الاضطرابات النفسية الجلديةالطب النفسي الجسديعلم النفس السريري

البرام (Bromosis): الأبعاد الفسيولوجية والطبية النفسية لرائحة الجسم الكريهة

البرام (Bromosis) هو اضطراب جلدي ونفسي يتجلى في انبعاث رائحة عرق كريهة أو الاعتقاد المرضي بوجودها، ويرتبط بمتلازمة المرجع الشمي، واضطرابات القلق، وجودة الحياة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل مفهوم البرام (Bromosis أو ما يُعرف طبياً بـ Bromhidrosis) تقاطعاً فريداً وحرجاً بين طب الجلد والطب النفسي، حيث تتداخل فيه العمليات الفسيولوجية العرقية مع البنى النفسية المعقدة المتعلقة بإدراك الذات وصورة الجسد. يُعرف البرام من الناحية الحيوية بأنه إفراز عرق ذي رائحة كريهة وغير طبيعية ناجمة عن تفكك المكونات العضوية بواسطة الفلورا البكتيرية السطحية، إلا أن ارتداداته تتجاوز حدود الظاهرة الجلدية المجردة لتلامس أعمق المخاوف الاجتماعية والاضطرابات الوجدانية والوسواسية. يقدم هذا الدخول المعجمي تفكيكاً أكاديمياً شاملاً لظاهرة البرام، مبيناً خصائصها الفسيولوجية، ومساراتها الإمراضية، وتداخلاتها السيكودرماتولوجية العميقة مع متلازمة المرجع الشمي، واضطرابات القلق الاجتماعي.

مدخل تعريفي ومفاهيمي: ما هو البرام؟

يُشتق مصطلح البرام من الجذر اليوناني brômos، والذي يعني الرائحة الكريهة أو النتن، ويُستخدم تاريخياً في الأدبيات الطبية للدلالة على الحالة التي تنبعث فيها رائحة منفرة من سطح جلد الإنسان نتيجة تفاعلات كيميائية حيوية تؤثر في الإفرازات العرقية. في المعاجم الطبية المعاصرة، يُصنف البرام ضمن اضطرابات الغدد العرقية، مع التمييز الدقيق بين البرام المفترز (Apocrine Bromhidrosis) والبرام الناتح (Eccrine Bromhidrosis). ينشأ الأول أساساً في مناطق الإبطين والعجان بعد سن البلوغ، حيث تحتوي الإفرازات المفترزة على دهون وبروتينات خصبة لتحلل البكتيريا، في حين يحدث الثاني عندما يؤدي تليين الطبقة القرنية بالرطوبة الناتحة إلى زيادة نشاط البكتيريا المحللة للكيراتين.

من المنظور النفسي التحليلي والمعرفي، لا يُنظر إلى البرام بوصفه مجرد خلل في كيمياء الجلد، بل بوصفه مثيراً حسياً يحمل شحنة رمزية واجتماعية ثقيلة. ترتبط الرائحة ارتباطاً وثيقاً بالجهاز الحوفي في الدماغ المسؤول عن العواطف العميقة والذاكرة والانفعالات الأساسية كالاشمئزاز والنفور. من هنا، يصبح انبعاث الرائحة، أو حتى الخوف الوهمي من انبعاثها، بؤرة لتشكل أنماط سلوكية دفاعية شديدة التعقيد، مما يولد دائرة مفرغة تتغذى فيها الاستجابات الفسيولوجية والاضطرابات الانفعالية بشكل متبادل.

يقتضي التناول الأكاديمي لهذه الظاهرة الفصل بين مستويين متمايزين: البرام الموضوعي القابل للقياس والتحقق الحسي المخبري، والبرام الذاتي أو النفسي الذي يعاني فيه الفرد من وطأة قناعة راسخة بانبعاث رائحة كريهة منه دون أي تأكيد سريري أو شمي موضوعي. هذا التمايز يفرض على الباحثين والممارسين في ميدان علم النفس السريري والطب النفسي الجسدي اعتماد مقاربة تكاملية تراعي الفسيولوجيا العضوية والبناء المعرفي-الانفعالي للمريض على حد سواء.

