الإبستمولوجيا والنظريات النفسيةالعلاج الأسريعلم النفس النظمي

السببية الدائرية

تُعد السببية الدائرية ركيزة معرفية ثورية في علم النفس والنظرية النظمية، تتجاوز المنطق الخطي الميكانيكي لتفسير السلوك البشري عبر حلقات التغذية الراجعة والتأثيرات المتبادلة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعدّ السببية الدائرية (Circular Causality) واحدة من أعمق التحولات الإبستمولوجية التي أعادت تشكيل الفكر السيكولوجي والعلاجي في النصف الثاني من القرن العشرين، مُحدثة قطيعة معرفية حاسمة مع التفسيرات الخطية التقليدية للسلوك البشري. يقدم هذا المفهوم منظوراً بديلاً يرى في الظواهر النفسية والتفاعلية نتاجاً لشبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة والمتكررة، حيث لا يمكن فصل العلة عن المعلول في حلقات التفاعل الإنساني المستمرة. من خلال تجاوز فكرة السبب الأحادي المباشر، تفتح السببية الدائرية آفاقاً رحبة لفهم الاضطرابات النفسية والديناميات الأسرية بوصفها أنساقاً كُلية مترابطة تتغذى ذاتياً وتعيد إنتاج أنماطها باستمرار.

المدخل المفاهيمي والتعريف الأكاديمي للسببية الدائرية

تُعرَّف السببية الدائرية في سياق علم النفس والنظرية النظمية بأنها نموذج تفسيري يفترض أن السلوكيات والأحداث لا تنشأ كنتيجة لسبب أولي منفرد يسير في اتجاه خطي مستقيم، بل تتشكل عبر سلسلة من التأثيرات التبادلية المتزامنة، حيث يؤثر كل عنصر في النسق على العناصر الأخرى ويتأثر بها في الوقت ذاته. في هذا الإطار التفاعلي، يتحول أي تصرف يصدر عن فرد ما إلى استجابة لسلوك سابق، وفي الوقت ذاته يصبح مثيراً ومحفزاً لسلوك لاحق من الطرف الآخر، مما يخلق حلقة مفرغة أو متكررة تجعل من التساؤل حول “من بدأ أولاً؟” تساؤلاً عقيم الأثر ومضللاً من الناحية الإكلينيكية.

يقوم هذا المفهوم على فرضية جوهرية مؤداها أن العلاقات الإنسانية تعمل بوصفها دارات اتصال مغلقة ومستمرة؛ فالمدخلات لا تؤدي ببساطة إلى مخرجات نهائية، بل تعود المخرجات لتغذي النظام عبر ما يُعرف بآليات التغذية الراجعة. ونتيجة لذلك، تصبح كل نقطة في مسار التفاعل سبباً ونتيجة في آن معاً. لم يعد الفرد يُفهم بوصفه وحدة معزولة تمتلك دوافع داخلية مستقلة كلياً عن محيطها، بل كعقدة تفاعلية داخل شبكة علاقات تؤثر في سلوكياته وتتحدد عبرها خياراته واستجاباته العاطفية والمعرفية.

ويمثل هذا التوصيف ثورة في قراءة الأعراض الإكلينيكية؛ فالمرض النفسي أو السلوك الإشكالي، وفق منظور السببية الدائرية، ليس مجرد خلل جيني أو بيولوجي معزول، ولا هو صراع داخلي ساكن داخل اللاوعي الفردي فحسب، بل هو نمط وظيفي يتكامل مع السياق النظمي الذي ينشأ فيه. تتجلى الأعراض هنا كجزء من رقصة تفاعلية مشتركة تسهم أطراف متعددة في الحفاظ عليها واستمرارها، وغالباً ما تؤدي وظيفة تهدف إلى الحفاظ على توازن النسق الكلي أو تعبير عن أزمة في تكيفه مع المتغيرات البيئية والتطورية.

