تُمثّل الذبحة الصدرية العنقية (Cervical Angina) واحدة من أكثر المتلازمات السريرية إثارة للجدل والالتباس في ممارسات الطب النفسي الجسدي والطب العصبي وجراحة العمود الفقري، حيث تتجسد كحالة ألم صدري خادعة تحاكي بدقة متناهية أعراض الذبحة الصدرية التاجية الحقيقية الناجمة عن نقص تروية عضلة القلب. تنشأ هذه المتلازمة بالأساس عن اضطرابات تنكسية أو ميكانيكية في العمود الفقري العنقي وجذور الأعصاب الشوكية المقترنة به، إلا أن تجلياتها السريرية تمتد عميقاً لتتداخل مع المشهد القلبي الوعائي والحالة النفسية والانفعالية للمريض. يقف المريض المصاب بهذه الحالة عند ملتقى طرق معقد بين الألم الجسدي الشديد والذعر الوجودي المرتبط بالخوف من الموت القلبي المفاجئ، مما يجعل تفكيك هذه الظاهرة ضرورة ملحة تتطلب مقاربة تكاملية حيوية نفسية واجتماعية تسبر أغوار الجسد والنفس معاً.
التعريف الموسوعي والإطار المفاهيمي
تُعرّف الذبحة الصدرية العنقية بأنها متلازمة ألم صدري غير تاجي، تتطابق مظاهرها الإكلينيكية مع مواصفات ألم الإقفار القلبي الكلاسيكي، لكنها تعود في منشئها الإمراضي إلى اعتلال الجذور العصبية العنقية أو البنى العضلية الهيكلية في المنطقة الرقبية، وتحديداً تلك المتعلقة بالجذور العصبية من الفقرة العنقية الرابعة وحتى الفقرة الصدرية الأولى (C4–T1). يمتد الألم في هذه المتلازمة عبر الجدار الأمامي للصدر، وغالباً ما ينتشر إلى الكتف، والذراع، والمنطقة بين لوحي الكتف، والعنق، بل وحتى الفك السفلي، مصحوباً في كثير من الأحيان بإحساس ساحق بالانقباض، والثقل، وضيق التنفس، مما يجعل التمييز بينها وبين متلازمة الشريان التاجي الحادة معضلة تشخيصية بالغة التعقيد تتطلب فحوصات قلبية مستفيضة لنفي المنشأ القلبي المهدد للحياة.
ضمن سياق علم النفس السريري والطب النفسجسدي، تكتسب الذبحة الصدرية العنقية أهمية استثنائية نظراً لكونها محفزاً رئيساً لتطور اضطرابات القلق الحادة، وفي مقدمتها اضطراب الهلع ورهاب القلب (Cardiophobia). إن الطبيعة المحاكية للألم تجعل الجهاز المعرفي للمريض يفسر الإشارات العصبية الواردة من الرقبة على أنها تهديد بيولوجي وشيك يمس سلامة القلب، وهو العضو المرتبط رمزياً وثقافياً بالحياة والاستمرارية. يفرز هذا التفسير الخاطئ استجابة حادة من الجهاز العصبي الودي، تؤدي بدورها إلى تسارع نبضات القلب وارتفاع ضغط الدم، مما يعزز قناعة المريض الواهمة بوجود علة قلبية داهية، ويدخله في حلقة مفرغة من المعاناة الجسدية والنفسية متلازمة الأركان.
يتجاوز المفهوم مجرد كونه خطأ تشخيصياً عابراً، بل هو نموذج تطبيقي رائد لما يُعرف في الأدبيات السيكوسوماتية بـ “الألم التناظري الخادع”. فبينما يتم التعامل مع آلام الصدر غير القلبية في الغالب بوصفها آلاماً مجهولة المنشأ أو تعبيرات جسدية بحتة عن الضغط النفسي (Somatization)، تؤكد الذبحة العنقية وجود منشأ نسيجي محدد (تلف غضروفي أو ضغط جذري) يؤدي في نهاية المطاف إلى توليد أعراض تطابق الأعراض القلبية، لتتراكم فوقها ردود فعل نفسية ثانوية قد تفوق في شدتها وإعاقتها الوظيفية الأصل الجسدي نفسه، مما يستدعي تفكيك آليات الإمراض البيولوجية والمسارات السيكولوجية التفاعلية.
