تشريح الجهاز العصبيعلم النفس العصبي

الثلم الثفني: البنية التشريحية، الخصائص الوظيفية، والارتباطات العصبية النفسية

استكشف دليلاً شاملاً حول الثلم الثفني (Callosal Sulcus) من الناحية التشريحية والعصبية والنفسية، مع تفصيل بنيته، وظائفه الإدراكية، ودلالاته السريرية في علم النفس العصبي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل الثلم الثفني (Callosal Sulcus) أحد المعالم التشريحية العميقة والمحورية في الدماغ البشري، حيث يفصل بدقة متناهية بين الجسم الثفني والتلفيف الحزامي في الوجه الإنسي لنصفي الكرة المخية. يكتسب هذا الأخدود العصبي أهمية بالغة في أبحاث علم النفس العصبي والعلوم العصبية الإدراكية، لكونه يشكل ممرًا حيويًا للأوعية الدموية ويجاور بنيات دماغية تلعب أدوارًا جوهرية في تنظيم العواطف ومعالجة الألم والتحكم التنفيذي. إن دراسة هذا المعلم التشريحي لا تقتصر على الجانب المورفولوجي فحسب، بل تمتد لتلقي الضوء على تطور الدماغ البشري واعتلالاته المعقدة.

مقدمة وتعريف عام: ماهية الثلم الثفني وأهميته الطبوغرافية

يُعرف الثلم الثفني في علم التشريح العصبي بأنه الشق أو الأخدود الطولي الواقع على السطح الإنسي لكل نصف كرة مخية، ممتدًا على طول السطح المحدب العلوي للجسم الثفني. يفصل هذا الثلم تشريحيًا بين الوجه العلوي لألياف الجسم الثفني البيضاء وبين الرمادي القشري التابع للتلفيف الحزامي (Cingulate Gyrus)، الذي يُعد جزءًا لا يتجزأ من الجهاز الحوفي. يبدأ الثلم الثفني من الناحية الأمامية عند المنقار الثفني وتحت الركبة، ويلتف صعودًا ليتماشى مع انحناء جذع الجسم الثفني، ثم ينحني خلفيًا وأسفل القبيعة (Splenium) ليندمج بسلاسة مع ثلم حصين البحر (Hippocampal Sulcus).

تكمن الأهمية الطبوغرافية لهذا الثلم في كونه علامة مرجعية ثابتة في الدراسات التشريحية وتخطيط العمليات الجراحية العصبية، ولا سيما جراحات الأورام والتشوهات الوعائية الدماغية العميقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن موقعه الاستراتيجي يجعله مأوى طبيعيًا للشريان المحيط بالثفني (Pericallosal Artery)، وهو أحد الفروع الرئيسية للشريان المخي الأمامي، مما يعزز من أهميته كحيز وعائي عصبي أساسي لنقل التروية إلى الفصوص الجبهية والجدارية والإنسية. إن فهم هندسة هذا الثلم يوفر للعلماء أرضية صلبة لتحديد حدود الهياكل القشرية الحوفية وتمييزها عن الصوار الليفي الرئيسي الذي يربط نصفي الدماغ.

من الناحية النفسية والسلوكية، يمثل جوار الثلم الثفني للتلفيف الحزامي صلة وصل بين مسارات الاتصال البين-نصف كروية ومراكز اتخاذ القرار، والدافعية، والمعالجة الوجدانية. فالقشرة الحزامية المحيطة بهذا الثلم تُعنى بمراقبة الصراعات المعرفية، واستشعار الألم، ودمج المدخلات الحسية مع الاستجابات الحركية العاطفية، مما يجعل الثلم الثفني بمثابة نقطة التقاء بنيوية تجمع بين الأسلاك العصبية الرابطة والمراكز القشرية المنظمة للحياة النفسية الواعية.

