الطب النفسيعلم النفس الدوائي

كلوربرومازين (CPZ)

استكشف الخصائص الدوائية والتاريخية الشاملة لعقار كلوربرومازين (CPZ)، أول مضاد ذهان أحدث ثورة في علاج الفصام وطب النفس الحديث، من آلية عمله إلى تطبيقاته السريرية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل عقار كلوربرومازين (Chlorpromazine)، المعروف اختصاراً بـ (CPZ)، نقطة تحول جذرية وغير مسبوقة في تاريخ الطب النفسي وعلم الأدوية النفسية الحديث؛ إذ شكّل اكتشافه في منتصف القرن العشرين اللبنة الأساسية لثورة العلاج الدوائي للاضطرابات النفسية الشديدة. قبل ظهور هذا العقار، كانت المصحات النفسية عاجزة عن تقديم حلول علاجية ناجعة للمرضى المصابين بحالات الذهان ومرض الفصام، حيث سادت ممارسات العزل القسري والمهدئات العامة وجراحات الفص الجبهي والعلاج بالصدمات الكهربائية دون فهم دقيق للأسس العصبية البيوكيميائية لتلك الاضطرابات. لقد فتح هذا المركب الباب واسعاً أمام إعادة دمج المرضى النفسيين في مجتمعاتهم، معيداً صياغة المفاهيم السريرية حول كيمياء الدماغ البشري وآليات عمل الناقلات العصبية في تعديل السلوك والوجدان والتفكير.

السياق التاريخي واكتشاف العقار

يعود الفضل في تصنيع مركب الكلوربرومازين إلى الكيميائي الفرنسي بول شاربنتييه في مختبرات رون بولينك عام 1950، حيث جرى تطويره في البداية كأحد مشتقات الفينوثيازين بقصد استخدامه كعقار مضاد للهستامين ومهدئ إضافي لتحسين إجراءات التخدير الجراحي. وسرعان ما لاحظ الجراح العسكري الفرنسي هنري لابوريت أن هذا المركب لا يقتصر تأثيره على التسكين التقليدي، بل يُحدث حالة فريدة من “الهدوء النفسي دون نوم عميق”، أطلق عليها مصطلح عدم الاكتراث الخافض للتوتر السارق للقلق دون إحداث سبات تام، مما دفعه للتوصية باختباره سريرياً في مجال الأمراض النفسية.

في عام 1952، قام الطبيبان النفسيان الفرنسيان بيير دينيكر وجان ديليه بتجربة العقار على مرضى الفصام والاضطرابات الذهانية في مستشفى سانت آن في باريس، مسجلين نتائج سريرية مذهلة تمثلت في التراجع الدراماتيكي للأعراض الإيجابية مثل الهلاوس السمعية والضلالات الاضطهادية والتهيج الحركي الحاد. أظهرت هذه التجارب الرائدة أن العقار لا يطمس الوعي كأقراص الباربيتورات المنومة، وإنما يستهدف لب الاضطراب الذهاني ذاته بأسلوب نوعي غيّر موازين الطب العصبي والنفسي.

انتشر العقار تجارياً في أوروبا تحت الاسم التجاري “لارغاكتيل” (Largactil) دلالة على اتساع نطاق فاعليته، وسرعان ما تم إقراره في الولايات المتحدة الأمريكية تحت الاسم التجاري “ثورازين” (Thorazine) في عام 1954 من قبل إدارة الغذاء والدواء. كان هذا الإقرار بمثابة إطلاق لشرارة “حركة إلغاء المؤسسات الإيوائية”، حيث أتاح لآلاف المرضى مغادرة أروقة المصحات المغلقة واستعادة استقلاليتهم، مما رسخ مكانة الكلوربرومازين كأول مضاد ذهان نموذجي ينقذ الفكر البشري من أسره البيولوجي.

التصنيف الدوائي والتركيب الكيميائي

يصنف الكلوربرومازين من الناحية الدوائية باعتباره النموذج الأصلي لمضادات الذهان من الجيل الأول أو ما يُعرف تاريخياً بـ “المهدئات الكبرى” (Major Tranquilizers) أو مضادات الذهان النموذجية التقليدية (Typical Antipsychotics). ينتمي المركب كيميائياً إلى فئة الفينوثيازينات، وتحديداً عائلة الفينوثيازينات ذات السلسلة الجانبية الأليفاتية، والتي تتميز بقدرة تخديرية ومهدئة قوية مقارنة بالفئات الأخرى المشتقة من النواة ذاتها مثل مركبات البيبرازين أو البيبيريدين.