الجذور التاريخية والتطور الفكري للمفهوم في الطب النفسي والجسدي

تعود الإشارات الأولى إلى الاضطرابات المرتبطة برائحة الجسد إلى العصور القديمة، حيث وثقت النصوص الطبية الإغريقية والهندية والصينية القديمة وصفات علاجية متعددة للتخلص من روائح الإبطين والجسد، وربطت بينها وبين توازن الأخلاط وسلامة الروح. ومع انبثاق الطب الحديث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تحول الاهتمام نحو دراسة التركيب الكيميائي للإفرازات الغدية ودور الكائنات الحية الدقيقة التي حددها لويس باستور وعلماء الأحياء المجهرية اللاحقون، مما وضع الأساس الفسيولوجي الميكروبي لفهم البرام العضوي.

على الصعيد النفسي، بدأ التحول البارز في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين مع أبحاث الأطباء النفسيين الرواد. فقد وصف الطبيب النفسي الفرنسي هنري هيليه (Henri Huchard) حالات الخوف المرضي من روائح الجسد، وتبعه إميل كريبيلين حين أدرج الهواجس المتعلقة برائحة البدن ضمن اضطرابات التوهم ذات الطابع الجسدي. وقد تكرس التوصيف الأكاديمي الدقيق للجانب النفسي لهذه الظاهرة عام 1971 على يد الطبيب النفسي وليام برايس-فيليبس (William Pryse-Phillips)، الذي صاغ مصطلح متلازمة المرجع الشمي (Olfactory Reference Syndrome)، واصفاً إياها بأنها حالة من الانشغال المرضي التام برائحة جسدية مزعومة يعتقد المريض أنها تنفر الآخرين منه.

في الثقافات غير الغربية، ولا سيما في الثقافة اليابانية ودول شرق آسيا، تطور مفهوم موازٍ شديد الأهمية يُعرف بـ Jikoshu-kyofu، وهو نمط فرعي من تايجين كيوفوشو (Taijin Kyofusho). يتمحور هذا الاضطراب المحدد ثقافياً حول الخوف المرضي المشل من إيذاء الآخرين أو التسبب في نفورهم وإحراجهم بسبب رائحة الجسد السيئة المنبعثة من الذات. يعكس هذا التأصيل التاريخي والثقافي حقيقة أن البرام، سواء كان ملموساً أو متخيلاً، يرتبط على الدوام بالمحددات المعيارية للجماعة ونظم القبول الاجتماعي.

الأساس الفسيولوجي والإمراضية العضوية

تتمركز الإمراضية العضوية لظاهرة البرام في التفاعل المعقد بين إفرازات الغدد العرقية والفلورا الميكروبية المستوطنة لسطح الجلد. تُنتج الغدد المفترزة (Apocrine) عرَقاً معقماً لا رائحة له في الأصل، يتألف من بروتينات وسكريات وشحوم ومركبات ستيرويدية. ومع وصول هذه المكونات إلى سطح البشرة، تباشر بكتيريا الجلد الإيجابية لصبغة غرام، وتحديداً جنس الوتديات (Corynebacterium) والمكورات العنقودية (Staphylococcus)، عمليات تفكيك إنزيمية للأحماض الأمينية والأحماض الدهنية غير المشبعة.

ينتج عن هذه التفاعلات الاستقلابية إطلاق مركبات عضوية متطايرة مسؤولة عن الرائحة المنفرة، من أبرزها حمض 3-ميثيل-2-هكسينويك (3M2H)، وحمض الإيزوفاليريك، ومركبات الثيول الكبريتية شديدة النفاذية. يلعب الإنزيم البكتيري المعروف بناقلة الأسيل-N دوراً حاسماً في إطلاق هذه المركبات ذات الرائحة المميزة. تتأثر هذه العملية بعدة متغيرات بيولوجية وبيئية تشمل الرقم الهيدروجيني للجلد (pH)، ومعدل التبخر السطحي، والنظام الغذائي للفرد، والاستعداد الجيني الذي يتحكم في نشاط الجين الناقل ABCC11، المسؤول عن تحديد كثافة الإفراز المفترز وتمايز طبيعة شمع الأذن ورائحة الإبط بين المجموعات العرقية المختلفة.

