضاً حاداً في مستويات BDNF المحيطية، بينما تعود هذه المستويات إلى وضعها الطبيعي خلال فترات المزاج السوي (Euthymia)، وتعمل مثبتات المزاج مثل الليثيوم وفالبروات الصوديوم على رفع مستوياته في الدماغ لحماية العصبونات.
- الفصام (Schizophrenia): تشير الدراسات إلى وجود اختلال جوهري في إشارات BDNF-TrkB في القشرة أمام الجبهية، مما يساهم في اضطراب عمل الخلايا العصبية البينية المثبطة التي تفرز حمض الغاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، وهو ما يرتبط بالأعراض الإدراكية والسلبية للمرض.
تأثير الضغوط النفسية والإجهاد المزمن والآليات فوق الجينية
يعد الإجهاد النفسي المزمن والتعرض لشدائد الحياة المبكرة من أشد العوامل البيئية فتكاً بالتعبير الجيني لعامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ. عند تعرض الفرد للضغوط النفسية المستمرة، ينشط المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA Axis) بشكل مفرط، مما يؤدي إلى إفراز كميات سامة ومستمرة من الهرمونات القشرية السكرية (مثل الكورتيزول في الإنسان والكورتيكوستيرون في القوارض). ترتبط هذه الهرمونات بمستقبلاتها داخل العصبونات الحصينية وتثبط مباشرة نشاط المحفزات الجينية المسؤولة عن نسخ جين BDNF، متسببة في تراجع دراماتيكي في إنتاجه.
تترجم هذه العواقب الجزيئية تشريحياً في هيئة تراجع ملحوظ في تعقيد الشجرة التغصنية للعصبونات الهرمية في الحصين وقشرة الفص الجبهي، وضمور الشوكات المشبكية، وموت الخلايا المبرمج. يفسر هذا المسار البيولوجي كيف يؤدي التوتر النفسي المطول إلى تدهور الذاكرة وضعف التركيز وصعوبة اتخاذ القرارات والتبلد الانفعالي، وهي الأعراض الشائعة لدى الأفراد الخاضعين لظروف احتراق نفسي أو ضغوط مهنية واجتماعية بالغة القسوة.
تلعب التعديلات فوق الجينية (Epigenetic Modifications) دور الوسيط الحاسم الذي يرسخ تأثير صدمات الطفولة والإهمال المبكر في بنية الجينوم العصبي طوال عمر الكائن الحي. فقد أظهرت الدراسات الرائدة في علم الوراثة فوق الجيني أن التعرض لصدمات مبكرة يُحدث زيادة في مثيلة الحمض النووي (DNA Methylation) في مناطق المحفز الوراثي لجين BDNF (وبخاصة المحفز الرابع والرابع عشر)، بالإضافة إلى إزالة أسيتيل الهستونات (Histone Deacetylation)، وهي تغييرات تؤدي إلى تكثيف الكروماتين ومنع وصول عوامل النسخ مثل CREB إلى الجين. وتظل هذه العلامات البيوكيميائية منقوشة لعقود طويلة، مما يؤدي إلى قمع طويل الأمد لمستويات BDNF ويفسر الهشاشة النفسية المزمنة وارتفاع قابلية الإصابة بالاضطرابات النفسية لدى البالغين الذين تعرضوا لإساءة المعاملة في طفولتهم.
التنوعات الوراثية وتعدد أشكال جين BDNF (Val66Met)
من بين التباينات الوراثية المتعددة المرتبطة بجين BDNF، يبرز تعدد أشكال النوكليوتيدات المفردة المعروف باسم Val66Met (والمسجل في قواعد البيانات بـ rs6265) باعتباره الأكثر دراسة وتأثيراً في الأبحاث النفسية والعصبية. يتمثل هذا التغير الجيني في استبدال نيوكليوتيد الغوانين بالأدينين عند الموضع 196 من منطقة التشفير (G196A)، مما يقود إلى استبدال الحمض الأميني الفالين (Val) بالميثيونين (Met) عند الكودون 66 في المنطقة الطليعية لبروتين proBDNF.
