يُمثّل الرنح المخيخي (Cerebellar Ataxia) أحد أعقد الاضطرابات العصبية الحركية التي تتجاوز في آثارها مجرد الخلل الميكانيكي في تناسق حركة الجسد، لتمتد إلى صلب التنظيم المعرفي والانفعالي للإنسان. يُعرّف هذا الاضطراب سريرياً بفقدان التناسق العضلي الإرادي الناجم عن خلل وظيفي أو تلف بنيوي يصيب المخيخ أو مساراته العصبية الصادرة والواردة، مما يؤدي إلى تفكك التناغم البيني لمجموعات العضلات المختلفة. ومع التطورات المتسارعة في علم النفس العصبي الحديث، أضحى الرنح المخيخي يُدرس بوصفه نموذجاً شاملاً لاختلال المعالجة الزمنية، والتحكم التنفيذي، والتنظيم الوجداني، كاشفاً النقاب عن دور المخيخ المحوري بوصفه حاسوباً مركزياً يُعاير كلّاً من السلوك الحركي والحياة النفسية على حد سواء.
التأصيل التاريخي وتطور النظريات العصبية للمخيخ
شهد الفهم العلمي للمخيخ والرنح المرتبط به تحولاً جذرياً عبر القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث سادت لفترة طويلة النظرة الاختزالية التي اعتبرت المخيخ مجرد مركز حصري للتنسيق الحركي المحض دون أي دور معرفي. أسهمت أبحاث الرواد الكلاسيكيين، مثل الطبيب الفرنسي جان بيير فلورنس (Jean Pierre Flourens) في مطلع القرن التاسع عشر، في إرساء الفكرة القائلة بأن استئصال المخيخ لدى الحيوانات لا يُفقدها القوة العضلية أو الوعي، بل يجرّدها من التناغم والتآزر الحركي، وهو ما وُصف لاحقاً بمصطلح الرنح. تلا ذلك الوصف السريري الباذخ الذي قدّمه طبيب الأعصاب البريطاني غوردون هولمز (Gordon Holmes) لجنود الحرب العالمية الأولى المصابين بطلقات نارية في الفص القفوي والمخيخ، حيث فصّل بدقة علامات خلل القياس، والرعاش القصدي، واضطراب تعاقب الحركات.
مع ذلك، ظل النموذج الطبي يعتبر المخيخ معزولاً عن الدوائر العليا المسؤولة عن العاطفة والتفكير حتى الربع الأخير من القرن العشرين، حين قاد عالم الأعصاب جيريمي شماهمن (Jeremy Schmahmann) ثورة مفاهيمية عبر إعادة قراءة التشريح العصبي الطبوغرافي للمخيخ. أثبتت الدراسات المستندة إلى تقنيات تتبع المحاوير العصبية والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وجود روابط متبادلة كثيفة تربط المخيخ بالقشرة الجبهية الحجاجية، والقشرة أمام الجبهية الظهرانية الجانبية، والجهاز الحوفي. وقد أفضى هذا التراكم المعرفي إلى صياغة مفهوم «المتلازمة المعرفية الوجدانية المخيخية» (Cerebellar Cognitive Affective Syndrome – CCAS)، مما جعل دراسة الرنح المخيخي ركيزة لا غنى عنها في علم النفس العصبي المعاصر.
في السياق التاريخي التحليلي، تجدر الإشارة إلى أن إدراك الرنح المخيخي تطور بالتوازي مع فهم طبيعة الدارات العصبية الراجعة، حيث تحول المفهوم من كونه عجزاً موضعياً إلى كونه فشلاً في المعايرة الشاملة لنظام التغذية الراجعة والتغذية الاستباقية في الدماغ. هذا الانتقال من النموذج الحركي الحصري إلى النموذج النظمي التكاملي ساعد الباحثين في علم النفس الإكلينيكي على تفسير التدهور المزاجي والانفعالي الذي يعاني منه مرضى الرنح، والاعتراف بأن اضطراب المشية واختلال النطق هما مجرد واجهة حركية لخلل تنظيمي قد يمس أيضاً سلاسة الأفكار ومرونة المشاعر.
