تمثل مسألة دقة القياس وسلامة الاستدلال الإحصائي حجر الزاوية في العلوم السلوكية والنفسية، حيث يسعى الباحثون جاهدين إلى تحويل الظواهر الوجدانية والمعرفية المعقدة إلى قيم كمية قابلة للتحليل. ومع ذلك، تصطدم هذه المساعي في كثير من الأحيان بظاهرة منهجية بالغة التعقيد تُعرف باسم البيانات الخاضعة للرقابة (Censored Data)، وهي حالة قياسية تحدث عندما تكون قيمة المتغير المرصود معروفة جزئياً فقط دون تحديد دقيق لقيمتها الفعلية. يهدف هذا المدخل المعجمي التخصصي إلى تفكيك مفهوم البيانات الخاضعة للرقابة، متتبعاً جذورها المعرفية، وتصنيفاتها الرياضية، وتجلياتها في الميادين الإكلينيكية والقياسية، مع استعراض النماذج الإحصائية المتقدمة للتعامل معها وضمان عدم تشويه النتائج العلمية.
المفهوم النظري والتعريف الإبستمولوجي للبيانات الخاضعة للرقابة
تُعرّف البيانات الخاضعة للرقابة في جوهرها الإحصائي والقياسي بأنها تلك البيانات التي يقع فيها المتغير التابع أو المقاس خارج نطاق الرصد الحسي أو الزمني أو الأداتي للباحث، بحيث يُعلم أن القيمة الحقيقية تقع أعلى أو أدنى أو ضمن مجال محدد، ولكن لا يمكن تحديد قيمتها المطلقة بدقة متناهية. تختلف هذه الظاهرة اختلافاً جوهرياً عن البيانات الكاملة التي تُسجل فيها الاستجابات بدقة مطلقة، كما تختلف عن البيانات المفقودة التي يغيب فيها الرصد تماماً دون أي إشارة إلى موضع القيمة بالنسبة لحدود القياس. إن فهم البيانات الخاضعة للرقابة يتطلب إدراكاً إبستمولوجياً لطبيعة القياس النفسي، الذي يتعامل مع متغيرات كامنة تُقاس عبر مؤشرات ظاهرية محدودة النطاق.
في السياق السلوكي، تظهر هذه المعضلة عندما تتجاوز الحالة النفسية أو السلوكية للمفحوص عتبة حساسية أداة القياس. فإذا كان الباحث يدرس مستويات الاكتئاب باستخدام مقياس محدد ينتهي عند درجة معينة، فإن حصول المشارك على الدرجة القصوى لا يعني بالضرورة توقف شدة الاكتئاب عند هذا الحد، بل يشير إلى أن شدة الاكتئاب لديه تتجاوز قدرة المقياس على التمييز. هنا تتحول الدرجة المرصودة إلى قيمة خاضعة للرقابة من الأعلى، حيث نعلم يقيناً أن الدرجة الفعلية تساوي أو تفوق الحد الأقصى للمقياس، ولكننا نجهل مقدار هذا التجاوز تحديداً.
تتسم الرقابة الإحصائية بكونها لا تعكس خللاً في المفحوص أو خطأً عشوائياً في جمع البيانات، بل تمثل قيداً بنيوياً في تصميم الدراسة أو في الأداة المستعملة أو في الإطار الزمني للبحث. يؤدي إغفال الطبيعة الرقابية لهذه البيانات، ومعاملتها كبيانات كمية متصلة عادية، إلى تحيزات منهجية فادحة تشمل تقليل تباين العينة وتشويه معاملات الارتباط وتوليد تقديرات مضللة لمعاملات الانحدار، مما ينعكس سلباً على القرارات الإكلينيكية والسياسات العلاجية المبنية على هذه التحليلات.
التطور التاريخي للتعامل مع الرقابة في القياس النفسي والإحصاء الحيوي
تعود الجذور الأولى لمفهوم الرقابة الإحصائية إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر ضمن دراسات الجداول الاكتوارية وتحليل البقاء الديموغرافي، حيث واجه علماء السكان معضلة متابعة الأفراد الذين تنتهي فترة الملاحظة وهم ما زالوا على قيد الحياة. انتقل المفهوم لاحقاً إلى التطبيقات الهندسية في منتصف القرن العشرين لدراسة موثوقية المعدات ومقاومتها للتلف تحت ما عُرف باختبارات الإجهاد وتقدير فترات الفشل الصناعي. إلا أن التحول النوعي نحو دمج هذا المفهوم في العلوم الاجتماعية والنفسية بدأ في أواخر خمسينيات القرن العشرين بفضل الإسهامات الرائدة للاقتصادي جيمس توبين (James Tobin).
