العمليات المعرفيةعلم النفس المعرفي

نموذج السعة في علم النفس المعرفي: النظرية والتطبيقات والأبعاد الديناميكية للانتباه

استكشف نموذج السعة في علم النفس المعرفي؛ الإطار النظري الذي يفسر آليات توزيع الانتباه، الجهد الذهني، والموارد المعرفية المحدودة، وتطبيقاته من كانمان إلى ويكنز.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثل الانتباه إحدى أكثر العمليات العقلية تعقيداً ومركزية في البنية المعرفية البشرية، حيث يُحدد كيفية إدراكنا للعالم ومعالجة طوفان المعلومات البيئية المحيطة بنا. ومن بين الأطر النظرية الرائدة التي سعت إلى تفسير آليات توزيع الطاقات الذهنية يبرز نموذج السعة بوصفه نقلة نوعية حوّلت تركيز علم النفس المعرفي من النظريات الهيكلية ذات القنوات الضيقة إلى نماذج الموارد الديناميكية المحدودة والمرنة.

المدخل المفاهيمي: ماهية نموذج السعة في علم النفس المعرفي

يُعرَّف نموذج السعة (Capacity Model) في سياق علم النفس المعرفي بأنه إطار نظري يفترض أن المعالجة العقلية تتطلب قدراً من الطاقة الذهنية أو الجهد المعرفي، وأن هذه الطاقة متوفرة بكمية محدودة وغير متناهية داخل الجهاز العصبي للإنسان. على عكس النماذج البنيوية السابقة التي كانت تنظر إلى الانتباه كأنه مصفاة أحادية المسار تمر عبرها البيانات الحسية، يرى نموذج السعة أن العقل البشري يمتلك مجمعاً مشتركاً من الموارد الانتباهية القابلة للتوزيع بين مهام متزامنة ومتعددة استناداً إلى مستوى الصعوبة والمتطلبات الإدراكية لكل مهمة.

ينبني هذا النموذج على استعارة الطاقة الاقتصادية، حيث يُنظر إلى الانتباه على أنه ميزانية استثمارية محدودة، تتنافس العمليات المعرفية المختلفة للحصول على حصص منها لإتمام وظائفها بنجاح. إذا تجاوزت المطالب الكلية للمهام القائمة حجم السعة المتاحة في لحظة زمنية معينة، يحدث تدهور فوري في الأداء، وهو ما يُعرف بظاهرة العجز في الأداء أو التداخل الإدراكي. يتضح من هذا المنظور أن الفشل في أداء مهمتين معاً ليس بالضرورة ناتجاً عن انسداد في قناة المعالجة الحسية، بل يعود إلى نضوب الاحتياطي المتاح من الطاقة التجهيزية.

ترتبط سعة الانتباه بعلاقة وثيقة مع مفاهيم الجهد العقلي واليقظة، حيث يرى الباحثون أن سعة المعالجة ليست حجماً ثابتاً غير قابل للتغيير، بل تتسم بدرجة عالية من المرونة التي تتأثر بالمستوى العام للاستثارة الفسيولوجية. إن هذا البعد الديناميكي هو ما يمنح النموذج قدرته التفسيرية العالية في فهم كيفية انتقال الفرد بين حالات التركيز الشديد أثناء حل المشكلات المعقدة وحالات الاسترخاء الذهني في الظروف البيئية البسيطة والروتينية.

السياق التاريخي والتحول النظري: من نماذج الاختناق البنيوي إلى نماذج الموارد

لفهم الجذور المعرفية لنموذج السعة، ينبغي الرجوع إلى النصف الثاني من القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ولادة الثورة المعرفية وتصاعد الاهتمام بنماذج تدفق المعلومات المستعارة من هندسة الاتصالات. في تلك الحقبة، سادت نماذج المرشح أو الاختناق البنيوي، والتي كان رائدها عالم النفس البريطاني دونالد برودبنت في أواخر خمسينيات القرن الماضي عبر نموذجه المعروف بالمرشح المبكر، تلاه نموذج التخفيف لآن تريسمان ونموذج الاختيار المتأخر لدويتش ودويتش. افترضت تلك النماذج بأسرها وجود نقطة اختناق فيزيائية أو معمارية في الجهاز العصبي تمنع معالجة أكثر من مدخل حسي واحد في الوقت ذاته.

