الإحصاء النفسيالقياس النفسيمناهج البحث في علم النفس

الحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion): المفهوم، التداعيات الإحصائية، والبدائل المنهجية في البحث النفسي

دليل أكاديمي رصين ومفصل يتناول مفهوم الحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion) في الإحصاء السلوكي والنفسي، موضحاً تداعياته المنهجية على القوة الإحصائية والتحيز، ومقارنته بالبدائل المتقدمة كالتعويض المتعدد وFIML.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد التعامل مع البيانات المفقودة أحد أكبر التحديات المنهجية والإحصائية التي تواجه الباحثين في حقل العلوم النفسية والاجتماعية المعاصرة. يمثل الحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion) أحد أقدم الحلول التقليدية وأكثرها شيوعاً لمعالجة هذه المعضلة عبر استبعاد أي مشارك يفتقر إلى بيانات مكتملة في المتغيرات المدروسة. يقدم هذا المقال تحليلاً أكاديمياً متعمقاً لطبيعة هذا الإجراء، أبعاده النظرية، تأثيراته الرياضية على البنية الاستدلالية للبحوث، وأبرز البدائل المنهجية المتقدمة التي يوصي بها علماء القياس النفسي.

المفهوم الإحصائي للحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion)

يُعرَّف الحذف على مستوى الحالة (الذي يُشار إليه في أدبيات التحليل الإحصائي أحياناً بمصطلح الحذف الشامل للقائمة أو Listwise Deletion) بأنه استراتيجية تصفية بيانية تعتمد على الإقصاء التام والكامل لسجل أي مشارك أو وحدة معاينة إذا كانت تحتوي على قيمة مفقودة واحدة على الأقل في أيٍّ من المتغيرات المشمولة في التحليل الإحصائي المحدد. يعني ذلك أنه إذا تضمن استبيان القياس النفسي مئة فقرة، وأجاب المفحوص عن تسع وتسعين منها وترك فقرة واحدة فارغة دون إجابة، فإن برنامج التحليل الإحصائي يقوم بإلغاء كامل استجابات هذا المفحوص وإسقاطه نهائياً من مصفوفة البيانات المستخدمة في حساب الاختبار الإحصائي.

من الناحية الرياضية، تفترض هذه الطريقة أن التحليل يُجرى فقط على المصفوفة الفرعية الكاملة المتناظرة. ترجع جذور هذه الممارسة إلى البدايات التأسيسية لتطوير الحزم البرمجية الإحصائية مثل حزمة SPSS الإحصائية وSAS، حيث كان الحذف على مستوى الحالة هو الخيار الافتراضي (Default) الأسهل من الناحية الحسابية والميكانيكية لتفادي توقف الخوارزميات الرياضية عن العمل نتيجة وجود فراغات في مصفوفات التغاير والارتباط.

يجدر التمييز الدقيق بين الحذف على مستوى الحالة (Casewise) والحذف الزوجي (Pairwise Deletion). في الحذف على مستوى الحالة، يُحذف الفرد من كل الحسابات المتعلقة بنموذج إحصائي محدد بغض النظر عن المتغير الذي يفتقده، بينما في الحذف الزوجي، يُحذف الفرد فقط من الحسابات التي تتطلب المتغيرين اللذين تنقصهما البيانات معاً (مثل حساب معامل ارتباط بيرسون بين متغيرين محددين)، مما يؤدي إلى تباين أحجام العينات (N) بين مختلف خلايا مصفوفة الارتباط الواحدة، وهو ما يخلق تعقيدات هندسية ورياضية في تقدير الأخطاء المعيارية.

على الرغم من بساطة هذا الإجراء وسهولة تنفيذه التلقائي دون تدخل مباشر من الباحث، إلا أنه يستند إلى فرضيات رياضية بالغة الصرامة والتعقيد. إن تجاهل هذه الفرضيات قد يُفضي إلى تشويه جوهري في البنية الإحصائية للعينة، مما ينعكس سلباً على الصدق الداخلي والصدق الخارجي للدراسات السلوكية والنفسية.

