الاضطرابات الحسيةالعلوم المعرفيةعلم النفس العصبي

العمى الدماغي: المفهوم والأسس العصبية النفسية والأبعاد الإكلينيكية

العمى الدماغي (العمى القشري) هو اضطراب بصري ناجم عن تلف في القشرة البصرية الأولية بالدماغ رغم سلامة العينين. تعرّف على أسبابه العصبية، ومظاهره مثل متلازمة أنتون، واستراتيجيات إعادة التأهيل المعرفي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 2 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 2 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل العمى الدماغي (Cerebral Blindness)، والذي يُشار إليه في الأدبيات الإكلينيكية المتخصصة باسم العمى القشري (Cortical Blindness)، أحد أعقد الاضطرابات الحسية والإدراكية في ميدان علم النفس العصبي وعلم الأعصاب السريري. لا ينجم هذا الاضطراب عن اعتلال في المكونات الميكانيكية أو الانكسارية للعين، ولا عن تضرر في الشبكية أو العصب البصري المحيطي، بل يعود جوهرياً إلى تدمير أو خلل وظيفي جسيم في المراكز البصرية العليا داخل الجهاز العصبي المركزي، ولا سيما الفص القذالي وقشرته البصرية الأولية. يُثير هذا التمايز الفارق أسئلة إبستيمولوجية وعصبية عميقة حول طبيعة الوعي البصري، وكيفية بناء الدماغ لصورته عن العالم الخارجي بمعزل عن سلامة المدخلات الحسية الأولية.

المدخل المفاهيمي والتعريف الأكاديمي للعمى الدماغي

يُعرَّف العمى الدماغي إجرائياً بأنه فقدان كلي أو شبه كلي للإدراك البصري ناتج عن آفة ثنائية الجانب في القشرة البصرية الأولية (Brodmann Area 17)، أو انقطاع في الإشعاعات البصرية الممتدة من النواة الركبية الجانبية إلى الفص القذالي. يتصف هؤلاء المرضى بظاهرة سريرية فارقة تتمثل في بقاء ردود الفعل الحركية للحدقة تجاه الضوء سليمة تماماً، لأن القوس الانعكاسي الحدقي يمر عبر جذع الدماغ (وتحديداً النواة السقفية ونواة إيدنجر-ويستفال) دون الحاجة إلى معالجة قشرية عليا. هذه المفارقة بين حدقة تستجيب للمؤثرات الضوئية وعقل يعيش في عتمة مطلقة تشكّل جوهر الفهم العصبي الحديث للانفصال بين الاستقبال الحسي المحيطي والإدراك المعرفي المركزي.

في السياق النظري لعلم النفس المعرفي، لا يُعتبر العمى الدماغي مجرد انقطاع في نقل السيالات العصبية، بل هو انهيار لمنظومة تمثيل البيانات البصرية وتحويلها إلى تجارب واعية. تُميِّز النظريات المعاصرة بين العمى المحيطي، الذي يُفقد الفرد القدرة على جمع الفوتونات وتحويلها إلى نبضات كيميائية كهربائية، وبين العمى الدماغي الذي يُفقد المنظومة العصبية قدرتها على تفكيك الشيفرات البصرية ومعالجتها ودمجها في نسيج الوعي الذاتي. يتطلب التوصيف السريري للعمى الدماغي استبعاد أشكال الفقدان البصري الوظيفي أو التحولي (النفسي المنشأ)، والتأكد من وجود أدلة موضوعية على تلف البنى المخية الخلفية.