ومع ذلك، واجهت النماذج البنيوية مأزقاً تجريبياً متزايداً؛ إذ أظهرت العديد من الدراسات المخبرية أن قدرة الأفراد على أداء مهمتين متزامنتين تعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة المهمة ومدى التدريب والمهارة، وليست محكومة بحاجز بنائي صارم لا يمكن اختراقه. على سبيل المثال، يستطيع عازف البيانو الماهر قراءة النوتة الموسيقية والعزف بيديه والتحدث في آن واحد دون حدوث اضطراب ملحوظ في الأداء، وهو ما عجزت نماذج الاختناق الجامدة عن تبريره بصورة مقنعة وشاملة.

هذا القصور النظري مهد الطريق لظهور نقلة نموذجية جذرية في أوائل سبعينيات القرن العشرين، تمثلت في التخلي عن محاولة تحديد موقع المرشح العصبي داخل الدماغ، والتركيز بدلاً من ذلك على طبيعة الموارد المعرفية نفسها. كان السؤال الجوهري الذي طُرح آنذاك: ما مقدار الطاقة الذهنية التي يتطلبها نشاط عقلي معين؟ وكيف يوزع النظام المعرفي موارده بين الأولويات المتنافسة؟ ومن هنا انطلقت نظريات السعة لتعيد تشكيل فهمنا لمعالجة المعلومات بصورة ديناميكية تتوافق مع المرونة السلوكية الفائقة للإنسان.

بنية نموذج كانمان لسعة الانتباه والجهد الذهني

بلغت نظرية السعة ذروة نضجها التأسيسي مع نشر عالم النفس دانيال كانمان كتابه الكلاسيكي المؤثر “الانتباه والجهد” (Attention and Effort) عام 1973. اقترح كانمان نموذجاً مركزياً موحداً للسعة، افترض فيه أن الجهاز المعرفي يمتلك مورداً انتباهياً كلياً واحداً، يتم توجيهه وإدارته بواسطة نظام تحكم مركزي يُطلق عليه “سياسة توزيع الموارد”. لا يتعامل نموذج كانمان مع الانتباه كآلية سلبية للاختيار، بل كنظام فاعل يخصص الطاقة بحسب الظروف الداخلية والخارجية.

يتألف نموذج كانمان من عدة مكونات رئيسية مترابطة تعمل في نسق تكاملي متناغم:

  • مخزون السعة المتاحة (Available Capacity): ويمثل الحجم الكلي للموارد المعرفية الجاهزة للاستخدام في لحظة معينة، وتتحدد هذه الكمية جزئياً بواسطة مستوى الاستثارة العامة للجهاز العصبي المركزي.
  • مستوى الاستثارة (Arousal): ويقصد به الحالة الفسيولوجية العامة للتيقظ والنشاط، والتي تخضع لتأثير الدوافع، والقلق، والمنبهات البيئية المحيطة، وتؤثر طردياً أو عكسياً على السعة الكلية المتاحة.
  • سياسة التوزيع (Allocation Policy): وهي الآلية التنفيذية المركزية التي تقرر كيفية تقسيم الطاقة المتاحة وتوجيهها نحو مدخلات حسية محددة أو عمليات عقلية معينة دون غيرها.
  • الميول الدائمة (Enduring Dispositions): وتشمل القواعد الفطرية والتلقائية لتوجيه الانتباه لاإرادياً نحو المثيرات المفاجئة، مثل الأصوات العالية أو الحركات السريعة أو ذكر اسم الشخص بصوت خافت.
  • النوايا اللحظية (Momentary Intentions): وتتمثل في الأهداف والتعليمات الإرادية التي يتبناها الفرد في سياق زمني محدد، مثل البحث عن كلمة معينة في نص أو التركيز على حركة المرور.
  • تقييم متطلبات السعة (Evaluation of Demands): وهي آلية مراقبة مستمرة تقيّم مقدار الطاقة التي تستهلكها كل مهمة جارية، وتغذي سياسة التوزيع بالبيانات اللازمة لإجراء تعديلات فورية.