الجذور التاريخية والتطور المفاهيمي
تعود الإرهاصات الأولى لتوثيق هذا الكيان السريري إلى بدايات القرن العشرين؛ حيث كان الجراح الأمريكي ديفيس (Davis) في عام 1927 من أوائل الذين لفتوا الانتباه إلى أن الآفات العصبية في المنطقة العنقية قد تتظاهر بآلام تشبه تماماً الذبحة الصدرية. وفي أربعينيات القرن الماضي، وتحديداً في أعمال فيليبس (Phillips) عام 1948، تبلور المصطلح بصورة أكثر منهجية تحت مسمى “الذبحة الصدرية العنقية” لوصف تلك الفئة من المرضى الذين عانوا من آلام ذبحية مبرحة مع شواهد تخطيطية وشريانية سليمة تماماً، وتزامنت آلامهم مع وجود داء الفقار العنقي أو فتق النواة اللبية في الفقرات الرقبية.
شهدت العقود اللاحقة جدلاً واسعاً في الأوساط الطبية حول شرعية هذا التشخيص، حيث مالت المدرسة القلبية التقليدية إلى اعتباره تشخيصاً إقصائياً نادراً، أو مجرد تفسير بديل تلجأ إليه الكوادر الطبية عند العجز عن تفسير آلام الصدر غير المحددة. إلا أن التطور الهائل في تقنيات التصوير العصبي، ولا سيما ظهور التصوير بالرنين المغناطيسي، إلى جانب تقدم جراحات إزالة الضغط عن الجذور العنقية، أتاح توثيق التراجع التام لآلام الصدر المشابهة للذبحة فور استئصال الانزلاقات الغضروفية العنقية، مما منح المتلازمة أرضية علمية راسخة غير قابلة للشك.
في موازاة ذلك، أسهم التطور المفاهيمي في مجال علم الأعصاب المعرفي والطب النفسي في إعادة قراءة هذه المتلازمة ليس فقط بوصفها خللاً تشريحياً صرفاً، بل كنموذج رائد لدراسة “معالجة الألم المرجعي والتفسير الكارثي”. لقد مهدت أبحاث الرواد في مجال الألم الإدراكي الطريق لفهم كيف يمكن لإشارة عصبية محيطية مشوهة أن تخضع لعمليات تضخيم معرفي وانفعالي داخل الجهاز العصبي المركزي، محولة إياها من مجرد تهيج جذري محلي إلى متلازمة إعاقة نفسية وجسدية شاملة تحاكي الأزمات القلبية القاتلة.
الفيزيولوجيا المرضية والمسارات التشريحية العصبية
تستند الفيزيولوجيا المرضية للذبحة الصدرية العنقية إلى شبكة معقدة من التداخلات العصبية التي تلتقي فيها المسارات العصبية الحسية الجسدية بالمسارات الحشوية الذاتية. يكمن المحور الأساسي في انضغاط أو تهيج الجذور العصبية الشوكية العنقية، ولا سيما الجذرين العنقيين السادس والسابع (C6 وC7)، اللذين يسهمان بصورة مباشرة في تكوين العصب الصدري الإنسي والوحشي. تغذي هذه الأعصاب عضلات الصدر الرئيسة، بما فيها العضلة الصدرية الكبيرة والعضلة الصدرية الصغيرة، وعندما تتعرض هذه الجذور للضغط بسبب نتوءات عظمية أو انزلاق غضروفي، يُسقط الدماغ الإحساس بالألم على جدار الصدر الأمامي كألم رجيع (Referred Pain).
إلى جانب المسار الجسدي المباشر، تلعب السلسلة الودية العنقية دوراً محورياً بالغ الحساسية؛ حيث تتشابك الألياف العصبية الودية الآتية من النخاع الشوكي الرقبي مع الضفيرة القلبية. يُعتقد أن التحفيز الميكانيكي المستمر للبنى العميقة في الرقبة، مثل الرباط الطولاني الخلفي والأقراص الفقرية المحتقنة، يؤدي إلى إثارة المنعكسات الودية التي تسير عبر الأعصاب القلبية الودية، مما يُحدث ليس فقط ألماً إشعاعياً في منطقة الصدر، بل قد يتعدى ذلك إلى توليد تغيرات وظيفية طفيفة مثل تشنج الأوعية الدموية التاجية الموضعي أو تسارع خفيف في النبض، الأمر الذي يزيد من محاكاة الحالة للذبحة الصدرية الحقيقية.
