يمثل استبيان شخصية الأطفال (Children’s Personality Questionnaire – CPQ) إحدى الركائز المنهجية البارزة في تاريخ القياس النفسي الإكلينيكي والتربوي؛ إذ صُمم لتقييم البنية الديناميكية للشخصية لدى الأطفال في مرحلة الطفولة المتأخرة والنمو الحرج الممتد بين سن الثامنة والثانية عشرة. انبثق هذا المقياس عن الجهود العلمية الرائدة لعالم النفس البريطاني الأمريكي ريموند ب. كاتل (Raymond B. Cattell) بالتعاون مع روث ب. بورتر (Ruth B. Porter)، استناداً إلى نموذج التحليل العاملي متعدد الأبعاد الذي يسعى لتحديد السمات الأولية الفطرية والمكتسبة التي توجه السلوك البشري.
النشأة التاريخية والإطار الفلسفي والنظري للمقياس
شهد منتصف القرن العشرين تحولاً جذرياً في مسار علم النفس التجريبي والعيادي؛ حيث سعى الباحثون إلى تجاوز الانطباعات الذاتية والتحليلات التأملية نحو صياغة أطر قياسية موضوعية قابلة للتكرار والتحقق التجريبي. وفي هذا السياق، قاد ريموند كاتل ثورة منهجية في دراسة الشخصية استندت إلى الفرضية المعجمية (Lexical Hypothesis) وتطبيق أسلوب التحليل العاملي (Factor Analysis). رأى كاتل أن الشخصية ليست كياناً هلامياً غير متبلور، بل هي منظومة معقدة تتألف من سمات سطحية (Surface Traits) تمثل السلوكيات الملاحظة، وسمات مصدرية (Source Traits) تشكل البنى التحتية الكامنة والعميقة الموجهة للاستجابات الفردية عبر مختلف المواقف والسياقات الحياتية.
وانطلاقاً من نجاحه في تطوير استبيان ستة عشر عاملاً للشخصية (16PF) المخصص للراشدين، واجه كاتل معضلة منهجية تمثلت في أن الطفل ليس مجرد نسخة مصغرة من الراشد؛ فالنمو المعرفي واللغوي والانفعالي في مرحلة الطفولة يفرض حدوداً معينة على استيعاب المفاهيم المجردة والاستجابة للاستبيانات الذاتية المعقدة. دفع هذا الإدراك فريق البحث إلى تطوير سلسلة متكاملة من أدوات قياس الشخصية التي تراعي المراحل النمائية المختلفة، فظهر مقياس شخصية الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة والطفولة المبكرة (ESPQ)، واستبيان شخصية اليافعين (HSPQ)، واستبيان شخصية الأطفال (CPQ) الذي استهدف بدقة الفئة العمرية الحرجة الواقعة بين 8 و12 عاماً.
اعتمد تطوير مقياس CPQ على تنقية لغوية ومفاهيمية دقيقة للعبارات، محولاً مفاهيم السمات المصدرية إلى مواقف يومية مستمدة من البيئة المدرسية والأسرية التي يألفها الطفل. وقد هدف الباحثون من هذا التدرج إلى تقديم أداة تشخيصية تمكن التربويين والمعالجين النفسيين من فهم التباين الفردي في التكيف المدرسي، والتحصيل الأكاديمي، والمشكلات السلوكية والانفعالية، استناداً إلى توصيف علمي موضوعي يتجاوز مجرد الوصف الظاهري للاضطرابات نحو فهم السمات المحركة لها.
البنية العاملية والأبعاد السلوكية المقاسة في استبيان CPQ
يقيس استبيان شخصية الأطفال أربعة عشر بعداً أو عاملاً أحادي القطبية ثنائية التوجه (Bipolar Factors)، يُرمز لكل عامل منها بحرف أبجدي تقليدي مستمد من التسميات الرمزية التي وضعها كاتل. تمثل هذه الأبعاد السمات المصدرية للشخصية وتكشف عن التوازن بين الأنماط السلوكية المتقابلة لدى الطفل:
- العامل A (الدفء الاجتماعي مقابل التحفظ والانطواء – Warmth): يعبر القطب المرتفع عن الطفل المنفتح، الودود، المحب للعمل الجماعي، والمتعاطف مع أقرانه، في حين يشير القطب المنخفض إلى التحفظ، والبرود العاطفي، وتفضيل العزلة أو العمل الفردي، والحياد في المواقف الاجتماعية.