توضح هذه البنية التكاملية أن انتباه الفرد ليس مجرد استجابة ميكانيكية لمدخلات حسية، بل هو عملية ضبط وتحكم ديناميكية توازن باستمرار بين متطلبات البيئة، والحالة الفسيولوجية للجسم، والأهداف المعرفية العليا التي يسعى الفرد إلى تحقيقها في كل لحظة.

العلاقة الديناميكية بين الاستثارة الفسيولوجية وسعة المعالجة

يُعد إدماج المتغيرات الفسيولوجية، وتحديداً مستوى الاستثارة، أحد أبرز إسهامات نموذج السعة في ردم الهوة بين علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب الفسيولوجي. يرى كانمان أن السعة الذهنية الكلية ليست مقداراً ثابتاً ومستقلاً، بل تتسع وتضيق استجابة لمستوى الاستثارة والتوتر الذي يمر به الكائن الحي. يستند هذا المفهوم مباشرة إلى قانون يركيز-دودسون التاريخي الذي يصف العلاقة بين الاستثارة والأداء على شكل منحنى U مقلوب.

عندما يكون مستوى الاستثارة منخفضاً للغاية، كما في حالات النعاس الشديد أو الملل، تكون السعة الانتباهية المتاحة محدودة وكسولة، مما يجعل معالجة المعلومات بطيئة وتفتقر إلى التركيز الفعال. ومع ارتفاع مستوى التيقظ إلى درجات معتدلة، تتسع قدرة الجهاز العصبي على حشد الموارد المعرفية، مما يؤدي إلى تحسن نوعي في الأداء وزيادة مرونة توزيع الطاقة بين الأنشطة المختلفة، وهي الحالة التي تُمثل ذروة الكفاءة المعرفية.

على النقيض من ذلك، إذا ارتفعت الاستثارة إلى مستويات مفرطة نتيجة الذعر، أو القلق الحاد، أو الضغوط البيئية القصوى، يحدث ما يعرف بظاهرة “تضييق الانتباه” (Tunneling). في هذه الحالة الحرجة، تتقلص السعة المعرفية المتاحة ويفقد الفرد القدرة على معالجة الإشارات المحيطية أو التنسيق بين مهام متعددة، حيث يُحتجز الانتباه قسرياً في نطاق شديد الضيق يركز فقط على مصدر التهديد المباشر، وهو ما يفسر الأخطاء الكارثية التي يقع فيها بعض الأفراد أثناء حالات الطوارئ القصوى.

وقد أثبتت الدراسات البيولوجية اللاحقة صحة هذه الفرضية عبر قياس المؤشرات العصبية الحيوية مثل تباين معدل ضربات القلب، والموصلية الجلدية، واتساع حدقة العين (Pupillometry). تبيّن أن اتساع حدقة العين يرتبط ارتباطاً خطياً مباشراً مع مقدار الجهد المعرفي المبذول في حل المهام المعقدة، مثل المسائل الحسابية الذهنية، مما جعل قياس الحدقة بمثابة نافذة فسيولوجية دقيقة ترصد التغيرات اللحظية في تخصيص سعة المعالجة داخل الدماغ.

نموذج الموارد المتعددة لويكنز: التطور والتوسع النظري

على الرغم من النجاح الواسع لنموذج كانمان ذي السعة الموحدة، إلا أنه اصطدم ببعض التحديات التجريبية في أواخر سبعينيات القرن العشرين. لاحظ الباحثون أن بعض المهام المتزامنة يمكن إنجازها معاً بمهارة فائقة دون أي تناقص في الكفاءة، شريطة أن تستخدم تلك المهام وسائط حسية أو حركية مختلفة تماماً، بينما تفشل مهام أخرى ذات متطلبات طاقة منخفضة إذا كانت تشترك في نفس النمط الحسي. دفع هذا التناقض عالم النفس كريستوفر ويكنز إلى تطوير “نموذج الموارد المتعددة” (Multiple Resource Theory) في عام 1984.