الجذور المعرفية والتطور التاريخي: من السيبرنطيقا إلى العلاج النفسي

لم تنبثق السببية الدائرية من رحم علم النفس التقليدي، بل استقت جذورها الأولى من التقاطع المعرفي بين علوم متعددة ظهرت في منتصف القرن العشرين، وعلى رأسها السيبرنطيقا (Cybernetics) ونظرية النظم العامة التي أسسها عالم الأحياء النمساوي لودفيغ فون بيرتالانفي. كان مؤتمر ميسي (Macy Conferences) الشهير، الذي انعقد بين عامي 1946 و1953، المحطة التاريخية الفاصلة التي اجتمع فيها علماء الرياضيات والفيزياء وعلم الأعصاب وعلم الإنسان، وكان من بينهم نوربرت فينر وغريغوري بيتسون وهاينز فون فورستر، لتدارس كيفية عمل الآليات ذاتية التنظيم وحلقات التغذية الراجعة في الآلات والكائنات الحية على حد سواء.

كان الفضل الأكبر في نقل هذه المفاهيم الرياضية والهندسية إلى الحقل الإنساني والنفسي يعود إلى الأنثروبولوجي والمفكر النظمي غريغوري بيتسون، الذي ترأس فريق بالو ألتو للأبحاث في كاليفورنيا. رأى بيتسون أن النماذج العلمية المستمدة من الفيزياء النيوتونية، التي اعتمدت لعقود على السببية الميكانيكية والقوى الدافعة والمسببات الخطية، تعجز تماماً عن استيعاب تعقيد الاتصال الحي والأنظمة العضوية. استنتج بيتسون أن الأفكار والرسائل والسلوكيات الإنسانية لا تتحرك وفق قوى دفع مادية، بل تُحكم بقواعد المعلومات والمعنى والدوائر التكرارية التي تعيد صياغة نفسها في كل لحظة تواصل.

امتد هذا التأصيل التاريخي عبر مسارين معرفيين متتاليين: السيبرنطيقا من الدرجة الأولى (First-order Cybernetics)، التي ركزت على دراسة الأنساق الخاضعة للملاحظة بصفتها كيانات موضوعية مستقلة عن المعالِج، والسيبرنطيقا من الدرجة الثانية (Second-order Cybernetics)، التي طورها فون فورستر ومدرسة ميلانو لاحقاً، والتي شددت على أن الملاحظ أو المعالج النفسي نفسه ليس مراقباً محايداً يقف خارج النظام، بل هو جزء لا يتجزأ من النسق التفاعلي، يشارك في تشكيله ويخضع لمنطق السببية الدائرية ذاته بمجرد دخوله في علاقة علاجية مع العميل أو الأسرة.

التباين الإبستمولوجي: مقارنة بين السببية الخطية والسببية الدائرية

لتوضيح الطبيعة الثورية لهذا المفهوم، ينبغي تفكيك الفوارق الجوهرية بين التفكير الخطي التقليدي والتفكير الدائري النظمي. تعتمد السببية الخطية (Linear Causality) على منطق تتابعي أحادي الاتجاه يمكن تمثيله بالمعادلة الفلسفية الكلاسيكية: (أ) يؤدي حتماً إلى (ب). في هذا النموذج، يُنظر إلى الماضي بوصفه المفسر الحصري للحاضر؛ فالصدمة في مرحلة الطفولة، أو الاضطراب الجيني، أو الخلل البيوكيميائي يُعامل كسبب مباشر وأصلي يفرز العَرَض السلوكي الراهن. هذا المنطق يميل إلى اختزال الظاهرة في مكوناتها الفردية الأولية، ويبحث دائماً عن اللوم، الفاعل، والأصل المعزول للحدث.

في المقابل، تؤكد السببية الدائرية أن العلاقة بين المتغيرات تتخذ شكلاً تكرارياً متواصلاً يمكن تمثيله بدائرة مغلقة: (أ) يؤثر في (ب)، و(ب) يؤثر بالضرورة في (أ)، بحيث تتداخل التأثيرات لتشكل نسقاً مستقلاً بذاته. هنا، يتراجع الاهتمام بالتساؤل التاريخي عن “لماذا بدأ الشيء؟” لصالح التساؤل الموقفي الراهن: “كيف يستمر هذا الشيء في العمل الآن؟” و”ما هي أنماط التفاعل التي تبقي هذا الوضع قائماً؟”. إن التركيز يتحول جذرياً من المحتوى التاريخي الداخلي للأفراد إلى السياق العلائقي الحاضر والأنماط التفاعلية التي تتكرر هنا والآن.