- العامل B (القدرة العقلية العامة أو الذكاء المتبلور – Reasoning): يقيس هذا العامل الكفاءة المعرفية، وسرعة الاستدلال المجرد، والقدرة على حل المشكلات واستيعاب المفاهيم اللفظية والمنطقية المناسبة للفئة العمرية، وهو عامل يعكس الأداء الأكاديمي والقدرة على التفكير النسقي.
- العامل C (الثبات الانفعالي مقابل سرعة التأثر والانفعالية – Emotional Stability): يحدد مدى قوة الأنا لدى الطفل؛ فالدرجات المرتفعة تدل على نضج انفعالي، وقدرة على التكيف مع الضغوط، وضبط النزوات، بينما تشير الدرجات المنخفضة إلى هشاشة انفعالية، وتقلب المزاج، والإحباط السريع، وسهولة الاستثارة العاطفية.
- العامل D (الاستثارة والنشاط المفرط مقابل الهدوء والاتزان – Excitability): يوضح درجة الحساسية الانفعالية والنشاط الحركي؛ فالأطفال ذوو الدرجات العالية يظهرون استجابات انفعالية مفرطة، وتشتتاً، وتسرعاً، وتطلباً للاهتمام، بينما يميل أصحاب الدرجات المنخفضة إلى التروي، والهدوء الداخلي، والاتزان في ردود الفعل.
- العامل E (السيطرة والتأكيد الذاتي مقابل الخضوع والإذعان – Dominance): يعكس نزعة القيادة والاستقلالية في مواجهة التبعية؛ حيث يتسم الطفل في القطب المرتفع بالجسارة، والمطالبة بحقوقه، والنزوع للسيطرة، والتمرد أحياناً، بينما يتصف في القطب المنخفض بالوداعة، والامتثال، والتسامح، والاعتماد على توجيهات الآخرين.
- العامل F (الحيوية والانبساط مقابل الوقار والجدية – Liveliness): يقيس مستوى التفاؤل والحماس والتعبير الحركي واللفظي؛ فالدرجة المرتفعة تشير إلى روح الدعابة، والمرح، والميل إلى التجديد والاندفاع الاجتماعي، بينما تشير الدرجة المنخفضة إلى التحفظ، والهدوء، والجدية المبكرة، والتشاؤم المحتمل.
- العامل G (قوة الضمير والأنا الأعلى مقابل التهاون بالقواعد – Rule-Consciousness): يرتبط بمدى استدماج المعايير الأخلاقية والاجتماعية؛ فالدرجات المرتفعة تعكس التزاماً دقيقاً بالواجبات، والمسؤولية، والحرص على النظام المدرسي، بينما تدل الدرجات المنخفضة على الميل لتجاهل القواعد، والتهرب من المسؤوليات، والبراغماتية الفردية.
- العامل H (الجرأة الاجتماعية مقابل الخجل والتهيب – Social Boldness): يرتبط بفسيولوجيا الجهاز العصبي واستجابته للتهديد الاجتماعي؛ فالطفل الجريء اجتماعياً لا يتردد في خوض التجارب الجديدة والحديث أمام الجمهور، بينما يعاني الطفل الخجول من الحساسية الشديدة للنقد، والتردد، والانسحاب أمام الغرباء.
- العامل I (الرقة والمشاعر المرهفة مقابل الصلابة والواقعية – Sensitivity): يعبر عن الجانب الوجداني؛ حيث يميل الطفل ذو الدرجة المرتفعة إلى الحساسية الفنية، والحاجة للمساعدة، والخيال، والتعاطف، بينما يظهر صاحب الدرجة المنخفضة ميلاً للعملية، والاعتماد على الذات، وتحمل المشاق، وتجاهل الجوانب العاطفية.
- العامل J (الشكوكية والتحفظ الفردي مقابل المشاركة الحماسية – Individualism): يعكس النمط المعرفي والاجتماعي؛ فالطفل في القطب المرتفع يميل إلى النقد، والتدقيق، والشك في نوايا الآخرين، وتفضيل الخصوصية، بينما يتسم في القطب المنخفض بقبول الآخرين بسهولة، والميل للاندماج السلس مع الجماعة.