تتعقد الصورة التشريحية بفعل ظاهرة “التقارب العصبي” في القرن الخلفي للنخاع الشوكي (Dorsal Horn Convergence)، حيث تتلاقى الألياف العصبية الحسية الصادرة من جدار الصدر والرقبة مع الألياف الواردة من الأحشاء القلبية على نفس العصبونات الثانوية في المسار الشوكي المهادي (Spinothalamic Tract). يعجز القشر الدماغي الحسي عن التمييز الدقيق بين مصدر الإشارة الحقيقي القادم من الرقبة والمصدر الحشوي القادم من القلب، وبحكم الأهمية البيولوجية التطورية للقلب، يميل الدماغ إلى إدراك الخطر على أنه صادر من العضو الحيوي الأهم، مما يولد الإحساس الجسدي الصاعق بالألم الذبحي.
الأبعاد النفسية والتقاطع مع الاضطرابات الجسدية الشكل
لا يمكن فصل الذبحة الصدرية العنقية عن أبعادها السيكولوجية العميقة؛ فالألم الصدري يحمل بطبيعته شحنة انفعالية كارثية لا تماثلها أي آلام جسدية أخرى. يقع المرضى الذين يعانون من هذه المتلازمة فريسة سريعة لما يُسمى اضطراب الأعراض الجسدية (Somatic Symptom Disorder)، حيث يتحول الانزعاج الميكانيكي في الرقبة والصدر إلى بؤرة مركزية تستحوذ على انتباه المريض طوال اليوم، متسببة في حالة من الاستنفار النفسي والجسدي الدائم.
يبرز مفهوم “رهاب القلب” (Cardiophobia) بوصفه أحد أبرز التمظهرات النفسية المصاحبة للذبحة العنقية. يُعرف هذا الرهاب بأنه خوف قهري مزمن من التعرض لنوبة قلبية تؤدي إلى الموت، ويتغذى مباشرة على الإشارات الحسية غير المريحة التي يرسلها العنق المتضرر. يبدأ المريض في مراقبة مستمرة لنبضه، والتحقق الدوري من ضغط دمه، وتجنب أي مجهود بدني خوفاً من إجهاد القلب؛ وهذا السلوك التجنبي يؤدي تدريجياً إلى تراجع اللياقة البدنية وتيبس عضلات الرقبة والكتفين بصورة أكبر، مما يُفاقم الضغط الميكانيكي على الجذور العصبية، ويعيد إنتاج الألم بضراوة أشد ضمن حلقة ارتدادية مغلقة.
علاوة على ذلك، يمثل التداخل بين الذبحة العنقية ونوبات الهلع تحدياً تشخيصياً وسلوكياً هائلاً. فالألم المرجعي الصدري المفاجئ غالباً ما يطلق استجابة “الكر أو الفر” (Fight-or-Flight Response)، والتي تتميز بتدفق هائل للأدرينالين، وتسارع ضربات القلب، وفرط التنفس (Hyperventilation). يُحدث فرط التنفس قلاءً تنفسياً يؤدي إلى تشنج عضلي إضافي في العضلات الصدرية والعنقية، وزيادة في الخدر والنمل في الأطراف العلوية، وهي الأعراض عينها التي يفسرها المريض كعلامات مؤكدة على سكتة قلبية وشيكة، مما يحيل النوبة الميكانيكية البسيطة إلى عاصفة نفسية عاتية من الذعر الوجودي.
التحديات التشخيصية والتشخيص الفارقي
يقف الطبيب أمام الذبحة الصدرية العنقية في مواجهة معضلة تشخيصية مزدوجة تتطلب يقظة إكلينيكية بالغة، إذ تتمثل الخطوة الأولى الحتمية وغير القابلة للمساومة في النفي القاطع لوجود مرض الشريان التاجي (Coronary Artery Disease). لا يجوز بأي حال من الأحوال افتراض المنشأ العنقي لألم الصدر استناداً فقط إلى وجود آلام بالرقبة أو تشخيص مسبق لداء الفقار، بل يجب إخضاع المريض لبروتوكول فحص قلبي شامل يتضمن تخطيط كهربية القلب (ECG)، وفحص المؤشرات الحيوية القلبية مثل التروبونين، واختبارات الجهد، وتصوير الأوعية التاجية بالقسطرة أو بالتصوير المقطعي المحوسب عند اللزوم.