افترض ويكنز أن الجهاز المعرفي لا يعتمد على خزان مركزي واحد للطاقة، بل يتألف من أربعة أبعاد هيكلية مستقلة تُمثل مجمعات متعددة ومنفصلة للموارد الانتباهية، وهي:

  • مراحل المعالجة (Processing Stages): التمييز بين الموارد المخصصة للعمليات الإدراكية المركزية والذاكرة العاملة من جهة، وتلك المخصصة لاختيار الاستجابة وتنفيذ الأفعال الحركية من جهة أخرى.
  • الوسائط الحسية (Perceptual Modalities): الفصل بين الموارد المخصصة للمدخلات البصرية والموارد المخصصة للمدخلات السمعية، حيث يسهل الاستماع إلى حديث أثناء النظر إلى خريطة مقارنة بقراءة نص أثناء فحص الخريطة.
  • أنماط الترميز (Processing Codes): التباين بين الموارد اللفظية/اللغوية والموارد المكانية/البصرية، إذ تتنافس المهام اللغوية مع بعضها على خزان خاص يختلف عن الخزان الذي تتنافس فيه العمليات المكانية ثلاثية الأبعاد.
  • قنوات الاستجابة البصرية (Visual Channels): وهو بعد إضافي ألحقه ويكنز لاحقاً للتمييز بين الرؤية البؤرية الدقيقة (المستخدمة في القراءة والتعرف على التفاصيل) والرؤية المحيطية الواسعة (المستخدمة في الإدراك المكاني وتوجيه الحركة).

يقدم نموذج الموارد المتعددة تنبؤات هندسية دقيقة حول مدى حدوث التداخل السلوكي؛ فعندما تتطلب مهمتان متزامنتان نفس الحصة من البعد ذاته (مثلاً مهمتان بصرية وفراغية في آن واحد)، يقع صدام حتمي وتداخل مدمر في الموارد. في المقابل، إذا توزعت متطلبات المهمتين على أبعاد متباينة (مثل مهمة سمعية-لفظية متزامنة مع مهمة بصرية-مكانية)، يمكن تنفيذهما بسلاسة ملحوظة واستهلاك متوازن للطاقة المعرفية الكلية.

المنهجيات التجريبية لقياس السعة والانتباه المشترك

أدى ظهور نموذج السعة إلى ثورة في تصميم التجارب السيكولوجية، وكان في مقدمتها ابتكار “نموذج المهمة المزدوجة” (Dual-Task Paradigm)، والذي أضحى الأداة الذهبية لدراسة الجهد المعرفي وسعة الانتباه في المختبرات المعاصرة. يقوم هذا المنهج على إسناد مهمتين للشخص في الوقت ذاته: مهمة أولى رئيسية يُطلب منه الحفاظ على أعلى مستوى من الدقة فيها، ومهمة ثانية ثانوية تُستخدم كمقياس لحجم الطاقة المتبقية بعد استيفاء احتياجات المهمة الرئيسية.

إذا أصبحت المهمة الرئيسية أكثر صعوبة وتعقيداً، فإنها تسحب قدراً أكبر من سعة الانتباه المتاحة، مما يترك فائضاً ضئيلاً للمهمة الثانوية، وهو ما ينعكس فوراً في صورة بطء زمن الرجع للمهمة الثانوية أو زيادة عدد الأخطاء المرتكبة فيها. يُمكن للباحثين عبر التلاعب المنهجي بمستوى صعوبة المهمة الرئيسية قياس المتطلبات الدقيقة للسعة بمقاييس كمية بالغة الإحكام.

من الأدوات الرياضية المتقدمة التي رافقت هذا النموذج ما يُعرف بـ “منحنى خصائص تشغيل الأداء” (Performance Operating Characteristic – POC). يرسم هذا المنحنى كفاءة أداء المهمة الأولى على المحور السيني مقابل كفاءة المهمة الثانية على المحور الصادي تحت مستويات مختلفة من توزيع الانتباه (مثلاً: خصص 80% من جهدك للمهمة أ و20% للمهمة ب، ثم اعكس النسبة). يُشير شكل المنحنى المنحني للداخل إلى درجة التنافس على مورد واحد مشترك، في حين يشير المنحنى المستقيم أو المتعامد إلى استقلالية الموارد المستخدمة في كلتا المهمتين.

وفي العصر الراهن، تعززت هذه المنهجيات السلوكية بأدوات الفسيولوجيا العصبية الحديثة، مثل تخطيط أمواج الدماغ الكهربائي (EEG)، وتحديداً مكون الجهد المرتبط بالحدث المعروف بـ P300. يُمثل اتساع موجة P300 مقياساً عصبياً موثوقاً لعمليات تخصيص السعة وتحديث محتويات الذاكرة العاملة، حيث يتقلص اتساع هذه الموجة عند إرهاق السعة المعرفية وتوزيعها على أعباء متعددة.

