يُمثّل اختبار الأشكال المضمنة للأطفال، المعروف اختصاراً بـ CEFT (Children’s Embedded Figures Test)، إحدى الركائز المنهجية البارزة في حقل علم النفس المعرفي والقياس النفسي العصبي النمائي. تم تصميم هذه الأداة الميدانية لتقييم الفروق الفردية في أساليب الإدراك والمعالجة البصرية المكانية لدى الأطفال في مراحل الطفولة المبكرة والمتوسطة. من خلال تفكيك كيفية استخلاص الطفل شكلاً بسيطاً مستقلاً ضمن خلفية بصرية معقدة ومموهة، يكشف الاختبار عن الطبيعة المعرفية لكيفية استقبال الدماغ للمعلومات وفصل المثيرات المركزية عن سياقها المحيط.
المفهوم والأسس النظرية لاختبار الأشكال المضمنة للأطفال (CEFT)
ينبثق اختبار الأشكال المضمنة للأطفال بشكل مباشر من نظرية الأساليب المعرفية التي صاغها عالم النفس الأمريكي البارز هيرمان ويتكين (Herman Witkin) وزملاؤه في منتصف القرن العشرين. تقوم هذه النظرية على افتراض مفاده أن الأفراد يختلفون اختلافاً جوهرياً ومستقراً في الطريقة التي ينظمون بها ويدركون من خلالها بيئاتهم البصرية والحسية، وهو ما يُعرف ببعد “الاستقلال مقابل الاعتماد على المجال الإدراكي” (Field Independence vs. Field Dependence). يصف هذا البعد السيكولوجي مدى قدرة الفرد على إدراك الأجزاء التحليلية بمعزل عن الكل، أو ميله إلى إدراك المشهد الإدراكي ككل موحد تسيطر فيه الخلفية على تفاصيل العناصر الفردية المضمنة داخله.
في إطار هذا التمايز المعرفي، يُصنف الفرد الذي يتسم بـ “الاستقلال عن المجال الإدراكي” بقدرته العالية على تفكيك التراكيب البصرية المعقدة، والتركيز الانتقائي على الهدف المنشود متجاوزاً الإشارات المشتتة أو السياق المضلل. في المقابل، يميل الفرد “المعتمد على المجال الإدراكي” إلى إدراك المثيرات بوصفها كلية مندمجة، حيث تلعب البيئة المحيطة أو السياق الإدراكي الكلي دوراً مهيمناً يصعب معه تحييد المشتتات واستخلاص المكونات الفرعية بسهولة. ويُعتبر اختبار CEFT وسيلة إكلينيكية وبحثية دقيقة تم تطويرها خصيصاً لترجمة هذا البعد النظري المجرد إلى أداء سلوكي قابل للقياس الكمي والمقارنة المعيارية لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم عادة بين سن الخامسة والحادية عشرة.
لا يقتصر البعد النظري للاختبار على الجوانب البصرية المجردة، بل يمتد ليعكس خصائص أوسع في البنية المعرفية والشخصية للطفل. وقد أوضح ويتكين أن الأسلوب المعرفي لا يمثل مستوى الذكاء العام أو القدرة العقلية الفطرية الخام بالمعنى التقليدي (IQ)، بل يمثل أسلوباً وأداءً نوعياً في معالجة المعلومات والتفكير وحل المشكلات. ومن ثم، فإن اختبار CEFT لا يصنف الأطفال إلى متفوقين أو متأخرين عقلياً استناداً إلى سرعة الإنجاز وحدها، بل يحدد النمط والمسار المعرفي المفضل لدى الطفل، وهو ما يحمل دلالات عميقة لفهم تفاعله مع البيئة المدرسية، واكتساب المهارات الحسابية، وتطور التفكير الرياضي والتحليلي مقارنة بالمهارات الاجتماعية والعاطفية.
