اضطرابات الشخصيةالتحليل النفسيعلم النفس الإكلينيكي

عقدة كازانوفا

عقدة كازانوفا هي متلازمة نفسية تتميز بالإغواء القهري والارتباط العاطفي المتكرر الذي يعقبه انسحاب مفاجئ، نابعة من الخوف من الحميمية والهشاشة النرجسية وصدمات التعلق المبكرة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل عقدة كازانوفا واحدة من أكثر الظواهر النفسية والدينامية إثارة للجدل والبحث في حقل علم النفس الإكلينيكي والتحليلي؛ حيث تجسد نمطاً سلوكياً قهرياً يبدو في ظاهره رغبة جامحة في الغزو العاطفي والارتباط الجنسي المتكرر، بينما يخفي في باطنه خوفاً وجودياً عميقاً من الحميمية، وعجزاً بنيوياً عن الاستقرار العاطفي. إن هذه العقدة لا تعكس مجرد شغف رومانسي عابر أو تعددية في العلاقات، بل تكشف عن صراع لاواعٍ محتدم تتداخل فيه آليات الدفاع النفسي والهشاشة النرجسية لتشكيل ذات تسعى بلا هوادة وراء تأكيد قيمتها من خلال مرآة الشريك المستهدف، فقط لتهجره فور اكتمال السيطرة عليه.

المفهوم والتعريف الإكلينيكي لعقدة كازانوفا

تُعرّف عقدة كازانوفا في الأدبيات النفسية المعاصرة بأنها نمط شخصية مركب يتسم بالإغواء القهري، والبحث الدائم عن غزو عاطفي وجنسي متجدد، يعقبه انسحاب انفعالي مفاجئ بمجرد تأكيد استسلام الطرف الآخر أو تبادله للمشاعر بصدق. لا يصنف هذا المفهوم كاضطراب مستقل بذاته في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، إلا أنه يُدرس بوصفه متلازمة سلوكية ودينامية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعدد من اضطرابات الشخصية، وتحديداً اضطراب الشخصية النرجسية، والشخصية التمثيلية، والشخصية غير المستقرة عاطفياً. يتميز الفرد الذي يعاني من هذه العقدة بقدرة فائقة على التودد والإيقاع بالآخرين في شباك حبه عبر إظهار اهتمام مفرط وتقمص احتياجات الشريك بدقة متناهية.

يكمن الجوهر النفسي لهذه المتلازمة في المفارقة الحادة بين السلوك الظاهري والدوافع الباطنة؛ فبينما يظهر صاحب هذه العقدة بمظهر العاشق المتفاني القادر على بذل أقصى درجات الرومانسية، فإن المحرك الحقيقي لسلوكه ليس الرغبة في بناء علاقة تبادلية عميقة، بل الحاجة العصابية الملحة لتأكيد جاذبيته وقوته وامتلاكه للسيطرة. يمثل الشريك في هذا السياق “موضوعاً خارجياً” وظيفته تقديم الغذاء النرجسي وإشباع وهم القوة المطلقة، وليس كائناً مستقلاً يُعترف بمشاعره واحتياجاته الفردية. وبمجرد أن يتحقق هذا الإشباع وتزول حالة التحدي والمطاردة، يفقد الشريك قيمته النفسية فجأة ويتحول إلى عبء يهدد استقلالية الفرد، مما يدفع الأخير إلى الهروب والبحث عن هدف جديد.

علاوة على ذلك، تتميز هذه العقدة بتكرار دائري مفرغ لا يعرف الشبع؛ إذ يعيش الفرد حالة من النشوة المرتفعة أثناء مرحلة الصيد والإغواء، تتلوها خيبة أمل سريعة وبرود عاطفي تام بعد إتمام الغزو. هذا النمط الدائم يقود في نهاية المطاف إلى مشاعر مزمنة بالفراغ الداخلي، والعزلة الوجودية، والإنهاك النفسي، نظراً لأن الرغبة العميقة في نيل القبول والحب تظل غير مشبعة، بل يتم استبدالها باستمرار بانتصارات سطحية ومؤقتة لا تصمد أمام اختبار الزمن والحميمية الحقيقية.