التشريح العصبي الوظيفي للرنح المخيخي
يتطلب فهم الآلية المرضية للرنح المخيخي إدراكاً عميقاً للتقسيم الوظيفي للمخيخ، والذي ينقسم إلى ثلاثة فصوص رئيسية وثلاث دوائر تشريحية متخصصة. يُعرف القسم الأول باسم «المخيخ الدهليزي» (Vestibulocerebellum)، ويتألف أساساً من الفص الندفي العقداني، وهو المسؤول الأول عن ضبط التوازن الحركي المحوري وتنسيق حركات العين المرتبطة بوضعية الرأس؛ وأي تلف في هذا الجزء ينعكس مباشرة في صورة رنح في الجذع، وعدم استقرار المشية، ورأرأة العين المرضية. أما القسم الثاني، وهو «المخيخ الشوكي» (Spinocerebellum) المكون من الدودة المخيخية والمناطق المجاورة لها، فيتولى استقبال الإشارات الحسية الذاتية الصاعدة من النخاع الشوكي لضبط حركات الأطراف وتوتر العضلات، ويؤدي اعتلاله إلى رنح الأطراف وخلل المشية التبخترية.
أما القسم الثالث، وهو «المخيخ المخي» (Cerebrocerebellum)، والذي يضم نصفي الكرة المخيخية الجانبيين ونواة المخيخ المسننة الكبيرة، فيمثل أحدث الأجزاء تطوراً من الناحية التطورية والبيولوجية. يرتبط هذا الجزء وظيفياً وشبكياً بالقشرة المخية الحديثة عبر السبيل الجسري المخيخي (Corticopontocerebellar pathway) والسبيل المخيخي المهادي القشري (Cerebellothalamocortical pathway)، ولا يقتصر دوره على التخطيط الحركي المعقد والتعديل الزمني الدقيق للأنشطة الإرادية، بل يمتد إلى تنظيم الوظائف المعرفية العليا، مثل الذاكرة العاملة وسرعة المعالجة الذهنية والانتباه التنفيذي. وبناءً على ذلك، فإن الرنح الناجم عن تلف نصفي الكرة المخيخية يتجلى في صورة عدم اتساق حركي دقيق مصحوباً بتباطؤ ذهني وضعف في التكيف المعرفي مع المتغيرات البيئية.
تعمل خلايا بوركينجي (Purkinje cells) في القشرة المخيخية بوصفها المخرج التثبيطي الوحيد للمعلومات عبر الناقل العصبي حمض الغاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، وتتلقى مدخلاتها من نوعين رئيسيين من الألياف: الألياف الطحلبية (Mossy fibers) والألياف المتسلقة (Climbing fibers). يتسبب موت هذه الخلايا، سواء كان وراثياً أو تنكسياً أو ناتجاً عن سمية كيميائية، في انهيار التوازن التثبيطي على الأنوية المخيخية العميقة، مما يحرم الجهاز العصبي من قدرته على حساب الخطأ الحركي وتصحيحه آنياً، وهو الأساس الفسيولوجي المباشر لظاهرة الرنح.
المسببات الإمراضية والتصنيف السريري للرنح
تتنوع مسببات الرنح المخيخي تنوعاً هائلاً، مما يجعل تشخيصه التفريقي تحدياً طبياً ونفسياً عصبياً معقداً يتطلب استقصاءً دقيقاً للأسباب الوراثية والمكتسبة. يمكن تصنيف الرنح إلى فئات رئيسية تشمل الأشكال المكتسبة الحادة، والأشكال التنكسية المزمنة، والاضطرابات الوراثية أحادية الجين أو متعددة الجينات. تشمل الأسباب المكتسبة الحادة السكتات الدماغية في الشرايين المخيخية، والإصابات الرضية، وحالات التسمم الحاد (مثل التسمم الكحولي أو الأدوية المضادة للصرع)، بالإضافة إلى الالتهابات الفيروسية واعتلالات المناعة الذاتية مثل التصلب المتعدد أو التهاب الدماغ المخيخي التالي للعدوى.