يتكون الهيكل البنائي للكلوربرومازين من حلقة ثلاثية مركزية تحتوي على ذرتي كبريت ونيتروجين، وترتبط بها ذرة كلور عند الموقع 2 وسلسلة أليفاتية من ثنائي ميثيل أمينوبروبيل عند ذرة النيتروجين المركزية رقم 10. هذا التركيب الجزيئي المميز يمنح العقار خصائصه الديناميكية المعقدة؛ إذ إن وجود ذرة الكلور يمنح الجزيء عدم تناظر كيميائي يعد حيوياً للارتباط شديد الألفة بمستقبلات الناقلات العصبية في الجهاز العصبي المركزي.

تُعد الطبيعة الأليفاتية للمركب مسؤولة إلى حد كبير عن توازنه الدوائي المتفرد؛ إذ تميل هذه المجموعة من الفينوثيازينات إلى إحداث تأثيرات مهدئة عامة وتثبيط نفسي حركي واضح، مترافقة مع ألفة متوسطة إلى منخفضة لمستقبلات الدوبامين مقارنة بالمركبات عالية الفعالية مثل الهالوبيريدول، ولكنها في الوقت عينه ترتبط بقوة بمجموعة واسعة من المستقبلات العصبية الأخرى، مما يحدد بدقة ملامح خصائصه العلاجية وتأثيراته الجانبية متعددة المسارات.

آلية العمل الدوائية والديناميكية الحيوية

تتمحور آلية العمل الأساسية للكلوربرومازين حول قدرته المضادة للناقل العصبي الدوبامين؛ حيث يعمل كحاصر تنافسي لمستقبلات الدوبامين بعد المشبكية من النمط الثاني (D2) في الدماغ. يُعزى التحسن السريري للأعراض الذهانية الإيجابية كالهلاوس والأوهام إلى حجب هذه المستقبلات في المسار الوسطي الطرفي (Mesolimbic Pathway)، وهو المسار العصبي الذي يُعتقد أن فرط نشاط الدوبامين فيه يُمثل الأساس الفسيولوجي المرضي للذهان والفصام النشط.

إلى جانب استهدافه لمستقبلات الدوبامين، يتمتع الكلوربرومازين بمظهر دوائي “قذر” أو متعدد الروابط (Broad-spectrum receptor profile)، حيث يرتبط بعدد كبير من المستقبلات الدماغية الأخرى ويحجبها بدرجات متفاوتة، وهي:

  • مستقبلات الدوبامين D2 وD1: يثبطها تنافسياً مما يقلل النقل العصبي الدوباميني، ويحقق ضبط النشاط الذهاني مع زيادة احتمالية الآثار الجانبية الحركية.
  • مستقبلات الهستامين H1: يؤدي حجبها إلى تأثيرات مهدئة ومنومة قوية، كما يسهم في فتح الشهية وزيادة الوزن المرتبطة بالعلاج طويل الأمد.
  • المستقبلات الأدرينالية من النمط ألفا-1 (Alpha-1 Adrenergic): يسبب حصرها حدوث هبوط في ضغط الدم، لا سيما هبوط الضغط الانتصابي المصحوب بتسرع انعكاسي في ضربات القلب.
  • المستقبلات الكولينية المسكارينية (M1): يسفر تثبيطها عن ظهور تأثيرات مضادة للكولين مثل جفاف الفم، عدم وضوح الرؤية، الإمساك، واحتباس البول، ولكنه يقلل في الوقت عينه من حدة الأعراض الهرمية الحركية الحادة.
  • مستقبلات السيروتونين (5-HT2A): يمتلك العقار قدرة ضعيفة إلى متوسطة على حجب هذه المستقبلات، مما قد يساهم جزئياً في تعديل المزاج وبعض الاستجابات السريرية.

