العلاج الأسريعلم النفس الإكلينيكيعلم النفس المعرفي والنمائي

النزعة المركزية (الانجذاب نحو المركز) في علم النفس

استكشف مفهوم النزعة المركزية (الانجذاب نحو المركز) في علم النفس ونظرية النظم الأسرية، ودور القوى الداخلية في التشابك الأسري، وتكوين الهوية، والوظائف العصبية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 2 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 2 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشير مفهوم النزعة المركزية (Centripetal) في الحقل السيكولوجي إلى تلكم القوى والديناميات النفسية والعلائقية التي تجذب الأفراد أو العمليات العقلية نحو الداخل أو باتجاه النواة المركزية للمنظومة، سواء كانت هذه المنظومة هي الذات الفردية، أو النسق الأسري، أو الشبكة المعرفية العصبية. وعلى النقيض من القوى الطاردة عن المركز التي تدفع نحو التشتت والانفصال الخارجي، تعمل النزعة المركزية كقوة تماسكية مكثفة تعيد توجيه الطاقات العاطفية والسلوكية نحو بؤرة محددة، مما يمارس تأثيرات بالغة التعقيد على النمو النفسي، والتمايز الذاتي، والوظائف التكيفية للكائن البشري.

التأصيل المفاهيمي والجذور المعجمية للنزعة المركزية

اشتُق مصطلح النزعة المركزية في أصله اللغوي والفيزيائي من الكلمتين اللاتينيتين centrum وتعني “المركز”، وpetere وتعني “يتجه نحو” أو “يبحث عن”، للدلالة على القوة التي تجعل جسماً ما يتحرك باتجاه نقطة مركزية محددة. وعندما استعار علم النفس والعلوم السلوكية هذا المفهوم في منتصف القرن العشرين، أُعيدت صياغته ليصف قوى الجذب الداخلي والترابط الشديد التي تحافظ على تماسك الكيانات النفسية والاجتماعية في مواجهة عوامل التفكك والضغوط البيئية الخارجية المحيطة بها.

يتجلى المفهوم في الأدبيات الإكلينيكية المعاصرة باعتباره بنية متعددة المستويات؛ فهو يُستخدم من جهة لوصف مسارات النقل العصبي الواردة التي تنقل المثيرات من المحيط الحسي باتجاه الجهاز العصبي المركزي، ومن جهة أخرى لترسيم حدود الأنماط التفاعلية الأسرية والجماعية التي تحول دون خروج الأفراد عن المدار العاطفي للنسق الحاكم. وبذلك، فإن المفهوم يتجاوز المعنى الحركي الميكانيكي ليغدو استعارة نظرية مفسرة لظواهر التماسك، والاندماج، والتقوقع، والانكفاء النفسي الداخلي في سياقات الصحة والاعتلال على حد سواء.

إن إدراك الطبيعة المزدوجة لهذا المفهوم يستوجب النظر إليه لا كحالة سكونية جامدة، بل كعملية دينامية مستمرة؛ فالقوى المركزية ليست مفيدة أو ضارة في ذاتها، بل تتحدد قيمتها التكيفية بمدى مرونتها وقدرتها على تحقيق التوازن مع نظيراتها من القوى الطاردة. فحينما تعمل هذه النزعة باعتدال، تضمن توفير الأمان النفسي والانتماء الجماعي والتكامل الحسي، ولكن عندما تتطرف وتتحول إلى آلية مطلقة، فإنها تفضي إلى الجمود، وإعاقة الاستقلالية، وتوليد مختلف أشكال العصاب والاضطرابات الارتباطية.

السياق النظري والتاريخي للمفهوم في العلوم النفسية

شهد العقدان السادس والسابع من القرن العشرين تحولاً إبستمولوجياً بارزاً في التحليل النفسي مع صعود نظرية النظم العامة ونظرية الضبط السيبرانية، حيث بدأ المنظرون في الابتعاد عن النماذج الخطية الفردية لتفسير السلوك الإنساني لمصلحة النماذج الدائرية والمجالية. وفي هذا المناخ الفكري الخصب، وجد علماء النفس الإكلينيكيون أن استعارة قوى الحركة المركزية والطاردة توفر إطاراً بيانياً متقدماً لفهم كيفية حفاظ الجماعات الإنسانية الصغيرة، ولا سيما الأسر، على استقرارها الداخلي أو تعرضها للانهيار التفككي.