على الرغم من أن هذا التحور لا يغير في البنية النهائية للشكل الناضج من بروتين BDNF، إلا أنه يعطل بشكل جذري عملية فرز البروتين وتوجيهه داخل الخلية العصبية؛ حيث يؤدي وجود الأليل الميت يشمل (Met Allele) إلى حرمان البروتين من الانتقال بكفاءة إلى الحويصلات الإفرازية المعتمدة على النشاط الكهربائي عند نهايات التغصنات ونقاط الاشتباك العصبي، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في إفرازه المستحث بالنشاط العصبي بنسبة تصل إلى 30-40%. يتوزع هذا النمط الجيني بنسب متباينة بين الشعوب، حيث يحمله قرابة 20-30% من الأفراد ذوي الأصول القوقازية، بينما ترتفع النسبة لتصل إلى نحو 40-50% لدى السكان في شرق آسيا.
يرتبط حمل أليل Met بمجموعة من التداعيات الظاهرية والمعرفية الموثقة جيداً في الأدبيات النفسية، ومنها:
- صغر حجم الحصين: أظهرت دراسات الرنين المغناطيسي البنيوي (MRI) تراجعاً واضحاً في حجم المادة الرمادية في الحصين وقشرة الفص الجبهي لدى حاملي أليل Met مقارنة بحاملي النمط الجيني المتماثل الفالين (Val/Val).
- اضطراب الذاكرة التقريرية: يظهر حاملو الأليل Met أداءً أقل كفاءة في اختبارات الذاكرة المكانية والذاكرة العرضية المعتمدة على الحصين.
- الحساسية للاضطرابات النفسية: يرفع هذا الأليل من القابلية للإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب عند التفاعل مع صدمات الحياة (Gene-by-Environment Interaction)، كما يرتبط بضعف الاستجابة لبعض مضادات الاكتئاب التقليدية وتأخر التعافي المعرفي بعد الإصابات الدماغية.
المؤشرات الحيوية المحيطية والتدخلات المعززة لـ BDNF
نظراً لصعوبة قياس مستويات BDNF في الدماغ الحي للإنسان بطرق غير جراحية، ركزت الأبحاث الإكلينيكية على قياس مستوياته في الدم المحيطي، سواء في المصل أو البلازما أو داخل الصفائح الدموية التي تخزن كميات هائلة من هذا البروتين وتحرره عند التنشيط. تشير الأدلة التراكمية إلى أن مستويات BDNF في الدم تعكس إلى حد معقول النشاط الدماغي؛ إذ يتمتع البروتين بقدرة جزئية على عبور الحاجز الدموي الدماغي في كلا الاتجاهين. وقد تم التحقق من انخفاض مستويات BDNF في الدم كمؤشر حيوي تشخيصي واعد لشدة نوبة الاكتئاب، ومؤشر تنبؤي لمدى الاستجابة لمضادات الاكتئاب والعلاج بالتخليج الكهربائي (ECT) والعلاج بالتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS).
لم تتوقف الأبحاث عند حدود العلاجات الدوائية، بل أثبتت التدخلات غير الدوائية القائمة على تعديل نمط الحياة كفاءة استثنائية في رفع مستويات BDNF وتعزيز اللدونة الدماغية. تأتي التمارين الرياضية الهوائية (Aerobic Exercise) في مقدمة هذه التدخلات؛ حيث يؤدي الجهد البدني إلى إفراز العضلات لهرمون الإيريسين (Irisin) ومادة البيتا-هيدروكسي بيوتيرات (β-hydroxybutyrate) الناتجة عن الكبد، واللذان يعبران إلى الدماغ ويعملان كإشارات قوية تحفز تعبير BDNF في الحصين، مما يفسر التحسن المعرفي والمزاجي الملحوظ المصاحب للرياضة المنتظمة.