طوّر توبين في عام 1958 ما يُعرف بنموذج الانحدار الخاضع للرقابة أو نموذج توبيت (Tobit Model)، والذي صُمم للتعامل مع المتغيرات التابعة التي تتراكم فيها الاستجابات عند قيمة دنيا (مثل الصفر) مع توزيع مستمر للقيم الإيجابية. وقد أتاح هذا النموذج لعلماء النفس والاجتماع إطاراً رياضياً يسمح بتحليل السلوكيات التي تنعدم لدى شريحة واسعة من المشاركين (مثل استهلاك الكحول، أو تكرار السلوك العدواني، أو التفكير الانتحاري) دون إسقاط هذه الحالات أو معاملتها كأرقام قياسية خطية عادية تشوه الافتراضات التوزيعية.
شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين ثورة موازية مع ظهور أساليب تحليل البقاء (Survival Analysis) ونماذج المخاطر النسبية لديفيد كوكس (David Cox)، حيث تزايد استخدام هذه النماذج في البحوث النفسية السريرية لدراسة الوقت المستغرق حتى حدوث الانتكاسة أو التعافي أو الانسحاب من العلاج النفسي. وقد أثمر تضافر القياس النفسي ونظرية الاستجابة للمفردة (Item Response Theory) في العقود الأخيرة عن تطوير نماذج قياسية تستوعب تأثيرات السقف والأرضية كحالات رقابة إحصائية صريحة تتطلب تقديراً بيزياً أو أقصى احتمالية متكاملة.
الأنماط والتصنيفات الرياضية للبيانات الخاضعة للرقابة
تُصنف البيانات الخاضعة للرقابة في الأدبيات الإحصائية والنفسية استناداً إلى موضع انقطاع الرصد بالنسبة لمحور المتغير المقاس. يُعد فهم هذه الأنماط ضرورياً لتحديد الاستراتيجية الرياضية الملائمة لمعالجة البيانات وتحليلها بدقة متناهية:
- الرقابة من اليمين (Right Censoring): النمط الأكثر شيوعاً في البحوث الطولية والإكلينيكية، ويحدث عندما تكون القيمة الحقيقية أكبر من نقطة الملاحظة المسجلة. يتجلى ذلك عندما تنتهي فترة دراسة علاجية مدتها عام واحد دون أن يتعرض المريض للانتكاسة النفسية؛ هنا نعلم أن وقت الانتكاسة يتجاوز 365 يوماً، ولكن مقداره الفعلي مجهول. تنقسم هذه الرقابة إلى رقابة من النوع الأول (تنتهي بانتهاء زمن محدد مسبقاً) والنوع الثاني (تنتهي بحدوث عدد محدد من الأحداث).
- الرقابة من اليسار (Left Censoring): تحدث عندما تقع القيمة الفعلية أدنى من عتبة الكشف أو الرصد المتاحة للأداة. يبرز هذا النمط في قياس المؤشرات الحيوية العصبية أو النفسية، كقياس هرمون الكورتيزول اللعابي أو السيتوكينات الالتهابية، حيث تعجز أجهزة المختبر عن قياس التراكيز التي تقل عن حد الرصد الأدنى (Limit of Detection)، فيُسجل للمريض أنه يمتلك قيمة أدنى من العتبة دون معرفة قيمتها الدقيقة.
- الرقابة الفترية (Interval Censoring): وهي حالة وسطية شائعة جداً في التقييمات النفسية الدورية، حيث يُعلم أن الحدث السلوكي أو النفسي (مثل بدء استخدام مادة إدمانية أو بداية ظهور أعراض الذهان) قد وقع بين نقطتي قياس زمنيتين محددتين، دون القدرة على تحديد اليوم أو اللحظة الفعلية التي بدأ فيها الحدث بالضبط.