ساهمت مدرسة بالو ألتو ومجموعة من رواد العلاج العائلي في إدخال هذه المفاهيم إلى أدبيات علم النفس المرضي؛ إذ لوحظ أن بعض الأسر تستجيب للأزمات والتوترات بالانغلاق التام والانسحاب نحو الداخل، محاصرةً أفرادها في شبكة محكمة من العلاقات التكافلية، في حين تستجيب أسر أخرى بالتشتت السريع ونبذ أفرادها إلى الخارج. وقد وفر هذا التباين أرضية خصبة لصياغة نماذج تصنيفية للأنساق الإنسانية ترتكز على محور الحركة نحو المركز مقابل الحركة نحو الأطراف.

تزامن ذلك مع تطورات موازية في علم النفس العصبي والفيزيولوجيا السلوكية، حيث أعادت الأبحاث الرائدة حول المسارات الحسية الصاعدة التأكيد على الطبيعة الجاذبة للمركز لنقل المعلومات العصبية الحيوية، مما أسهم في ترسيخ المفهوم عبر مختلف تخصصات العلوم المعرفية والسلوكية كنواة نموذجية تعبر عن حركة الارتداد نحو البؤرة المؤسسة للمعنى والتحكم.

النمط المركزي في نظرية النظم الأسرية: إسهامات هيلم شتيرلين

يُعزى الفضل الأكبر في مأسسة مصطلح “النزعة المركزية” (Centripetal Pattern) في العلاج الأسري إلى المحلل النفسي والباحث الألماني الأمريكي هيلم شتيرلين (Helm Stierlin). قدّم شتيرلين في سبعينيات القرن العشرين نموذجاً ثنائياً محورياً يصنف ديناميات الانفصال والارتباط في مرحلة المراهقة والشباب، مميزاً بين الأسر ذات القوى المركزية الجاذبة والأسر ذات القوى الطاردة.

وفقاً لطرح شتيرلين، تتسم الأسرة ذات النمط المركزي بقوة جذب هائلة تشد الأبناء باستمرار نحو المدار العائلي الداخلي؛ حيث يُنظر إلى العالم الخارجي بوصفه مصدراً للتهديد، والوحشة، والخطر الداهم، بينما يُعامل المحيط الداخلي للأسرة كالملاذ الآمن الوحيد الذي يمكن الوثوق به. وفي هذه البيئة، يصبح النمو الطبيعي نحو الاستقلال بمثابة خيانة صريحة أو فعل مدمر يهدد تماسك الجماعة، مما يولد لدى الأبناء مشاعر ذنب جارفة عند أي محاولة لتأكيد الذات المنفصلة.

أوضح شتيرلين أن هذا النمط يمارس نوعاً من “الإلزام العلائقي غير المرئي”، حيث تُشبع جميع الحاجات النفسية والاجتماعية والعاطفية حصرياً داخل حدود المنزل. وينتج عن ذلك منع عمليات الاستكشاف والتجريب التي تُعد حاسمة لتطور الهوية في مرحلة المراهقة؛ فالحدود المحيطة بهذه الأسر صلبة ومنغلقة للغاية تجاه العالم الخارجي، ولكنها هشة وغائبة تماماً فيما بين أفراد الأسرة أنفسهم، مما يقود مباشرة إلى نمط التشابك المرضي (Enmeshment).

الخصائص البنيوية والدينامية للأسرة ذات النزعة المركزية

تتميز المنظومات التي تحكمها قوى الجذب المركزي بمجموعة من السمات البنيوية الثابتة التي رصدها باحثو العلاج البنيوي والتواصلي، ويمكن إجمال أبرز هذه الملامح في المحددات التالية:

  • التشابك والتماهي المفرط: يغيب التمايز الواضح بين المشاعر الفردية؛ إذ يُفترض في الجميع أن يشعروا بنفس المشاعر ويفكروا بنفس الطريقة، ويصبح حزن أحد الأفراد عبئاً يلتزم الجميع باختباره فوراً دون إتاحة مساحة للخصوصية الذاتية.
  • صلابة الحدود الخارجية ونفاذية الحدود الداخلية: يتم بناء جدار دفاعي نفسي كثيف يعزل الأسرة عن الامتدادات المجتمعية، في حين تُلغى المسافات الشخصية داخل المنزل، بما في ذلك الحدود بين جيل الآباء وجيل الأبناء.
  • تحريم الانفصال والتفريد: يُفسر السلوك الاستقلالي، كاختيار مسار مهني غير تقليدي أو الارتباط بشريك خارج الدائرة المفضلة للأسرة، بوصفه قطيعة عدائية ومحاولة لتقويض الوجود الأسري.
  • المركزية الأسطورية والتاريخية: استدعاء مستمر لسرديات العائلة وتاريخها المشترك لتعزيز الشعور بالاصطفاء والفرادة، وتأكيد استحالة العثور على أمان مماثل خارج هذا النطاق السلالي.

تؤدي هذه المحددات البنيوية إلى تعطيل وظائف التكيف التطوري لدى الأبناء؛ فعندما يواجه هؤلاء الأفراد تحديات الحياة المستقلة في مرحلة الرشد المبكر، تفتقر بنيتهم النفسية إلى المهارات التفاوضية والصلابة الذاتية اللازمة لمواجهة الصراعات في الفضاء العام، مما يدفعهم غالباً إلى الانتكاس والارتداد نحو الحظيرة الأسرية طلباً للملاذ وتجنباً لقلق الانفصال الحاد.

علاوة على ذلك، ترتبط النزعة المركزية الشديدة بارتفاع مستويات التعبير العاطفي المكثف (Expressed Emotion)، حيث تسود مشاعر القلق المشترك والحماية الزائدة والمراقبة اللصيقة. هذه الأجواء تزيد من الهشاشة النفسية وتفاقم الأعراض الإكلينيكية لدى الأعضاء الأكثر قابلية للتأثر جينياً أو فيزيولوجياً، كما وثقت ذلك دراسات الفصام والاضطرابات الجسدية الشكلية المنشأ.

الأبعاد العصبية الحيوية والمعرفية: الإشارات الجاذبة نحو المركز

على المستوى البيولوجي العصبي، يحمل مفهوم “النزعة المركزية” مدلولاً بنيوياً ووظيفياً يشير إلى التوصيل العصبي الوارد (Afferent / Centripetal Conduction)، وهو المسار الذي تنتقل عبره السيالات العصبية من المستقبلات الحسية الطرفية في الجلد والعضلات والأحشاء الداخلية باتجاه المراكز العليا في النخاع الشوكي وقشرة المخ.

يمثل هذا النقل المركزي حجر الزاوية في بناء الإدراك الذاتي والاستقبال الداخلي (Interoception)، وهي العملية العصبية التي تتيح للدماغ رسم خريطة مستمرة للحالة الحيوية للجسم. وبفضل هذه الإشارات الواردة نحو المركز، يستطيع الدماغ تشكيل الوعي الأولي بالجسد، والذي يعتبره علماء الأعصاب المعاصرون الأساس التطوري لنشأة المشاعر الذاتية والهوية الواعية.

من الناحية المعرفية، تتجلى العمليات المركزية في آليات المعالجة التجميعية والتكاملية (Integrative Cognitive Processing)، حيث تجتمع المدخلات الحسية المتعددة القادمة من الحواس المختلفة وتنجذب نحو شبكات الاندماج في الفصوص الجدارية والجبهية. إن هذه القوة المعرفية الجاذبة نحو المركز تضمن تحويل الشتات الإدراكي اللحظي إلى تمثيل ذهني موحد وذي معنى، مما يمنع تفكك الخبرة الإنسانية إلى جزيئات حسية معزولة.

عندما تتعطل هذه الوظائف المركزية، يظهر الخلل في صورة تفكك معرفي، أو صعوبة في تصفية المثيرات الزائدة، أو قصور في الاستبصار الجسدي. ومن ثم، فإن التكامل العصبي السليم يمثل تجسيداً مادياً موازياً للتوازن النفسي بين التدفقات الحسية الطاردة باتجاه البيئة وردود الفعل المركزية المنكفئة نحو النواة العصبية التكاملية في الجهاز العصبي المركزي.