إن هذا التعدد في استهداف المستقبلات يفسر الفاعلية السريرية المتنوعة للعقار فضلاً عن حزمة الأعراض غير المرغوبة المرافقة له؛ إذ إن حجب مستقبلات الدوبامين في المسار المخططي الأسود (Nigrostriatal Pathway) يترتب عليه اضطرابات الحركة الشبيهة بمرض باركنسون، في حين يؤدي حجبه في المسار القمعي النخامي (Tuberoinfundibular Pathway) إلى زيادة إفراز هرمون البرولاكتين نتيجة تحييد التثبيط الدوباميني الطبيعي.

الحركية الدوائية والتمثيل الغذائي

يمتلك الكلوربرومازين خواص حركية دوائية معقدة ناجمة عن طبيعته الشديدة في الذوبان بالدهون (Lipophilic)، مما يتيح له التوزع على نطاق واسع في أنسجة الجسم المختلفة والعبور السهل عبر الحاجز الدموي الدماغي. يُمتص العقار بسرعة بعد تناوله عن طريق الفم، إلا أن توافره الحيوي الجهازي يتراوح عادة بين 20% و35% فقط؛ نظراً لخضوعه لتأثير المرور الكبدي الأولي المكثف الذي يزيل جزءاً معتبراً من الجرعة المعطاة قبل وصولها للدورة الدموية الجهازية.

تصل التركيزات البلازمية القصوى للعقار عادة خلال ساعتين إلى أربع ساعات بعد الابتلاع الفموي، بينما يتحقق ذلك في غضون ثلاثين إلى ستين دقيقة عند الحقن العضلي. يرتبط الكلوربرومازين ارتباطاً وثيقاً ببروتينات البلازما، ولا سيما الألبومين والبروتين السكري الحمضي، بنسبة تتجاوز 90% إلى 95%، مما يمنحه حجماً ظاهرياً كبيراً للتوزع يتراوح بين 10 إلى 35 لتراً لكل كيلوغرام، ويتراكم في الأنسجة الدهنية والرئتين والكبد والدماغ.

يخضع العقار لعمليات أيض واسعة النطاق ومعقدة للغاية داخل الكبد، تتم أساساً عبر سلالات إنزيمات السيتوكروم بي450، وبشكل خاص الإنزيمين CYP2D6 وCYP1A2. تشمل المسارات الحيوية للأيض عمليات الأكسدة الكبريتية، إزالة الميثيل، الهدرلة، وتكوين الجلوكورونيد، منتجة ما يربو على مائة مستقلب وسيط، بعضها نشط دوائياً مثل 7-هيدروكسي كلوربرومازين، الذي يحتفظ بفاعلية حاصرة لمستقبلات الدوبامين. يتراوح عمر النصف البلازمي للعقار الأم بين 20 إلى 40 ساعة، وتُطرح المستقلبات غير النشطة بصورة رئيسية عن طريق الكلى في البول وجزئياً عبر العصارة الصفراوية في البراز.

الاستخدامات السريرية والتطبيقات العلاجية

على الرغم من تراجع مكانة الكلوربرومازين في العقود الأخيرة لصالح مضادات الذهان اللانموذجية الحديثة، إلا أنه لا يزال يحتفظ بحضور راسخ في الممارسة الطبية النفسية والجسدية لعلاج باقة متنوعة من الحالات المرضية الحادة والمزمنة:

علاج الفصام والاضطرابات الذهانية

يُعد العلاج السريري لنوبات الفصام الحادة والمزمنة الاستطباب التاريخي والأساسي للكلوربرومازين؛ إذ يعمل بكفاءة بالغة على تهدئة الهياج الذهاني وخفض وطأة الهلاوس البصرية والسمعية وتشتيت الضلالات الفكرية الراسخة. يُستعمل أيضاً في تدبير حالات الذهان التفاعلي القصير ونوبات الاضطراب الفصامي العاطفي خلال أطوار الاضطراب النشط.

الهوس ثنائي القطب والتهيج الحاد

يُستخدم العقار كعلاج سريع المفعول للسيطرة على نوبات الهوس الحاد المصاحبة لمرض اضطراب ثنائي القطب، خاصة عندما تترافق النوبة مع هياج عدواني أو سلوك تدميري يتطلب تدخلاً دوائياً يوفر مهدئاً مركزياً عاجلاً يمنع إلحاق الأذى بالمريض أو المحيطين به.