التطور الجنيني والنشأة التكوينية للثلم الثفني

يبدأ التطور الجنيني للثلم الثفني بالتوازي مع نشأة وتنامي الجسم الثفني أثناء المراحل المتقدمة من الحمل، ولا سيما بين الأسبوعين الحادي عشر والعشرين من التطور الجنيني. تنشأ ألياف الجسم الثفني من الصفيحة المفوضية (Commissural Plate)، وتبدأ في العبور بين نصفي الكرة المخية الناميين، الأمر الذي يفرض تغيرات مورفولوجية عميقة على الوجه الإنسي للحويصلة الدماغية الانتهائية. ونتيجة لنمو وتضخم هذه الحزمة الصوارية العملاقة، تنثني القشرة المخية المجاورة تدريجيًا لتشكل التلفيف الحزامي، مما يخلق بدوره الأخدود المميز المعروف بالثلم الثفني.

يتأثر تشكل الثلم الثفني بالهجرة الخلوية العصبية الدقيقة وتمايز الطبقات القشرية التي تحدث تحت إشراف جزيئات توجيه المحاور العصبية وإشارات النمو الكيميائية. تتطلب هذه العملية تناغمًا جينيًا وجزيئيًا دقيقًا؛ إذ إن أي اضطراب يمس هجرة الخلايا أو توجيه المحاور عبر الخط الناصف قد يؤدي إلى غياب كامل أو جزئي للجسم الثفني (Agenesis of the Corpus Callosum). وفي مثل هذه الحالات الشاذة، يفشل الثلم الثفني في التشكل بصورته المعتادة، حيث تتخذ التلافيف القشرية على الوجه الإنسي نمطًا شعاعيًا شاذًا يمتد مباشرة نحو البطين الثالث بدلاً من التوازي الطولي الكلاسيكي.

تستمر عملية نضج الثلم الثفني والهياكل المحيطة به بعد الولادة وطوال مراحل الطفولة المبكرة والمراهقة، وذلك بالتزامن مع استمرار غمدنة (Myelination) ألياف الجسم الثفني ونمو التشعبات العصبية في التلفيف الحزامي. يعكس هذا النضج التدريجي التطور المتسارع للوظائف التنفيذية والتكامل الحسي الحركي لدى الطفل، حيث يُظهر التصوير العصبي بالرنين المغناطيسي تزايدًا في عمق وتمايز الثلم الثفني بمرور الوقت، مما يعكس ترسخ الشبكات العصبية الوظيفية التي تدعم التفاعل السلوكي والمعرفي المعقد للإنسان مع بيئته.

التشريح الوصفي والعلاقات الطبوغرافية الدقيقة

يمتد الثلم الثفني كشق مقوس يتبع بدقة انحناءات الجسم الثفني، ويمكن تقسيمه وظيفيًا وطبوغرافيًا إلى أجزاء رئيسية: الجزء الأمامي أو تحت الركبي، والجزء الأوسط أو الجذعي، والجزء الخلفي أو القبيعي. يبدأ الجزء الأمامي أسفل منقار الجسم الثفني (Rostrum) بالقرب من الصفيحة الانتهائية والباحة تحت الثفنية، ثم يصعد محيطًا بركبة الجسم الثفني (Genu). في هذا الموضع، يتجاور الثلم مع التلفيف الحزامي الأمامي (Anterior Cingulate Gyrus)، وهو موقع ذو كثافة اتصالية فائقة يرتبط بمراكز الانتباه الانتقائي والتنظيم الانفعالي الداخلي.

يمتد الجزء الأوسط على طول جسم أو جذع الجسم الثفني (Trunk or Body)، ويكون في هذا المسار أفقيًا وشديد الوضوح، حيث يفصل بين ألياف الصوار الثفني العريضة والقشرة الحزامية المتوسطة المسؤولة عن معالجة الاستجابات الحركية الموجهة نحو الأهداف. وفي نهايته الخلفية، يلتف الثلم حول قبيعة الجسم الثفني (Splenium)، متضيقًا بصورة ملحوظة قبل أن يندمج مع تفرعات الشق الحصيني، ليفصل القبيعة عن التلفيف الحزامي الخلفي وبرزخ التلفيف الحزامي (Isthmus). تجعل هذه العلاقات الهندسية من الثلم ممرًا حدوديًا يفصل بين المادة البيضاء النقية والمادة الرمادية الحوفية على امتداد محوره بالكامل.