الجذور التاريخية والتأثيل: من الشخصية الواقعية إلى النموذج النفسي

يعود الأصل اللغوي والتاريخي لهذه التسمية إلى المغامر والمؤلف الإيطالي الفينيسي جاكومو كازانوفا (1725–1798)، الذي اشتهر عبر مذكراته الشخصية الصادرة تحت عنوان “قصة حياتي” بتفصيل علاقاته العاطفية والجنسية المتعددة والمعقدة مع نساء من مختلف الطبقات الاجتماعية في أوروبا عصر التنوير. لم يكن كازانوفا مجرد رجل لعوب في الوعي الجمعي، بل صُوِّر في كتاباته بوصفه فناناً في فهم النفس البشرية، يكرس وقته وطاقته لدراسة نقاط ضعف الآخرين وتقديم أقصى درجات الاهتمام المؤقت لهم، مما جعل اسمه مرادفاً للإغواء الممنهج والبراعة الاجتماعية في اجتذاب القلوب.

ومع تطور الفكر النفسي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأ المحللون النفسيون في استعارة هذه الشخصية التاريخية لتحويلها إلى نموذج مفاهيمي يصف حالات إكلينيكية حقيقية تعاني من الإدمان العلائقي القهري. وقد تمايزت شخصية كازانوفا في الكتابات التحليلية عن أسطورة “دون جوان”؛ فبينما يُنظر إلى دون جوان كشخصية عدوانية بطبيعتها تسعى إلى إذلال النساء والانتقام منهن وتدميرهن كوسيلة لتفريغ كراهية لاواعية للجنس الآخر، يُنظر إلى كازانوفا على أنه شخص يمتلك تقديراً وإعجاباً حقيقياً بالنساء، ولكنه عاجز بنيوياً عن الثبات العاطفي بسبب قلقه الوجودي من التلاشي داخل رابطة واحدة.

وقد ساهمت هذه الخلفية التاريخية في تأطير العقدة كموضوع للدراسة النفسية المعمقة، حيث تحولت من مجرد سردية رومانسية في الأدب الكلاسيكي إلى أداة لفهم التشوهات العاطفية المعقدة. إن الانتقال من سيرة كازانوفا الذاتية إلى المصطلح الإكلينيكي أتاح للباحثين استكشاف كيف يمكن لأسلوب حياة يبدو براقاً ومثيراً للحسد في الثقافة الشعبية أن يكون في واقعه تعبيراً عن اضطراب عميق في الهوية وتآكل في البناء النفسي الداخلي للفرد.

التفسيرات التحليلية والديناميات النفسية غير الواعية

وفقاً لمدرسة التحليل النفسي، تُعزى عقدة كازانوفا في جوهرها إلى صراعات أوديبية لم تُحل ومثبتات مبكرة في مراحل النمو النفسي الجنسي. يرى المحللون التقليديون أن سلوك الإغواء المتكرر يمثل محاولة لاواعية ومستمرة للبحث عن “الأم البديلة”؛ فكل امرأة جديدة تُمثل في اللاوعي تجسيداً للأم المرغوبة والمحرمة في آن واحد. غير أن اقتراب العلاقة من طور الحميمية الواقعية يثير قلق الخصاء ومشاعر الذنب المرتبطة بزنا المحارم الرمزي، مما يجبر الجهاز النفسي على تفعيل دفاعاته وتفكيك الرابطة العاطفية والهروب فوراً لحماية الأنا من التفكك أو العقاب الرمزي.

كما يُبرز الفكر التحليلي دور انشطار الموضوع (Splitting)، حيث يُقسّم الفرد النساء إلى فئتين متناقضتين: المرأة العفيفة والمثالية (الأم)، والمرأة المغوية أو المدنسة. في حالة عقدة كازانوفا، يفشل الأنا في دمج الميول الجنسية مع المشاعر العاطفية الرقيقة تجاه نفس الشخص؛ إذ يجد الفرد نفسه قادراً على ممارسة الشغف الجنسي فقط عندما يخلو الموقف من الالتزام والارتباط الوجداني، في حين يؤدي ظهور الحب الحقيقي إلى شلل الرغبة الجنسية أو إلى القلق المفرط، مما يستدعي إنهاء العلاقة للبحث عن موضوع جديد يمكن ممارسة الرغبة معه دون كلفة وجدانية.