إلى جانب هذا التصنيف الاتجاهي، تُميز الأدبيات المتقدمة بين الرقابة الإعلامية (Informative Censoring) والرقابة غير الإعلامية (Non-informative Censoring). تكون الرقابة غير إعلامية عندما لا يرتبط سبب انقطاع الرصد بالمتغير النفسي المدروس، مثل انتقال المشارك إلى مدينة أخرى لأسباب وظيفية بحتة. أما الرقابة الإعلامية، فتحدث عندما يكون خضوع البيانات للرقابة ناتجاً عن حالة المشارك النفسية ذاتها، كأن ينسحب مريض الاكتئاب من جلسات المتابعة لتدهور حالته النفسية الشديد، مما يجعل فقدان الملاحظة حاملاً لدلالة إكلينيكية مباشرة تُهدد سلامة التحليل إن لم تُعالج بنماذج إحصائية مخصصة.
التمييز المنهجي بين الرقابة والاقتطاع والبيانات المفقودة
يقع كثير من الباحثين في خلط منهجي بين ثلاثة مفاهيم متقاربة ظاهرياً ولكنها متباينة بنيوياً ورياضياً: الرقابة (Censoring)، والاقتطاع (Truncation)، والبيانات المفقودة (Missing Data). إن الفصل الدقيق بين هذه المصطلحات يحدد مسار التحليل الإحصائي المقبول:
- البيانات الخاضعة للرقابة: يمتلك الباحث سجلاً بوجود الفرد في العينة، وتكون لديه معلومات كاملة عن المتغيرات المستقلة أو الديموغرافية، ولكنه يمتلك معرفة جزئية محصورة باتجاه معين بالنسبة للمتغير التابع (معرفة أن القيمة تفوق أو تقل عن حد معين).
- البيانات المبتورة أو المقتطعة (Truncated Data): لا يعلم الباحث بوجود الأفراد الذين تقع قيمهم خارج نطاق معين أصلاً. على سبيل المثال، إذا أُجريت دراسة نفسية على عينة من طلبة كليات المتفوقين الذين يُشترط لقبولهم معدل ذكاء لا يقل عن 120، فإن مجتمع الدراسة مبتور من اليسار تماماً؛ لا يمتلك الباحث أي بيانات عن الأفراد ذوي الذكاء الأقل لأنهم استُبعدوا كلياً من المعاينة قبل بدء البحث.
- البيانات المفقودة: تحدث عندما يكون الفرد جزءاً من العينة وتكون قيمته الفعلية موجودة في الواقع، ولكن لم يتم تسجيلها لأسباب تقنية أو لرفض المشارك الإجابة عن سؤال معين، دون أن يرتبط هذا الغياب بحدود المقياس أو عتبات الرصد الفسيولوجي.
يترتب على هذا التمييز اختلاف جوهري في دوال الإمكان الأعظم (Likelihood Functions) المستخدمة لتقدير المعالم الإحصائية؛ فالبيانات المقتطعة تتطلب تعديل فضاء العينة والاحتمالات الشرطية لتصحيح غياب فئة كاملة من السكان، بينما تتطلب البيانات الخاضعة للرقابة إدماج دوال البقاء والتوزيع التراكمي للقيم المقيدة مع دوال الكثافة الاحتمالية للقيم غير المقيدة.
أسباب نشوء البيانات الخاضعة للرقابة في البحوث النفسية والسريرية
تتعدد العوامل التي تفرض ظهور البيانات الخاضعة للرقابة في حقل علم النفس والعلوم السلوكية، وتتراوح بين قيود أدوات القياس والاعتبارات الأخلاقية وطبيعة الظاهرة النفسية موضوع الدراسة:
تأثيرات السقف وتأثيرات الأرضية (Ceiling and Floor Effects)
تُعد تأثيرات السقف والأرضية في المقاييس النفسية والاستبيانات السريرية الصورة الأكثر انتشاراً للرقابة الإحصائية. عندما يتضمن مقياس القلق أو جودة الحياة عدداً محدوداً من المفردات، قد يحصل عدد كبير من الأفراد الأصحاء على أدنى درجة ممكنة (تأثير الأرضية)، أو يحصل ذوو الكفاءة المرتفعة على الدرجة القصوى (تأثير السقف). في هذه الحالة، يتكدس جزء كبير من التوزيع التكراري عند الأطراف، وتتحول الدرجات القصوى والدنيا إلى بيانات خاضعة للرقابة تمثل عتبات للأداة وليست حداً مطلقاً للسمة النفسية الكامنة للمفحوصين.