ترتبط عمق الثلم الثفني وقاعه بارتباطات سحائية وسلوكية دقيقة، حيث تبطن الأم الحنون (Pia Mater) جدران الثلم بعناية فائقة، في حين يمر فوقه السائل الدماغي الشوكي في الأحياز تحت العنكبوتية الموضعية. وتجدر الإشارة إلى أن قاع الثلم الثفني يلامس الألياف العرضية للجسم الثفني مغطاة بطبقة رقيقة من المادة الرمادية تسمى الإنديسيوم الرمادي (Indusium Griseum) أو التلفيف فوق الثفني، بالإضافة إلى السطور الطولية الإنسية والوحشية (Striae Longitudinales). هذه البنيات الدقيقة تمثل بقايا أثرية للمخ الشمي القديم والحصين البدائي، وتبرز كيف يحفظ هذا الثلم داخل طياته شواهد على التاريخ التطوري للدماغ البشري.

التروية الدموية والتصريف الوريدي للمنطقة الثفنية

تحظى المنطقة المحيطة بالثلم الثفني بتروية دموية شريانية غنية ومعقدة تستمد أصولها بالدرجة الأولى من الدورة الدموية الدماغية الأمامية، وتحديدًا من الشريان المخي الأمامي (Anterior Cerebral Artery). بعد عبور الشريان المخي الأمامي للمحور الأمامي، يتفرع إلى الشريان المحيط بالثفني (Pericallosal Artery) الذي يسير مباشرة داخل أو بمحاذاة الثلم الثفني على طول مساره المقوس. يُطلق هذا الشريان فروعًا ثاقبة دقيقة تخترق ألياف الجسم الثفني لتغذية مساحاته المركزية، فضلاً عن فروع صاعدة تغذي الوجه الإنسي للتلفيف الحزامي والفصوص المجاورة.

يسير بالتوازي مع الشريان المحيط بالثفني الشريان الحزامي الهامشي (Callosomarginal Artery)، الذي قد ينشأ كفرع رئيسي ويتفرع عبر الثلم الحزامي، مانحًا فروعًا مفاغرة تغذي الشبكة الوعائية في قاع وجدران الثلم الثفني. تضمن هذه الشبكة الشعرية الحفاظ على إمداد أيضي وأكسجيني ثابت للهياكل البيضاء العميقة والقشرة الحوفية المحيطة، حيث إن أي اضطراب إقفاري في هذه التروية ينعكس فورًا على سلامة الوظائف المعرفية والانفعالية التي تعتمد على تكامل الألياف المارة بالجسم الثفني والتلفيف الحزامي.

أما التصريف الوريدي للمنطقة الثفنية، فيعتمد على شبكة من الأوردة المحيطة بالثفني التي تصب في النهاية إما في الوريد الدماغي الغائر (Internal Cerebral Vein) أو مباشرة في وريد جالينوس العظيم (Great Cerebral Vein of Galen)، ومن ثم إلى الجيب المستقيم (Straight Sinus). يتميز هذا النظام الوريدي بقدرته على تصريف النواتج الأيضية للمناطق العميقة بكفاءة، وتُعد حماية هذه الأوعية الوريدية الدقيقة داخل الثلم الثفني أثناء التدخلات الجراحية أمرًا حاسمًا لتفادي الاحتشاءات الوريدية الوذمية التي قد تقود إلى عواقب عصبية ونفسية وخيمة.

الأهمية الوظيفية والروابط العصبية ذات الصلة بالسلوك والمعرفة

على الرغم من أن الثلم الثفني بحد ذاته عبارة عن انخفاض تشريحي وليس نسيجًا عصبيًا وظيفيًا مولدًا للسيالات، إلا أن قيمته الفسيولوجية تنبع من موقعه الجغرافي الفاصل والجامع لأهم مسارات الاتصال العصبي في الدماغ. يحده من الأسفل الجسم الثفني الذي يحتوي على أكثر من مائتي مليون ليف عصبي مسؤول عن التواصل بين نصفي الدماغ. وتؤدي هذه الألياف دورًا رئيسيًا في مزامنة النشاط الحركي، وتكامل المدخلات الحسية المزدوجة، ونقل العمليات المعرفية المتخصصة كاللغة من نصف الكرة الأيسر إلى التحليل المكاني في نصف الكرة الأيمن.