يقود هذا التمايز الإبستمولوجي إلى نتائج بالغة الأهمية في فهم المسؤولية الإنسانية وعلم الأمراض النفسية (Psychopathology). فبينما تقود السببية الخطية في كثير من الأحيان إلى ثنائية الجاني والضحية، أو العائل والمريض، تنظر السببية الدائرية إلى المواقف بوصفها نتاجاً للتواطؤ غير الواعي والمشاركة الجماعية في الحفاظ على النمط. لا يعني هذا إسقاط المسؤولية الأخلاقية أو القانونية، بل يعني من الناحية السيكولوجية أن استمرار أي تفاعل مؤذٍ يتطلب بالضرورة مشاركة متبادلة وتغذية راجعة من الأطراف كافة، حتى وإن بدت بعض الأطراف سلبية أو خاضعة ظاهرياً.

المبادئ الجوهرية وآليات العمل في النسق النفسي

1. حلقات التغذية الراجعة (Feedback Loops)

تُعد حلقات التغذية الراجعة حجر الزاوية في نظرية السببية الدائرية، وتُقسم أساساً إلى نوعين متباينين وظيفياً: التغذية الراجعة السلبية (Negative Feedback) والتغذية الراجعة الإيجابية (Positive Feedback). لا تعبر كلمة “سلبي” أو “إيجابي” هنا عن قيمة حكمية أخلاقية، بل تشير إلى طبيعة الأثر الحركي للرسالة داخل النظام. فالتغذية الراجعة السلبية هي الآلية التي يعتمد عليها النسق لتصحيح الانحراف والحفاظ على الاستقرار والاستمرارية؛ فعندما يطرأ تغيير يهدد توازن الأسرة، تعمل ردود الفعل النمطية على إعادة الأمور إلى نقطة الاستقرار المعتادة السابقة.

أما التغذية الراجعة الإيجابية، فتتمثل في الآليات التي تعمل على تضخيم الانحراف وتشجيع التغيير داخل النسق، مما يقود إما إلى تحول جذري ونضج في بنية النظام أو إلى انهياره وتفككه إذا عجز عن استيعاب هذا التحول. في السياق الإكلينيكي، قد تتخذ التغذية الراجعة الإيجابية شكلاً تصاعدياً خطيراً، كأن يؤدي قلق أحد الوالدين الزائد إلى زيادة خجل المراهق، مما يرفع من وتيرة قلق الوالدين وتدخلهم، مما يدفع المراهق إلى مزيد من الانسحاب والانعزال، وهكذا تتضخم المشكلة بحلقة تكرارية مستمرة تعزز نفسها بنفسها.

2. الاتزان الداخلي (Homeostasis) ومقاومة التغيير

يرتبط مفهوم السببية الدائرية ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الاتزان الداخلي، وهي الميل الطبيعي للأنظمة الحية والأسرية للمحافظة على حالة مستقرة وثابتة من التوازن الداخلي، حتى لو كان ذلك التوازن مؤلماً أو مرضياً. عندما تظهر أعراض نفسية على أحد أفراد النسق (المريض المحدد – Identified Patient)، فإن هذه الأعراض غالباً ما تعمل، بدائرية خفية، كأداة لتحقيق التوازن للأسرة بأكملها؛ كأن ينشغل الوالدان بمشكلة طفلهما السلوكية بدلاً من مواجهة صراعهما الزواجي المهدد بالانفصال.

إن كل محاولة علاجية للتدخل الخطي المباشر لإزالة العَرَض الفردي قد تواجه بمقاومة نظامية شرسة تنبع من قوانين السببية الدائرية؛ فالنسق يسعى لحماية توازنه الاستتبابي القائم بأي ثمن. إذا تحسن المريض المحدد دون تغيير في بنية العلاقات والتفاعلات الدائرية المحيطة به، فإن النظام سرعان ما يفرز عَرَضاً بديلاً أو ينتقل الاضطراب إلى فرد آخر داخل الأسرة، ما لم يتم تعديل القواعد الضمنية الحاكمة لتفاعل النسق بأسره.