بمجرد التأكد من سلامة التروية القلبية، يبدأ المسار الاستقصائي العصبي والهيكلي. يتضمن هذا المسار إجراء تقييم دقيق للتاريخ المرضي يركز على محفزات الألم؛ فالذبحة الصدرية الحقيقية ترتبط عادة بالمجهود البدني العام مثل صعود السلالم وتهدأ بالراحة أو بتناول مركبات النتروجليسرين، في حين أن الذبحة العنقية تستثار بالحركات الموضعية للعمود الفقري العنقي، مثل ثني الرقبة، أو بسطها، أو تدويرها، أو الحفاظ على وضعيات ثابتة لفترات طويلة كاستخدام شاشات الحاسوب، فضلاً عن أنها قد تتفاقم بالسعال أو العطس اللذين يرفعان الضغط داخل النخاع الشوكي.
يشمل التشخيص الفارقي مروحة واسعة من الاضطرابات الهيكلية والنفسية الأخرى، والتي نوجزها في النقاط التالية:
- التهاب الغضاريف الضلعية (Costochondritis): وهو التهاب في المفاصل الغضروفية لجدار الصدر يتسم بوجود ألم موضعي محدد ومؤلم بشدة عند اللمس المباشر، دون أن يمتد غالباً على طول المسارات العصبية العنقية.
- متلازمة مخرج الصدر (Thoracic Outlet Syndrome): انضغاط في الحزمة الوعائية العصبية عند مدخل الطرف العلوي، يشترك مع الذبحة العنقية في انتشار الألم للذراع، إلا أنه يترافق غالباً بتغيرات وعائية مثل شحوب اليد أو تبدلات النبض الكعبري بحسب وضعية الطرف.
- اضطرابات المريء الحركية: مثل التشنج المريئي المنتشر والارتجاع المعدي المريئي، واللذين يسببان ألماً خلف القص يخف أحياناً بالنترات أيضاً، لكنه يرتبط بصورة أوضح بالبلع وتناول الطعام.
- الألم الليفي العضلي (Fibromyalgia): متلازمة ألم مزمن واسعة الانتشار تترافق مع نقاط ألم محددة وإرهاق عام واضطراب في النوم، حيث يكون ألم الصدر جزءاً من لوحة ألمية جسدية شاملة لا تنحصر في التوزيع العصبي الجذري.
التداعيات السلوكية والمعرفية للتأخر التشخيصي
يعد التأخر التشخيصي سمة شائعة ومأساوية في مسار مريض الذبحة الصدرية العنقية؛ إذ يقضي المرضى عادة شهوراً، وأحياناً سنوات، يتنقلون بين أقسام الطوارئ وعيادات أمراض القلب في رحلة منهكة تُعرف بـ “التسوق الطبي” (Doctor Shopping). يؤدي هذا التضارب، حيث يشعر المريض بألم حقيقي عاصف بينما تخبره الفحوصات المتكررة بأن “قلبه سليم تماماً ولا يوجد أي خطب”، إلى شعور عميق بالاغتراب وعدم التصديق والتشكيك في كفاءة المنظومة الطبية، مما يعزز العزلة النفسية والشعور بالإنكار والشك الوجودي.
يولد هذا الالتباس ظاهرة معرفية تُعرف بـ التفكير الكارثي (Catastrophizing)، حيث يشرع العقل في وضع سيناريوهات مظلمة تفترض وجود علة خفية عجز الطب عن رصدها، وأن الموت القلبي قادم لا محالة. يقود هذا النمط التفكيري إلى تطور سلوكيات التحقق القهرية وإجراء تخطيطات قلب متكررة، ما يكرس استجابة قلق مزمنة ترفع من إفراز هرمونات التوتر كالكورتيزول والنورأدرينالين؛ الأمر الذي يؤدي بدوره إلى توتر عضلي مزمن في عضلات الكتف والرقبة وشبه المنحرفة، فيزيد الضغط الميكانيكي على الأعصاب ويضاعف حدة النوبات الألمية.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز متلازمة “رهاب الحركة” (Kinesiophobia) كعائق سلوكي جسيم، حيث يربط المريض خطأً بين أي نشاط حركي يتطلب جهداً بدنياً وبين اندلاع الألم، مفترضاً أن تسارع ضربات القلب الفسيولوجي أثناء الحركة هو دليل إقفار قلبي. يترتب على هذا السلوك انكفاء حركي شديد ونمط حياة خامل يؤدي إلى ضعف البنية العضلية الداعمة للفقرات، وزيادة الوزن، وتراجع وظائف الجهاز الدوري، فضلاً عن مشاعر الاكتئاب السريري وفقدان الشغف الناجمة عن العجز الوظيفي وفقدان القدرة على العمل أو ممارسة الأنشطة الحياتية المعتادة.