السياق الإبستمولوجي وتصنيف آليات فقدان البيانات في علم النفس

لفهم الآثار المنهجية للحذف على مستوى الحالة، لا بد من استحضار الإطار النظري الرائد الذي وضعه عالم الإحصاء دونالد روبين (Donald Rubin) وزملاؤه لتصنيف آليات فقدان البيانات. قسّم روبين الفقد إلى ثلاثة أنماط أساسية تحدد مدى مشروعية استخدام إجراءات الحذف أو خطورتها على النتائج العلمية:

  • الفقد العشوائي التام (Missing Completely at Random – MCAR): ويتحقق عندما يكون احتمال فقدان البيانات لمتغير معين مستقلاً تماماً عن قيمة المتغير نفسه، ومستقلاً في الوقت ذاته عن قيم جميع المتغيرات الأخرى المقاسة في الدراسة. بعبارة أخرى، يمثل الفقد هنا عملية عشوائية نقية لا ترتبط بأي خصائص سيكولوجية أو ديموغرافية للمشارك.
  • الفقد العشوائي (Missing at Random – MAR): ويحدث عندما يعتمد احتمال فقدان البيانات على قيم متغيرات أخرى تمت ملاحظتها وقياسها في الدراسة، ولكنه لا يعتمد على القيمة الحقيقية للمتغير المفقود نفسه بعد ضبط المتغيرات الأخرى. مثال ذلك: قد يميل الذكور إلى عدم الإفصاح عن مستويات القلق بدرجة أكبر من الإناث، ولكن داخل فئة الذكور نفسها، لا يعتمد الفقد على شدة القلق الفعلية.
  • الفقد غير العشوائي (Missing Not at Random – MNAR): ويُعد النمط الأكثر تعقيداً وخطورة في القياس النفسي، حيث يعتمد احتمال فقدان البيانات على القيمة غير المشاهدة للمتغير المفقود نفسه. ومثاله الشائع في العيادات النفسية: امتناع المرضى الذين يعانون من درجات اكتئاب حادة جداً أو ميول انتحارية عن ملء مقياس الاكتئاب تحديداً بسبب ثقل الأعراض السريرية عليهم.

تتمحور المعضلة الإبستمولوجية في أن الحذف على مستوى الحالة لا يقدم تقديرات غير متحيزة للمعالم الإحصائية إلا في ظل تحقق شرط الفقد العشوائي التام (MCAR) حصراً. ولما كانت الظواهر النفسية بطبيعتها شديدة التعقيد والتداخل، فإن تحقق شرط MCAR في بحوث العلوم السلوكية والاجتماعية يمثل حالة نادرة استثنائية تقترب من الاستحالة الواقعية.

تؤكد أدبيات القياس النفسي (Psychometrics) أن فقدان البيانات في الاستبيانات متعددة البنود غالباً ما ينبع من متغيرات كامنة؛ مثل الإرهاق المعرفي، القلق الاجتماعي، الخوف من وصمة العار، أو التكتم الدفاعي، مما ينقل ميكانيكية الفقد فوراً إلى نمطي MAR أو MNAR، حيث تصبح التقديرات المستخلصة عبر الحذف على مستوى الحالة مشوهة ومتحيزة بشكل منهجي.

الآليات التشغيلية وتأثير الحذف على عينة البحث النفسي

تعمل خوارزمية الحذف على مستوى الحالة على تطبيق معيار غربلة صارم في مصفوفة البيانات الخام (Data Matrix). إذا كان لدينا مصفوفة تتكون من $N$ من المشاركين و $P$ من المتغيرات، فإن الخوارزمية تفحص كل صف أفقي؛ فإذا وُجدت خانة فارغة واحدة ($NA$ أو $Missing$)، يُلغى الصف بأكمله من مصفوفة العمليات الرياضية اللاحقة، مثل حساب المتوسطات، الانحرافات المعيارية، ومصفوفة التباين والتباين المشترك (Covariance Matrix).

تتجلى المشكلة العملية الكبرى لهذا الإجراء في ظاهرة تآكل حجم العينة المتراكم (Compounded Sample Attrition). لنفترض أن باحثاً في علم النفس العصبي يطبق بطارية اختبارات معرفية تتضمن 20 اختباراً فرعياً على عينة قوامها 500 مفحوص، وكان معدل الفقد في كل اختبار فرعي لا يتجاوز 2% فقط، موزعة بصورة عشوائية ومستقلة بين الأفراد. عند تطبيق الحذف على مستوى الحالة، قد يؤدي هذا التراكم الضئيل نظرياً إلى فقدان ما يقارب 30% إلى 40% من إجمالي حجم العينة الأصلية، مما يهدر جهود جمع البيانات ويقلص حجم العينة الفعلي بصورة حادة ومفاجئة.