- العامل N (الدهاء والتحفظ الاجتماعي مقابل البساطة والعفوية – Privateness): يقيس درجة الذكاء الاجتماعي؛ فالدرجة المرتفعة تعكس حذراً، وقدرة على إخفاء المشاعر الحقيقية، والتصرف بلباقة مقصودة، بينما تعكس الدرجة المنخفضة الصدق المطلق، والعفوية، والسذاجة في التعامل مع تعقيدات العلاقات.
- العامل O (القلق والشعور بالذنب مقابل الاطمئنان والأمن النفسي – Apprehension): يحدد مستوى المشاعر السلبية الداخلية؛ فالأطفال ذوو الدرجات المرتفعة يعانون من لوم الذات، والشعور بالدونية، والقلق بشأن المستقبل، والتحسس من أخطائهم، بينما يظهر أصحاب الدرجات المنخفضة ثقة عالية بالنفس واسترخاءً انفعالياً.
- العامل Q3 (الضبط الذاتي وتكامل مفهوم الذات – Self-Reliance): يمثل قدرة الطفل على تنظيم سلوكه وتوجيهه نحو أهداف طويلة الأمد؛ حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى الانضباط الذاتي، وتقدير المكانة الاجتماعية، والتحكم في الدوافع، بينما تدل الدرجات المنخفضة على الاندفاعية، والعجز عن التنظيم الذاتي.
- العامل Q4 (التوتر والإحباط العصبي مقابل الاسترخاء والهدوء – Tension): يعكس مستوى الطاقة النفسية غير المفرغة؛ فالدرجات المرتفعة تشير إلى توتر عضلي، وأرق، وإحباط ناشئ عن حاجات غير مشبعة، وصعوبة في الاسترخاء، بينما تعكس الدرجات المنخفضة هدوءاً عصبياً ورضا داخلياً.
بالإضافة إلى هذه العوامل الأولية الأربعة عشر، يوفر التحليل العاملي الثانوي (Second-Order Factors) إمكانية دمج هذه الدرجات لاستخراج أبعاد كبرى عليا تشبه في طبيعتها النماذج الحديثة؛ مثل عامل الانبساطية العامة (Extraversion)، والقلق العام (Anxiety)، والصلابة الذهنية (Tough Poise)، والاستقلالية (Independence)، مما يمنح الأخصائي النفسي رؤية بانورامية متكاملة للوظيفة النفسية للطفل.
الخصائص السيكومترية: الصدق والثبات وإجراءات التقنين
استند استبيان CPQ في صياغته الأصلية إلى معايير إحصائية ومنهجية صارمة هدفت إلى ضمان أعلى درجات الكفاءة السيكومترية. خضعت بنود المقياس لسلسلة من التحليلات العاملية التوكيدية والاستكشافية لضمان التشبع النقي لكل بند على العامود المخصص له، وتفادي التداخل المعنوي أو اللغوي الذي قد يربك استجابات الأطفال في هذا العمر. وقد أثبتت الدراسات الأصلية، وتلك التي تلتها عبر عقود، تمتع المقياس بمستويات مقبولة إلى ممتازة من الصدق البنائي (Construct Validity) وصدق المحتوى (Content Validity).
فيما يتعلق بالثبات، اعتمدت الدراسات المعيارية على أسلوبين رئيسيين: ثبات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability) عبر فترات زمنية تراوحت بين أسبوعين وشهرين، ومعاملات الاتساق الداخلي مثل ألفا كرونباخ ومعادلات التجزئة النصفية. ورغم التحديات النمائية المرتبطة بتغير اهتمامات الأطفال السريع وتطور قدراتهم العاطفية، أظهرت نتائج الثبات استقراراً ملحوظاً في السمات المصدرية المستقرة؛ حيث تراوحت معاملات الارتباط لمعظم العوامل بين 0.65 و0.85، وهي نسب جيدة جداً بالنظر إلى الفئة العمرية الموجه إليها الاختبار.