المقاربات العلاجية التداخلية والتأهيلية
تتطلب الإدارة العلاجية الناجحة للذبحة الصدرية العنقية خطة علاجية متعددة الوسائط تبدأ بالعلاج التحفظي وتتدرج نحو التدخلات المتقدمة وفقاً لشدة الآفة العصبية المسببة. في المرحلة الأولى، يشكل العلاج الفيزيائي حجر الزاوية، حيث يهدف إلى استعادة الميكانيكا الحيوية السليمة للعمود الفقري العنقي، وتخفيف الضغط عن الجذور العصبية عبر تقنيات الشد الرقبي الخاضع للرقابة، وتمارين تقوية العضلات العميقة للرقبة، وتحسين وضعية الجلوس والحركة لتفادي الإجهاد الوضعي المستمر.
على الصعيد الدوائي، تتكامل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) مع مرخيات العضلات لكسر حلقة التشنج والألم الحادة. وفي الحالات التي تتسم بوجود مكون ألم عصبي المنشأ (Neuropathic Pain) واضح يتظاهر بالحرقة والوخز الصدري، تبرز الأدوية المضادة للاختلاج مثل الجابابنتين والبريجابالين، ومضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات أو مثبطات استرداد السيروتونين والنورأدرينالين (SNRIs) كأدوات فارماكولوجية فعالة تسهم في تعديل مسارات معالجة الألم المركزية والمحيطية على حد سواء.
في الحالات المعندة التي تفشل فيها الإجراءات التحفظية، يمكن اللجوء إلى التدخلات التسكينية الدقيقة مثل حقن الستيرويد فوق الجافية عبر الثقوب الفقرية العنقية (Cervical Transforaminal Epidural Injections) أو إحصار الأعصاب الشوكية الانتقائي، مما يقدم راحة تشخيصية وعلاجية مزدوجة تؤكد منشأ الألم وتخفف الالتهاب الموضعي. أما التدخل الجراحي، مثل عمليات استئصال القرص العنقي ودمج الفقرات (ACDF) أو تقويم مفاصل الفقرات الرقبية، فيبقى الخيار الأخير المخصص للمرضى الذين يعانون من عجز عصبي تدريجي أو تضيق نخاعي شديد يهدد سلامة الحبل الشوكي، حيث أثبتت الدراسات أن الجراحة تؤدي إلى تلاشي الألم الصدري الذبحي بصورة فورية ومستدامة لدى الغالبية الساحقة من هؤلاء المرضى.
التدخلات النفسية والعلاج النفسي الجسدي المتكامل
نظراً للاشتباك العضوي والانفعالي العميق في متلازمة الذبحة الصدرية العنقية، فإن العلاج الطبي أو الجراحي وحده يظل قاصراً إذا لم يقترن بتدخل نفسي منظّم يعالج التشوهات المعرفية ورهاب القلب المكتسب. يحتل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) الصدارة بوصفه النموذج الذهبي للتدخل، حيث يركز المعالج على مساعدة المريض في إعادة هيكلة الأفكار الكارثية المتعلقة بألم الصدر، وتعليمه التفريق الواعي بين الإحساس بالألم العضلي الهيكلي وبين النوبات القلبية الخطرة، وكسر الروابط الشرطية الخاطئة بين تسارع النبض الفسيولوجي والخطر الوشيك.