تتدرج المظاهر الإدراكية للعمى الدماغي من الفقدان الكامل للوعي البصري إلى حالات جزئية تُعرف بالعتمات القشرية، أو العمى الشقي المزدوج، حيث تتأثر مناطق محددة من المجال البصري تِبعاً لموضع وحجم التلف الدماغي. بالإضافة إلى ذلك، قد تتداخل هذه الحالة مع اضطرابات معقدة أخرى مثل العمه الإبصاري، حيث يستطيع المصاب رؤية الأشكال لكنه يعجز عن التعرف على ماهيتها، مما يؤكد الطبيعة المعيارية والمتعددة الطبقات للسبيل البصري في الدماغ البشري، والتي تمتد من المعالجة الأولية وصولاً إلى التأويل الدلالي والرمزي.

التطور التاريخي والسياق المعرفي لدراسة العمى القشري

تعود الجذور التاريخية لاستكشاف العمى الدماغي إلى أواخر القرن التاسع عشر، حينما بدأ علماء الأعصاب والفسيولوجيا في التخلي عن النموذج الأحادي للدماغ لصالح مبدأ التموضع الوظيفي. كان لأبحاث العالم الألماني هيرمان مونك (Hermann Munk) في ثمانينيات القرن التاسع عشر دور رائد، حيث أجرى تجارب رائدة على الحيوانات أثبتت أن استئصال الفصوص القذالية يؤدي إلى فقدان القدرة البصرية على التعرف على الأشياء أو ما أسماه بالعمى النفسي، والذي تطور لاحقاً إلى المفهوم العصبي للعمى القشري. شكّلت هذه التجارب صدمة للمجتمع الطبي في ذلك الحين، حيث أظهرت لأول مرة أن تلفاً دماغياً يمكن أن يُبطل وظيفة حسية مكتملة البنية العينية.

تلا ذلك إسهام محوري من قِبل طبيب الأعصاب النمساوي غابرييل أنتون (Gabriel Anton) في عام 1899، وتبعه الفرنسي جوزيف بابينسكي، حيث وثّقا حالات لمرضى يعانون من عمى قشري كامل ناجم عن تلف دماغي ثنائي، ومع ذلك يُنكرون تماماً فقدانهم للبصر ويدّعون قدرتهم على الرؤية، بل ويختلقون أوصافاً تفصيلية خيالية للبيئة المحيطة بهم. أصبحت هذه المتلازمة تُعرف باسم متلازمة أنتون-بابينسكي، وقد قدّمت دليلاً سريرياً مذهلاً على أن آليات الوعي بالخلل الحسي تمتلك مسارات عصبية مستقلة عن المعالجة الحسية ذاتها، مما فتح آفاقاً واسعة للبحث السيكولوجي في آليات إنكار المرض والعمه الإدراكي (Anosognosia).

خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفرت إصابات الرأس النافذة لدى الجنود أرضية خصبة لعلماء مثل جوردون هولمز (Gordon Holmes) لرسم خرائط دقيقة للمجال البصري على القشرة المخية المخططة. مكّنت هذه الدراسات السريرية العصبية العلماء من فهم التناظر الطوبوغرافي الدقيق بين نقاط الشبكية ومناطق القشرة البصرية، وأرست الأساس للنماذج المعرفية الحديثة التي تشرح كيف تؤدي الآفات الموضعية أو الواسعة إلى أنماط متباينة من العمى القشري، لتتحول دراسة هذا الاضطراب من مجرد توصيف مرضي إلى أداة مركزية لفهم العمارة الوظيفية للإدراك البشري.

الأسس العصبية التشريحية والفيزيولوجية المرضية

لفهم الأساس الإمراضي للعمى الدماغي، يجب تفكيك المسار البصري المركزي الذي يبدأ من التصالب البصري، مروراً بالسبيل البصري، وصولاً إلى النواة الركبية الجانبية (LGN) في المهاد. من هذه المحطة المهادية، تنبثق الألياف العصبية المكونة للإشعاع البصري (سبيل جيناري) لتعبر الفصين الصدغي والجداري، مستقرة في الشفاه العلوية والسفلية للثلم المهمازي في الفص القذالي، وهي المنطقة المعروفة تشريحياً بالقشرة البصرية الأولية أو باحة برودمان 17 (V1). تؤدي الآفات التي تدمر هذه المنطقة في كلا نصفي الكرة المخية إلى حرمان الدماغ من المحطة الإلزامية التي تُترجم عبرها الإشارات الكهروكيميائية إلى خبرات بصرية واعية.