تجدر الإشارة إلى أن نشاط الجهاز العصبي المستقل، ولا سيما الجهاز العصبي الودي، يؤدي وظيفة محورية في تحفيز هذه الغدد. في حالات الانفعال النفسي الشديد والتوتر والهلع، يفرز الجسم كميات متزايدة من الكاتيكولامينات، مما يسرع عملية التعرق العصبي المفترز. هذا التفاعل يوضح بجلاء كيف يمكن للحالة النفسية المضطربة أن تغير كيمياء الجلد الآنية، فتزيد من احتمالية ظهور البرام العضوي الحقيقي، مؤسسةً مساراً فيزيولوجياً نفسياً متداخلاً.

الأبعاد النفسية والجسدية النفسية (السيكوسوماتية)

يمثل البرام نموذجاً مثالياً للتفاعل في محور الجلد-الدماغ (Brain-Skin Axis)، حيث تتبادل المسارات العصبية الحيوية التأثير مع النظم المناعية والغدية الصماء. عندما يعاني المريض من إجهاد نفسي مزمن، يفرز محور الغدة النخامية-الكظرية (HPA Axis) هرمونات التوتر مثل الكورتيزول وهرمون إفراز موجهات القشرة (CRH). تحفز هذه الهرمونات بدورها إنتاج السيتوكينات الالتهابية وتغير من إفرازات الغدد الدهنية والعرقية، فضلاً عن تأثيرها على التنوع الميكروبي لفلورا الجلد، مما يفاقم من حدة الرائحة الصادرة.

من الناحية السيكوسوماتية العكسية، تفرز تجربة البرام صدمة مستمرة لصورة الجسد (Body Image). يُنظر إلى الرائحة في العديد من السياقات الاجتماعية على أنها دليل على الإهمال الذاتي، أو التدني الأخلاقي، أو غياب النظافة الشخصية. هذا الوصم الاجتماعي الضمني يولد مشاعر حادة من العار الجسدي الذاتي (Body Shame) والخزي والاشمئزاز الموجه نحو الذات. يستبطن الفرد هذه المشاعر السلبية، فيبدأ في مراقبة وظائف بدنه بمستويات مفرطة من اليقظة الحسية، مما يرفع بدوره استثارة جهازه العصبي الودي ويضاعف من وتيرة التعرق، مؤكداً للفرد مخاوفه الأولية في حلقة مفرغة.

علاوة على ذلك، يتقاطع البرام مع مفهوم التعبير الجسدي عن المعاناة النفسية؛ إذ قد تشكل الشكوى المستمرة من رائحة البدن قناعاً لصرعات غير واعية تتعلق بالانفصال، أو الخوف من التقارب الحميم، أو التدني الشديد في اعتبار الذات. في هذا الإطار، تتحول الرائحة المنفرة إلى جدار عازل يبنيه اللاوعي للحفاظ على مسافة أمان تفصل بين الفرد ومحيطه الاجتماعي المهدد، مما يجنبه خوض تجارب تقييمية قد تُسفر عن الرفض العاطفي أو الفشل العلائقي.

الاعتلالات النفسية المرتبطة: متلازمة المرجع الشمي واضطرابات القلق

عند دراسة البرام في السياق النفسي، يبرز التمييز الحاسم بين الرائحة كعرض موضوعي وبين الاعتقاد المرضي بوجودها. يندرج الاعتقاد الخاطئ بانبعاث رائحة كريهة من الجسد تحت مظلة تشخيصية تعرف في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) بمتلازمة المرجع الشمي (Olfactory Reference Syndrome – ORS)، والتي أُدرجت غالباً ضمن طيف الوسواس القهري والاضطرابات ذات الصلة، أو كأحد مظاهر الاضطراب التوهمي من النمط الجسدي (Delusional Disorder, Somatic Type).

يعاني المرضى المصابون بمتلازمة المرجع الشمي من انشغال عقلي منهك بفكرة أنهم يصدرون رائحة نتنة (كالعرق المتعفن، أو البراز، أو البول، أو المواد الكيميائية). يفسر هؤلاء المرضى سلوكيات المحيطين البريئة تفسيراً مرجعياً إسقاطياً؛ ففتح أحدهم للنافذة، أو حك أنفه، أو الابتعاد خطوة للوراء، يُعد في نظرهم دليلاً قاطعاً على اشمئزاز الآخرين من رائحتهم. يولد هذا التفسير المشوه ضيقاً نفسياً داهماً يتطور في كثير من الحالات إلى اضطراب القلق الاجتماعي الشديد والرهاب من التجمعات العامة.