النزعة المركزية في تكوين الهوية وعلم نفس الأنا

في إطار سيكولوجية الأنا ونظريات التحليل النفسي الحديثة، تشير النزعة المركزية إلى العمليات الدفاعية والبنائية التي تقوم بها الذات لتحقيق تماسك الأنا (Ego Cohesion) وصيانة نرجسيته السوية. في المراحل النمائية المبكرة، كما وصفتها مارغريت ماهلر، يمر الطفل بمرحلة تمايز يتقاطع فيها الجذب المركزي نحو الأم مع الدفع الطارد نحو استكشاف العالم المحيط.

تُعد “الحركة المركزية للعودة إلى المرفأ العاطفي للأم” شرطاً أساسياً لنجاح مرحلة التقارب (Rapprochement)؛ حيث يحتاج الطفل بعد كل جولة استكشافية إلى الارتداد نحو المركز الوالدي لإعادة التزود بالوقود العاطفي (Emotional Refueling). إن الإخفاق في ترسيخ هذه النزعة المركزية الآمنة يترك الذات في حالة من انعدام الاستقرار الهوياتي، مما يمهد لظهور تنظيمات الشخصية الحدية التي تعجز عن تحقيق الاستقرار الداخلي.

من منظور نظرية الذات لهاينز كوهوت، تمثل النزعة المركزية قدرة الفرد على استدخال وظائف الموضوعات الذاتية (Self-objects) لبناء بنية نفسية متماسكة قادرة على التهدئة الذاتية وضبط المشاعر. وفي غياب هذا الاستدخال المركزي، يظل الأنا هشاً وعرضة للتفتت، مما يدفع الفرد للبحث القهري عن مهدئات خارجية بديلة، كالإدمان أو السلوكيات الاندفاعية، لتعويض النقص الحاد في طاقة التماسك المركزية.

المقارنة التحليلية: القوى المركزية في مواجهة القوى الطاردة

تتضح طبيعة النزعة المركزية بصورة أعمق عند مقارنتها بنظيرتها القطبية: النزعة الطاردة عن المركز (Centrifugal Force). تتفاعل هاتان القوتان في جدلية مستمرة تحكم توازن الأنظمة الحية، ويمكن تفصيل هذا التباين التحليلي وفق المحاور التالية:

  • مركز الثقل النفسي: في المنظومة المركزية، يقع مركز الإسناد والقيمة العاطفية في الداخل النواتي، بينما يقع في المنظومة الطاردة في البيئة المحيطة أو الفضاءات الخارجية المتفرقة.
  • طبيعة الاستجابة للضغوط: تلجأ الأنساق المركزية إلى الانكماش، والتراجع، والالتصاق الداخلي لمواجهة الأزمات، في حين تلجأ الأنساق الطاردة إلى التشتت، والإنكار، وهروب الأفراد نحو أطراف مختلفة وتخليهم عن الروابط التكافلية.
  • الاضطرابات النمطية المرتبطة: ترتبط النزعة المركزية المفرطة بأعراض الاحتواء النفسي والتمركز الباطني؛ مثل الفصام التفاعلي العائلي، وقلق الانفصال، والرهاب الاجتماعي، وفقدان الشهية العصابي (Anorexia Nervosa) كعرض للصراع حول السيطرة الذاتية في بيئة خانقة. وبالمقابل، ترتبط النزعة الطاردة باضطرابات التصرف، والانحرافات السلوكية، والهروب المبكر، وتفكك الروابط الأسرية.
  • المرونة التطورية: تعيق النزعة المركزية الحادة استيعاب المعطيات الجديدة وتطور الأدوار، مما يقود إلى الركود التطوري، بينما تقود النزعة الطاردة المفرطة إلى الفوضى وفقدان الانتماء والتبدد الهوياتي.

يتضح من هذا التقابل أن النضج السيكولوجي والتكيف الأسري الأمثل لا يتحققان بترجيح إحدى القوتين بصورة مطلقة، بل بإنشاء توازن دينامي مرن يسمح للنسق بممارسة الجذب المركزي لتوفير الأمان والانتماء عند الحاجة، وبالسماح للقوى الطاردة بالعمل لتمكين الانطلاق والاستكشاف والتفريد المستقل.

