تمثل الأدوات والتقنيات الطبية التداخلية نقطة التقاء محورية بين الجسد المادي والتجربة النفسية الذاتية للإنسان؛ ومن بين هذه الأدوات تبرز القسطرة بوصفها إجراءً طبياً حيوياً لا غنى عنه في التشخيص والعلاج المعاصر. ورغم أن القسطرة تُعرّف في المنظور الطبي البحت كأنبوب مرن أو صلب يُدخل في تجاويف الجسم أو أوعيته الدموية، إلا أن أثرها يتجاوز الوظيفة الفسيولوجية المباشرة ليمس البنية النفسية العميقة للمريض. إن خوض تجربة إدخال جسم غريب داخل الأحياز الأكثر حميمية أو حساسية في الجسد البشري يثير سلسلة معقدة من الاستجابات الانفعالية، تتراوح بين القلق الحاد وفقدان السيطرة، وصولاً إلى اضطرابات التكيف والصدمات النفسية الإجرائية.
مقدمة ومدخل مفاهيمي: تعريف القسطرة في الطب والعلوم السلوكية
تُعرَّف القسطرة (Catheterization) من الناحية السريرية بأنها تقنية طبية تتضمن إدخال أنبوب رفيع مجوف، مصنوع من مواد متوافقة حيوياً مثل السيليكون أو اللاتكس أو البوليمرات المتطورة، إلى داخل مجرى بولي، أو وعاء دموي، أو تجويف جسدي، أو قناة عضوية محددة. تهدف هذه العملية إما إلى تصريف السوائل المحتبسة، أو حقن الأدوية والمحاليل العلاجية، أو قياس الضغوط الدموية الداخلية، أو تصوير البنى الوعائية والتشريحية عبر تقنيات التنظير الإشعاعي. ويشير تاريخ المصطلح الاشتقاقي إلى الكلمة اليونانية القديمة kathetēr، والتي تعني حرفياً “الإنزال” أو “الإدخال إلى الأسفل”، ما يبرز الطبيعة الغازية لهذا الإجراء منذ بداياته الأولى في تاريخ الطب القديم.
من منظور علم النفس الصحي والطب النفسي الجسدي (Psychosomatic Medicine)، لا تمثل القسطرة مجرد تدخل ميكانيكي بحت؛ بل هي “حدث ضاغط حاد أو مزمن” يختبر قدرة المريض على الصمود والتحمل والتكيف المعرفي. تتدخل القسطرة بشكل مباشر في حدود الجسد الفيزيقية، وهي الحدود التي تشكل أساس الهوية الجسدية (Bodily Integrity) في نظرية التحليل النفسي والنظريات الفينومينولوجية للإدراك الحسي. يؤدي اختراق هذه الحدود بواسطة أداة تقنية خارجية إلى إثارة شعور بالاقتحام الجسدي والانتهاك الرمزي للخصوصية الفردية، خاصة حين يتعلق الأمر بإجراءات القسطرة البولية أو القسطرة القلبية الدقيقة التي تجري والمريض في حالة يقظة واعية.
إن إدراك المريض لمفهوم القسطرة يتشكل من خلال تفاعل ثلاثي الأبعاد: البعد المعرفي المتمثل في فهم طبيعة المرض وضرورة الإجراء، والبعد الانفعالي المتجسد في مشاعر الخوف من الألم أو الموت أو المضاعفات، والبعد الاجتماعي-الثقافي المرتبط بالوصمة ونظرة المجتمع للاعتماد على الأجهزة التعويضية. ومن هنا، تنبثق أهمية دراسة القسطرة كظاهرة بيونفسية-اجتماعية (Biopsychosocial Phenomenon) متكاملة تتطلب فهماً يتجاوز المهارة الجراحية المجردة ليشمل ديناميات الجهاز العصبي المركزي، والمحاور الهرمونية المنظمة للتوتر، والتشوهات المعرفية التي قد ترافق استخدام هذه الأنابيب سواء بصورة مؤقتة أو دائمة.