شهد استبيان شخصية الأطفال حركات تقنين واسعة ومكثفة على المستوى العالمي والعربي. وفي العالم العربي، قامت نخبة من علماء القياس النفسي (مثل أبحاث فاروق عبد السلام ومحمد القرشي وسعد عبد الرحمن وغيرهم) بتعريب المقياس وتقنينه على البيئات المحلية. تضمنت هذه العمليات تعديل الصياغات اللغوية لتلائم السياق الثقافي والاجتماعي العربي، والتحقق من صدق البنية العاملية عبر دراسات ميدانية موسعة شملت آلاف الطلاب، وتأسيس معايير وطنية ومحلية تعتمد على الرتب المئينية والدرجات المعيارية المستوية، مما وفر أداة موضوعية ذات حساسية ثقافية وقدرة تشخيصية رفيعة.
إجراءات التطبيق والتصحيح وتفسير الدرجات المعيارية
يتميز استبيان CPQ بمرونة في إجراءات التطبيق تجعله صالحاً للاستخدام الفردي والجمعي على حد سواء. يتكون المقياس عموماً من صيغتين متكافئتين (Form A و Form B)، تضم كل صيغة منهما عدداً متساوياً من الأسئلة الموزعة بالتساوي على العوامل الأربعة عشر (بواقع عدة أسئلة لكل عامل). يُفضَّل في السياقات الإكلينيكية والتشخيصية الدقيقة تطبيق الصيغتين معاً للحصول على أقصى درجات الدقة الإحصائية وتوسيع عينة السلوك المقاس، في حين يمكن الاكتفاء بصيغة واحدة في الدراسات المسحية والبحوث التربوية السريعة.
تتم صياغة الأسئلة بأسلوب الاختيار من متعدد الإجباري، حيث يُعطى الطفل خيارين أو ثلاثة خيارات تعبر عن مواقف وسلوكيات ملموسة، مثل: “هل تفضل في وقت الفراغ: (أ) القراءة بمفردك، (ب) اللعب بالكرة مع أصدقائك؟”. ونظراً للتباين في مهارات القراءة لدى الأطفال بين سن الثامنة والثانية عشرة، يُسمح للفاحص النفسي بقراءة التعليمات والأسئلة بصوت واضح وجهوري للأطفال الأصغر سناً أو لمن يعانون من صعوبات في القراءة، مما يزيل عبء التحصيل اللغوي عن قياس السمة النفسية المستهدفة.
تخضع عملية التصحيح لاستخدام مفاتيح تصحيح معيارية (Stencils) مخصصة لكل صيغة، حيث يتم استخراج الدرجات الخام (Raw Scores) لكل عامل من العوامل الأربعة عشر. تُحول هذه الدرجات بعد ذلك، باستخدام جداول المعايير المناسبة للعمر والجنس، إلى درجات معيارية تسمى “درجات ستين” (Standard Ten Scores – Sten Scores)، وهي درجات تتراوح من 1 إلى 10، بمتوسط حسابي قدره 5.5 وانحراف معياري قدره 2.0:
- الدرجات المنخفضة (Sten 1 – 3): تدل على ميل واضح وحاد نحو القطب الأيسر للسمة، وتستدعي انتباهاً خاصاً إذا ارتبطت بعوامل التوافق النفسي.
- الدرجات المتوسطة (Sten 4 – 7): تشير إلى التوازن والمرونة السلوكية؛ حيث يقع غالبية المجتمع الطبيعي في هذا النطاق السلوكي المعتدل.
- الدرجات المرتفعة (Sten 8 – 10): تدل على بروز سمة القطب الأيمن بوضوح وقوة في شخصية الطفل وسلوكه اليومي.
تُرسم الدرجات بعد ذلك على رسم بياني للشخصية (Personality Profile)، مما يتيح للأخصائي قراءة التفاعل الوظيفي والديناميكي بين السمات المختلفة. فالدرجة المرتفعة في القلق (O) مع درجة مرتفعة في التوتر (Q4) وانخفاض في الثبات الانفعالي (C) تشكل معاً ثالوثاً مؤشراً على اضطرابات القلق الطفولي التي تستوجب التدخل العلاجي.
التطبيقات الإكلينيكية والتربوية والإرشادية
يمتد النطاق التطبيقي لاستبيان CPQ إلى مجالات علم النفس المتنوعة؛ حيث يشكل في البيئة التربوية والمدرسية أداة لا غنى عنها في الإرشاد الطلابي والتشخيص النفسي-التربوي. يُستخدم المقياس لتفسير ظاهرة التأخر الدراسي غير المرتبط بتدني القدرات المعرفية؛ إذ تكشف الملفات النفسية للطلاب المتعثرين غالباً عن ارتفاع في التوتر (Q4) ونقص في الانضباط الذاتي (Q3) وضعف في قوة الأنا (C)، مما يوجه المرشد التربوي لبناء برامج دعم انفعالي بدلاً من الاقتصار على الدروس الخصوصية الأكاديمية.