على الجانب الآخر، تبرز الأشكال الوراثية للرنح بوصفها نماذج فريدة لدراسة التدهور العصبي التدريجي وتداعياته السلوكية. تشمل هذه الفئة الاضطرابات الجسدية السائدة المعروفة بـ الرنح النخاعي المخيخي (Spinocerebellar Ataxias – SCAs)، والتي تضم أكثر من أربعين نمطاً جينياً ناتجة في كثير من الأحيان عن تكرار ثلاثي النوكليوتيد (CAG repeats) الذي يرمز لمتعدد الغلوتامين، مما يسبب سُمية بروتينية تقود إلى موت الخلايا العصبية. كما تشمل الاضطرابات المتنحية الشائعة رنح فريدريك (Friedreich’s Ataxia)، الناجم عن طفرة في جين الفراتاكسين (FXN)، ورنح توسع الشعيرات (Ataxia-Telangiectasia)، وكلاهما يؤدي إلى تدهور حركي تدريجي يترافق مع أعراض جهازية وعصبية واسعة النطاق.
علاوة على ذلك، لا بد من الإشارة إلى متلازمات الرنح نظيرة الورمية (Paraneoplastic cerebellar degeneration)، حيث تنتج الأورام الخبيثة (مثل سرطان الرئة أو المبيض) مستضدات تُحفّز الجهاز المناعي على إنتاج أجسام مضادة تهاجم أنسجة المخيخ عن طريق الخطأ (مثل الأجسام المضادة لـ Yo أو Hu). تمثل هذه الفئة خطورة سريرية بالغة، إذ غالباً ما تتطور أعراض الرنح فيها بسرعة فائقة وتترافق مع اضطرابات نفسية حادة، مثل الهذيان أو الذهان أو الاكتئاب التفاعلي الحاد، ما يفرض حاجة ماسة للتدخل العلاجي السريع.
المظاهر السريرية الحركية للرنح المخيخي
تنعكس الإصابة المخيخية في مصفوفة غنية من الأعراض والعلامات الحركية التي تشكل «المتلازمة الحركية المخيخية» الكلاسيكية. أول هذه العلامات وأكثرها وضوحاً هو خلل المشية الرنحي (Ataxic gait)، حيث يمشي المريض بقاعدة عريضة تباعد بين القدمين، بخطوات غير متساوية في الطول والاتجاه، مع تأرجح جذعي واضح يشبه مشية الشخص المخمور. يعود هذا الخلل إلى عجز المخيخ عن دمج الإشارات الحسية التنبؤية وضبط نغمة العضلات المحورية المعنية بمقاومة الجاذبية والحفاظ على استقامة القوام أثناء الانتقال الديناميكي.
تتمثل العلامة المحورية الثانية في خلل القياس (Dysmetria)، وهو عدم القدرة على ضبط المسافة والمدى والقوة اللازمة لتنفيذ حركة موجهة نحو هدف معين. ينقسم هذا الخلل إلى تجاوز الهدف (Hypermetria) أو التقاصر دونه (Hypometria)، ويمكن فحصه سريرياً باختبار «الإصبع إلى الأنف». يترافق هذا الخلل في الغالب مع الرعاش القصدي (Intention tremor)، وهو اهتزاز ذو تردد منخفض وسعة متزايدة يظهر ويزداد حدة كلما اقترب العضو الحركي (مثل اليد أو الإصبع) من بلوغ هدفه النهائي، ممثلاً فشلاً مستمراً لآلية التخميد الحركي التي يوفرها المخيخ السليم.
تشمل المظاهر الحركية الملحقة الأخرى علامات فارقة تصيب الكلام والرؤية والحركات التبادلية السريعة، ومنها:
- خلل تعاقب الحركات (Dysdiadochokinesia): العجز عن إجراء الحركات التناوبية السريعة والمنتظمة، مثل الكب والاستلقاء السريعين لليدين، حيث يظهر اضطراب فادح في الإيقاع والاتساق.
- عسر النطق الرنحي (Ataxic dysarthria): نمط نطق غير منتظم يتميز باختلال تناغم المقاطع الصوتية، وتوزيع النبرات بشكل فجائي وانفجاري، ويشار إليه أحياناً بـ «الكلام الممسوح» أو المتقطع نتيجة لعدم التناسق بين عضلات التنفس واللسان والحنجرة.
- الرأرأة واضطرابات حركة العين: حركات لاإرادية وتذبذبية في مقلتي العين عند التحديق الجانبي أو العمودي، مصحوبة بانكسار التتبع البصري السلس إلى حركات رمعية تصحيحية متقطعة (Saccadic pursuit).