التطور التاريخي وسياق نشأة الأداة
جاء تطوير اختبار الأشكال المضمنة للأطفال (CEFT) في مطلع سبعينيات القرن العشرين استجابةً لحاجة ملحة واجهت الباحثين السيكولوجيين في أعقاب النجاح الواسع لاختبار الأشكال المضمنة الأصلي للبالغين (Embedded Figures Test – EFT)، واختبار الأشكال المضمنة للمجموعات (GEFT). كانت النسخة الأصلية للبالغين تعتمد على تصميمات هندسية مجردة بالغة التعقيد، تتطلب مستويات متقدمة من التجريد البصري والتركيز المستدام، الأمر الذي جعلها غير ملائمة وغير محفزة لنمو الأطفال الإدراكي، خاصة في سنوات دراستهم الأولى، مما كان يؤدي إلى درجات هبوط اصطناعية وافتقار لدافعية الإنجاز لدى العينات الصغيرة.
قام ويتكين بالتعاون مع زملائه، لاسيما أولتمان وراسكين وكارب (Witkin, Oltman, Raskin, & Karp, 1971)، بإعادة هندسة الأداة لتناسب الإدراك النمائي للأطفال الصغار، مع الحفاظ الصارم على الجوهر الرياضي والسيكومتري لقياس أسلوب الفصل الإدراكي. تضمنت هذه المواءمة استبدال الأشكال الهندسية المجردة القاحلة برسوم توضيحية تمثل أشياء ملموسة وذات معنى مألوف للأطفال (مثل رسوم الخيام والمنازل)، مع دمج الأشكال المستهدفة داخل صور مركبة تعبر عن حيوانات، أو مناظر طبيعية، أو أشياء من الحياة اليومية، مما حافظ على دافعية الطفل قلل من مستويات الإحباط النفسي أثناء الاختبار.
مرت الأداة عبر عقود بتجارب تطبيقية موسعة في البيئات الإكلينيكية والتربوية والأنثروبولوجية الثقافية المقارنة، حيث أظهرت الدراسات عبر الثقافات أن معدلات تطور الاستقلال عن المجال تخضع لتفاعل معقد بين النضج البيولوجي للجهاز العصبي والبيئة التنشئية والثقافية التي يترعرع فيها الطفل. ومع تطور العلوم العصبية في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أُعيد تسليط الضوء على اختبار CEFT كأداة حساسة لاستكشاف التطور الوظيفي للفصين الجداري والجبهي، وتحديد كفاءة وظائف الانتباه التنفيذي وآليات التثبيط الإدراكي (Inhibitory Control) لدى الأطفال خلال مراحل نموهم الحرجة.
البنية القياسية وتصميم أدوات الاختبار ومكوناته
يتألف اختبار الأشكال المضمنة للأطفال (CEFT) من مجموعة مقننة بعناية من البطاقات المصورة الملونة، المصممة وفق معايير سيكوفيزيائية دقيقة لضمان التحكم في التباين البصري وتشتت الانتباه. يتضمن الاختبار شكلين بسيطين مستهدفين (Target Figures)، هما عادة: شكل “الخيمة” (مثلث متساوي الساقين ذو قاعدة أفقية) وشكل “المنزل” (مربع يعلوه مثلث يشبه المسكن التقليدي). يتم تدريب الطفل في البداية على مجسمات ملموسة أو نماذج كرتونية مقطوعة تمثل هذين الشكلين، للتأكد من استيعابه البصري واللمسي للشكل المستهدف واستقراره في الذاكرة العاملة البصرية قبل البدء في مراحل التمويه والبحث الحقيقي.
ينقسم الاختبار إجرائياً إلى سلسلتين رئيستين متدرجتين في مستوى الصعوبة:
- سلسلة الخيمة (Tent Series): وتضم مجموعة من اللوحات الكلية التمهيدية التي تحتوي على صور مألوفة يخفي تكوينها الداخلي الخطوط المحددة لشكل “الخيمة”. تُستخدم هذه السلسلة في مستويات التدريب والتقييم الأولي للتحقق من امتلاك الطفل القدرة الإدراكية الأساسية لإلغاء دمج الأشكال والبحث الممنهج.
- سلسلة المنزل (House Series): وتتألف من لوحات أكثر تعقيداً وكثافة بصرية، حيث يتم إخفاء شكل “المنزل” ذي المكونات الزاوية المتعددة داخل خلفيات غنية بالتفاصيل، تتطلب مستويات متقدمة من المسح البصري، وتثبيط المثيرات الطبوغرافية المحيطة، وتجاوز الحدود الوهمية أو الخطوط المتقاطعة التي توحي بأشكال أخرى بديلة.