من الجهة العلوية للثلم، تمتد القشرة الحزامية التي تشكل جزءًا محوريًا من شبكة المراقبة التنفيذية وشبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network). تسهم هذه المنطقة في الآتي:

  • تنظيم السلوك الموجه بالدوافع وتقييم المكافآت والعواقب الناتجة عن الأفعال اليومية.
  • معالجة المشاعر الذاتية والألم العاطفي والجسدي، مما يمنح الفرد القدرة على التعاطف الوجداني.
  • إدارة الانتباه وحل التناقضات الإدراكية، لا سيما أثناء المهام النفسية التي تتطلب تركيزًا مكثفًا.
  • تسهيل التعلم القائم على استشعار الخطأ، وتعديل القرارات الاستراتيجية بما يتلاءم مع المتغيرات البيئية.

تتجلى الأهمية الوظيفية لجوارهما المشترك في أن المسارات الليفية العميقة التي تعبر قاع الثلم الثفني تسهم في ربط الهياكل تحت القشرية مثل اللوزة الدماغية والمهاد بالقشرة الجبهية الحجاجية والحزامية. يعمل هذا الترابط الوثيق كمنصة تكاملية تسمح بالتنسيق بين الحالات العاطفية الغريزية والسيطرة المعرفية العليا، وبالتالي يلعب محيط الثلم الثفني دورًا ركيزيًا في الحفاظ على التوازن النفسي والسلوكي السليم للشخصية الإنسانية.

الدلالات الإكلينيكية والاضطرابات العصبية والنفسية

ترتبط التغيرات المورفولوجية والباثولوجية في منطقة الثلم الثفني بطيف واسع من الاضطرابات النفسية والعصبية المزمنة. ففي مرض الفصام (Schizophrenia)، أظهرت دراسات قياس البنية الحجمية للدماغ وجود تشوهات في اتساع الثلم الثفني وضمور في التلفيف الحزامي المجاور، مقترنة بنقص في سماكة المادة البيضاء للجسم الثفني. ترتبط هذه التغيرات ارتباطًا وثيقًا بأعراض الانفصال الإدراكي وتراجع القدرات المعرفية وضعف التكامل الحسي-العاطفي الملاحظ سريريًا لدى مرضى الفصام.

وفي سياق الاضطرابات الوجدانية مثل الاضطراب الاكتئابي الرئيسي، لوحظ حدوث اضطراب وظيفي وبنيوي في القشرة المحيطة بالجزء الأمامي للثلم الثفني (منطقة تحت الركبة Subgenual Area). تعاني هذه المنطقة من فرط أو خلل في النشاط الأيضي والترابط الشبكي، مما يقود إلى متلازمات انعدام التلذذ، والاجترار الفكري السلبي، والمشاعر المستمرة بالذنب وفقدان القيمة. وتُعد هذه المنطقة المتاخمة للثلم هدفًا رئيسيًا لتقنيات التحفيز الدماغي العميق (Deep Brain Stimulation) للتخفيف من أعراض الاكتئاب المقاوم للعلاج الدوائي التقليدي.

من الناحية العصبية الإكلينيكية، قد يتعرض الثلم الثفني للتأثر المباشر بالآفات الوعائية مثل تمزق أمهات الدم في الشريان المحيط بالثفني، مما يؤدي إلى نزف تحت عنكبوتي يتركز داخل الثلم مسببًا أعراضًا نفسية حادة كالهذيان الحاد، واللامبالاة العميقة (Apathy)، والخرس الأكيني (Akinetic Mutism). إضافة إلى ذلك، فإن متلازمات انقطاع الاتصال الدماغي (Disconnection Syndromes) الناجمة عن إصابات الألياف العابرة تحته، كما يحدث في داء ماركيافافا-بيغنامي (Marchiafava-Bignami Disease) أو إصابات الدماغ الرضية المنتشرة، تظهر جليًا عبر اضطراب التنسيق الحركي لليدين، وعمه التعرف الحسي، والاضطرابات المعرفية النفسية المعقدة.