- ظاهرة الارتداد (Rebound phenomenon): عدم قدرة المريض على كبح الذراع بقوة مضادة عند تحرير مقاومة مفاجئة، مما قد يؤدي إلى ارتطام يده بجسده لغياب الفعل الانعكاسي التثبيطي الآني.
المتلازمة المعرفية الوجدانية المخيخية: البعد النفسي العصبي
يُعد إرساء مفهوم المتلازمة المعرفية الوجدانية المخيخية (Cerebellar Cognitive Affective Syndrome – CCAS)، أو ما بات يُعرف في الأدبيات الطبية بمتلازمة شماهمن، أحد أبرز الإنجازات المعاصرة في تقاطع طب الأعصاب مع الطب النفسي. تفترض هذه المتلازمة أن المخيخ يقوم بدور «المُعايِر الشامل» (Universal Cerebellar Transform)، بمعنى أنه كما يقوم المخيخ بتثبيط التذبذبات الحركية المفرطة وتنعيم الحركة الميكانيكية، فإنه يقوم بذات المهمة التنظيمية على العمليات العقلية والوجدانية، مانعاً الأفكار والمشاعر من الانحراف نحو التطرف أو عدم الانتظام.
تتجلى هذه المتلازمة المعرفية في أربعة محاور سريرية رئيسية تُصيب مرضى الرنح المخيخي:
- اضطراب الوظائف التنفيذية: يعاني المريض من عجز واضح في التخطيط، والمرونة الذهنية، والطلاقة اللفظية، وحل المشكلات، والقدرة على تبديل الانتباه بين المهام المتعددة، وهي سمات كانت تُعزى تاريخياً وحصرياً إلى تلف الفص الجبهي.
- تدهور الإدراك البصري المكاني: ضعف في الذاكرة المكانية، وصعوبة في إعادة تركيب الأشكال الهندسية المعقدة، واختلال في إدراك المسافات النسبية للأشياء في الفضاء المحيط.
- الاضطرابات اللغوية والتعبيرية: ظهور حبسة لفظية مخيخية (Cerebellar anomia)، وتفكك النحو والقواعد اللغوية السليمة (Agrammatism)، وانخفاض دراماتيكي في طلاقة توليد الكلمات.
- تشتت التنظيم الوجداني والشخصية: تقلبات مزاجية فجائية، وتسطح عاطفي، واندفاعية غير مبررة، وتصرفات لا تتناسب مع السياق الاجتماعي، تشبه أحياناً متلازمات نزع التثبيط الجبهي.
إن الأساس البيولوجي لهذه المتلازمة يرتبط بتعطل «الدارات الجبهية المخيخية» (Frontocerebellar loops) التي تربط نوى المخيخ بالقشرة الجبهية الحجاجية المسؤولة عن الضبط الأخلاقي والاجتماعي، والقشرة الظهرانية الجانبية المسؤولة عن الذاكرة العاملة والمنطق. عندما تتلف هذه الدارات بفعل الرنح المخيخي، يفقد الدماغ أداة الضبط الدقيق لسرعة وتوقيت معالجة الإشارات الوجدانية، مما يفسر ميل بعض المرضى إلى نوبات بكاء أو ضحك لاإرادية، أو معاناتهم من اضطرابات الاكتئاب الجسيم والقلق العام المقاوم للعلاج التقليدي.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت الدراسات الحديثة في الإدراك الاجتماعي (Social Cognition) أن مرضى الرنح المخيخي يواجهون عجزاً كبيراً في «نظرية العقل» (Theory of Mind)، أي القدرة على استنتاج الحالات العقلية والمشاعر والمقاصد لدى الآخرين بدقة. هذا العجز لا ينبع من تدهور الذكاء العام، بل من فشل المخيخ في بناء نماذج تنبؤية دقيقة للسلوكيات الاجتماعية المعقدة، ما يضع عبئاً نفسياً وعاطفياً هائلاً على كاهل المرضى ومحيطهم الأسري والاجتماعي، ويدفعهم في كثير من الأحيان نحو العزلة الاجتماعية والانكفاء النفسي.