تم تصميم لوحات المثيرات المركبة بحيث تشكل الخطوط المحيطة بالشكل البسيط جزءاً عضوياً متكاملاً من الصورة الكلية الأكبر؛ فعلى سبيل المثال، قد يشكل ضلع من أضلاع شكل الخيمة ساقاً لحيوان معين، بينما يشكل الضلع الآخر غصناً لشجرة في الخلفية. هذا النمط من الإدماج البصري المقصود يخلق ما يُعرف في علم نفس الجشطالت بـ “الإغلاق الإدراكي القوي”، حيث تفرض اللوحة الكلية بنيتها على الجهاز البصري للطفل، ولا يمكن عزل الشكل المستهدف إلا من خلال بذل جهد معرفي تحليلي فعال يتغلب على القوانين الطبيعية للتنظيم الإدراكي مثل قوانين الاستمرارية الجيدة، والتقارب، والتشابه.
إجراءات التطبيق ومعايير التصحيح والتقييم الإكلينيكي
يتطلب تطبيق اختبار CEFT بيئة إكلينيكية هادئة ومضاءة بصورة قياسية وخالية من المشتتات البصرية أو السمعية التي قد تستنزف موارد الانتباه المحدودة لدى الطفل. يُطبق الاختبار بشكل فردي وجهاً لوجه بواسطة فاحص متمرس ومدرب على تقنيات القياس النفسي للأطفال. يبدأ الفاحص بمرحلة التدريب وبناء الألفة (Familiarization Phase)، حيث يُعرض على الطفل النموذج الكرتوني البسيط، ويُطلب منه تسميته وتحسس أضلاعه ووضعه فوق تطابق مباشر لنفس الشكل، للتأكد التام من فهم المطلوب السلوكي وعدم وجود مشكلات بصرية حدية غير مشخصة تعيق الأداء.
في مرحلة الاختبار الفعلي، يُعرض الشكل المركب أمام الطفل لفترة زمنية محددة ومقننة (عادة ما يتم ضبطها بسقف زمني يصل إلى دقيقتين لكل لوحة أو عنصر). وتتمثل تعليمة الفاحص في توجيه الطفل إلى الإشارة بإصبعه بدقة إلى الحدود الخارجية للشكل المستهدف (سواء كان الخيمة أو المنزل) دون الاعتماد على التخمين العشوائي. يُمنح الطفل فرصة أولى للعثور على الشكل، وفي حال إشارته إلى موضع خاطئ، يُنبه الفاحص الطفل بلطف للمحاولة مجدداً ضمن الزمن المتبقي المخصص للبند. تُسجل درجات الطفل استناداً إلى دقة تحديد الشكل وزمن الرجع (Response Latency) المستغرق في التوصل إلى الحل الصحيح لكل لوحة.
تعتمد آلية التصحيح الأساسية على حساب مجموع الإجابات الصحيحة التي تم التوصل إليها في المحاولة الأولى، مع إعطاء أوزان نسبية محددة للمحاولات الثانية الناجحة بحسب دليل التصحيح المعتمد في النسخة المقننة. تؤدي الدرجات المرتفعة على مقياس CEFT إلى تصنيف الطفل ضمن نمط “الاستقلال عن المجال الإدراكي”، مما يعكس كفاءة استثنائية في التحليل البصري والتنظيم الإدراكي الذاتي وتجاهل الضجيج البصري. في المقابل، ترتبط الدرجات المنخفضة، أو استغراق الحد الأقصى من الوقت دون العثور على الأشكال، بنمط “الاعتماد على المجال الإدراكي”، حيث يجد الطفل صعوبة بالغة في تحرير الجزء من قبضة الكل الإدراكي المحيط، وهو ما يتطلب تفسيراً حذراً يراعي السياق النمائي والعمري للطفل.
الخصائص السيكومترية: الصدق والثبات عبر الفئات العمرية
خضع اختبار الأشكال المضمنة للأطفال لعمليات فحص سيكومتري صارمة عبر عقود من الاستخدام الأكاديمي والعيادي للتأكد من تمتعه بمستويات مقبولة من الصدق (Validity) والثبات (Reliability). أظهرت الدراسات الأولية التي أجراها ويتكين وزملاؤه، وتبعتها دراسات التحقق المعيارية المستقلة في بيئات ثقافية متنوعة، أن الاختبار يتمتع بمعاملات ثبات اتساق داخلي (Internal Consistency) قوية، حيث تتراوح قيم معامل ألفا كرونباخ عادة بين 0.75 و0.88 عبر الفئات العمرية المختلفة، مما يبرهن على التجانس البنيوي لفقرات السلسلتين المكونتين للاختبار.