يعتمد الفص القذالي في ترويته الدموية اعتماداً شبه حصري على الشريانين المخيين الخلفيين (Posterior Cerebral Arteries)، واللذين يتفرعان من الشريان القاعدي ضمن دائرة ويليس. هذه الخصوصية الوعائية تجعل القشرة البصرية عرضة للتأثر الشديد بالحوادث الوعائية الدماغية الإقفارية؛ فأي انسداد أو صمة في الشريان القاعدي العلوي أو تضيق متزامن في الشريانين المخيين الخلفيين يؤدي إلى احتشاء قذالي ثنائي الجانب. تتميز هذه المنطقة أيضاً بحساسية أيضية فائقة لنقص الأكسجين، حيث تستهلك الخلايا العصبية في الطبقة الرابعة من القشرة المخططة كميات هائلة من الطاقة، مما يجعلها أولى الضحايا في حالات توقف القلب أو التسمم بأول أكسيد الكربون.

تتضمن الفيزيولوجيا المرضية للعمى الدماغي أيضاً مسارات المعالجة الثانوية؛ فالإدراك البصري المعقد لا ينتهي عند باحة V1، بل يمتد عبر مسارين رئيسيين اقترحهما أنجرليدر ومشكين: “المسار البطني” (Ventral Stream) المتجه نحو الفص الصدغي والمسؤول عن التعرف على الهوية والشكل (“ماذا”)، و”المسار الظهري” (Dorsal Stream) المتجه نحو الفص الجداري والمسؤول عن تحديد الموقع المكاني والحركة (“أين وكيف”). في حالات العمى الدماغي، يؤدي انهيار الباحة الأولية إلى انقطاع التغذية العصبية الصاعدة إلى هذين المسارين، مما يعطل المنظومة المعرفية البصرية بأكملها ويفصل الذاكرة الدلالية عن العالم البصري اللحظي.

المظاهر السريرية والظواهر العصبية النفسية المقترنة

تتجاوز الأعراض الإكلينيكية للعمى الدماغي مجرد انعدام الرؤية؛ إذ يُظهر المرضى لوحة معقدة من التبدلات الحسية والمعرفية. العلامة الأساسية هي الفقدان الموضوعي للإدراك البصري، والذي يترافق غالباً مع وعي المريض بعجزه في الحالات البسيطة، أو إنكار مطلق له في الحالات المترافقة مع متلازمة أنتون. في هذه المتلازمة الأخيرة، يُبدي المريض ثقة مفرطة في قدرته على الرؤية، وعندما يُطلب منه وصف كائن أمامه، يلجأ إلى التخريف (Confabulation)، مستخدماً ذاكرته ومخيلته لنسج أوصاف واقعية ظاهرياً ولكنها وهمية بالكامل، وهو ما يفسره علم النفس العصبي بانفصال مناطق التفكير واللغة في الفص الجبهي عن التغذية الراجعة الحسية القذالية المنعدمة.

من أعمق الظواهر المقترنة بالعمى الدماغي ظاهرة الرؤية العمياء (Blindsight)، وهي قدرة بعض المرضى الذين يعانون من تدمير كامل للقشرة البصرية V1 على الاستجابة للمؤثرات البصرية في مجالهم الأعمى بدقة تتجاوز حدود الصدفة الإحصائية، رغم تأكيدهم الجازم بأنهم لا يرون شيئاً على الإطلاق. يستطيع هؤلاء المرضى تفادي العوائق، أو توجيه أيديهم نحو نقاط ضوئية وامضة، أو حتى التمييز بين الانفعالات الوجهية الأساسية. تُعزى هذه الظاهرة المدهشة إلى وجود مسارات بصرية تطورية قديمة تتجاوز القشرة البصرية الأولية، مثل المسار الواصل من الشبكية مباشرة إلى الأكيمة العلوية (Superior Colliculus) والوسادة المهادية (Pulvinar) ومنها إلى القشور البصرية الثانوية أو الحركية، مما يثبت إمكانية حدوث معالجة حسية لاواعية دون وعي ظاهري.