التطبيقات الإكلينيكية والعملية لنماذج السعة المعرفية

لم يقتصر تأثير نموذج السعة على الفضاء النظري الأكاديمي، بل امتد ليتغلغل بعمق في التطبيقات العملية، لا سيما في مجالات الطب النفسي، وعلم النفس العصبي، وهندسة العوامل البشرية وتصميم بيئات العمل المعقدة. في الحقل الإكلينيكي، يُعد نموذج السعة ركيزة أساسية لتفسير اضطرابات النمو العصبي والأمراض التنكسية التي تصيب الدماغ.

على سبيل المثال، يُفسر اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) من منظور نموذج السعة بأنه ليس غياباً كلياً للانتباه، بل خلل وظيفي في “سياسة التوزيع” ومراقبة الجهد المعرفي؛ حيث يعاني المصابون من صعوبة في تخصيص الموارد الانتباهية للمهام التي تفتقر إلى إثارة جوهرية وفورية، مما يؤدي إلى استنزاف سريع للسعة في غياب محفزات استثارة كافية. كما يُستخدم النموذج لتشخيص وتقييم العجز الإدراكي لدى المصابين بإصابات الدماغ الرضحية (TBI) وكبار السن، حيث تتراجع السعة الانتباهية الإجمالية وتزداد حساسية الفرد للتداخل بين الأنشطة اليومية المتزامنة، كالمشي والتحدث في آن واحد.

أما في مجال بيئة العمل (الإرغونوميا المعرفية) وهندسة الطيران، فقد اعتمد مصممو قمرات القيادة وأنظمة التحكم في المفاعلات النووية على نموذج الموارد المتعددة لتقليل احتمالات الخطأ البشري الكارثي. تحرص هذه التصاميم على عدم إرهاق القناة البصرية للطيار أو المشغل بالإنذارات البصرية وحدها أثناء الأزمات، بل تعمد إلى توزيع التنبيهات بين القنوات السمعية، واللمسية، والبصرية لتفادي الاختناق المعرفي وضمان استجابة سريعة خالية من الارتباك.

كذلك، يبرز تطبيق النموذج بقوة في أبحاث السلامة المرورية وسياقة المركبات الذكية؛ إذ أثبتت الدراسات أن التحدث عبر الهاتف المحمول – حتى باستخدام تقنية التحدث الحر – يستهلك قدراً هائلاً من سعة المعالجة المركزية المرتبطة بالتوليد اللغوي والتخيل المكاني، مما يحرم عمليات المسح البصري للشارع وردود الفعل الطارئة من الموارد الحيوية اللازمة، وهو ما يؤدي إلى ظاهرة “العمى الانتباهي” ووقوع الحوادث الجسيمة.

الانتقادات والحدود النظرية لنماذج السعة

على الرغم من النجاح الساحق الذي حققته نماذج السعة، إلا أنها لم تكن بمنأى عن النقد الإبستمولوجي والمنهجي الصارم من قبل العديد من علماء النفس المعرفي المعاصرين. تمحور النقد الأول والأكثر شهرة حول الطبيعة الدائرية لمفهوم “السعة” أو “الجهد المعرفي”. جادل النقاد، ومن بينهم ألان ألمان، بأن استخدام السعة لتفسير هبوط الأداء ينطوي على استدلال دائري (Circular Reasoning)؛ إذ يُقال إن الأداء انخفض لأن السعة نفدت، والدليل على نفاد السعة هو انخفاض الأداء، دون وجود تعريف مستقل بذاته لماهية المورد المعرفي بمعزل عن قياس مخرجات المهمة.

النقد الثاني يتعلق بنزعة نماذج السعة نحو التجريد المفرط وتجاهلها للآليات التشريحية المحددة داخل الدماغ. يرى أصحاب الاتجاه النمطي المعياري (Modular Approach) في علم الأعصاب الإدراكي أن الدماغ لا يحتوي على صندوق أسود للطاقة يوزع وحدات متماثلة من “الجهد”، بل يتكون من شبكات عصبية متباينة وظيفياً ومعمارياً، وأن ما يبدو كنقص في السعة ليس إلا تداخلاً تفاعلياً ناتجاً عن مشاركة نفس المسارات العصبية الحيوية بين عمليتين مختلفتين، وهو ما يُعرف بتداخل البنية المتقاطعة (Crosstalk).