أما فيما يخص ثبات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability)، فقد كشفت البيانات التجريبية عن استقرار زمني ملحوظ لدرجات الأطفال عند إعادة تطبيق الاختبار بعد فترات زمنية تراوحت بين عدة أسابيع وبضعة أشهر، مع تسجيل معاملات ارتباط استقرار تراوحت بين 0.70 و0.85. يعكس هذا الاستقرار أن السمة التي يقيسها الاختبار، وهي الأسلوب المعرفي للإدراك، تمثل خاصية هيكلية مستقرة نسبياً في البنية النفسية للطفل، وليست مجرد حالة انفعالية عابرة أو تأثراً مؤقتاً بظروف جلسة الاختبار التجريبية، مع الإقرار بوجود منحنى نمائي ارتقائي طبيعي يميل فيه الأطفال عموماً إلى زيادة الاستقلال عن المجال كلما تقدموا في العمر ونضجت شبكاتهم العصبية الجبهية.
على صعيد الصدق، أثبتت تحليلات الصدق التمييزي (Discriminant Validity) والصدق التقاربي (Convergent Validity) دقة الأداة؛ حيث يرتبط أداء الأطفال على اختبار CEFT بارتباطات موجبة معتدلة إلى قوية بمقاييس أخرى للاستقلال الإدراكي، مثل اختبار تنظيم القطع (Block Design Test) واختبار المتاهات الفرعيين ضمن مقياس وكسلر لذكاء الأطفال (WISC)، بينما يظهر الاختبار تمايزاً واضحاً وارتباطات منخفضة نسبياً بالاختبارات اللفظية الصرفة واختبارات الذاكرة التقريرية، مما يثبت استقلالية الأسلوب المعرفي البصري المكاني عن الحصيلة المعجمية والطلاقة اللغوية العامة للطفل.
التطبيقات التربوية والتعليمية لأسلوب الاعتماد والاستقلال عن المجال
يمتد التطبيق العملي لاختبار CEFT إلى صميم الممارسات التعليمية والتربوية داخل الفصول الدراسية؛ حيث توفر نتائج الاختبار للمربين والمرشدين النفسيين نافذة فريدة لفهم أسباب تباين استجابة الأطفال لنفس الاستراتيجيات التدريسية. يميل الأطفال الذين يُظهرون استقلالاً عن المجال الإدراكي على مقياس CEFT إلى امتلاك مهارات تعلم استكشافية وتحليلية ذاتية، ولديهم قدرة فطرية على هيكلة وتنظيم المعلومات غير المكتملة بصورة مستقلة، مما يجعلهم متفوقين بطبيعتهم في موضوعات الرياضيات، والعلوم الطبيعية، والبرمجة، وحل المسائل الهندسية المعقدة.
في المقابل، يتميز الأطفال ذوو النمط المعتمد على المجال بخصائص تعليمية واجتماعية فريدة؛ حيث يتعلمون بكفاءة أعلى عندما تُقدم لهم المواد الدراسية في سياقات دلالية غنية واجتماعية واضحة المعالم، مع وجود توجيه تدريسي مباشر وهيكلية منظمة مسبقاً من قِبل المعلم. يمتلك هؤلاء الأطفال في الغالب حساسية بالغة للإشارات الاجتماعية والتعابير الوجهية للآخرين، ويميلون إلى التفوق في بيئات التعلم التعاوني، والأنشطة اللغوية الإنسانية، والمهام التي تعتمد على التفاعل الاجتماعي التعاطفي، في حين قد يواجهون صعوبات جمة عندما تتطلب المادة التعليمية تفكيك المسائل المجردة وتجريد العلاقات المنطقية دون سند حسي واضح.