الفواق المستعصي (Intractable Hiccups)

يمثل الكلوربرومازين أحد الأدوية القليلة المعتمدة رسمياً والفريدة في إيقاف حالات الفواق (الحازوقة) المستعصية والمزمنة التي تفشل في الاستجابة للعلاجات التحفظية الأخرى، حيث يُعتقد أنه يعمل عبر تثبيط مراكز التنسيق العصبي المنعكسة في الدماغ وتحييد الإشارات غير المنضبطة المارة عبر العصب الحجابي والعصب الحائر.

الغثيان والقيء الشديدين

بفضل خواصه الحاصرة لمستقبلات الدوبامين D2 في منطقة تحفيز المستقبلات الكيميائية (CTZ) في البصلة السيسائية بالنخاع المستطيل، يعمل العقار كمضاد قيء فعال في معالجة الغثيان القيئي الشديد، بما في ذلك الحالات المصاحبة للعلاج الكيميائي للسرطان أو الحالات الجراحية المستعصية.

تطبيقات مساعدة أخرى

يُستخدم العقار كعلاج مساعد قصير الأمد للحد من القلق البالغ والتوتر العنيف قبل التدخلات الجراحية الكبرى، إضافة إلى استخدامه في بروتوكولات تدبير نوبات الهذيان الحاد غير الكحولي في وحدات العناية الفائقة، وعلاج التشنجات التكززية ضمن الرعاية الداعمة التلطيفية.

الآثار الجانبية والتأثيرات السمية

إن النطاق الدوائي الواسع للكلوربرومازين وتفاعله غير الانتقائي مع مختلف الناقلات العصبية يجعل استخدامه مصحوباً بمصفوفة عريضة من الآثار الجانبية التي تتطلب مراقبة سريرية لصيقة، ويمكن تصنيف هذه الأعراض وفق الأجهزة الحيوية المتأثرة:

الاضطرابات الحركية العصبية (الأعراض خارج الهرمية)

تنشأ هذه الأعراض بصورة مباشرة عن حجب مستقبلات الدوبامين في العقد القاعدية داخل الدماغ، وتتنوع مظاهرها السريرية وفق مراحل العلاج:

  • خلل التوتر العضلي الحاد (Dystonia): تشنجات عضلية مفاجئة ومؤلمة تتركز في عضلات الرقبة والوجه واللسان، وتحدث في الأيام الأولى لبدء العلاج.
  • التململ الحركي (Akathisia): حالة معذبة من القلق الحركي الداخلي وعدم القدرة على البقاء ساكناً، تدفع المريض للمشي القهري المتواصل.
  • الباركنسونية المحدثة بالأدوية: بطء الحركة، الرعاش أثناء الراحة، تصلب العضلات الخشبي، واضطراب المشية التيبسي.
  • خلل الحركة المتأخر (Tardive Dyskinesia): اضطراب حركي مزمن وقد يكون غير قابل للشفاء، يظهر بعد استخدام طويل الأمد للعقار، ويتميز بحركات تكرارية لا إرادية لعضلات الفم والشفتين واللسان والأطراف.

المتلازمة الخبيثة لمضادات الذهان (NMS)

تُعد متلازمة مضادات الذهان الخبيثة أشد المضاعفات خطورة وتهديداً للحياة؛ حيث تتظاهر بارتفاع مفرط وحاد في درجة حرارة الجسم، صلابة عضلية شاملة، عدم استقرار في الجهاز العصبي الذاتي (تذبذب ضغط الدم وتسرع القلب)، وتغير الحالة العقلية وصولاً للغيبوبة، وتتطلب إيقافاً فورياً للعقار وتقديم رعاية مركزة عاجلة.

التأثيرات الذاتية والقلبية الوعائية

ينتج عن حصر مستقبلات ألفا الأدرينالية هبوط ضغط الدم الوضعي الذي قد يؤدي إلى الإغماء والسقوط، ولا سيما لدى المرضى المسنين. كما يُحدث العقار تأثيرات كولينية مضادة كجفاف الحلق، احتباس البول، والإمساك، فضلاً عن إمكانية إطالة فترة QT على تخطيط القلب الكهربائي، مما يزيد من مخاطر حدوث اضطرابات النظم البطينية القلبية الخطيرة مثل تورساد دي بوانت (Torsades de Pointes).