تشمل المظاهر السريرية الإضافية التي قد ترافق أو تعقب العمى الدماغي الهلوسات البصرية التشكيلية، والمعروفة في سياق فقدان الحواس بمتلازمة تشارلز بونيه (Charles Bonnet Syndrome) أو الهلوسات القشرية الناتجة عن إطلاق عصبي شاذ في قشور الترابط البصري المحرومة من المدخلات الحسية الطبيعية (Deafferentation). يُعاني المرضى في هذه الحالة من رؤية أشكال هندسية، أو وجوه بشرية، أو مناظر طبيعية متحركة، مع إدراكهم في أغلب الأحيان لعدم واقعيتها، مما يسبب لهم إرباكاً نفسياً وقلقاً حاداً يتطلب تدخلاً علاجياً معرفياً لتطمينهم بشأن سلامتهم العقلية.

المسببات والعوامل الإمراضية للعمى الدماغي

تتعدد العوامل الإمراضية المؤدية إلى العمى الدماغي، ولكن الحوادث الوعائية الدماغية تأتي في مقدمة هذه الأسباب بنسبة تتجاوز غالبية الحالات المسجلة إكلينيكياً. يُعد السكتة الدماغية الإقفارية الثنائية في منطقة تغذية الشريان المخي الخلفي السبب الكلاسيكي الأبرز؛ وغالباً ما تنجم عن انسداد في قمة الشريان القاعدي نتيجة انصمام خثاري قلبي المنشأ أو تصلب شرياني متقدم. يؤدي هذا الانسداد إلى نخر نسيجي متزامن في القشرتين القذاليتين، مما يُحدث عمى دماغياً مفاجئاً ومأساوياً غالباً ما يرافقه اضطراب في الذاكرة الحديثة نتيجة تضرر الحصين المجاور.

يُمثّل الاعتلال الدماغي بنقص التأكسج والإقفار (Hypoxic-Ischemic Encephalopathy) سبباً رئيسياً ثانياً، ويحدث في أعقاب توقف القلب والإنعاش القلبي الرئوي المطول، أو الغرق، أو التسمم بالغازات الخانقة. تتسم البنى القشرية البصرية بحساسيتها القصوى لانخفاض الضغط الترويحي ونقص الأكسجين المذاب، مما يؤدي إلى احتشاءات في مناطق 경계 (Watershed infarctions) بين أقاليم التروية الشريانية، وتحديداً بين الشريان المخي الأوسط والشريان المخي الخلفي، مسببة تلفاً قشرياً انتقائياً يؤدي إلى العمى الدماغي المصحوب أحياناً بخلل في الوظائف التنفيذية العليا.

تشمل الأسباب الأخرى مجموعة واسعة من الحالات الطبية والعصبية، من أبرزها:

  • متلازمة الاعتلال الدماغي الخلفي القابل للرجوع (PRES): وهي متلازمة حادة تنجم عادة عن الارتفاع الشديد والمفاجئ في ضغط الدم، أو تسمم الحمل (Eclampsia)، أو استخدام الأدوية المثبطة للمناعة، مما يسبب وذمة وعائية المنشأ في الفصوص القذالية والجدارية تؤدي إلى عمى دماغي عابر غالباً ما يتراجع مع العلاج الفوري.
  • الرضوض الدماغية الرضحية الشديدة (TBI): الناتجة عن إصابات مؤخرة الرأس النافذة أو القصور التسارعي التباطئي الذي يسبب تهتكاً في القطبين القذاليين.
  • العدوى والالتهابات العصبية: مثل التهاب الدماغ الفيروسي، أو مرض كروتزفيلد-جاكوب (تحديداً النمط الحركي القذالي المعروف بنمط هايدنهاين)، والذي يُحدث تنكساً إسفنجياً سريعاً ومدمراً في القشرة البصرية.
  • المضاعفات العلاجية والتسممية: كالتسمم الحاد بالميثانول، أو التسمم بالرصاص، أو المضاعفات النادرة لقسطرة الشرايين التاجية والدماغية نتيجة التفاعلات التناضحية لمواد التباين اليودية.

استراتيجيات التقييم والتشخيص الفارق والسريري

يتطلب التشخيص الإكلينيكي الدقيق للعمى الدماغي مقاربة تكاملية متعددة التخصصات تجمع بين الفحص العصبي الدقيق، والتقييم العيني، والاختبارات النفسية العصبية، والتقنيات التصويرية المتقدمة. يبدأ الفحص السريري بإثبات الثالوث الكلاسيكي للعمى القشري: فقدان الرؤية الوظيفية، والحفاظ التام على منعكسات الحدقة للضوء والتقارب، وطبيعية قاع العين عند الفحص بمنظار العين (Ophthalmoscopy) في المراحل الحادة، حيث تبدو حليمة العصب البصري والشبكية سليمتين تماماً دون أي علامات للضمور أو الوذمة.

يُعد تخطيط أمواج الدماغ الكهربائي والجهود المحرضة البصرية (Visual Evoked Potentials – VEP) أداة فيزيولوجية حاسمة؛ ففي حالات العمى الدماغي، تظهر استجابة تخطيط الشبكية الكهربائي (ERG) طبيعية تماماً، مما يؤكد سلامة المستقبلات الضوئية، بينما تنعدم أو تتشوه بشدة موجة P100 في فحص الجهود المحرضة البصرية المسجلة من الفروة القذالية، مما يقدم دليلاً قاطعاً على انقطاع التوصيل أو المعالجة في المستوى القشري.

يلعب التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، ولا سيما تقنيات التصوير بالانتشار (DWI) وتخطيط التروية، الدور الأهم في تحديد الموضع الدقيق للآفة، وحجم الاحتشاء، وعمر الإصابة الإقفارية. كما يُسهم الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتصوير موتر الانتشار (DTI) في تقييم مدى سلامة حزم الألياف البيضاء البصرية وتقدير النشاط المتبقي في القشور الترابطية، مما يمنح الأطباء وعلماء النفس العصبي رؤية ثاقبة حول إمكانات التعافي العصبي وتوجيه الخطط التأهيلية.

ينطوي التشخيص الفارق على تحديات سريرية معقدة؛ إذ يجب تمييز العمى الدماغي عن:

  • العمى الهستيري أو الاضطراب التحولي (Conversion Disorder): حيث يُظهر المريض سلوكيات تجنبية بصرية غير واعية، وتكون نتائج الجهود المحرضة البصرية والتصوير بالرنين المغناطيسي طبيعية تماماً.
  • التمارض (Malingering): للتحقق من الادعاء المتعمد للعمى لأهداف نفعية، ويُستعان باختبارات حركة العين الرأرئية الموجهة بصرياً (Optokinetic Nystagmus).
  • العمه الإبصاري الحركي أو العمه المكاني: حيث تظل القدرة على الإبصار الأساسي موجودة لكن المريض يعجز عن توجيه حركاته بناءً على المعطيات البصرية (كما في متلازمة بالينت).
  • العمى المحيطي الثنائي الحاد: الناجم عن اعتلال العصب البصري الإقفاري الأمامي المزدوج، والذي يتميز باختفاء منعكس الحدقة للضوء وشحوب فوري أو متأخر في قرص العصب البصري.