التطبيقات التصويرية والتقنيات العصبية الإشعاعية الحديثة

أحدثت التطورات المتسارعة في تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي عالية الدقة (High-Resolution MRI) ثورة نوعية في دراسة وتحليل الثلم الثفني بدقة متناهية لم تكن متاحة من قبل. يتيح التصوير الهيكلي الموزون بثقل T1 وT2 رؤية واضحة للحدود الفاصلة بين المادة الرمادية الحزامية والمادة البيضاء الثفنية، مما يسمح بحساب مؤشرات دقيقة تتعلق بسماكة القشرة وعمق الثلم ودرجة انحنائه المورفولوجي ثلاثي الأبعاد، وتطبيق هذه المؤشرات كمؤشرات حيوية (Biomarkers) في الشيخوخة والأمراض التنكسية العصبية.

بالإضافة إلى ذلك، وفرت تقنية تصوير موتر الانتشار (Diffusion Tensor Imaging – DTI) إمكانية غير مسبوقة لتتبع مسارات الألياف العصبية المارة أسفل قاع الثلم الثفني ودراسة تباين الخواص الكسري (Fractional Anisotropy). كشفت هذه التقنية عن كيفية تأثر سلامة الغمد المياليني في الأمراض المزمنة مثل التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis)، حيث تعد المنطقة المحيطة بالثلم الثفني مسرحًا شائعًا لتشكل اللويحات الالتهابية المزيلة للميالين (Dawson’s Fingers)، التي تمتد عموديًا من الثلم والبطينين نحو المادة البيضاء.

أما التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في حالة الراحة (Resting-State fMRI)، فقد مكن العلماء من فهم التزامن العصبي الشبكي بين القشرة المحيطة بالثلم وبقية مناطق الدماغ. تظهر هذه الفحوصات أن الأنماط الإشارية في هذا الحيز تتغير بوضوح في حالات الخرف، مثل داء ألزهايمر، حيث يسبق التراجع المورفولوجي في الثلم الحزامي الثفني الانهيار الوظيفي الشامل للذاكرة العاملة والقدرات الحركية، مما يبرز دور التصوير العصبي في التشخيص التنبؤي المبكر.

الآفاق البحثية المستقبلية في علم النفس العصبي والعلوم المعرفية

تتجه الدراسات الحديثة في علم النفس العصبي نحو ربط الفروق الفردية في البنية الدقيقة للثلم الثفني بالاختلافات في السمات الشخصية والقدرات الإدراكية لدى الأفراد الأصحاء. تسعى الأبحاث إلى معرفة ما إذا كانت التباينات في عمق وتعرج هذا الثلم ترتبط بمرونة التفكير، أو الذكاء العاطفي، أو القدرة على تنظيم الضغوط النفسية الحادة، حيث تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل مساحات السطح القشري حول الثلم واكتشاف أنماط تنبؤية غير مرئية للعين المجردة.

تفتح دراسات اللدونة العصبية (Neuroplasticity) آفاقًا جديدة عبر استكشاف التغيرات الهيكلية المجهرية في الثلم الثفني استجابة للتدخلات النفسية مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وممارسات التيقظ الذهني (Mindfulness). تشير النتائج الأولية إلى أن ممارسة التأمل واليقظة تسهم في تعزيز كثافة المادة الرمادية في التلفيف الحزامي المحاذي للثلم الثفني، مما يؤدي إلى تحسين التحكم الانفعالي وتثبيط فرط نشاط اللوزة الدماغية في الاستجابة للمثيرات الضاغطة.