التأثيرات الغدية والتمثيلية والجلدية

يؤدي ارتفاع هرمون الحليب (البرولاكتين) إلى تثدي الرجال، انقطاع الطمث، وثر اللبن لدى النساء. كما يُعد التصبغ الجلدي والحساسية المفرطة للضوء من السمات المميزة للاستخدام المديد للكلوربرومازين، حيث قد يكتسب الجلد المعرض للشمس لوناً أزرق رمادياً، إلى جانب ترسب جزيئات دوائية معتمة على القرنية وعدسة العين دون أن تسبب عادة تلفاً بصرياً دائماً.

المحاذير وموانع الاستعمال

يُمنع استخدام الكلوربرومازين قطعياً لدى المرضى الذين يعانون من فرط الحساسية المعروفة لمشتقات الفينوثيازين، كما يُحظر وصفه في حالات تثبيط الجهاز العصبي المركزي الشديد، كالغيبوبة التامة، أو التسمم الحاد بكميات كبيرة من الكحول أو المهدئات أو الأفيونات، نظراً للتآزر الدوائي الذي قد يُفضي إلى توقف التنفس والوفاة.

يتعين توخي أقصى درجات الحذر عند وصف العقار لفئات خاصة من المرضى تشمل: المصابين بمرض الشلل الرعاشي (باركنسون) لتسببه في تدهور حاد في وظائف الحركة لديهم، ومرضى الصرع لتخفيضه عتبة النوبات التشنجية، والأشخاص الذين يعانون من تضخم البروستاتا أو الزرق ضيق الزاوية (الجلوكوما) لتفاقم حالتهم بفعل الخصائص المضادة للكولين.

كذلك تفرض التحذيرات الصندوقية الدولية تجنب استعمال مضادات الذهان التقليدية لعلاج الذهان المرتبط بالخرف لدى كبار السن، حيث أثبتت الدراسات الوبائية وجود زيادة ذات دلالة إحصائية في مخاطر الوفيات الناجمة عن الأحداث الدماغية الوعائية مثل السكتات والقصور القلبي الحاد ضمن هذه الفئة الهشة.

التفاعلات الدوائية والتداخلات الحيوية

يتفاعل الكلوربرومازين بشكل متبادل ومعقد مع مجموعة هائلة من الأصناف الدوائية نتيجة تأثيراته متعددة المستقبلات ومساراته الأيضية الكبدية المشتركة، ومن أبرز هذه التداخلات:

  • مثبطات الجهاز العصبي المركزي: تتآزر المهدئات الأخرى، مثل البنزوديازيبينات والباربيتورات ومضادات الهستامين والكحول، مع العقار مما يضاعف من مفعول التسكين ويقود إلى انخفاض حاد في الوعي والتنفس.
  • الأدوية المسببة لإطالة فترة QT: يزيد الاستخدام المتزامن مع مضادات اضطراب النظم من الصنفين IA وIII وبعض المضادات الحيوية كالماكروليدات ومضادات الملاريا من مخاطر اضطرابات النظم البطينية القاتلة.
  • مضادات الكولين والأدوية المشابهة: يعزز تزامن إعطائه مع مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات أو أدوية باركنسون المضادة للكولين من شدة الإمساك واحتباس البول، وقد يحفز الهذيان المضاد للكولين.
  • ناهضات الدوبامين: يُلغي العقار المفعول العلاجي لناهضات الدوبامين كعقار ليفودوبا الموجه لعلاج الباركنسونية نتيجة التضاد الدوائي التنافسي المباشر على المستقبلات ذاتها.
  • الأدوية الخافضة لضغط الدم: يُفاقم تأثير العقار الحاصر لمستقبلات ألفا الأدرينالية من هبوط الضغط الناجم عن أدوية الضغط المحيطية ومدرات البول.

المكانة المعاصرة في الطب النفسي والتطور العلاجي

على الرغم من إزاحة الكلوربرومازين تدريجياً عن موقعه كخيار خط أول لمصلحة الجيل الثاني من مضادات الذهان مثل الريسبيريدون، الأولانزابين، والكيتيابين، التي تمتاز بتراجع مخاطر الأعراض الحركية خارج الهرمية وتأثير أفضل نسبياً على الأعراض السلبية والانعزال المعرفي، فإن مكانة هذا المركب الفريد تظل محفوظة كمعيار قياسي تاريخي وعلمي يُقاس بناءً عليه فاعلية أي علاج مضاد للذهان يُستحدث حتى يومنا هذا.