علاوة على ذلك، واجهت النماذج تحدياً كبيراً في تفسير آليات “الأوتوماتيكية” أو المعالجة الآلية (Automaticity). فالمهام التي تتحول مع الممارسة الطويلة إلى أفعال آلية (مثل القراءة أو قيادة السيارة للمحترفين) تصبح شبه معفية من استهلاك الموارد المعرفية ولا تُبدي حساسية واضحة لقيود السعة. وقد أثار هذا التساؤل عما إذا كانت الممارسة تؤدي إلى توسيع السعة ذاتها، أم إعادة هيكلة المهمة، أم تجاوز الحاجة إلى الموارد الانتباهية المركزية كلياً، وهو ما استدعى تطوير نماذج أحدث تدمج بين العمليات الخاضعة للتحكم والعمليات الآلية المستقلة.

الخلاصة والآفاق المستقبلية

يظل نموذج السعة حجر زاوية لا غنى عنه في صرح العلوم المعرفية الحديثة، إذ أعاد صياغة فهمنا لطبيعة العقل البشري كمنظومة معالجة طاقية ديناميكية ومحدودة في آن واحد. من خلال الربط الوثيق بين التيقظ الفسيولوجي وتوزيع الموارد الذهنية، استطاع هذا النموذج تفسير التباين السلوكي الواسع بين الكفاءة المعرفية الفائقة في ظروف التركيز المثالي والانهيار الإدراكي المفاجئ تحت وطأة التشتت والضغوط النفسية الحادة.

تتجه الآفاق المستقبلية لبحوث سعة الانتباه نحو الاندماج العميق مع واجهات الدماغ والحاسوب (BCI) وتقنيات الذكاء الاصطناعي التكيفية. يسعى العلماء في الوقت الراهن إلى تطوير أنظمة ذكية قادرة على قياس الحمل الذهني والسعة المتبقية للمستخدم في الوقت الحقيقي عبر المستشعرات العصبية الحيوية، ومن ثم ضبط تدفق المعلومات بما يتناسب تماماً مع الموارد المتاحة، لمنع الإجهاد المعرفي وتحسين جودة اتخاذ القرارات في أكثر البيئات البشرية تعقيداً وحرجاً.

المراجع

  • Baddeley, A. D. (2007). Working memory, thought, and action. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780198511877.001.0001
  • Broadbent, D. E. (1958). Perception and communication. Pergamon Press. https://doi.org/10.1037/10037-000
  • Kahneman, D. (1973). Attention and effort. Prentice-Hall.
  • Norman, D. A., & Bobrow, D. G. (1975). On data-limited and resource-limited processes. Cognitive Psychology, 7(1), 44–64. https://doi.org/10.1016/0010-0285(75)90004-3
  • Sweller, J. (1988). Cognitive load during problem solving: Effects on learning. Cognitive Science, 12(2), 257–285. https://doi.org/10.1207/s15516709cog1202_4
  • Treisman, A. M. (1969). Strategies and models of selective attention. Psychological Review, 76(3), 282–299. https://doi.org/10.1037/h0027242
  • Wickens, C. D. (1984). Processing resources in attention. In R. Parasuraman & D. R. Davies (Eds.), Varieties of attention (pp. 63–102). Academic Press.
  • Wickens, C. D. (2008). Multiple resources and mental workload. Human Factors, 50(3), 449–455. https://doi.org/10.1518/001872008X288394

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). نموذج السعة في علم النفس المعرفي: النظرية والتطبيقات والأبعاد الديناميكية للانتباه. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/capacity-model-cognitive-psychology/
looti, Mohammed. “نموذج السعة في علم النفس المعرفي: النظرية والتطبيقات والأبعاد الديناميكية للانتباه.” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/capacity-model-cognitive-psychology/.
looti, Mohammed. “نموذج السعة في علم النفس المعرفي: النظرية والتطبيقات والأبعاد الديناميكية للانتباه.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/capacity-model-cognitive-psychology/.