تتضمن استراتيجيات العلاج السلوكي أيضاً التعرض التدريجي داخل البيئة العلاجية للأنشطة البدنية والوضعيات الحركية التي كان المريض يتجنبها خوفاً من استثارة الذبحة (In Vivo Exposure). يسهم هذا التعرض المنظم في تفكيك سلوكيات التجنب الوقائي، ويبني تحملاً نفسياً وجسدياً أعلى للإشارات الحسية الصادرة من الرقبة والصدر، مما يقلل من حالة فرط اليقظة الجسدية (Somatic Hypervigilance) التي تجعل المريض يترصد كل نبضة وخفقة في جسده بتوجس ورعب مستمرين.
علاوة على ذلك، تعد تقنيات الاسترخاء المتقدمة، مثل الاسترخاء العضلي التدريجي، والارتجاع البيولوجي (Biofeedback)، وممارسات التيقظ الذهني الموجهة لخفض التوتر (MBSR)، عناصر داعمة حاسمة لإعادة التوازن للجهاز العصبي الذاتي. تتيح هذه الأدوات خفض النشاط الودي المفرط، وتهدئة التوتر العضلي التشنجي في الحزام الكتفي والرقبي، مما يمنح المريض إحساساً مفقوداً بالسيطرة والتمكين على جسده، متجاوزاً عقلية الضحية المستسلمة لوهم المرض العضال نحو التكيف الوظيفي والشفاء الشامل.
الخاتمة والتطلعات المستقبلية
تجسد الذبحة الصدرية العنقية نموذجاً سريرياً معقداً يُلزم الأوساط الطبية بالانتقال الحقيقي من النظرة الاختزالية التي تفصل الجسد عن العقل إلى تبني النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي الشامل. إن الألم الصدري الذي يختبره المريض ليس وهماً ولا هو مجرد عرض عصابي هستيري، بل هو دفق عصبي نسيجي حقيقي يسلك مسارات خادعة تُشعل في العقل البشري أعتى مخاوف الفناء، مما يتطلب تقديراً علمياً وإنسانياً لعمق المعاناة التي يعيشها هؤلاء المرضى بين مطرقة الألم الهيكلي وسندان الذعر القلبي.
تتطلع البحوث المستقبلية إلى تطوير بروتوكولات تصوير وظيفي عصبي متقدمة ترصد التفاعلات اللحظية بين المسارات الودية العنقية والنشاط الدماغي الحسي، مما يسهل التشخيص المبكر ويقصر المسافة الزمنية الكارثية التي يقضيها المرضى في دوامات الاستقصاء غير المجدية. إن تعزيز التعاون متعدّد التخصصات بين أطباء القلب، وأطباء الأعصاب، وجراحي العمود الفقري، والمعالجين النفسيين السريريين يظل هو السبيل الوحيد لإعادة صياغة مسار الرعاية الصحية، وضمان تحرير المرضى من قيود التشخيص الخاطئ وتمكينهم من استعادة عافيتهم الجسدية واستقرارهم النفسي والوجودي.
المراجع
- Davis, D. (1927). Radicular syndrome simulating coronary artery disease. American Heart Journal, 3(2), 231-240.
- Phillips, J. R. (1948). Cervical angina: A common cause of chest pain simulating angina pectoris. Journal of the American Medical Association, 137(13), 1111-1115. https://doi.org/10.1001/jama.1948.02890470001001
- Nachlas, N. E. (1954). Cervical angina and the cervical syndrome. The Journal of Bone & Joint Surgery, 36(6), 1147-1153.
- Sussman, W. I., Makovitch, S. A., & Misra, S. (2014). Cervical angina: an overlooked source of noncardiac chest pain. Neurohospitalist, 5(1), 22-27. https://doi.org/10.1177/1941874414550558
- Chou, R., Qaseem, A., Snow, V., Casey, D., Cross, J. T., Shekelle, P., & Owens, D. K. (2007). Diagnosis and treatment of low back and cervical pain: A joint clinical practice guideline. Annals of Internal Medicine, 147(7), 478-491.
- Barsky, A. J., & Ahern, D. K. (2004). Cognitive behavior therapy for hypochondriasis and health anxiety: A randomized controlled trial. JAMA, 291(12), 1464-1470. https://doi.org/10.1001/jama.291.12.1464
- Eisendrath, S. J. (1995). Psychiatric aspects of chronic pain. Neurology, 45(12 Suppl 9), S26-S34.
- Kikuchi, S., & Macnab, I. (1984). Cervical radiculopathy and chest pain: A clinical and experimental study. Spine, 9(4), 391-395.