كما يبرز دور المقياس بوضوح في برامج رعاية الموهوبين والمتفوقين عقلياً؛ فالأطفال ذوو الذكاء المرتفع قد يعانون أحياناً من عزلة اجتماعية أو حساسية انفعالية مفرطة (ارتفاع I وانخفاض H أو A). يساعد المقياس المربين على تصميم استراتيجيات تدريسية وتفاعلية تضمن التوازن بين النمو المعرفي الفائق والتوافق الاجتماعي-الانفعالي، وتجنب مخاطر الاحتراق النفسي المبكر أو الاغتراب عن الأقران.
وفي العيادات النفسية ومراكز الإرشاد الأسري، يعد استبيان شخصية الأطفال أداة مساعدة قوية في التفريق التشخيصي بين الاضطرابات الانفعالية والسلوكية؛ مثل التمييز بين اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) والمشكلات الناتجة عن القلق الحاد أو الاكتئاب الطفولي المستتر. كما يُستخدم المقياس كأداة للتقييم القبلي والبعدي لقياس فاعلية البرامج العلاجية، مثل العلاج المعرفي السلوكي الموجه للأطفال، وبرامج التدريب على المهارات الاجتماعية، وتدخلات تعديل السلوك الأسري.
مقارنة تحليلية: استبيان CPQ في مواجهة النماذج والمقاييس الحديثة
لفهم الموقع المعرفي لاستبيان CPQ في حركة القياس النفسي المعاصرة، ينبغي مقارنته بنماذج الشخصية الأخرى المطبقة على الأطفال، وفي مقدمتها نموذج العوامل الخمسة الكبرى (Big Five) المتمثل في استبيانات مثل BFQ-C (مقياس العوامل الخمسة للأطفال)، ومقاييس السلوك الإكلينيكي مثل نظام تقييم السلوك للأطفال (BASC) وقائمة فحص سلوك الطفل (CBCL):
- من حيث الدقة والتشخيص: يوفر استبيان CPQ تحليلاً تفصيلياً دقيقاً بفضل أبعاده الأربعة عشر، مقارنة بنموذج العوامل الخمسة الكبرى الذي يكتفي بأبعاد واسعة ومجملة قد تغفل التفاصيل الدقيقة مثل التمييز بين الخجل الاجتماعي (H) والانطواء الرغبوي (A)، أو التمييز بين الصرامة الأخلاقية (G) وضبط النفس الإجرائي (Q3).
- من حيث طبيعة الأداة: يركز استبيان CPQ على القياس المباشر لتقرير الطفل الذاتي عن مشاعره وتفضيلاته، في حين تعتمد معظم المقاييس السلوكية الحديثة مثل CBCL على تقارير الوالدين والمعلمين، مما يجعل CPQ نافذة مباشرة وفريدة على العالم الداخلي للطفل كما يدركه هو لا كما يراه الكبار.
- من حيث الأساس النظري: ينطلق CPQ من نظرية عامة موحدة للشخصية تمتد من الطفولة إلى الرشد بفضل سلسلة مقاييس كاتل المترابطة، مما يسهل الدراسات الطولية والتتبعية التي ترصد نمو السمات واستقرارها عبر سنوات العمر المختلفة.
ومع ذلك، تتفوق المقاييس الإكلينيكية المعاصرة في قدرتها المباشرة على تصنيف الاضطرابات وفق الأدلة التشخيصية المعتمدة (مثل DSM-5)، في حين يتطلب استخدام CPQ في التشخيص الإكلينيكي جهداً تحليلياً إضافياً لربط السمات الأساسية بالأعراض المرضية المحددة.
التحديات المنهجية والانتقادات المعاصرة للمقياس
على الرغم من المكانة التاريخية والمنهجية الرفيعة التي يحظى بها استبيان شخصية الأطفال، فقد واجه المقياس عدة انتقادات أكاديمية وتحديات تطبيقية في ضوء تطورات السيكومتريا الحديثة. يتمثل أول هذه التحديات في مدى ملاءمة أسلوب التقرير الذاتي (Self-Report) لجميع الأطفال في الشريحة العمرية الصغرى (سن 8 و9 سنوات)؛ حيث تتفاوت مستويات الوعي بالذات، والقدرة على الاستبطان التأملي، وفهم الفروق الدقيقة بين المشاعر، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تدني دقة الاستجابات وزيادة نسبة التخمين العشوائي.