لا تزال أدبيات علم الأدوية النفسية تستند إلى مفهوم “مكافئ الكلوربرومازين” (Chlorpromazine Equivalents) كوحدة قياس معيارية لمقارنة الجرعات الفعالة والقدرات الحيوية لمختلف مضادات الذهان القديمة والحديثة، مما يعكس الأثر العميق والدائم الذي تركه هذا العقار في أسس الصيدلة العصبية وتجاربها السريرية المقارنة.

علاوة على ذلك، أدى نجاح الكلوربرومازين في السيطرة على الاضطراب الذهاني إلى تحفيز نشأة الفرضية الدوبامينية في الفصام، وفتح المجال أمام تأسيس علم النفس البيولوجي الحديث كفرع مستقل قادر على الربط بين الكيمياء العصبية والخلل العقلي، ليبقى شاهداً على بزوغ فجر جديد تحولت فيه الصحة النفسية من نطاق الملاحظات التأملية المغلقة إلى رحاب العلوم البيولوجية الدقيقة.

خاتمة

ختاماً، لا يمثل الكلوربرومازين مجرد دواء تم تخليقه في منتصف القرن الماضي، بل يجسد قفزة نوعية غيرت ملامح الطب النفسي الإكلينيكي وحررت مئات الآلاف من المرضى من أسوار المصحات المظلمة؛ فمن خلال تأثيره الريادي على ناقلات الدوبامين وتطبيقاته المتعددة في تهدئة الاضطرابات السلوكية والذهانية، استطاع هذا المركب أن يؤسس المنهج الدوائي الموجه في علاج العقل البشري، ممهداً الطريق لأجيال متعاقبة من الأدوية الأكثر أماناً، وظل بذلك حجر الزاوية الأهم في مسيرة التحول من الرعاية الإيوائية إلى العلاج المجتمعي المبني على البرهان العلمي.

المراجع

  • Delay, J., & Deniker, P. (1952). Le traitement des psychoses par une méthode neurolytique dérivée de l’hibernothérapie; le 4560 RP utilisé seul en cure prolongée et continue. Comptes Rendus du Congrès des Médecins Aliénistes et Neurologistes de France et des Pays de Langue Française, 50, 497–502.
  • Laborit, H., Huguenard, P., & Alluaume, R. (1952). Un nouveau stabilisateur végétatif (le 4560 RP). Presse Médicale, 60(7), 145–146.
  • Shen, W. W. (1999). A history of antipsychotic drug development. Comprehensive Psychiatry, 40(6), 407–414. https://doi.org/10.1016/s0010-440x(99)90082-2
  • Stahl, S. M. (2021). Stahl’s Essential Psychopharmacology: Neuroscientific Basis and Practical Applications (5th ed.). Cambridge University Press.
  • Snyder, S. H. (2002). Chlorpromazine: 50 years of clinical and basic science. American Journal of Psychiatry, 159(12), 1999–2000. https://doi.org/10.1176/appi.ajp.159.12.1999
  • Baldessarini, R. J., & Tarazi, F. I. (2006). Pharmacotherapy of psychosis and mania. In L. L. Brunton, J. S. Lazo, & K. L. Parker (Eds.), Goodman & Gilman’s The Pharmacological Basis of Therapeutics (11th ed., pp. 429–460). McGraw-Hill.
  • Healy, D. (2002). The Creation of Psychopharmacology. Harvard University Press.
  • Seeman, P. (2010). Dopamine D2 receptors as treatment targets for schizophrenia. Clinical Schizophrenia & Related Psychoses, 4(1), 56–73. https://doi.org/10.3371/CSRP.4.1.5

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). كلوربرومازين (CPZ). عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/chlorpromazine-cpz-2/
looti, Mohammed. “كلوربرومازين (CPZ).” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/chlorpromazine-cpz-2/.
looti, Mohammed. “كلوربرومازين (CPZ).” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/chlorpromazine-cpz-2/.