التطور التاريخي والتقني لأجهزة القسطرة وتطبيقاتها السريرية
يمتد تاريخ استخدام القسطرة إلى آلاف السنين؛ فقد وثقت المخطوطات القديمة لدى المصريين والصينيين واليونانيين استخدام قصب البردي وأنابيب الخيزران والمعادن مثل الرصاص والفضة لتفريغ المثانة المحتبسة وتخفيف الآلام الناتجة عن حصوات الجهاز البولي. وكان هذا الإجراء قديماً يتسم بطابع مؤلم للغاية وغالباً ما كان يرتبط بآلام مبرحة وصدمات نفسية وجسدية عميقة نظراً لغياب التخدير ومفاهيم التعقيم. وقد ظلت النظرة العامة إلى هذه الأدوات محفوفة بالرعب والتهديد الوجودي عبر العصور الوسطى حتى انطلاق الثورة العلمية الطبية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
شهد القرن العشرون تحولاً جذرياً في فلسفة وتكنولوجيا القسطرة بفضل أعمال أطباء بارزين ورواد في مجال الهندسة الطبية الحيوية؛ حيث ابتكر الطبيب فريدريك فولي (Frederic Foley) في ثلاثينيات القرن الماضي القسطرة البولية ذات البالون الذاتي التثبيت والمعروفة باسم “قسطرة فولي”، مما أحدث ثورة في إدارة السوائل لدى المرضى طريحي الفراش ومن يعانون من اعتلالات بولية حادة. وتزامن ذلك مع التجربة التاريخية الشجاعة للطبيب الألماني فيرنر فورسمان (Werner Forssmann) عام 1929، الذي قام بإدخال قسطرة بولية في وريده المرفقي ووجهها بنجاح حتى وصلت إلى أذينه الأيمن تحت توجيه الأشعة السينية، واضعاً بذلك حجر الأساس لعلم القسطرة القلبية الحديثة التي غيرت مفاهيم تشخيص وعلاج أمراض الشرايين التاجية في شتى أنحاء العالم.
أدى التطور التكنولوجي اللاحق إلى ابتكار مواد عالية التوافق الحيوي ومقاومة للميكروبات، مثل مادة التيفلون ومستحضرات الهيدروجيل والسيليكون الطبي المغطى بالمضادات الحيوية، ما قلل من نسب الإنتانات والالتهابات ووفّر درجة أعلى من الراحة الجسدية. ومع ذلك، وعلى الرغم من صغر حجم الأنابيب الحالية وزيادة مرونتها وانخفاض معدلات الألم الجسدي المصاحب لها، فإن العبء النفسي المرتبط بوجود هذه الأنابيب لم يتلاشَ تماماً؛ بل اتخذ أشكالاً نفسية أكثر تعقيداً ترتبط بالقلق المعمم، وفرط اليقظة الحشوية، والمخاوف المتعلقة بالاعتمادية الطبية المفرطة في البيئات الاستشفائية المكثفة.
التصنيفات الطبية لأنواع القسطرة وسياقات استخدامها السريري
تتنوع أجهزة القسطرة بناءً على الغرض السريري وموقع الإدخال، ويمكن تصنيفها إلى فئات رئيسية تؤثر كل منها بنمط مختلف على نفسية المريض وسلوكه اليومي:
- القسطرة البولية (Urinary Catheterization): وتنقسم إلى قسطرة خارجية (Condom Catheter)، وقسطرة متقطعة ذاتية (Intermittent Catheterization)، وقسطرة مستقرة داخلية (Indwelling Foley Catheter)، وقسطرة فوق العانة (Suprapubic Catheter). تُستخدم لتفريغ البول في حالات انسداد مجرى البول، أو الصدمات النخاعية، أو أثناء وبعد العمليات الجراحية الكبرى. ويرتبط هذا النوع بشكل خاص بحالات الخجل الشديد وتدهور الخصوصية واضطرابات الصورة الذاتية.
- القسطرة الوعائية والوريدية المركزية (Vascular and Central Venous Lines): وتشمل القسطرة الوريدية الطرفية، والخطوط المركزية المدخلة طرفياً (PICC Lines)، والمنافذ الوريدية المزروعة (Port-a-Cath). تستخدم لإعطاء المحاليل الغذائية المركزة، وتلقي العلاجات الكيميائية لمرضى الأورام، ومراقبة الضغط الوريدي المركزي؛ وتعتبر هذه الأدوات تذكيراً بصرياً يومياً ومستمراً بخطورة المرض الأساسي، لا سيما في السياقات السرطانية والمزمنة.
- القسطرة القلبية والتداخلية الوعائية (Cardiac and Endovascular Catheterization): تشمل القسطرة التاجية التشخيصية والعلاجية (رأب الأوعية وتركيب الدعامات). تجرى هذه العمليات عادة تحت التخدير الموضعي، حيث يكون المريض واعياً لمحيطه ومستمعاً لأصوات الأجهزة ومراقباً لحركات الفريق الجراحي، ما يجعلها محفزاً رئيساً لاختبارات الخوف الحاد وتدفق هرمونات التوتر.