التطبيقات الإكلينيكية والتشخيصية في العلاج النفسي

يواجه المعالج النفسي في الممارسة الإكلينيكية تحديات فريدة عند العمل مع أفراد أو أسر تهيمن عليهم النزعة المركزية؛ إذ غالباً ما يُنظر إلى العملية العلاجية والتدخل الخارجي كتهديد استراتيجي لوحدة النسق، مما يؤدي إلى مقاومة علاجية شرسة تتخفى وراء أقنعة الامتثال الشكلي أو إلغاء المواعيد.

تتطلب استراتيجيات التدخل في هذه الحالات تفكيكاً تدريجياً لقوى الجذب القسرية دون تهديد الحاجة الأساسية للأمان؛ حيث يعمد المعالج البنيوي إلى “إعادة ترسيم الحدود” (Boundary Making) بين الأجيال، وتشجيع الأبناء على اتخاذ قرارات فردية محدودة كخطوة تمهيدية، مع طمأنة الوالدين بأن استقلال الابن لا يعني تلاشي رابطة الحب والولاء.

في العلاج الفردي المعرفي والسلوكي أو التحليلي، يركز العمل الإكلينيكي على مساعدة المسترشد في فحص “المعتقدات الجاذبة للمركز” الخاطئة، مثل الاعتقاد بأن: «الانفصال عن رأي العائلة هو خطيئة عقوق لا تُغتفر»، أو «العالم الخارجي غابة موحشة لا يمكن النجاة فيها بمفردي». ويتيح تفكيك هذه المخططات المعرفية للمسترشد بناء هوية ذاتية متمايزة (Differentiated Self) قادرة على إقامة علاقات متوازنة تجمع بين القرب الحميم والاستقلال الوظيفي.

بالإضافة إلى ذلك، يلجأ المعالجون إلى استكشاف الأنماط العابرة للأجيال (Transgenerational Transmission)، حيث يتبين غالباً أن النزعة المركزية الراهنة هي صدى لصدمات تاريخية عانت منها الأجيال السابقة، كالحروب، أو التهجير، أو الفقد الجماعي، والتي جعلت من الانغلاق التام وسيلة بقاء ضرورية تم توريثها حتى بعد زوال التهديد الواقعي، مما يستلزم إعادة كتابة السردية الأسرية التحررية.

خاتمة واستشراف

يمثل مفهوم النزعة المركزية ركيزة نظرية بالغة الأهمية لفهم التفاعلات المعقدة التي تنظم الذات والأنظمة الإنسانية عبر مختلف المستويات النمائية والمعرفية والعلائقية. ورغم أن هذا المفهوم قد ارتبط في الأدبيات الإكلينيكية بظواهر التشابك الأسري والاعتمادية المرضية، إلا أن وظيفته البنائية الأصلية تظل جوهرية لصون التماسك الوجودي، وبناء الشعور بالأمان، وتوفير الملاذ النفسي الضروري لمواجهة تحديات الواقع. إن الفهم المعاصر لهذا المفهوم يدعو إلى تجاوز النظرة الأحادية التي تجرم قوى الجذب الداخلي، والتوجه نحو نموذج تكاملي يعزز التناغم الإيقاعي بين النزعة المركزية التي تحتضن الذات وتمنحها الجذور، والنزعة الطاردة التي تدفع بها نحو الآفاق الحياتية الرحبة وتحقق لها أجنحة الانطلاق.

المراجع

  • Bowen, M. (1978). Family therapy in clinical practice. Jason Aronson.
  • Minuchin, S. (1974). Families and family therapy. Harvard University Press.
  • Stierlin, H. (1974). Separating parents and adolescents: A perspective on running away, schizophrenia, and waywardness. Quadrangle/The New York Times Book Co.
  • Stierlin, H. (1978). Delegation und Familie: Beiträge zum Heidelberger familiendynamischen Konzept. Suhrkamp.
  • Walsh, F. (2016). Normal family processes: Growing diversity and complexity (4th ed.). The Guilford Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 2). النزعة المركزية (الانجذاب نحو المركز) في علم النفس. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/centripetal-psychology/
looti, Mohammed. “النزعة المركزية (الانجذاب نحو المركز) في علم النفس.” عرب سايكلوجي, 2 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/centripetal-psychology/.
looti, Mohammed. “النزعة المركزية (الانجذاب نحو المركز) في علم النفس.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 2, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/centripetal-psychology/.