تساعد معرفة الأسلوب المعرفي للطفل عبر مقياس CEFT في تصميم التدخلات التربوية الفردية واستراتيجيات التمايز التعليمي (Differentiated Instruction). فعندما يدرك المعلم أن تعثر طفل معين في استيعاب مفاهيم القراءة المبكرة أو العمليات الحسابية ناتج عن اعتماده الإدراكي على المجال وتشتته بالرسوم التوضيحية المزدحمة في صفحات الكتاب المدرسي، يمكنه التدخل فوراً عبر تقليل الضجيج البصري، واستخدام أوراق عمل مبسطة ذات تخطيط بصري نقي يركز الانتباه على الرموز الرياضية أو الحروف المستهدفة مباشرة، مما يحول دون إعاقة نمو الطفل الأكاديمي.
الدلالات الإكلينيكية والنمائية وعلاقتها باضطرابات النمو العصبي
اكتسب اختبار الأشكال المضمنة للأطفال (CEFT) أهمية إكلينيكية استثنائية في تقييم وفهم مسارات المعالجة المعرفية غير النمطية لدى الأطفال ذوي اضطرابات النمو العصبي، وبشكل خاص أولئك الذين يقعون ضمن طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). أظهرت الدراسات التجريبية المكثفة أن الأطفال المصابين بالتوحد يسجلون في كثير من الأحيان أداءً متفوقاً وسرعة استثنائية في العثور على الأشكال المضمنة في اختبار CEFT مقارنة بأقرانهم النمائيين المطابقين لهم في العمر العقلي والزمني.
يُفسر هذا الأداء المتفوق في سياق نظريتين معرفيتين مركزيتين في أبحاث التوحد:
- نظرية ضعف التماسك المركزي (Weak Central Coherence Theory): التي تفترض أن الأفراد ذوي التوحد لديهم ميل فطري لمعالجة الأجزاء والتفاصيل الموضعية بدقة فائقة على حساب إدراك الكل والسياق العام، مما يمنحهم ميزة معرفية نادرة داخل اختبار CEFT تجعلهم محصنين تقريباً ضد التمويه الإدراكي والتضليل البصري للصورة الكلية.
- نظرية المعالجة الإدراكية المعززة (Enhanced Perceptual Functioning): والتي تؤكد على وجود كفاءة متقدمة وتنشيط زائد في المناطق القشرية البصرية الخلفية لدى ذوي التوحد، مما يمكنهم من عزل المكونات الهندسية بدقة فائقة تتفوق على آليات الإدراك الجشطالتي النمطية.
على الجانب الآخر، يُظهر الأطفال المشخصون بـ اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) نمطاً مغايراً تماماً على اختبار CEFT؛ حيث يتسم أداؤهم في الغالب بالاندفاعية وارتفاع معدلات الخطأ في المحاولات الأولى وزيادة التشتت بالخلفيات الغنية بالتفاصيل، ليس بسبب قصور في الإدراك البصري المجرد، بل نتيجة لضعف آليات كف الاستجابة (Response Inhibition) وفشل الانتباه المستدام في مسح اللوحات بانتظام وتأنٍ. لذلك، يعمل الاختبار كأداة تشخيصية فارقة تدعم الفاحص الإكلينيكي في تمييز ملامح المعالجة المعرفية الدقيقة بين مختلف الاضطرابات النمائية والاضطرابات السلوكية المعقدة.
المقارنات المنهجية مع أدوات التقييم الإدراكي الأخرى والانتقادات المعاصرة
على الرغم من المكانة التاريخية والصلابة المنهجية التي يتمتع بها اختبار CEFT، فإن الأدبيات السيكومترية الحديثة تضعه في سياق نقدي مقارن مع غيره من مقاييس الإدراك والوظائف التنفيذية. بالمقارنة مع اختبار تصنيف بطاقات ويسكونسن (WCST) أو بطارية تقييم كوفمان للأطفال (KABC)، يركز CEFT على نمط محدد وضيق من الإدراك التحليلي البصري المكاني، وهو ما يدفع بعض النقاد إلى التساؤل حول ما إذا كان الاختبار يقيس حقاً “أسلوباً معرفياً” شاملاً ومستقلاً يوجه الشخصية برمتها، أم أنه مجرد مقياس فرعي مباشر لـ “القدرة المكانية” (Spatial Ability) وعامل الرؤية المكانية العام (Visual-Spatial Gv) وفق نموذج كارول-هورن-كاتل (CHC) للذكاء.