- أنواع متخصصة أخرى: مثل قسطرة غسيل الكلى البريتوني (Peritoneal Dialysis Catheters)، والقسطرة فوق الجافية (Epidural Catheters) لإدارة الألم الولادي والجراحي، وقسطرة تصريف السائل الدماغي الشوكي في حالات استسقاء الرأس؛ وتتطلب هذه النماذج تكيفاً سلوكياً صارماً لمنع النزع العرضي والعدوى القاتلة.
الصدمة الإجرائية وقلق التدخلات الطبية: الاستجابات العصبية والنفسية للقسطرة
تُعد عملية إدخال القسطرة تجربة مثيرة للتوتر الجسيم تؤثر على التوازن الفسيولوجي والنفسي التماثلي للمريض. فعندما يقترب الإجراء، يُفعّل الدماغ على الفور شبكات تقييم التهديد المتمثلة في اللوزة الدماغية (Amygdala) ومحور الغدة النخامية-الكظرية (HPA axis)، مما يطلق شلالاً من الكاتيكولامينات والكورتيزول في الدم. هذا التفعيل العصبي الذاتي يؤدي إلى تسرع ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم الشرياني، وتشنج العضلات الملساء والمخططة، وهو ما يجعل إدخال القسطرة – خاصة في المجرى البولي أو الشرياني – أكثر صعوبة وألماً، ويؤسس لحلقة مفرغة بين التشنج العضلي والألم الحاد وتفاقم مشاعر الذعر.
تُظهر الأدبيات النفسية السريرية أن “القلق الاستباقي” (Anticipatory Anxiety) الذي يسبق القسطرة غالباً ما يتجاوز في شدته الانزعاج الجسدي الفعلي الناتج عن الإجراء نفسه. يبني المريض في مخيلته سيناريوهات كارثية حول تمزق الأنسجة، أو حدوث نزيف حاد، أو الشلل والوفاة المفاجئة على طاولة العمليات. وتتأثر هذه الاستجابات الكارثية بالسمات الشخصية للفرد؛ فالأشخاص الذين يمتلكون حساسية عالية للقلق (Anxiety Sensitivity) أو نزعات وسواسية يُظهرون معدلات توتر وتجنب أعلى، وقد يتعرضون لاستجابات وعائية مبهمة (Vasovagal Syncope) أثناء التثبيت، تتجلى في بطء ضربات القلب وهبوط الضغط المفاجئ وفقدان الوعي المؤقت.
تُعرف الصدمة الناتجة عن التدخلات الطبية الغازية في علم النفس باسم “الصدمة الطبية الإجرائية” (Medical Procedural Trauma)، والتي تتطابق في بعض ملامحها السريرية مع أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). يعاني بعض المرضى بعد خضوعهم لقسطرة مؤلمة أو معقدة تقنياً من ذكريات اقتحامية استرجاعية (Intrusive Flashbacks)، وكوابيس متكررة تدور حول أجواء غرف العمليات والروائح المعقمة والأصوات المعدنية الحادة، إضافة إلى فرط الاستثارة الفسيولوجية عند مراجعة أي مركز طبي في المستقبل. هذا النمط من الرهاب الطبي المكتسب عبر الاشتراط الكلاسيكي قد يدفع المريض مستقبلاً إلى تجنب الفحوصات المنقذة للحياة، مما يفاقم من المآل الصحي العام لحالته المرضية.
الأبعاد السيكولوجية للقسطرة المزمنة: صورة الجسد، والاستقلالية، وجودة الحياة
عندما يتحول استخدام القسطرة من حل طارئ مؤقت إلى حالة سريرية مزمنة ومستقرة، مثل حالات القسطرة البولية الدائمة أو أنابيب الغسيل الكلوي والخطوط الوريدية المديدة، تتبدل طبيعة التحديات النفسية لتصبح مرتبطة بتكيف الذات مع تغيرات الواقع اليومي المعاش. إن وجود كيس تجميع السوائل والأنابيب البلاستيكية المتدلية من جسد الإنسان يمثل تغيراً فجائياً ودراماتيكياً في “صورة الجسد” (Body Image). تتلاشى في ذهن المريض الصورة المثالية لجسده السليم والمتكامل ذاتياً، وتستبدل بصورة جسد مشوه، هش، وعاجز، يستلزم دعائم تقنية خارجية كي يستمر في أداء وظائفه البيولوجية الأولية.