تسرب المشاركين في الدراسات التتبعية (Attrition and Dropout)
في التجارب الإكلينيكية المعشاة التي تقيم فعالية العلاجات النفسية الدوائية أو السلوكية، ينسحب بعض المشاركين قبل استكمال البروتوكول العلاجي أو قبل الوصول إلى جلسة التقييم النهائي. يُسفر هذا التسرب عن بيانات خاضعة للرقابة من اليمين بخصوص وقت حدوث التعافي أو تحسن الأعراض. إذا تجاهل الباحث توقيت خروج هؤلاء الأفراد واعتبرهم حالات مفقودة عشوائياً، فإنه يفقد معلومات قيمة تتعلق بمدى صمود المشاركين في العلاج حتى لحظة انسحابهم.
عتبات الحساسية والحدود البيولوجية في علم النفس العصبي
مع تزايد الاعتماد على المؤشرات الفسيولوجية العصبية والمؤشرات الحيوية المرتبطة بالحالات النفسية (مثل الناقلات العصبية، والبروتينات المناعية، والتغيرات الهرمونية تحت الضغط)، يواجه الباحثون حدود الكشف المعملية للتقنيات المخبرية. تفرض المستويات شديدة الانخفاض لتلك المركبات في عينات اللعاب أو الدم رقابة يسارية حتمية لا يمكن تجاوزها إلا بنماذج تقدير تتعامل مع التراكيز الواقعة تحت عتبة الرصد.
النماذج الإحصائية المتقدمة لمعالجة البيانات الخاضعة للرقابة
تطورت في الإحصاء النفسي والقياس الرياضي منظومة من النماذج المتقدمة التي تتجاوز القصور الناجم عن تطبيق الانحدار الخطي التقليدي أو اختبارات الفروق المعلمية البسيطة على البيانات الخاضعة للرقابة. تستند هذه النماذج إلى دمج دوال الكثافة الاحتمالية (Probability Density Functions) للبيانات المشاهدة مع دوال التوزيع التراكمي (Cumulative Distribution Functions) للبيانات المقيدة.
نموذج انحدار توبيت (Tobit Regression Model)
يُعد نموذج توبيت المعياري حلاً كلاسيكياً ورصيناً للحالات التي يكون فيها المتغير التابع متصلاً ولكنه مقيد من جهة واحدة أو جهتين. يفترض النموذج وجود متغير كامن غير مقيد يرتبط خطياً بمجموعة من المتغيرات المستقلة، ولكن الملاحظة الفعلية تخضع لدالة تحويل تقطع المتغير الكامن عند عتبة محددة:
يتم تقدير معالم النموذج باستخدام طريقة الإمكان الأعظم (Maximum Likelihood Estimation)، حيث تنقسم دالة الإمكان إلى جزأين: جزء يمثل احتمالية الوقوع عند عتبة الرقابة أو خلفها، وجزء يمثل الكثافة الاحتمالية للقيم المشاهدة غير المقيدة. يحول هذا الفصل دون انحدار خط الاتجاه نحو القيمة المحدبة، ويمنح تقديرات غير متحيزة لتأثير المتغيرات المستقلة على السمة الكامنة وسلوكها الظاهري على حد سواء.
نماذج تحليل البقاء وتاريخ الحدث (Event History Analysis)
في الحالات التي يكون فيها المتغير النفسي المدروس هو الوقت المستغرق حتى حدوث تغير نوعي (مثل وقت الانتكاسة في علاج الإدمان، أو زمن التعافي من الصدمة النفسية)، تبرز نماذج تحليل البقاء كأداة لا غنى عنها:
- مقدّر كابلان-ماير (Kaplan-Meier Estimator): مقدّر لامعلمي يتيح رسم منحنى البقاء التراكمي واحتمالية النجاة من الحدث عبر الزمن، مع أخذ الحالات الخاضعة للرقابة من اليمين بالحسبان بدقة عند كل نقطة زمنية دون حذفها.
- نموذج الانحدار التناسبي لكوكس (Cox Proportional Hazards Model): نموذج شبه معلمي يسمح بتقييم أثر عدة متغيرات تنبؤية (مثل نوع العلاج، والعمر، ومستوى الدعم الاجتماعي) على معدل المخاطر اللحظي للحدث، مع افتراض أن نسب المخاطر بين المجموعات تظل ثابتة عبر الزمن حتى في ظل وجود نسب عالية من الرقابة.