التداعيات النفسية والانفعالية وإعادة التأهيل العصبي المعرفي

يُمثّل الفقدان المفاجئ للبصر من منشأ دماغي صدمة وجودية ونفسية هائلة للمريض وأسرته. على النقيض من العمى التدريجي الناتج عن اعتلالات العين، يجد مريض العمى الدماغي نفسه فجأة في عزلة حسية مظلمة دون سابق إنذار. تتولد عن هذه التجربة أزمات نفسية عميقة تشمل الاكتئاب التفاعلي الحاد، ونوبات القلق الشديدة، والشعور بالعجز وفقدان الاستقلالية. في الحالات التي تترافق مع متلازمة أنتون، يواجه الطاقم الطبي صعوبة إضافية في إدارة حالة الإنكار والهذاءات التخريفية، حيث يرفض المريض المساعدة ويتعرض لخطر السقوط المتكرر والإصابات الجسدية نتيجة محاولته التصرف كشخص مبصر.

تتطلب إدارة هذه التداعيات برنامجاً شاملاً لـ إعادة التأهيل العصبي المعرفي والنفسي. يهدف التدخل السيكولوجي إلى مساعدة المريض على بناء استبصار تدريجي بحالته في حالات العمه الإدراكي، مع تقديم الدعم النفسي المكثف للتعامل مع الفقد والحزن. يجب تدريب العائلة على فهم أن تخريفات المريض وإنكاره ليست كذباً متعمداً ولا علامة على الجنون، بل هي اضطراب عصبي ناتج عن انقطاع الاتصال بين مراكز التفكير والمعالجة البصرية، مما يُخفف من التوتر الأسري ويعزز البيئة الداعمة للمريض.

على الصعيد الإدراكي والوظيفي، تستند برامج إعادة التأهيل المعاصرة إلى مبادئ المرونة العصبية (Neuroplasticity). على الرغم من أن تعافي القشرة البصرية الأولية التالفة بالكامل قد يكون محدوداً، إلا أن الدماغ يمتلك قدرة على إعادة تنظيم شبكاته وتجنيد المسارات البديلة. تشمل استراتيجيات التأهيل:

  • التدريب التعويضي (Compensatory Training): تدريب المريض على تعظيم الاستفادة من الحواس الأخرى كالمس والسمع، وتطوير استراتيجيات المسح الحركي والاستكشاف اللمسي للتنقل الآمن.
  • التدريب الاستردادي (Restitution Therapy): استخدام برامج تحفيز بصري محوسبة تعتمد على ظاهرة الرؤية العمياء، حيث يتم تقديم ومضات ضوئية مكثفة في الحدود الفاصلة بين المناطق العمياء والمبصرة لتحفيز المشابك العصبية الخاملة وتوسيع المجال البصري.
  • التأهيل البيئي والتقني: تعديل البيئة المعيشية للمريض للحد من مخاطر الحوادث، واستخدام التقنيات المساعدة القائمة على الذكاء الاصطناعي التي تصف البيئة المحيطة صوتياً، مما يُعيد للمريض جزءاً كبيراً من استقلاليته وكرامته الشخصية.

الآفاق البحثية المستقبلية في العلوم العصبية المعرفية

يقف البحث العلمي المعاصر في مجال العمى الدماغي على أعتاب ثورة تكنولوجية ومعرفية مدفوعة بالتطورات في البيولوجيا العصبية والواجهات الدماغية الحاسوبية (BCIs). يُعد تطوير الأطراف الاصطناعية البصرية القشرية (Cortical Visual Prostheses) أحد أكثر المجالات وعداً؛ حيث تسعى هذه التقنيات إلى تجاوز السبيل البصري التالف بالكامل وزرع مصفوفات من الأقطاب الدقيقة مباشرة فوق أو داخل القشرة البصرية المخططة لتحفيز الخلايا العصبية كهربائياً وتوليد نقاط ضوئية مدركة تُعرف بالفوسفينات (Phosphenes). نجحت التجارب السريرية الحديثة في تمكين مكفوفين دماغياً من تمييز الأشكال الأساسية والحروف والحركات الكبرى، مما يفتح أفقاً حقيقياً لاستعادة شكل أولي من الرؤية الاصطناعية.