تولد القسطرة المزمنة صراعاً نفسياً عميقاً حول مفهوم “الاستقلالية الفردية والتحكم الذاتي” (Autonomy and Locus of Control). فالإنسان يتعلم منذ طفولته المبكرة السيطرة الإرادية على وظائفه الإخراجية وحركته الجسدية بوصفها العلامة الأولى للاستقلال ونمو الأنا الشخصي. إن فقدان القدرة على التبول الطبيعي مثلاً والاعتماد التام على كيس جمع البول يستدعي آليات نكوصية غير واعية، تُشعر الفرد بالعودة القسرية إلى مراحل التبعية الطفولية والاعتماد المطلق على الرعاة والممرضين. يقود هذا الشعور المهدد بالتبعية في كثير من الأحيان إلى حالات الاكتئاب السريري، والانسحاب الاجتماعي، ومشاعر العار المزمنة التي تحول دون خروج المريض من منزله أو ممارسة حياته الوظيفية والاجتماعية الطبيعية.
يمتد التأثير النفسي العميق للقسطرة الدائمة ليمس الصحة الجنسية والحميمية العاطفية؛ فالقسطرة البولية وقسطرة الفخذ أو البطن تفرض عوائق ميكانيكية وجمالية تحول دون التواصل الجنسي العفوي. يتولد لدى المرضى خوف شديد من حدوث تسرب مفاجئ للبول أو السوائل، أو انفصال الأنبوب أو شعور الطرف الآخر بالنفور والاشمئزاز الجسدي. تؤدي هذه المخاوف إلى تجنب حميمي كامل، مما يضع العلاقات الزواجية تحت ضغوط نفسية بالغة، ويحرم المريض من أهم مصادر الدعم النفسي والعاطفي التي يحتاجها لمواجهة أعباء مرضه العضوي المزمن، مساهماً في تدهور مؤشرات جودة الحياة المرتبطة بالصحة (HRQoL).
متلازمة العناية المركزة والهذيان المرتبط بالقسطرة والأجهزة الغازية
في بيئات الرعاية الفائقة ووحدات العناية المركزة (ICU)، تشكل القسطرة الوريدية والبولية والشريانية جزءاً لا يتجزأ من المراقبة المتقدمة للمرضى ذوي الحالات الحرجة. ومع ذلك، تشير الدراسات السريرية إلى أن التثبيت المتعدد لهذه الأنابيب يعتبر أحد العوامل المساهمة بقوة في إثارة متلازمة العناية المركزة وحالات الهذيان الحاد (Delirium). يجد المريض نفسه مقيداً جسدياً بشبكة من الأنابيب والأسلاك التي تحد من حركته الطبيعية وتجعله عرضة للحرمان الحسي والبيئي، وتزيد من احتمالية حدوث الارتباك الإدراكي وتدهور التوجه الزماني والمكاني.
يبرز في هذا السياق تحدٍ سلوكي بالغ التعقيد يتمثل في محاولات المرضى المصابين بالهذيان أو التشوش الذهني النزع الذاتي المفاجئ والعنيف للقسطرة (Self-Extubation / Accidental Dislodgement). يترجم الدماغ المشوش والمحروم من النوم وجود القسطرة كجسم غريب معتدٍ يجب التخلص منه فوراً، مما يدفع المريض إلى شد القسطرة البولية ببالونها المنتفخ داخل المثانة أو انتزاع الخط الوريدي المركزي، وهو ما ينطوي على مخاطر فسيولوجية كارثية تتضمن النزف الحاد، وتمزق مجرى البول الدائم، والتلوث الجرثومي المهدد للحياة. تدفع هذه المخاطر الطواقم التمريضية في كثير من الأحيان إلى اللجوء إلى “التقييد الحركي للطرفين” (Physical Restraints)، وهو إجراء طبي يثير بدوره رعباً نفسياً هائلاً ويزيد من وتيرة الهياج السلوكي والشعور بالاضطهاد والأسر.
تتطلب الإدارة النفسية والطبية لمثل هذه الحالات موازنة إكلينيكية فائقة الدقة والمهارة بين الحاجة البيولوجية الحيوية للقسطرة وبين الآثار العصبية السلوكية السلبية المترتبة على استخدامها. يجب على الفرق السريرية تقييم الحاجة اليومية لاستمرار كل أنبوب، والعمل على إزالة القساطر غير الضرورية في أسرع وقت ممكن (Catheter De-escalation Protocol)، مما يسهم في تسريع تعافي الوظائف الإدراكية وتخفيف مستويات التوتر المحيطة بالمريض وأسرته.