يظهر هذا الأثر التدميري بوضوح في التصاميم التجريبية وشبه التجريبية التي تعتمد على القياسات المتكررة أو الدراسات الطولية (Longitudinal Studies) في علم النفس النمائي والسريري. في هذه الدراسات، غالباً ما يتخلف المفحوصون عن حضور إحدى جلسات المتابعة لأسباب متباينة؛ وبالتالي فإن الحذف على مستوى الحالة يؤدي إلى إسقاط التاريخ النمائي للمشارك بالكامل، وتجاهل البيانات القيمة التي تم جمعها في خط الأساس (Baseline) أو الفترات الزمنية السابقة، مما يختزل البحث في فئة فرعية مفرطة الخصوصية تمكنت من إكمال جميع المراحل.

المزايا المنهجية والمبررات التقليدية للاستخدام

على الرغم من الانتقادات الموجهة للحذف على مستوى الحالة، إلا أن هناك مبررات تاريخية ومنهجية تفسر استمرار اعتماده الواسع في بعض فروع البحث الأكاديمي، ومن أبرز هذه المزايا:

  • البساطة الحسابية والمفاهيمية: لا يتطلب هذا الإجراء نماذج إحصائية توليدية معقدة أو خوارزميات محاكاة تكرارية؛ فالبيانات المتبقية تشكل مصفوفة كاملة ومتناظرة يمكن تطبيق كافة النماذج الخطية العامة (General Linear Models) عليها دون الحاجة إلى تعديل درجات الحرية أو استخدام مصفوفات خاصة.
  • ثبات حجم العينة عبر التحليلات المتعددة: يضمن الحذف على مستوى الحالة أن جميع المعالم الإحصائية، مثل الانحدار المتعدد والارتباطات الجزئية وتحليل التباين، تُحسب بناءً على نفس المجموعة المحددة من الأفراد ($N$ ثابت)، مما يمنع التناقضات الرياضية التي تظهر في الحذف الزوجي، مثل مصفوفات الارتباط غير الموجبة المحددة (Non-positive definite matrices).
  • الحصول على تقديرات غير متحيزة تحت شرط MCAR الصارم: إذا كان الفقد عشوائياً تماماً، فإن العينة المتبقية بعد الحذف تمثل عينة عشوائية فرعية ومصغرة من المجتمع الأصلي؛ ومن ثم فإن المتوسطات والانحدارات ومعاملات الارتباط تظل غير متحيزة (Unbiased)، رغم فقدانها للكفاءة الإحصائية.
  • المتانة في بعض نماذج الانحدار: تشير بعض الدراسات الإحصائية المتقدمة إلى أنه في حالات محددة من تحليل الانحدار، إذا كان الفقد محصوراً فقط في المتغير التابع ومرتبطاً بالمتغيرات المستقلة (وليس بالقيمة الكامنة للمتغير التابع)، فإن الحذف على مستوى الحالة قد يوفر تقديراً متيناً لمعاملات الانحدار مقارنة ببعض أساليب التعويض الرديئة.

ومع ذلك، تظل هذه المزايا محدودة ومرتهنة بافتراضات نادراً ما تتوفر في بحوث الواقع الميداني السيكولوجي، مما يجعل الاعتماد التلقائي على هذا الأسلوب دون فحص نمط الفقد مجازفة منهجية غير مبررة في الممارسات العلمية الراهنة.

الانتقادات والعيوب الإحصائية والمنهجية

يواجه الحذف على مستوى الحالة حزمة من الانتقادات المنهجية الرصينة التي أثبتتها المحاكاة الإحصائية (Monte Carlo Simulations) على مدى العقود الثلاثة الماضية. تتوزع هذه العيوب بين تدمير الخصائص الإحصائية للاختبارات وتهديد الصدق العلمي العام للنتائج المستخلصة:

1. تدهور القوة الإحصائية (Statistical Power) وزيادة الخطأ من النوع الثاني

يترتب على الاستبعاد القسري للأفراد انخفاض حاد في حجم العينة النهائي ($N$). وبما أن القوة الإحصائية تمثل دالة مباشرة لحجم العينة وحجم الأثر ومستوى الدلالة، فإن تقلص حجم العينة يؤدي تلقائياً إلى تضخيم الخطأ المعياري للتقديرات (Standard Errors)، وتوسيع فترات الثقة (Confidence Intervals)، مما يقلل من حساسية الاختبار الإحصائي في رصد الفروق الحقيقية أو التأثيرات الجوهرية. يؤدي ذلك إلى وقوع الباحث في الخطأ من النوع الثاني (Type II Error)، أي الفشل في رفض الفرضية الصفرية الخاطئة، مما قد يقود إلى وأد نظريات علمية واعدة أو استبعاد تدخلات علاجية نفسية فعالة لمجرد أن العينة المتبقية بعد الحذف أصبحت عاجزة عن تحقيق الدلالة الإحصائية.