وتلعب الآليات الدفاعية البدائية دوراً حاسماً في إدامة هذه العقدة، وتحديداً الإنكار (Denial) والتكوين العكسي (Reaction Formation). فالإفراط في التأكيد على الحب والاهتمام أثناء مرحلة الإغواء غالباً ما يكون تشكيلاً عكسياً يخفي خلفه عدوانية كامنة أو شعوراً عميقاً بالرفض تجاه الموضوع الأنثوي. كما يستخدم الفرد الإسقاط (Projection) لعزو أسباب فشل العلاقة إلى عيوب ونواقص مفاجئة يكتشفها في الشريك، مبرراً بذلك انسحابه القاسي ومحافظاً على صورته الذاتية كعاشق بريء يسعى إلى كمال رومانسي مستحيل التحقق.

أطر نظرية التعلق والصدمات التطورية المبكرة

تُقدم نظرية التعلق، التي أسسها جون بولبي وطورتها ماري أينسورث، إطاراً تفسيرياً عالي الدقة لفهم جذور عقدة كازانوفا؛ حيث يرتبط هذا النمط السلوكي بنمط التعلق التجنبي القلق (Fearful-Avoidant) أو التعلق التجنبي الرافض (Dismissive-Avoidant). ينشأ هذا النمط غالباً نتيجة تجارب مبكرة مع مقدمي رعاية اتسموا بالبرود العاطفي، أو التناقض غير المتوقع، أو التطفل الخانق. يتعلم الطفل في هذه البيئات أن الاعتماد العاطفي على الآخرين أمر غير آمن ويقود بالضرورة إلى الرفض المؤلم أو فقدان الاستقلالية الذاتية.

في ضوء هذه الخبرات التطورية، يطور الشخص استراتيجية تعويضية تقوم على استباق الرفض بالهجوم؛ فهو يغوي الآخرين ويجعلهم يتعلقون به ليضمن ألا يكون هو الطرف الضعيف أو المرفوض في المعادلة. يمثل الاقتراب الشديد من الشريك تهديداً مباشراً لجدرانه الدفاعية القديمة، ويوقظ ذكريات لاواعية عن الخذلان المبكر، فيلجأ الفرد إلى تفعيل نظام “إلغاء التنشيط العاطفي” (Deactivation)، الذي يتجلى في فقدان مفاجئ للمشاعر، والتركيز على أصغر العيوب في الشريك، والانسحاب السريع لحماية الذات من احتمالية التعرض للألم إذا ما قرر الشريك تركه.

إن مطاردة الشركاء في عقدة كازانوفا هي تكرار قهري لسيناريو الصدمة الأولى؛ حيث يحاول الفرد إعادة تمثيل تجربة الهجر ولكن مع تغيير الأدوار، بحيث يصبح هو الطرف المتخلي والمسيطر بدلاً من كونه الضحية المتروكة. هذه الدينامية تُظهر أن الغزو المتكرر ليس دليلاً على الثقة بالنفس أو النضج العاطفي، بل هو رد فعل وقائي دائم ضد هشاشة علائقية كامنة ترسخت منذ الطفولة الباكرة ولم تجد طريقاً للنضج والتصالح الداخلي.

البنية النرجسية والهشاشة الذاتية في الشخصية الإغوائية

ترتبط عقدة كازانوفا بروابط وثيقة مع اضطراب الشخصية النرجسية، وتحديداً مع ما يُعرف بالنرجسية الهشة أو الخفية. يُعاني صاحب هذه العقدة من تذبذب حاد في تقدير الذات الداخلي؛ حيث يعتمد إحساسه بالقيمة والوجود اعتماداً كلياً على التقييم الخارجي والإعجاب الذي يستخلصه من الآخرين. يعمل كل شريك جديد كـ “موضوع نرجسي” (Self-object) يوظف لترميم الأنا المتصدعة، وتقديم تأكيد فوري على جاذبية الفرد وقوته وقدرته التي لا تقاوم على إخضاع القلوب.

تتجلى في هذه العقدة مفارقة نرجسية كلاسيكية: يحتاج الفرد إلى الآخر باستماتة ليشعر بقيمته، ولكنه في الوقت نفسه يحتقر هذا الآخر بمجرد استسلامه وانخراطه في العلاقة. يرجع هذا الاحتقار إلى ميل العقلية النرجسية إلى التقليل من شأن أي شيء أصبح متاحاً أو مألوفاً؛ فالشريك الذي يُغرم به كازانوفا يفقد هيبته وسحره لأنه قبل بشخص يعلم كازانوفا في أعماقه المشوهة أنه معيب ولا يستحق الحب الحقيقي، مما يدفعه إلى البحث عن هدف أبعد منالاً لتجديد دورة الإمداد النرجسي وإثبات التفوق الشخصي من جديد.