التدخلات النفسية والعلاج المعرفي السلوكي لمرضى القسطرة
للتعامل مع الأعباء النفسية والسلوكية الناتجة عن القسطرة المؤقتة والدائمة، يقدم علم النفس السريري مجموعة متكاملة من التدخلات القائمة على الأدلة التجريبية التي تهدف إلى تقليل الضائقة الانفعالية وتعزيز فاعلية الذات:
- التثقيف النفسي المسبق (Pre-procedural Psychoeducation): أظهرت الأبحاث أن تقديم معلومات دقيقة وتفصيلية للمريض حول ما سيشعر به حسياً ونفسياً أثناء القسطرة يقلل بشكل ملموس من مستويات القلق الاستباقي. يتضمن هذا التثقيف شرح الخطوات الإجرائية بمصطلحات مبسطة خالية من التعقيد والتخويف، وتصحيح الخرافات الشائعة حول تمزق الأعضاء أو العجز الدائم، مما يمنح المريض شعوراً بالقدرة على التنبؤ والتحكم.
- تقنيات العلاج المعرفي السلوكي (CBT Techniques): التركيز على إعادة البناء المعرفي (Cognitive Restructuring) لتعديل الأفكار الآلية المشوهة المرتبطة بالكارثية والتهويل. يتم تدريب المرضى على استخدام تقنيات وقف التفكير، وتطوير حوارات داخلية إيجابية، وإعادة تأطير القسطرة كأداة مساعدة مؤقتة للحياة وليس كرمز للفشل الجسدي أو الإهانة الشخصية.
- تدريبات الاسترخاء والتنفس البطني: إن تدريب المريض على تقنيات الاسترخاء العضلي التدريجي (Progressive Muscle Relaxation) والتنفس الحجابي المنظم يثبط نشاط الجهاز العصبي الودي، ويمنع تشنج العضلات المحيطة بمجرى البول أو الأوعية، مما يسهل مرور القسطرة بسلاسة ويقلل من الإحساس الذاتي بالألم والانزعاج.
- العلاج بالقبول والالتزام (ACT): يُعد هذا النهج مفيداً بصفة خاصة للمرضى الذين يعيشون مع القسطرة بصورة دائمة؛ حيث يركز على مساعدة المريض في قبول القيود الفيزيائية كجزء من واقعه الحالي دون استسلام، وإعادة توجيه طاقاته النفسية نحو تحقيق قيمه الحياتية الجوهرية واستعادة شغفه الاجتماعي والمهني رغم وجود العائق الجسدي.
- التنويم الإيحائي السريري وصرف الانتباه (Clinical Hypnosis & Distraction): يُستخدم التوجيه الخيالي الإيجابي أو تقنيات الواقع الافتراضي (Virtual Reality) أثناء إجراء القسطرة لصرف الانتباه الواعي عن المشيرات البصرية والسمعية داخل غرفة العمليات، مما يقلل الحاجة إلى الجرعات المهدئة العالية ويسرع من عملية الاستشفاء البعدي.
التأثير النفسي-الاجتماعي على مقدمي الرعاية والأسرة
لا تتوقف ارتدادات القسطرة الطبية عند حدود المريض الفردية، بل تمتد لتلقي بظلال ثقيلة على الأسرة وشبكة الدعم المحيطة به، وبخاصة مقدم الرعاية الرئيسي (Family Caregiver). في حالات القسطرة المنزلية، يُكلف أفراد الأسرة في كثير من الأحيان بمهام تمريضية تقنية معقدة لم يعتادوا عليها، مثل تفريغ أكياس البول، وتنظيف وتعقيم مواقع الخروج، ومراقبة علامات العدوى والنزف. هذا الانتقال المفاجئ من دور الشريك العاطفي أو الابن أو الابنة إلى دور “المعالج الطبي” يولد ضغطاً نفسياً مضاعفاً يُعرف في علم النفس بـ “إجهاد مقدم الرعاية” (Caregiver Burden).