كما واجهت الأداة انتقادات تتعلق بجوانب الصلاحية الإيكولوجية (Ecological Validity) في العصر الرقمي الحديث؛ حيث إن المثيرات المطبوعة على بطاقات ورقية ثنائية الأبعاد قد لا تعكس بالضرورة تعقيد المعالجة البصرية الحركية التي يستخدمها الأطفال اليوم في تفاعلهم مع الشاشات الرقمية التفاعلية أو البيئات الافتراضية ثلاثية الأبعاد. علاوة على ذلك، أشار بعض الباحثين إلى أن طبيعة الأشكال المستهدفة الثابتة في الاختبار (الخيمة والمنزل) قد تكتسب حمولة ثقافية وسياقية متباينة باختلاف البيئات الاجتماعية للأطفال في البلدان غير الغربية، مما قد يُدخل تحيزات قياسية طفيفة في سرعة التعرف الأولي على دلالة الرمز الهندسي.
في مواجهة هذه الانتقادات، يرى المدافعون عن الأداة من علماء القياس النفسي أن بساطة ونقاء اختبار CEFT وتجرده من المكونات اللغوية الصريحة يظل أعظم نقاط قوته السريرية؛ إذ يجعله أداة عابرة للثقافات بامتياز (Culture-Fair Test)، وقابلة للتطبيق بنجاح على الأطفال الذين يعانون من اضطرابات لغوية نمائية، أو فئات الصم والبكم، أو الأطفال المهاجرين الذين لا يتقنون لغة البلد المضيف، مما يوفر تقييماً عادلاً لقدراتهم المعرفية التحليلية دون معاقبتهم على عجزهم اللفظي أو حصيلتهم اللغوية المحدودة.
الخلاصة والتطبيقات المستقبلية للاختبار
يظل اختبار الأشكال المضمنة للأطفال (CEFT) علامة فارقة في تاريخ القياس النفسي المعرفي وأداة إكلينيكية لا غنى عنها لفهم النسيج الإدراكي للطفولة. إن قدرة الاختبار على قياس تفكيك المثيرات وتحرير الأشكال البسيطة من سياقاتها التمويهية تمنح المتخصصين في مجالات علم النفس العصبي، والتربية الخاصة، وطب نفس الأطفال أداة فريدة لتقييم الاستقلال الإدراكي، والوظائف التنفيذية، والفروق الفردية في أساليب التعلم. ومع استمرار الأبحاث النمائية في دمج التقنيات الحديثة، مثل تتبع حركة العين (Eye-Tracking) والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، يتجه مستقبل الأداة نحو إصدار نسخ رقمية تفاعلية دقيقة، مما سيعزز من قدرتنا على رسم خرائط دقيقة للمسارات العصبية التي تتضافر معاً عندما ينظر الطفل إلى العالم، ويبحث عن المعنى داخل التفاصيل المتشابكة.
المراجع
- Witkin, H. A., Oltman, P. K., Raskin, E., & Karp, S. A. (1971). A manual for the Embedded Figures Tests. Consulting Psychologists Press.
- Happé, F. G. (1999). Autism: Cognitive deficit or cognitive style?. Trends in Cognitive Sciences, 3(6), 216-222. https://doi.org/10.1016/S1364-6613(99)01318-2
- Jolliffe, T., & Baron-Cohen, S. (1997). Are people with autism and Asperger syndrome faster than normal on the Embedded Figures Test?. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 38(5), 527-534. https://doi.org/10.1111/j.1469-7610.1997.tb01539.x
- Tinajero, C., & Páramo, M. F. (1998). Field dependence-independence and academic achievement: A re-examination of their relationship. British Journal of Educational Psychology, 68(2), 197-209. https://doi.org/10.1111/j.2044-8279.1998.tb01283.x
- Riding, R., & Cheema, I. (1991). Cognitive styles—an overview and integration. Educational Psychology, 11(3-4), 193-215. https://doi.org/10.1080/0144341910110301
- Shah, A., & Frith, U. (1983). An islet of ability in autistic children: A research note. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 24(4), 613-620. https://doi.org/10.1111/j.1469-7610.1983.tb00137.x
- Zhang, L. F. (2004). Field-dependence/independence: Cognitive style or perceptual ability?–validating against thinking styles and personality traits. Personality and Individual Differences, 37(6), 1295-1311. https://doi.org/10.1016/j.paid.2003.12.015