التقييم والتشخيص النفسي العصبي والحركي
يتطلب التشخيص الشامل للرنح المخيخي بروتوكولاً متكاملاً متعدد التخصصات يدمج بين الفحص العصبي الحركي الموضوعي، والتقييم السلوكي النفسي العصبي، والفحوصات البيولوجية والتصويرية المتقدمة. من الناحية الحركية، يُعد مقياس تقييم وتقدير الرنح (Scale for the Assessment and Rating of Ataxia – SARA) الأداة السريرية الأكثر موثوقية وانتشاراً، حيث يقيم بدقة عبر ثمانية محاور درجات عجز المشية، والوقوف، والجلوس، واضطراب الكلام، واختبارات خلل القياس في الأطراف. كما يُستخدم المقياس الدولي المشترك لتقييم الرنح (ICARS) كبديل تفصيلي في العديد من التجارب السريرية والأبحاث الأكاديمية.
أما على الصعيد النفسي العصبي، فلم يعد الفحص الروتيني للوظائف الإدراكية كافياً؛ إذ يتطلب الأمر تطبيق بطاريات متخصصة مثل «مقياس شماهمن للتقييم المعرفي والوجداني المخيخي» (CCAS-Scale). يختبر هذا المقياس سرعة المعالجة، والذاكرة العاملة اللفظية والرقمية، وتسمية الصور، والقدرة على كبح الاستجابة من خلال اختبار ستروب (Stroop Task)، بالإضافة إلى فحص عميق لاضطرابات المزاج والسلوك التكيفي. يُظهر المرضى المصابون بالرنح المخيخي عادةً تباطؤاً ملحوظاً في زمن الرجع الحركي والإدراكي على حد سواء، مع الحفاظ النسبي على بنية الذاكرة الدلالية والذاتية طويلة المدى، ما يميز هذا التدهور عن خرف الزهايمر النمطي.
تكتمل المنظومة التشخيصية بالفحوصات الهيكلية والوظيفية؛ حيث يُظهر التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) بدقة علامات ضمور القشرة المخيخية، وتوسع التلافيف والأخاديد المخيخية، وتضخم البطين الرابع، بالإضافة إلى علامات فارقة مثل «علامة الصليب الساخن» (Hot cross bun sign) في الجسر في بعض حالات الضمور الجهازي المتعدد. ويُستعان بالتحاليل الجينية الجزيئية المتقدمة، مثل تسلسل الإكسوم الكامل (Whole Exome Sequencing)، لتحديد الطفرات الجينية النادرة في حالات الرنح الوراثي، مما يتيح تقديم استشارات وراثية ونفسية ملائمة للمرضى وعائلاتهم.
التدخلات العلاجية وإعادة التأهيل الشامل
حتى الوقت الراهن، لا يوجد علاج دوائي شافٍ يوقف تماماً مسار التدهور النسيجي في معظم أنواع الرنح المخيخي التنكسي والوراثي، مما يجعل إدارة الحالة تعتمد على مقاربة متعددة الأبعاد تستهدف تخفيف الأعراض، وتحسين جودة الحياة، وإعادة التأهيل الوظيفي. تهدف العلاجات الدوائية العرضية إلى تعديل عمل النواقل العصبية؛ حيث يُستخدم الريليزول (Riluzole) كعقار مُعدّل للغلوتامات أظهرت التجارب السريرية قدرته على تقليل درجات الرنح في مقياس SARA، كما تُستخدم أدوية مثل الأمينوبيريدين (4-Aminopyridine) لتحسين الرأرأة الرنحية وحركات العين واستقرار المشية عن طريق إحصار قنوات البوتاسيوم في خلايا بوركينجي.
يمثل العلاج الطبيعي والتأهيلي حجر الزاوية الذي لا غنى عنه في إدارة الرنح؛ إذ تشير الدراسات إلى أن برامج التدريب الحركي المكثفة تُحفّز المرونة العصبية وتُعزز من قدرة المسارات الحركية البديلة (مثل المسار القشري الشوكي والقشرة الحركية الإضافية) على تعويض الخلل المخيخي جزئياً. يشمل هذا التأهيل تدريبات التوازن الديناميكي، والمشي بمساعدة أجهزة التغذية الراجعة البصرية والحسية، واستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والألعاب التفاعلية المصممة لتحسين زمن الاستجابة، بالإضافة إلى تدريبات القوة المحورية التي تحد من خطر السقوط والكسور المتكررة.