علاوة على ذلك، تتميز هذه الشخصية بضعف القدرة على التقمص الوجداني (Empathy)؛ فبينما يمتلك كازانوفا تقمصاً وجدانياً معرفياً متطوراً يسمح له بفهم رغبات الشريك وتفصيل الكلام المعسول والتصرفات الساحرة لملامسة جراحه العاطفية، فإنه يفتقر تماماً إلى التقمص الوجداني الانفعالي، أي القدرة على الشعور الحقيقي بالألم الذي يخلفه انسحابه المفاجئ في نفس الشريك. يتيح هذا الانفصال الانفعالي للفرد الانتقال من علاقة إلى أخرى دون أن يثقل كاهله تأنيب الضمير أو الشعور بالمسؤولية الأخلاقية عن الخراب النفسي الذي يتركه وراءه.

المظاهر السلوكية والديناميات العلائقية لعقدة كازانوفا

تتبع العلاقات التي ينخرط فيها الشخص المصاب بعقدة كازانوفا دورة سلوكية نمطية تتكرر بدقة شبه ميكانيكية، ويمكن تلخيصها في مراحل رئيسية:

  • مرحلة الاستهداف والمطاردة المثالية (Idealization & Pursuit): يحدد الفرد هدفه بعناية، وغالباً ما يكون شريكاً يتمتع بخصائص استثنائية (جمال، مكانة، أو استعصاء عاطفي)، ويبدأ في شن حملة إغواء مركزة تعتمد على الإغداق العاطفي، والمحاصرة بالاهتمام، وإظهار تفهم أسطوري لاحتياجات الطرف الآخر، مما يجعل الشريك يشعر بأنه وجد شريك حياته المثالي.
  • مرحلة النصر والسيطرة (Conquest & Climax): تبدأ هذه المرحلة فور اعتراف الشريك بمشاعره، أو حدوث الاستسلام الجنسي والعاطفي التام. يمثل هذا التوقيت ذروة المتعة النرجسية لكازانوفا، حيث يتحقق الهدف النفسي اللاواعي للغزو، وتثبت الذات قدرتها على السيطرة وتفكيك دفاعات الآخر.
  • مرحلة التراجع والنفور المفاجئ (Devaluation & Detachment): بشكل مباغت ودون مقدمات منطقية، يشهد كازانوفا تلاشياً سريعاً للمشاعر، ويبدأ في استشعار الاختناق وفقدان الاهتمام، مصحوباً بظهور نفور حسي وجسدي تجاه الشريك، والتركيز على عيوب تافهة لتبرير هذا التحول النفسي الداخلي.
  • مرحلة الهروب والإنهاء القاسي (Abandonment & Escape): ينسحب الفرد إما عبر الاختفاء القسري المفاجئ (Ghosting)، أو خلق مشكلات مصطنعة تدفع الشريك إلى طلب الانفصال، أو المصارحة الجافة بعدم القدرة على الاستمرار، ليترك الطرف الآخر في حالة ذهول وتصدع معرفي حاد.
  • مرحلة البحث المتجدد (New Pursuit): لا يلبث الفرد أن يواجه الفراغ النرجسي والاكتئاب الكامن، فيشرع فوراً في البحث عن ضحية جديدة لإعادة تدوير الحلقة الإغوائية دون التوقف للمراجعة الذاتية أو التعلم من التجارب السابقة.

التشخيص الفارق والتقييم النفسي الإكلينيكي

يتطلب التقييم الإكلينيكي لعقدة كازانوفا فحصاً دقيقاً للتشخيص الفارق للتمييز بينها وبين اضطرابات نفسية وسلوكية أخرى قد تشترك معها في بعض المظاهر السطحية مثل فرط النشاط الجنسي وتعدد العلاقات. يتمثل التمييز الأول في التفريق بينها وبين إدمان الجنس أو ما يُعرف في التصنيفات الحديثة بـ “اضطراب السلوك الجنسي القهري”؛ ففي إدمان الجنس، يكون الدافع الأساسي هو تفريغ التوتر الجسدي وإشباع الرغبة الجنسية في حد ذاتها كآلية للهروب من المشاعر السلبية، وغالباً ما يكون الشريك غير مهم على الإطلاق. أما في عقدة كازانوفا، فإن الجنس ليس سوى وسيلة ثانوية للهدف الأساسي وهو الإغواء العاطفي، وإسقاط مقاومة الشريك، وإخضاعه نفسياً.