من جهة أخرى، تُسهم دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي فائق المجال (7-Tesla MRI) في كشف التغيرات المجهرية في المادة الرمادية والبيضاء التي تعقب العمى الدماغي، موفرة رؤى جديدة حول كيفية إعادة تشكيل الفص القذالي المحروم من الرؤية لمعالجة اللمس واللغة عبر قراءة طريقة برايل، وهي الظاهرة المعروفة بإعادة التنظيم عبر الوسائط الحسية (Cross-modal Plasticity). تبرهن هذه الاكتشافات على أن القشرة الدماغية ليست ثابتة وظيفياً بشكل جامد، بل هي معالج حاسوبي مرن قادر على تكييف بنيته لخدمة أهداف تكيفية جديدة متى ما توفرت البيئة التدريبية المناسبة.

في الختام، يظل العمى الدماغي نموذجاً فريداً يُجسد التفاعل المعقد بين البيولوجيا العصبية والوعي الإنساني. إنه ليس مجرد عطب في أداة الرؤية، بل هو تحول جذري في علاقة الذات بالعالم الخارجي. إن تعميق فهمنا لهذا الاضطراب لا يخدم فقط تطوير أساليب تشخيصية وعلاجية مبتكرة للمرضى المصابين، بل يُلقي أيضاً ضوءاً كاشفاً على اللغز الأبدي لكيفية توليد المادة العصبية للتجربة الذاتية والوعي الظاهراتي في الإنسان.

المراجع

  • Anton, G. (1899). Über die Selbstwahrnehmung der Herderkrankungen des Gehirns durch den Kranken, bei Rindenblindheit und Rindentaubheit. Archiv für Psychiatrie und Nervenkrankheiten, 32(1), 86–127.
  • Aldrich, M. S., Alessi, A. G., Beck, R. W., & Gilman, S. (1987). Cortical blindness: Etiology, diagnosis, and prognosis. Annals of Neurology, 21(2), 149–158. https://doi.org/10.1002/ana.410210207
  • Cowey, A. (2010). The blindsight saga. Experimental Brain Research, 200(1), 3–24. https://doi.org/10.1007/s00221-009-1914-2
  • Marr, D. (2010). Vision: A computational investigation into the human representation and processing of visual information. MIT Press.
  • Priftis, K., Schiff, N. D., & Ptak, R. (2021). Visual processing and consciousness in cortical blindness. Neuropsychologia, 151, 107722. https://doi.org/10.1016/j.neuropsychologia.2020.107722
  • Ungerleider, L. G., & Mishkin, M. (1982). Two cortical visual systems. In D. J. Ingle, M. A. Goodale, & R. J. W. Mansfield (Eds.), Analysis of Visual Behavior (pp. 549–586). MIT Press.
  • Weiskrantz, L. (1986). Blindsight: A case study and implications. Oxford University Press.
  • Zeki, S. (1993). A Vision of the Brain. Blackwell Scientific Publications.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 2). العمى الدماغي: المفهوم والأسس العصبية النفسية والأبعاد الإكلينيكية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/cerebral-blindness-neuropsychology/
looti, Mohammed. “العمى الدماغي: المفهوم والأسس العصبية النفسية والأبعاد الإكلينيكية.” عرب سايكلوجي, 2 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/cerebral-blindness-neuropsychology/.
looti, Mohammed. “العمى الدماغي: المفهوم والأسس العصبية النفسية والأبعاد الإكلينيكية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 2, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/cerebral-blindness-neuropsychology/.