يرتبط البرام أيضاً بنمط السلوك القهري، حيث ينخرط الأفراد في طقوس تنظيف مفرطة وضارة في آن واحد. يشتمل ذلك على:

  • الاستحمام المتكرر لعشرات المرات يومياً باستخدام مواد كيميائية ومطهرات كاشطة تلحق الضرر بالحاجز الجلدي وتزيد من التهابه.
  • تبديل الملابس بصفة مستمرة وحمل أطقم بديلة وعطور نفاذة في كل مكان لإخفاء الرائحة المتصورة.
  • تطبيق استراتيجيات تجنب قهقرية تتضمن الصمت المطبق، أو حبس الأنفاس، أو الجلوس بالقرب من منافذ التهوية.
  • فحص الرائحة المستمر عبر شم الإبطين أو الملابس أو استنطاق المقربين بصورة إلحاحية طلباً للتطمين (Reassurance Seeking).

المعايير التشخيصية والتقييم السريري النفسي والجلدي

يتطلب التقييم السريري الشامل لظاهرة البرام نهجاً ثنائي المسار يجمع بين طبيب الأمراض الجلدية والمعالج النفسي أو الطبيب النفسي. يبدأ التقييم الجلدي بأخذ سيرة مرضية دقيقة تشمل العادات الغذائية، واستخدام الأدوية التي قد تفرز مستقلبات كريهة (مثل بعض مضادات الاكتئاب أو المكملات)، والتاريخ العائلي. يُجرى فحص سريري لمناطق الثنايا الجلدية لاستبعاد الالتهابات الفطرية المرافقة (كالوذح Erythrasma) أو داء الذئبة المتقيحة، مع إمكانية استخدام مصباح وود (Wood’s lamp) للكشف عن مستعمرات الوتديات، واختبارات قياس شدة التعرق مثل اختبار اليود والنشا (Minor test).

من الناحية النفسية، يرتكز التشخيص الفارق على تحديد درجة البصيرة (Insight) لدى المريض؛ هل يعاني من انشغال مفرط مع الاحتفاظ بالقدرة على الشك في صحة اعتقاده (فكرة مفرطة القيمة Overvalued Idea)، أم أن الاعتقاد وصل إلى مستوى اليقين الراسخ غير القابل للتعديل بالبراهين المنطقية، مما يشير إلى ضلالة جسدية صريحة. تُستخدم في هذا السياق مقاييس إكلينيكية متخصصة مثل مقياس ييل-براون للوسواس القهري المعدل لمتلازمة المرجع الشمي (ORS-YBOCS)، ومقاييس جودة الحياة الجلدية (DLQI) لقياس حجم الإعاقة الوظيفية الناتجة عن الحالة.

ينبغي كذلك إجراء تشخيص تفريقي واسع لاستبعاد المتلازمات الأيضية النادرة التي تسبب انبعاث روائح حقيقية غير طبيعية، مثل متلازمة رائحة السمك (ثلاثي ميثيل أمين يوريا Trimethylaminuria)، وداء بول شراب القيقب، واختلالات الوظائف الكبدية والكلوية المتقدمة، فضلاً عن استبعاد الهلاوس الشمية الناتجة عن آفات عصبية في الفص الصدغي أو نوبات الصرع الجزئي.

الأثر النفسي الاجتماعي وجودة الحياة

تعد تداعيات البرام على جودة حياة الأفراد تداعيات هدامة إذا لم تُعالج في الوقت المناسب. تؤدي الوصمة الذاتية الناتجة عن الخوف من انبعاث الرائحة إلى التراجع التدريجي عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والمهنية. يتخلى العديد من المرضى عن وظائفهم، أو يرفضون الترقيات التي تفرض عليهم الاحتكاك المباشر بالجمهور أو العمل في مكاتب مفتوحة، مفضلين العزلة التامة والعمل المنزلي، مما يتسبب في أزمات اقتصادية واعتمادية مالية مدمرة.