في المضمار النفسي العصبي والنفسي الإكلينيكي، تتطلب متلازمة الرنح المخيخي تدخلاً علاجياً مكثفاً لدعم الصحة النفسية، يشمل النقاط الجوهرية التالية:
- التأهيل المعرفي المنظم: استخدام استراتيجيات التعويض الذهني وتدريب الذاكرة التنفيذية للتعامل مع بطء المعالجة والتشتت الذهني، وتدريب المريض على تقنيات التجزئة والتخطيط المسبق للمهام اليومية.
- العلاج النفسي الداعم والمعرفي السلوكي (CBT): مساعدة المريض على التكيف مع التدهور التدريجي في استقلاليته الحركية، ومكافحة أعراض الاكتئاب والقلق الناتجة عن التشخيص، وإعادة صياغة التصور الذاتي حول الجسد والكفاءة الشخصية.
- إعادة تأهيل النطق والتخاطب: تدريب عضلات النطق والتنفس على إيقاع بطيء وثابت لتعزيز وضوح الكلام، وتوفير أجهزة التواصل البديل والمعزز (AAC) في المراحل المتقدمة التي يفقد فيها المريض القدرة على التواصل اللفظي.
- الإرشاد الأسري والبيئي: توعية مقدمي الرعاية بطبيعة التغيرات السلوكية والانفعالية الناجمة عن تلف الدارات المخيخية لتجنب تفسيرها الخاطئ كعناد أو إهمال شخصي، وتعديل البيئة المنزلية للحد من مسببات السقوط وتسهيل الحركة المستقلة.
خاتمة وتطلعات مستقبلية
يظل الرنح المخيخي نموذجاً بارزاً يكشف التعقيد البالغ للجهاز العصبي المركزي، حيث يتجاوز حدوده الضيقة كخلل في المشية والاتزان ليصبح متلازمة متكاملة تمس جوهر التنظيم الحركي، والمعرفي، والوجداني. لقد أسهم الانتقال من النظرة الحركية الخالصة إلى نموذج «التحكم المخيخي الشامل» في فتح آفاق جديدة لفهم التفاعل المعقد بين المخيخ والقشرة المخية، مؤكداً أن السلاسة في الفكر والشعور لا تنفصل عن السلاسة في الخطو والحركة. ومع استمرار الأبحاث المتقدمة في العلاج الجيني، مثل تقنيات التعديل الجيني كريسبر ومضادات الاتجاه قليل النوكليوتيد (Antisense oligonucleotides) التي تستهدف الطفرات المسببة للرنح من جذورها الجزيئية، يلوح في الأفق أمل حقيقي ليس فقط في إبطاء التدهور، بل في ترميم الوظائف المخيخية المعطلة واستعادة جودة الحياة للمصابين بهذا الاضطراب المعقد.
المراجع
- Bodranghien, F., Bastian, A., Casali, C., Hallett, M., Louis, E. D., Manto, M., Mariën, P., Schmahmann, J. D., Serrao, M., & Timmann, D. (2016). Consensus paper: Revisiting the symptoms and signs of cerebellar ataxia. The Cerebellum, 15(3), 369–386. https://doi.org/10.1007/s12311-015-0687-3
- Klockgether, T., Mariotti, C., & Paulson, H. L. (2019). Spinocerebellar ataxia. Nature Reviews Disease Primers, 5(1), 24. https://doi.org/10.1038/s41572-019-0074-3
- Manto, M., & Marmolino, D. (2010). Cerebellar ataxias. Current Opinion in Neurology, 23(4), 406–413. https://doi.org/10.1097/WCO.0b013e32833a6452
- Schmahmann, J. D. (2019). The cerebellar cognitive affective syndrome: A clinical and conceptual overview. In The Cerebellum and Cognition (Vol. 175, pp. 241–266). Academic Press. https://doi.org/10.1016/B978-0-444-64123-6.00014-X
- Schmahmann, J. D., & Sherman, J. C. (1998). The cerebellar cognitive affective syndrome. Brain, 121(4), 561–579. https://doi.org/10.1093/brain/121.4.561
- Timmann, D., Drepper, J., Frings, M., Maschke, M., Richter, S., Gerwig, M., & Kolb, F. P. (2010). The human cerebellum contributes to motor, emotional and cognitive associative learning. A review. Cortex, 46(7), 845–857. https://doi.org/10.1016/j.cortex.2009.06.009