كذلك يجب التمييز بين عقدة كازانوفا واضطراب الشخصية الحدية (BPD). بالرغم من أن كلاً منهما يعاني من خوف شديد من الهجر واضطراب في استقرار العلاقات، إلا أن السلوك في الشخصية الحدية ينبع من عدم استقرار هوية الذات والتقلب المزاجي الحاد والاندفاعية الفوضوية، مع وجود رغبة مستميتة في التشبث بالشريك لمنع الهجر المتخيل. بالمقابل، يتميز صاحب عقدة كازانوفا بسلوك أكثر تنظيماً وتخطيطاً، ويستخدم الهجر كاستراتيجية استباقية دفاعية، مع احتفاظه بمظهر خارجي متماسك وثقة مصطنعة تخلو من الانهيارات الدرامية الانفعالية الصريحة المميزة للحالات الحدية.

ومن المهم أيضاً تمييزها عن النوبات الهوسية أو تحت الهوسية في الاضطراب الوجداني ثنائي القطب؛ حيث يشهد المريض في تلك النوبات طفرة في الرغبة الجنسية واندفاعاً نحو المغامرات العاطفية، إلا أن هذا النمط يكون عرضياً ومرتبطاً بفترة زمنية محددة تترافق مع أعراض هوسية أخرى مثل قلة النوم وتطاير الأفكار وتضخم الذات العام، بينما تمثل عقدة كازانوفا سمة شخصية راسخة ودائمة ومستمرة عبر مراحل العمر دون فترات هجوع مرتبطة بالمزاج الحيوي.

المقاربات العلاجية وإدارة المقاومة النفسية

يواجه المعالجون النفسيون تحديات استثنائية عند التعامل مع الأفراد الذين يعانون من عقدة كازانوفا؛ إذ نادراً ما يطلب هؤلاء الأشخاص العلاج بمحض إرادتهم لحل مشكلة الإغواء القهري، نظراً لكون هذا السلوك متوافقاً مع الأنا (Ego-syntonic) ومصدراً للذة الآنية وتأكيد الذات. غالباً ما يأتي العميل إلى العيادة النفسية تحت وطأة أزمات ثانوية مثل الاكتئاب الحاد، أو نوبات القلق الوجودي عند التقدم في العمر وتراجع جاذبيته الجسدية، أو إثر فضيحة اجتماعية أو انهيار مهني وعلائقي كارثي.

يعد العلاج النفسي التحليلي والدينامي طويل المدى الخيار الأنسب لتفكيك هذه العقدة، حيث يركز على استكشاف الصراعات غير الواعية المرتبطة بمرحلة الطفولة، وتحليل تجارب الارتباط المبكرة بالأم، وإعادة صياغة العلاقة مع السلطة الأوديبية. تلعب دراسة ظاهرتي التحويل (Transference) والتحويل المضاد (Countertransference) دوراً حاسماً في الجلسات؛ إذ يميل العميل عادةً إلى محاولة إغواء المعالج نفسه فكرياً أو عاطفياً لإخضاعه ونزع سلاحه التحليلي، مما يتطلب من المعالج يقظة عالية وحياداً إكلينيكياً صارماً لتفسير هذا السلوك بدلاً من الانجرار إليه.

إلى جانب العلاج التحليلي، أثبت العلاج الموجه بالمخططات المعرفية (Schema Therapy)، الذي طوره جيفري يونغ، فاعلية ملحوظة في معالجة هذه الحالات من خلال استهداف المخططات المعرفية المبكرة غير المتكيفة، مثل “مخطط الحرمان العاطفي”، و”مخطط النبذ”، و”مخطط الاستحقاق النرجسي”. يساعد هذا النهج العميل على التعرف على “نمط الطفل الوحيد والمهجور” الكامن خلف قناع الإغواء، وتدريبه على إشباع احتياجاته النفسية بطرق سوية وصحية تتجاوز التكرار القهري لعلاقات الاستنزاف المؤقتة، مع تطوير القدرة على تحمل القلق الناتج عن الالتزام طويل الأمد.