على الصعيد العاطفي والعلاقات الشخصية، يدمر البرام قدرة الفرد على بناء الروابط الحميمية. يخشى المصاب الاقتراب الجسدي من الشريك، ويتجنب ممارسة الرياضة أو أي نشاط يؤدي إلى التعرق، مما يولد بروداً علائقياً ويزيد من مشاعر الاغتراب والوحدة. تشير الدراسات السريرية إلى أن معدلات الإصابة باضطراب الاكتئاب الجسيم لدى المصابين بمتلازمة المرجع الشمي والبرام النفسي تتجاوز نظيراتها في عموم السكان، وتترافق مع معدلات مقلقة من الأفكار والسلوكيات الانتحارية كوسيلة للهروب من العار المستمر وتشويه الذات.

تؤثر هذه الدوامة العاطفية تأثيراً مباشراً في الهوية الشخصية للمريض؛ حيث يُختزل الكيان الإنساني بأسره في صورة “مصدر للرائحة المنتنة”. هذا التماهي السلبي يقود إلى تآكل الثقة بالنفس، وتبدد الإحساس بالأمان الوجودي، وظهور استجابات تفككية خفيفة يعيش فيها الفرد حالة من الانفصال عن بدنه الذي بات يعتبره عدواً ومصدراً دائماً للخزي العلني.

المقاربات العلاجية متعددة التخصصات: من الطب الجلدي إلى العلاج النفسي

نظراً للطبيعة الهجينة للبرام، فإن النموذج العلاجي الأكثر نجاحاً هو النموذج التكاملي متعدد التخصصات الذي يدمج بين التدخلات الجلدية البيولوجية والعلاجات النفسية المعرفية والدوائية، وفق ما يقتضيه التشخيص الفارق الدقيق لكل حالة سريرية.

التدخلات الطبية والجلدية

في الحالات التي يثبت فيها وجود برام عضوي موضوعي، تهدف التدخلات الأولية إلى خفض التعداد البكتيري السطحي وتقليل كمية الإفرازات العرقية المفترزة والناتحة. يتضمن ذلك استخدام الغسولات المطهرة الموضعية كمركبات كلورهيكسيدين أو صابون البنزويل بيروكسايد، والمضادات الحيوية الموضعية مثل الكليندامايسين والإريثروميسين للقضاء على مستعمرات الوتديات المحللة للعرق.

تشمل الخطوات المتقدمة استخدام مضادات التعرق الحاوية على كلوريد الألومنيوم بتركيزات عالية لإغلاق القنوات العرقية. وفي الحالات المعندة، يمثل الحقن الموضعي بذيفان الوشيقية (البوتوكس – Botulinum toxin) خياراً فائق الفعالية؛ إذ يثبط إطلاق الأسيتيل كولين من النهايات العصبية الودية المغذية للغدد، مما يوقف إنتاج العرق لأشهر متعددة. وتتاح أيضاً تقنيات الطاقة الميكروية (مثل أجهزة miraDry) لإتلاف الغدد العرقية والمفترزة حرارياً بشكل دائم، إضافة إلى الحلول الجراحية الملاذ الأخير كقطع الودي الصدري بالمنظار (Endoscopic Thoracic Sympathectomy).

المقاربات الدوائية النفسية

تكتسب التدخلات الدوائية النفسية أهمية قصوى في حالات البرام النفسي غير العضوي، أو عندما يرافق البرام العضوي اكتئاب وقلق معوقان. تستجيب متلازمة المرجع الشمي وأعراض القلق الترقبي للجرعات العالية من مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) مثل السيرترالين، والباروكستين، والفلوفوكسامين، والتي تسهم في تخفيف حدة الأفكار الوسواسية والاندفاعات القهرية المتعلقة بالنظافة.

في الحالات التي يتخذ فيها الانشغال طابعاً ضلالياً راسخاً، يصبح استخدام مضادات الذهان غير النمطية (Atypical Antipsychotics) بجرعات منخفضة إلى متوسطة، مثل الأريبيبرازول أو الأولانزابين أو الريسبيريدون، أمراً لا غنى عنه، إما بمفردها أو كعلاج مدعم لمثبطات السيروتونين. يسهم هذا التدخل في تليين الأفكار المرجعية الراسخة وتمكين المريض من الانخراط في العلاج النفسي الكلامي.