2. التحيز المنهجي وتشويه البارامترات (Parameter Bias)

إذا كان نمط الفقد ينتمي إلى فئتي MAR أو MNAR، فإن استبعاد الحالات يؤدي بصورة حتمية إلى توليد عينة مشوهة لا تمثل بأي حال المجتمع الأصلي المستهدف بالدراسة. يتسبب هذا التشويه في انحياز منهجي مستمر في تقدير مقاييس النزعة المركزية (كالوسط الحسابي) ومقاييس التشتت، كما يُحدث خللاً فادحاً في معاملات الانحدار وأوزان المسارات في نماذج المعادلات البنائية. على سبيل المثال، إذا كان الأفراد ذوو المستويات المرتفعة من القلق الاجتماعي هم الأكثر امتناعاً عن إكمال بنود تتعلق بالتفاعل الجماعي، فإن حذفهم سيؤدي إلى خفض مصطنع للمتوسط الحسابي للقلق في العينة، مما يقدم صورة زائفة ومضللة عن الخصائص السيكولوجية للمجتمع الأصلي.

3. الهدر الأخلاقي والمادي لموارد البحث العلمي

تنطوي البحوث النفسية على تكاليف أخلاقية ومادية وبشرية باهظة؛ بدءاً من وقت المشارك وموافقته المستنيرة واستنزافه المعرفي والانفعالي أثناء الاستجابة للمقاييس، وصولاً إلى التمويل المالي المخصص لجمع البيانات. يُعد إلقاء سجلات كاملة لمشاركين قدموا 95% من وقتهم ومعلوماتهم لمجرد فقدان نقطة بيانية واحدة ممارسة غير رشيدة أخلاقياً ومنهجياً، وتتعارض مع مبادئ الاستفادة القصوى من البيانات المتاحة المعتمدة في مواثيق جمعيات علم النفس العالمية.

مقارنة تحليلية: الحذف على مستوى الحالة مقابل البدائل الحديثة

مع التطور الهائل في القدرات الحاسوبية والخوارزميات الرياضية، لم يعد الباحث في العلوم النفسية مضطراً للاختيار بين الحذف الهدام للبيانات أو التخمين الساذج. استحدث الإحصائيون حلولاً متقدمة تتفوق جذرياً على أسلوب الحذف على مستوى الحالة:

1. التعويض بالمتوسط الحسابي (Mean Imputation) – البديل الساذج

يقوم هذا الأسلوب القديم بتعويض القيمة المفقودة بالمتوسط الحسابي للمتغير المحسوب من بقية المشاركين. ورغم أنه يحافظ على حجم العينة الأصلي ($N$)، إلا أنه يُعد من أسوأ البدائل على الإطلاق؛ لأنه يؤدي إلى تقليص مصطنع لتباين المتغير (Variance Deflation)، وتشويه معاملات الارتباط نحو الصفر، وتوليد أخطاء معيارية غير دقيقة تُغري برفض الفرضية الصفرية دون وجه حق. تتفق المرجعيات الإحصائية الحديثة على حظر هذا الأسلوب حظراً تاماً في البحوث الرصينة.

2. التعويض المتعدد (Multiple Imputation – MI)

يُعد أسلوب التعويض المتعدد ثورة منهجية حقيقية صاغها روبين وزملاؤه لمعالجة البيانات تحت شرط الفقد العشوائي (MAR). يمر هذا الإجراء بثلاث خطوات متسلسلة:

  • مرحلة التعويض (Imputation): يتم إنشاء عدد من مجموعات البيانات الكاملة (عادة ما بين 5 إلى 20 مصفوفة)، حيث تُستبدل القيم المفقودة بقيم تنبؤية تُحسب بناءً على نماذج انحدارية تتضمن حداً من الخطأ العشوائي، مما يعكس بدقة عدم اليقين المحيط بالقيمة المفقودة.
  • مرحلة التحليل (Analysis): يُجرى التحليل الإحصائي المستهدف (مثل الانحدار المتعدد أو تحليل التباين) على كل مصفوفة من المصفوفات الكاملة بصورة مستقلة تماماً.
  • مرحلة الدمج (Pooling): تُدمج النتائج والمعاملات الإحصائية والأخطاء المعيارية من كافة التحليلات السابقة في نتيجة نهائية موحدة باستخدام معادلات رياضية محددة تُعرف بـ قواعد روبين (Rubin’s Rules)، مما ينتج تقديرات دقيقة ومعتدلة تحافظ على القوة الإحصائية والتباين الواقعي للبيانات.