يعاني مقدمو الرعاية من مخاوف مستمرة من التسبب في إيذاء المريض بطريق الخطأ أو إدخال ميكروب مميت إلى مجرى دمه أو جهازه البولي، مما يقود إلى متلازمات القلق وفرط الحذر واضطرابات النوم المتقطع. كما أن التعامل اليومي مع السوائل الجسدية والإفرازات قد يثير مشاعر متضاربة من النفور المقترن بالشعور بالذنب وجلد الذات. تفضي هذه التناقضات الانفعالية غير المصرح بها إلى استنزاف نفسي شديد وبرود عاطفي واحتراق نفسي كامل يؤثر على جودة الرعاية المقدمة ويهدد استقرار المنظومة الأسرية بأسرها.
يبرز هنا الدور الحاسم للإرشاد النفسي الأسري والبرامج التدريبية الموجهة؛ حيث يجب دمج أفراد الأسرة في الخطة العلاجية منذ المراحل المبكرة وتدريبهم عملياً على مهارات التعامل مع القسطرة، مع توفير مساحات آمنة لهم للتعبير عن مشاعرهم وتفريغ ضغوطهم دون خجل أو إدانة. إن تمكين مقدمي الرعاية نفسياً ومعرفياً يشكل صمام أمان حقيقي يدعم صمود المريض ويعزز التزامه بالتعليمات الصحية ويقلل من معدلات إعادة التنويم في المستشفيات.
خاتمة واستشراف مستقبلي: نحو رعاية طبية-نفسية تكاملية متمحورة حول المريض
في الختام، يظهر بجلاء أن القسطرة الطبية ليست مجرد أنبوب اصطناعي يُستخدم كأداة ميكانيكية عابرة، بل هي حدث بيولوجي ونفسي واجتماعي يمس صميم التجربة الإنسانية للألم والاعتمادية والشفاء. إن إغفال الأبعاد النفسية والانفعالية المرافقة لعمليات القسطرة يقوض الكثير من المكاسب الطبية المحققة، ويزيد من معاناة المرضى ويطيل أمد تعافيهم، وربما يتسبب في صدمات إجرائية طويلة الأمد تعيق استجابتهم المستقبلية للرعاية الصحية. تفرض الرعاية الطبية الحديثة تجاوز النظرة التجزيئية التي تفصل بين سلامة الأعضاء الجسدية وبين رفاهية الذات الإدراكية والشعورية، وتبني النموذج البيونفسي-الاجتماعي الشامل كمنهج أصيل في الممارسة السريرية اليومية.
يتطلب المستقبل تعزيز الشراكة بين أطباء التداخل الجراحي والقلبي والمسالك البولية من جهة، وأخصائيي الصحة النفسية والتمريض السريري من جهة أخرى؛ لتصميم بروتوكولات متمحورة حول الإنسان تضمن الدعم المعرفي والسلوكي قبل وأثناء وبعد أي إجراء تداخلي. إن أنسنة التقنية الطبية وإعادة الاعتبار لكرامة المريض ومشاعره واستقلاليته هي الضمانة الوحيدة لتحويل القسطرة من تجربة اقتحام وتهديد إلى أداة شفاء آمنة تسهم في استعادة جودة الحياة بأبعادها الجسدية والنفسية المتكاملة.
المراجع
- Foley, F. E. (1937). A self-retaining bag catheter: For use as an indwelling catheter for constant drainage of the urinary bladder. The Journal of Urology, 38(1), 140–143.
- Forssmann, W. (1929). Die Sondierung des rechten Herzens. Klinische Wochenschrift, 8(45), 2085–2087.
- Wilde, M. H., Getliffe, K., Brasch, J., & McMahon, J. M. (2010). A systematic review of self-management education in patients using urinary catheters. Journal of Wound, Ostomy and Continence Nursing, 37(4), 415–424.
- Mundinger, M. O., & Kane, R. L. (2015). Health-Related Quality of Life and Invasive Medical Devices: A Psychosocial Framework. Springer Publishing Company.
- Astin, F., Jones, K., & Thompson, D. R. (2005). Pre-procedural information needs of patients undergoing coronary angiography and percutaneous coronary intervention. European Journal of Cardiovascular Nursing, 4(1), 41–47.
- Ely, E. W., Inouye, S. K., Bernard, G. R., Gordon, S., Francis, J., May, L., … & Dittus, R. S. (2001). Delirium in mechanically ventilated patients: validity and reliability of the confusion assessment method for the intensive care unit (CAM-ICU). JAMA, 286(21), 2703–2710.
- Beck, A. T., & Alford, B. A. (2009). Depression: Causes and Treatment (2nd ed.). University of Pennsylvania Press.
- Goffman, E. (1963). Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity. Prentice-Hall.