العلاج النفسي المعرفي السلوكي

يعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، وتحديداً تقنية التعرض ومنع الاستجابة (Exposure and Response Prevention – ERP)، المعيار الذهبي للتعامل مع هذا الاضطراب. يركز المعالج على مساعدة المريض على تحدي التشوهات المعرفية المرجعية وقراءة أفكار الآخرين، مع تشجيعه على خفض طقوس التنظيف القهرية وفترات الاستحمام تدريجياً.

يتضمن بروتوكول التعرض توجيه المريض للانخراط في مواقف اجتماعية يخشاها (مثل ارتياد الأماكن العامة، أو استخدام وسائل النقل المزدحمة، أو الاقتراب من زملاء العمل) دون اللجوء إلى استخدام السلوكيات الأمنية المعطلة كالإفراط في وضع العطور أو ارتداء طبقات إضافية من الملابس. يهدف هذا التعرض المتكرر إلى إحداث عملية انطفاء تدريجي للقلق واستعادة التكيف الطبيعي، إلى جانب استخدام تقنيات القبول والالتزام (ACT) لتعزيز قبول المريض لإشارات جسده الحيوية وإعادة توجيه طاقته نحو قيمه الحياتية الأصيلة.

خاتمة وتطلعات بحثية مستقبلية

يظل البرام نموذجاً سريرياً معقداً يوضح بصورة جلية استحالة الفصل التعسفي بين الجسد والذهن في الممارسة الطبية الحديثة. إن النجاح في علاج حالات البرام، بجوانبها البيولوجية والوجدانية، يعتمد أساساً على كسر حاجز الصمت والوصمة وتكوين تحالفات علاجية تجمع بين أطباء الجلد والمعالجين النفسيين. تتطلع البحوث المستقبلية إلى تعميق الفهم الجيني للميكروبيوم الجلدي وعلاقته بالنواقل العصبية المركزية، فضلاً عن تطوير أدوات تشخيصية موحدة وبروتوكولات علاجية نفسية نوعية تعيد للمرضى توازنهم الفسيولوجي وكرامتهم الوجودية وجودة حياتهم الإنسانية.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
  • Begon, E. (2014). Bromhidrose: diagnostic et prise en charge. Annales de Dermatologie et de Vénéréologie, 141(11), 713-718. https://doi.org/10.1016/j.annder.2014.07.007
  • Feusner, J. D., Phillips, K. A., & Stein, D. J. (2010). Olfactory reference syndrome: Issues for DSM-V. Depression and Anxiety, 27(6), 592-599. https://doi.org/10.1002/da.20688
  • Kanlayavattanakul, M., & Lourith, N. (2011). Body malodours and their topical treatments: A review. International Journal of Cosmetic Science, 33(4), 298-311. https://doi.org/10.1111/j.1468-2494.2011.00649.x
  • Phillips, K. A., & Menard, W. (2011). Olfactory reference syndrome: Demographic and clinical features of 200 subjects. The Journal of Clinical Psychiatry, 72(4), 506-515. https://doi.org/10.4088/JCP.09m05680gry
  • Pryse-Phillips, W. (1971). An olfactory reference syndrome. Acta Psychiatrica Scandinavica, 47(4), 484-509. https://doi.org/10.1111/j.1600-0447.1971.tb03708.x
  • Semiz, U. B., Basoglu, C., Cetin, M., Ebrinc, S., Uzun, O., & Ergun, B. (2003). Body dysmorphic disorder in patients with bromhidrosis: A controlled study. The Journal of Dermatology, 30(8), 593-597. https://doi.org/10.1111/j.1346-8138.2003.tb00440.x

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). البرام (Bromosis): الأبعاد الفسيولوجية والطبية النفسية لرائحة الجسم الكريهة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/bromosis-ar/
looti, Mohammed. “البرام (Bromosis): الأبعاد الفسيولوجية والطبية النفسية لرائحة الجسم الكريهة.” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/bromosis-ar/.
looti, Mohammed. “البرام (Bromosis): الأبعاد الفسيولوجية والطبية النفسية لرائحة الجسم الكريهة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/bromosis-ar/.