- نماذج زمن الفشل المتسارع (Accelerated Failure Time Models): نماذج معلمية تفترض توزيعات محددة لأوقات البقاء (كالويبل أو اللوغاريتمي الطبيعي)، وتفسر أثر العوامل التنبؤية بوصفها عوامل تسريع أو إبطاء لمرور الزمن نحو وقوع الحدث السلوكي.
الآثار المنهجية والتحيزات الناتجة عن المعالجة الخاطئة
يقود الإخفاق في إدراك وجود الرقابة في البيانات، أو اللجوء إلى ممارسات تبسيطية غير سليمة، إلى تشوهات منهجية تهدد الصدق الداخلي والخارجي للبحوث النفسية. ومن أبرز هذه الممارسات الخاطئة:
تتمثل المقاربة التبسيطية الشائعة في حذف الأفراد الذين تخضع بياناتهم للرقابة كلياً من التحليل، أو ما يُعرف بالتحليل المقتصر على المكملين (Completer Analysis). يؤدي هذا الحذف المنهجي إلى تقليص حجم العينة وإهدار قوتها الإحصائية، فضلاً عن إدخال تحيز انتقائي مدمر؛ إذ إن الأفراد الذين لم ينتكسوا حتى نهاية التجربة، أو الذين انسحبوا منها، يمتلكون خصائص تختلف جذرياً عن الأفراد الذين عانوا من الحدث مبكراً، مما يجعل العينة المتبقية غير ممثلة لمجتمع المرضى الفعلي.
أما الممارسة الخاطئة الثانية، فتتمثل في استبدال القيمة الخاضعة للرقابة بقيمة العتبة ذاتها (Single Value Imputation)، كأن يتم تعيين القيمة الصفرية أو القيمة القصوى للمقياس لجميع الأفراد الخاضعين للرقابة دون تمييز، ثم تطبيق تحليل الانحدار الخطي الكلاسيكي (OLS). يؤدي هذا الإجراء إلى تضييق التباين الاصطناعي للمتغير وتشويه خطأ التقدير، مما يقود إلى تضخيم الأخطاء من النوع الأول (Type I Error) أو النوع الثاني (Type II Error)، وتقديم استنتاجات واهية حول قوة الفعالية العلاجية أو حجم التأثير السريري.
تطبيقات معاصرة في البحوث النفسية والسريرية
تتجلى أهمية المعالجة المتخصصة للبيانات الخاضعة للرقابة في قطاعات متعددة من البحث النفسي التطبيقي، حيث ترتبط القرارات العلاجية ارتباطاً وثيقاً بسلامة هذه التحليلات الإحصائية:
أبحاث الإدمان والتعافي السلوكي
في دراسات التعافي من الاعتماد على المواد، يمثل الوقت المستغرق حتى التعاطي الأول بعد مرحلة الديدوكسيفيكاشن (إزالة السمية) المتغير الأساسي لقياس كفاءة البرامج التدخلية. غالباً ما يكمل نسبة من المرضى فترة الدراسة الممتدة لستة أشهر أو عام دون حدوث انتكاسة؛ هؤلاء يمثلون بيانات خاضعة للرقابة من اليمين. تتيح نماذج المخاطر تحديد العوامل التي تطيل فترة الامتناع بدقة، مع الحفاظ على البيانات الجزئية لهؤلاء الأفراد وتثمين نجاحهم العلاجي في المعادلة التقديرية.
دراسات الشيخوخة المعرفية والتدهور العصبي
يواجه باحثو الفحص العصبي النفسي الرقابة الإحصائية بانتظام عند تطبيق مقاييس مثل فحص الحالة العقلية المصغر (Mini-Mental State Examination) على عينات تضم أفراداً أصحاء كبار السن. يؤدي حصول الأصحاء على الدرجات الكاملة إلى تشكل سقف اصطناعي يحجب التغيرات الطفيفة المبكرة في الوظائف التنفيذية. يسمح استخدام نماذج التوبيت والنماذج الخطية متعددة المستويات الخاضعة للرقابة برصد المسارات الحقيقية للتدهور المعرفي وتمييزها عن مجرد عيوب القياس الأداتي.
أبحاث الانتحار وإيذاء النفس غير الانتحاري
نظراً لكون السلوك الانتحاري الفعلي حدثاً منخفض التكرار الإحصائي ولكنه بالغ الخطورة السريرية، فإن قياسه في فترات المتابعة ينتج بيانات تتجمع بغالبيتها الساحقة عند الصفر. لا يمكن تطبيق النماذج الغاوسية التقليدية على مثل هذه البيانات دون تشويه كامل للاحتمالات؛ لذا يُعد دمج نماذج توبيت ونماذج العد المفرط للأصفار (Zero-Inflated Models) الإجراء القياسي المعتمد عالمياً لاستخلاص مؤشرات الخطر بدقة تحمي أرواح المرضى.