تشمل العوامل الأخرى المعززة لتخليق BDNF تقييد السعرات الحرارية والصيام المتقطع، واللذين يفرضان إجهاداً خلوياً إيجابياً منخفض الشدة يرفع من كفاءة الميتوكوندريا وينشط التغذيات العصبية. كما يسهم التعرض لبيئات غنية معرفياً واجتماعياً والحصول على نوم عميق وكافٍ في حماية مسارات إشارات BDNF من التدهور، مما يجعله المحور المشترك الذي تتلاقى عنده العلاجات البيولوجية والتدخلات النفسية والسلوكية الرامية إلى تعزيز المرونة النفسية وصحة الدماغ.
خاتمة
يعد عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ (BDNF) جسراً جزيئياً فائق الأهمية يربط بين التجارب البيئية النفسية والوظائف البيولوجية العصبية في الدماغ البشري. بدءاً من تنظيمه الدقيق للبقاء والتمايز الخلوي عبر مسارات TrkB وp75NTR المتوازنة، وصولاً إلى دوره المحوري في تشكيل نقاط الاشتباك العصبي وصيانة اللدونة في مناطق التعلم والذاكرة، يثبت هذا البروتين أن النسيج العصبي ليس كياناً صلباً ثابتاً بل بنية ديناميكية قابلة لإعادة التشكيل والتجدد المستمر. إن فهم الآليات التي يتحكم من خلالها BDNF في الاستجابة للاكتئاب والضغوط النفسية المزمنة، وتأثره بالتعديلات الجينية والوراثية الفوقية، يفتح آفاقاً طبية واعدة لا تقتصر على تطوير أدوية جديدة أكثر فاعلية، بل تؤكد أيضاً على القوة العلاجية للتدخلات النفسية وتغييرات نمط الحياة في استعادة التوازن الكيميائي والوظيفي للدماغ البشري.
المراجع
- Barde, Y. A., Edgar, D., & Thoenen, H. (1982). Purification of a new neurotrophic factor from mammalian brain. The EMBO Journal, 1(5), 549–553. https://doi.org/10.1002/j.1460-2075.1982.tb01207.x
- Castrén, E., & Monteggia, L. M. (2017). Brain-Derived Neurotrophic Factor signaling in depression and antidepressant action. Biological Psychiatry, 82(8), 566–574. https://doi.org/10.1016/j.biopsych.2017.05.014
- Duman, R. S., & Monteggia, L. M. (2006). A neurotrophic model for stress-related mood disorders. Biological Psychiatry, 59(12), 1116–1127. https://doi.org/10.1016/j.biopsych.2006.02.013
- Egan, M. F., Kojima, M., Callicott, J. H., Goldberg, T. E., Kolachana, B. S., Bertolino, A., Zaitsev, E., Gold, B., Goldman, D., Dean, M., Lu, B., & Weinberger, D. R. (2003). The BDNF val66met polymorphism affects activity-dependent secretion of BDNF and human memory and hippocampal function. Cell, 112(2), 257–269. https://doi.org/10.1016/s0092-8674(03)00035-7
- Lu, B., Nagappan, G., & Lu, Y. (2014). BDNF and synaptic plasticity, cognitive function, and dysfunction. Handb Exp Pharmacol, 220, 223–250. https://doi.org/10.1007/978-3-642-45106-5_9
- Martinowich, K., Manji, H., & Lu, B. (2007). New insights into BDNF function in depression and anxiety. Nature Neuroscience, 10(9), 1089–1093. https://doi.org/10.1038/nn1971
- Park, H., & Poo, M. M. (2013). Neurotrophin regulation of neural circuit development and function. Nature Reviews Neuroscience, 14(1), 7–23. https://doi.org/10.1038/nrn3379
- Tsankova, N. M., Berton, O., Renthal, W., Kumar, A., Neve, R. L., & Nestler, E. J. (2006). Sustained hippocampal chromatin regulation in a mouse model of depression and antidepressant action. Nature Neuroscience, 9(4), 519–525. https://doi.org/10.1038/nn1659