وأخيرًا، تمثل واجهات الدماغ والحاسوب (Brain-Computer Interfaces) مجالاً واعدًا يعتمد على الفهم الوثيق لتشريح هذا الثلم والألياف المارة بقربه. إن استهداف الإشارات الكهربائية الصادرة من التلافيف القريبة من الثلم الثفني قد يمكن مستقبلاً من تطوير أجهزة تعويضية عصبية قادرة على تجاوز الانقطاعات الليفية وإعادة الاتصال المعرفي والحركي لدى المرضى الذين عانوا من سكتات دماغية كبرى أو إصابات رضية قطعت التواصل بين نصفي الدماغ، مما يرسخ موقع هذا الثلم كجسر محوري بين علم الأعصاب التشريحي والشفاء النفسي الوظيفي.

خلاصة تركيبية

في الختام، يتبين أن الثلم الثفني ليس مجرد شق تشريحي سلبي يفصل بين أجزاء الدماغ، بل هو معلم تركيبي وظيفي ذو أهمية حاسمة في هندسة الجهاز العصبي المركزي البشري. يعكس هذا الثلم التوازن الدقيق بين أكبر جسر لنقل المعلومات في المخ (الجسم الثفني) وأحد أهم مراكز التوجيه الانفعالي والمعرفي (التلفيف الحزامي). إن استيعاب أبعاده التطورية، ومساراته الوعائية، والدلالات السريرية والنفسية لاضطراباته، يمنح المختصين في العلوم العصبية والنفسية رؤية أعمق حول كيفية نشأة الوعي الإنساني، وتنظيم العواطف، وتكامل السلوك الإدراكي المعقد في الصحة والمرض.

المراجع

  • Aboitiz, F., Scheibel, A. B., Fisher, R. S., & Zaidel, E. (1992). Fiber composition of the human corpus callosum. Brain Research, 598(1-2), 143-153. https://doi.org/10.1016/0006-8993(92)90178-C
  • Bush, G., Luu, P., & Posner, M. I. (2000). Cognitive and emotional influences in anterior cingulate cortex. Trends in Cognitive Sciences, 4(6), 215-222. https://doi.org/10.1016/S1364-6613(00)01483-2
  • Duvernoy, H. M. (1999). The Human Brain: Surface, Three-Dimensional Sectional Anatomy with MRI, and Blood Supply (2nd ed.). Springer-Verlag. https://doi.org/10.1007/978-3-7091-6385-6
  • Gazzaniga, M. S. (2000). Cerebral specialization and interhemispheric communication: Does the corpus callosum enable the human condition? Brain, 123(7), 1293-1326. https://doi.org/10.1093/brain/123.7.1293
  • Nieuwenhuys, R., Voogd, J., & van Huijzen, C. (2008). The Human Central Nervous System (4th ed.). Springer. https://doi.org/10.1007/978-3-540-34686-9
  • Paul, L. K., Brown, W. S., Adolphs, R., Tyszka, J. M., Richards, L. J., Mukherjee, P., & Sherr, E. H. (2007). Agenesis of the corpus callosum: Genetic, developmental and functional aspects of axonal connectivity. Nature Reviews Neuroscience, 8(4), 287-299. https://doi.org/10.1038/nrn2107
  • Türe, U., Yaşargil, M. G., & Pait, T. G. (1997). The arteries of the corpus callosum: A microsurgical anatomical study. Neurosurgery, 40(5), 1016-1025. https://doi.org/10.1097/00006123-199705000-00028
  • Vogt, B. A. (2005). Pain and emotion interactions in subregions of the cingulate cortex. Nature Reviews Neuroscience, 6(7), 533-544. https://doi.org/10.1038/nrn1704

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). الثلم الثفني: البنية التشريحية، الخصائص الوظيفية، والارتباطات العصبية النفسية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/callosal-sulcus-arabic/
looti, Mohammed. “الثلم الثفني: البنية التشريحية، الخصائص الوظيفية، والارتباطات العصبية النفسية.” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/callosal-sulcus-arabic/.
looti, Mohammed. “الثلم الثفني: البنية التشريحية، الخصائص الوظيفية، والارتباطات العصبية النفسية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/callosal-sulcus-arabic/.