3. تقدير الأرجحية العظمى للمعلومات الكاملة (Full Information Maximum Likelihood – FIML)

يُعتبر أسلوب FIML المنافس الأبرز والأكثر كفاءة للتعويض المتعدد، ولا سيما في إطار نماذج المعادلات البنائية (SEM) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA). لا يقوم أسلوب FIML بتعويض القيم المفقودة أو استبدالها في مصفوفة البيانات كما تفعل أساليب التعويض، بل يقوم بحساب دالة لوغاريتم الأرجحية (Log-Likelihood) لكل فرد في العينة بشكل مستقل استناداً إلى المتغيرات المشاهدة فقط لديه.

يتم بعد ذلك تجميع هذه الدوال الفردية لتقدير المعالم العامة للنموذج ككل. يتميز FIML بكفاءته الإحصائية الفائقة، وتفوقه في التعامل مع البيانات في ظل افتراض الفقد العشوائي (MAR)، وقدرته على توفير تقديرات دقيقة دون الحاجة إلى إدارة مجموعات بيانات متعددة أو معقدة.

التطبيقات الإكلينيكية والسلوكية: دراسة حالات واقعية

تتضح خطورة الحذف على مستوى الحالة بصورة ساطعة عند دراسة نماذج تطبيقية في السياقين السريري والمدرسي:

الحالة الأولى: تجارب التدخلات النفسية للاكتئاب السريري. في دراسة تفحص فاعلية العلاج السلوكي المعرفي مقارنة بمجموعة ضابطة على مدى 12 أسبوعاً، إذا كان الانقطاع عن جلسات التقييم في الأسبوع العاشر ناتجاً عن استسلام المريض للأعراض الاكتئابية أو تفاقم اليأس، فإن استخدام الحذف على مستوى الحالة يستبعد هؤلاء المرضى المنتكسين تماماً من التحليل النهائي. ستكون النتيجة الحتمية تضخيماً زائفاً لفاعلية العلاج النفسي وظهوره بمظهر النجاح الباهر، لأن التحليل اقتصر فقط على النخبة التي استمرت وتفاعلت إيجابياً مع البرنامج، مما يهدد السلامة الإكلينيكية عند تطبيق البروتوكول العلاجي في الواقع الطبي.

الحالة الثانية: قياس التوافق والتحصيل المدرسي في علم النفس التربوي. عند تطبيق بطارية مقاييس على تلاميذ المدارس تتضمن أسئلة عن التفكك الأسري، التنمر، والدافعية للإنجاز، غالباً ما يتجاهل التلاميذ الذين ينتمون إلى أسر شديدة الاضطراب الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالبيئة المنزلية خجلاً أو خوفاً. إذا اعتمد الباحث الحذف على مستوى الحالة، فإنه يقصي منهجياً الفئة الأكثر هشاشة واحتياجاً للدراسة والتدخل، مما يقود إلى استنتاجات مبتورة تجعل النموذج التنبؤي عديم القيمة التربوية الواقعية.

إرشادات الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) والممارسات الفضلى

استجابةً لهذه المخاطر المنهجية الجسيمة، أصدرت فرقة العمل التابعة لـ الجمعية الأمريكية لعلم النفس المعنية بالاستدلال الإحصائي (APA Task Force on Statistical Inference)، إلى جانب إرشادات دليل النشر العلمي الصادر عن الجمعية (APA Publication Manual – الطبعة السابعة)، توجيهات حاسمة وواضحة تلزم الباحثين بالامتناع عن التعامل السطحي مع البيانات المفقودة، وتحدد الممارسات الفضلى في النقاط التالية:

  • التشخيص الإلزامي والإفصاح الكامل: يجب على كل باحث سيكولوجي الإبلاغ بدقة وشفافية عن نسبة البيانات المفقودة في كل متغير، ونسبة الحالات الإجمالية المتأثرة بالفقد، وعدم الاكتفاء بالإشارة العابرة إلى حجم العينة النهائي.
  • اختبار آليات الفقد: استخدام الاختبارات الإحصائية المناسبة لاستكشاف طبيعة الفقد، مثل اختبار ليتل للفقد العشوائي التام (Little’s MCAR Test)، لفحص ما إذا كان بالإمكان افتراض عشوائية الفقد، مع إدراك أن فشل الاختبار في رفض فرضية MCAR لا يضمن دائماً تحققها في العينات الصغيرة.
  • تجنب أساليب الحذف والتعويض التقليدي: تُوصي جمعية APA صراحةً بالابتعاد عن الحذف على مستوى الحالة والتعويض بالمتوسط كخيارات أساسية لمعالجة الفقد، ما لم تكن نسبة البيانات المفقودة ضئيلة للغاية (أقل من 5% وفقاً لبعض المراجع) ومثبتة العشوائية التامة.
  • تبني الطرق الحديثة: الاعتماد المباشر على خوارزميات تقدير الأرجحية العظمى للمعلومات الكاملة (FIML) أو التعويض المتعدد (MI) باعتبارهما المعيار الذهبي الحالي المقبول في المجلات العلمية المحكمة ذات معامل التأثير العالي.
  • تحليلات الحساسية (Sensitivity Analysis): في الدراسات الحرجة التي يُشتبه فيها بوجود فقد غير عشوائي (MNAR)، يُنصح الباحثون بإجراء تحليلات حساسية تفحص مدى استقرار النتائج والمعاملات تحت افتراضات وسيناريوهات متعددة لطبيعة البيانات المفقودة.

خاتمة وتلخيص

يظل الحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion) شاهداً على مرحلة تاريخية من تطور الحوسبة الإحصائية اتسمت بمحدودية الموارد الخوارزمية وصعوبة معالجة المصفوفات غير المكتملة. ومع الانتقال إلى العصر الرقمي الحديث في القياس النفسي والإحصاء الحيوي، ثبت بالدليل القاطع أن سهولة هذا الإجراء تقابلها كلفة باهظة تُدفع من رصيد القوة الإحصائية، صدق التقديرات، وأمانة تمثيل العينات الإنسانية. إن النهوض بجودة بحوث العلوم النفسية يقتضي فهماً عميقاً لطبيعة البيانات المفقودة وتجاوز الحلول السريعة البترية لصالح تبني المنهجيات المتقدمة التي تحافظ على كل معلومة يقدمها المفحوص وتسهم في بناء معرفة علمية رصينة وموثوقة.

المراجع

  • American Psychological Association. (2020). Publication manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association.
  • Enders, C. K. (2022). Applied missing data analysis (2nd ed.). Guilford Press.
  • Graham, J. W. (2009). Missing data analysis: Making it work in the real world. Annual Review of Psychology, 60, 549-576. https://doi.org/10.1146/annurev.psych.58.110405.085530
  • Little, R. J. A. (1988). A test of missing completely at random for multivariate data with missing values. Journal of the American Statistical Association, 83(404), 1198-1202. https://doi.org/10.1080/01621459.1988.10478722
  • Little, R. J. A., & Rubin, D. B. (2019). Statistical analysis with missing data (3rd ed.). John Wiley & Sons.
  • Rubin, D. B. (1976). Inference and missing data. Biometrika, 63(3), 581-592. https://doi.org/10.1093/biomet/63.3.581
  • Schafer, J. L., & Graham, J. W. (2002). Missing data: Our view of the state of the art. Psychological Methods, 7(2), 147-177. https://doi.org/10.1037/1082-989X.7.2.147
  • Wilkinson, L., & Task Force on Statistical Inference. (1999). Statistical methods in psychology journals: Guidelines and explanations. American Psychologist, 54(8), 594-604. https://doi.org/10.1037/0003-066X.54.8.594

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). الحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion): المفهوم، التداعيات الإحصائية، والبدائل المنهجية في البحث النفسي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/casewise-deletion-psychological-research/
looti, Mohammed. “الحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion): المفهوم، التداعيات الإحصائية، والبدائل المنهجية في البحث النفسي.” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/casewise-deletion-psychological-research/.
looti, Mohammed. “الحذف على مستوى الحالة (Casewise Deletion): المفهوم، التداعيات الإحصائية، والبدائل المنهجية في البحث النفسي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/casewise-deletion-psychological-research/.