المعايير التوجيهية وأفضل الممارسات المنهجية للباحثين
لضمان أعلى درجات النزاهة العلمية والمتانة المنهجية في التعامل مع البيانات الخاضعة للرقابة في الدراسات النفسية، يتعين على الباحثين ومحللي البيانات الالتزام بحزمة من الإرشادات الصارمة:
- التشخيص الاستكشافي المسبق لتوزيع البيانات: تفحص الرسوم البيانية للتوزيعات التكرارية والمدرجات لتحديد تراكم الاستجابات عند الحدود الدنيا أو القصوى للمقاييس قبل الشروع في بناء الفرضيات التحليلية المعلمية.
- التوثيق الشفاف لآلية الرقابة: توضيح ما إذا كانت الرقابة ناتجة عن تصميم الدراسة (حدود زمنية)، أو عن أدوات القياس (تأثيرات السقف والأرضية)، أو عن انقطاع المتابعة، والتحقق المستفيض من فرضية الرقابة غير الإعلامية (Non-informative Censoring).
- استخدام البرمجيات الإحصائية المتخصصة: الاستعانة بالحزم الإحصائية المتقدمة في بيئات مثل R (مثل حزم
survival، وcensReg، وlavaan) أو بيئة Mplus، التي تتيح تقدير معالم المتغيرات الكامنة الخاضعة للرقابة ضمن نماذج معادلات بنائية متكاملة (Structural Equation Modeling). - إجراء تحليلات الحساسية (Sensitivity Analyses): مقارنة مخرجات النماذج المتخصصة (كنماذج توبيت ونماذج البقاء) مع الطرق البديلة تحت افتراضات متباينة لأنماط الفقد والرقابة، لتقييم مدى متانة الاستنتاجات الإكلينيكية وعدم تأثرها بالخيارات الرياضية المجردة.
خاتمة
تُعد البيانات الخاضعة للرقابة جزءاً لا يتجزأ من واقع البحث النفسي والقياس السلوكي المعقد، وليست مجرد عائق إحصائي عابر. إن الانتقال من النظرة التقليدية التي تعتبر هذه البيانات نقصاً يجب استبعاده إلى الرؤية المعرفية الحديثة التي تدمج حدود القياس ضمن البناء الرياضي للنماذج الإحصائية يمثل قفزة نوعية في دقة العلوم النفسية وموثوقيتها. ومن خلال تبني نماذج مثل توبيت ونظم تحليل البقاء ومقدّرات الإمكان الأعظم، يضمن الباحثون احترام الطبيعة المعقدة للسلوك البشري وتقديم استنتاجات علمية رصينة تدعم التشخيص الإكلينيكي الرشيد والممارسات العلاجية القائمة على الأدلة الدامغة.
المراجع
- Allison, P. D. (2010). Survival analysis using SAS: A practical guide (2nd ed.). SAS Institute.
- Berkson, J., & Gage, R. P. (1950). Calculation of survival rates for cancer. Proceedings of the Staff Meetings of the Mayo Clinic, 25(11), 270–286.
- Cox, D. R. (1972). Regression models and life-tables. Journal of the Royal Statistical Society: Series B (Methodological), 34(2), 187–202. https://doi.org/10.1111/j.2517-6161.1972.tb00899.x
- Kaplan, E. L., & Meier, P. (1958). Nonparametric estimation from incomplete observations. Journal of the American Statistical Association, 53(282), 457–481. https://doi.org/10.1080/01621459.1958.10501452
- Little, R. J. A., & Rubin, D. B. (2019). Statistical analysis with missing data (3rd ed.). John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9781119482864
- Muthén, B. (1984). A general structural equation model with dichotomous, ordered categorical, and continuous latent variable indicators. Psychometrika, 49(1), 115–132. https://doi.org/10.1007/BF02294210
- Tobin, J. (1958). Estimation of relationships for limited dependent variables. Econometrica, 26(1), 24–36. https://doi.org/10.2307/1907382
- Twisk, J. W. (2013). Applied longitudinal data analysis for epidemiology: A practical guide (2nd ed.). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781139344463