الأبعاد الاجتماعية والثقافية في العصر الرقمي

لا يمكن فصل عقدة كازانوفا في العصر الراهن عن السياق الثقافي والتكنولوجي الذي تعيشه المجتمعات الحديثة؛ حيث وفرت تطبيقات التعارف الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي بيئة مثالية وغير مسبوقة لازدهار هذا النمط السلوكي. أصبحت التطبيقات الرقمية أدوات تسريع نرجسي تتيح لصاحب هذه العقدة الوصول إلى مئات الشركاء المحتملين بضغطة زر واحدة، مما حوّل العلاقات الإنسانية إلى سوق استهلاكي يقوم على الاختيار السريع والتسليع والتخلص من الشريك فور انتهاء صلاحيته النفسية.

كما تلعب الثقافة الاستهلاكية المعاصرة دوراً مؤازراً لهذه العقدة من خلال تمجيد الفردانية المفرطة وربط النجاح والرجولة بتعدد الغزوات العاطفية، وتصوير الالتزام والوفاء كشكل من أشكال التقييد والملل. هذه الرسائل الثقافية المضمرة تمنح صاحب عقدة كازانوفا تبريراً اجتماعياً لسلوكه النكوصي، وتخفي اضطرابه الداخلي خلف واجهة براقة من التحرر والعصرية، مما يعيق استبصاره بحجم المشكلة ويعزز لديه مشاعر الاستحقاق المرضية.

إن هذا التلاقي بين الهشاشة النفسية الفردية والبنية الثقافية الرقمية خلق ظاهرة أوسع يمكن تسميتها بـ “كازانوفية العصر الرقمي”، حيث أصبح الانسحاب والانفصال العاطفي ثقافة معيارية يمارسها الكثيرون تجنباً للمخاطرة النفسية التي يتطلبها الحب الحقيقي. وبذلك، تحولت عقدة كازانوفا من مجرد حالة سريرية فردية إلى مرآة عاكسة لأزمة الحميمية والارتباط في المجتمع المعاصر بأسره.

خاتمة

تظل عقدة كازانوفا نمطاً نفسياً معقداً يجمع بين سحر المظهر الخارجي وهشاشة البناء الداخلي، حيث يعيش صاحبها في سجن اختياري من الانتصارات الرومانسية المؤقتة التي لا تثمر سوى مزيد من الوحشة والانفصال عن الذات والآخرين. إن فهم هذه العقدة يتطلب تجاوز الأحكام الأخلاقية التبسيطية والنظر إليها بعين الفحص الإكلينيكي الرصين، كصرخة استغاثة لاواعية من ذات جريحة تخشى الهجر بقدر ما تخشى الحميمية، وتحاول عبثاً ملء فراغها الوجودي عبر التهام قلوب الآخرين بدلاً من مداواة ندوبها الأصلية.

المراجع

  • Bowlby, J. (1988). A secure base: Parent-child attachment and healthy human development. Basic Books.
  • Fenichel, O. (1945). The psychoanalytic theory of neurosis. W. W. Norton & Company.
  • Freud, S. (1957). A special type of choice of object made by men (Contributions to the psychology of love I). In The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud (Vol. 11, pp. 163-176). Hogarth Press.
  • Kernberg, O. F. (1995). Love relations: Normality and pathology. Yale University Press.
  • Kohut, H. (1971). The analysis of the self: A systematic approach to the psychoanalytic treatment of narcissistic personality disorders. International Universities Press.
  • McWilliams, N. (2011). Psychoanalytic diagnosis: Understanding personality structure in the clinical process (2nd ed.). Guilford Press.
  • Rank, O. (1932). The Don Juan legend (D. G. Winter, Trans. & Ed.). Princeton University Press. (Original work published 1924).
  • Young, J. E., Klosko, J. S., & Weishaar, M. E. (2003). Schema therapy: A practitioner’s guide. Guilford Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). عقدة كازانوفا. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/casanova-complex/
looti, Mohammed. “عقدة كازانوفا.” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/casanova-complex/.
looti, Mohammed. “عقدة كازانوفا.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/casanova-complex/.