ويتعلق الانتقاد الثاني بظاهرة المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability)؛ فالأطفال في البيئات المدرسية يميلون بطبيعتهم، وبدافع الخوف من العقاب أو الرغبة في نيل الاستحسان، إلى اختيار الإجابات التي يعتقدون أنها ترضي المعلم أو الفاحص (مثل الادعاء بالالتزام التام بالقواعد أو حب مساعدة الجميع دائماً). ورغم احتواء المقياس على أساليب تهدف لضبط هذه التحيزات عبر صياغة بدائل مقبولة اجتماعياً، إلا أن غياب مقياس فرعي مستقل وصريح للكذب أو التزييف (Lie Scale) يظل نقطة ضعف يعيبها بعض الباحثين المقارنين بمقاييس أخرى كاستبيان آيزنك للشخصية للأطفال.
أخيراً، يبرز التحدي التقني المتمثل في الحاجة الدائمة لتحديث المعايير الثقافية ومراجعة البنود اللغوية؛ فالأجيال الرقمية الحالية من الأطفال تنشأ في بيئات تواصلية وتكنولوجية تختلف جذرياً عن الظروف البيئية التي صيغت فيها أسئلة المقياس في الأصل. تتطلب هذه الفجوة الزمنية المستمرة جهوداً بحثية دورية لإعادة صياغة المواقف الحياتية بما يتناسب مع ثقافة الطفل المعاصر، وإخضاع البنية العاملية لتحليلات نمذجة المعادلة البنائية الحديثة (Structural Equation Modeling) للتأكد من صمود العوامل عبر المتغيرات الثقافية والزمنية المتسارعة.
خاتمة وتقييم شامل
يظل استبيان شخصية الأطفال (CPQ) معلماً بارزاً وإنجازاً فريداً في ميدان القياس النفسي للأطفال؛ حيث استطاع أن ينقل تقييم شخصية الطفل من الأطر الانطباعية والتأويلية إلى فضاء القياس الموضوعي والتحليل العاملي الموثوق. ومن خلال تتبعه لأربعة عشر بعداً مصدرياً، يمنح المقياس الفاحص النفسي فهماً مركباً ومتعمقاً للبنية النفسية للطفل، رابطاً بين القدرات العقلية والسمات المزاجية والتكيف الانفعالي والاجتماعي. ورغم التحديات المعاصرة التي تفرضها النماذج الأحدث وتغير البيئات الثقافية للأطفال، يظل استبيان CPQ أداة تشخيصية وبحثية وتربوية ذات قيمة علمية وتطبيقية راسخة، شريطة أن يُستخدم بوعي سيكومتري ومقروناً بالملاحظة الإكلينيكية المباشرة ومعايشة السياق البيئي والنمائي الشامل للطفل.
المراجع
- Cattell, R. B., & Porter, R. B. (1968). Handbook for the Children’s Personality Questionnaire (CPQ). Institute for Personality and Ability Testing (IPAT).
- Cattell, R. B. (1973). Personality and Mood by Questionnaire. Jossey-Bass.
- Coan, R. W., & Cattell, R. B. (1959). The development of the Early School Personality Questionnaire. Journal of Experimental Education, 28(2), 143-152. https://doi.org/10.1080/00220973.1959.11010645
- Porter, R. B., & Cattell, R. B. (1975). The Children’s Personality Questionnaire (CPQ): Manual for administration and scoring. Institute for Personality and Ability Testing.
- عبد السلام، فاروق، والقرشي، حسن. (1988). دليل استبيان شخصية الأطفال (CPQ): التقنين والخصائص السيكومترية في البيئة العربية. دار الفكر العربي.
- عطية، محمود السيد. (2004). القياس والتشخيص النفسي للأطفال غير العاديين: الأسس النظرية والتطبيقات العملية. مكتبة الرشد.
- Anastasi, A., & Urbina, S. (1997). Psychological Testing (7th ed.). Prentice Hall.