3. تنقيط تسلسل الأحداث (Punctuation of Events)

طرح المنظر الشهير بول فاتزلافيك وزملاؤه في معهد الأبحاث العقلية مفهوم “تنقيط تسلسل الأحداث” ليشرحوا كيف يخلق البشر أوهاماً خطية من واقع دائري بطبيعته. يشير التنقيط إلى ميل كل فرد في العلاقة إلى تقسيم التفاعل المستمر إلى بدايات ونهايات ذاتية، معتبراً أن سلوكه هو مجرد رد فعل طبيعي لسلوك الآخر، بينما يرى أن سلوك الآخر هو السبب الأولي المحفز.

من الأمثلة الإكلينيكية الكلاسيكية على ذلك الصراع الزواجي بين الزوج المنسحب والزوجة الملحّة؛ حيث تنقّط الزوجة الموقف بقولها: “أنا ألح وأطالب لأنك تنسحب وتتجاهلني باستمرار”، بينما ينقّط الزوج الموقف بالطريقة المعاكسة تماماً: “أنا أنسحب وأصمت لأنكِ تلحين وتنتقدين بلا انقطاع”. يرى كلاهما المشكلة من منظور سببي خطي يعتبر تصرفه رد فعل مشروعاً، بينما الحقيقة السيكولوجية هي نمط دائري مغلق يتغذى فيه انسحاب الزوج على إلحاح الزوجة، وينمو إلحاح الزوجة بفعل انسحاب الزوج، ولا توجد بداية موضوعية لهذا التفاعل المنغلق.

رواد الفكر النظمي وإسهاماتهم الإكلينيكية

لعبت نخبة من رواد التحليل النفسي والعلاج النظمي دوراً محورياً في صياغة الأطر النظرية للسببية الدائرية وترجمتها إلى تقنيات علاجية ملموسة. كان دون جاكسون وجاي هالي، إلى جانب فاتزلافيك في معهد بالو ألتو (MRI)، من أوائل الذين صاغوا قواعد الاتصال الإنساني، مبرهنين على أن التواصل لا يمكن أن يخلو من الرسائل الدائرية التبادلية، ومؤكدين القاعدة الشهيرة بأنه “لا يمكن للمرء ألا يتواصل”، مما جعل كل صمت أو انسحاب رسالة نظامية تخضع للتقييم النظمي الدائري.

وفي إيطاليا، قدمت “مدرسة ميلانو للعلاج الأسري النظمي”، بقيادة مارا سيلفيني بالازولي (Mara Selvini Palazzoli) وجيانفرانكو تشيكين وبوسكولو وبراتا، إسهاماً غير مسبوق في ترسيخ السببية الدائرية كأداة تدخل سريرية فائقة الدقة. ابتكر هذا الفريق تقنيات منهجية قائمة كلياً على منطق الدائرية، وعلى رأسها “التساؤل الدائري” (Circular Questioning)، وهو أسلوب في إدارة المقابلات يهدف إلى الكشف عن الترابطات العلائقية والفروق التفاعلية بين أفراد الأسرة، بدلاً من التركيز على التشخيصات الفردية الثابتة.

كما ساهمت مدرسة ميلانو في تطوير مفهوم “التعليق الإيجابي” (Positive Connotation)، حيث يعيد المعالج تأطير الأعراض والسلوكيات المرضية باعتبارها مساعي دائرية تعاونية غير واعية تهدف إلى الحفاظ على تماسك الأسرة وحمايتها. ومن خلال هذا التدخل، يتم تحرير الأفراد من الشعور بالذنب والاتهام المتبادل، مما يزعزع توازن الأعراض المرضية ويدفع النظام الأسري إلى البحث عن آليات جديدة للتواصل الصحي، متحرراً من الحلقات السلبية المفرغة التي كانت تستنزف طاقاته النفسية.

التطبيقات الإكلينيكية في العلاج الأسري والفردي

تنعكس السببية الدائرية بصورة عميقة على الممارسة الإكلينيكية المعاصرة؛ ففي جلسات العلاج الأسري، لا ينشغل المعالج النظمي بالتنقيب عن أخطاء الوالدين أو تحديد من هو الطرف المخطئ في معادلة النزاع، بل ينصب اهتمامه بالكامل على كشف الخريطة الدائرية التفاعلية التي يشارك الجميع في نسجها. يتم تدريب الأسرة على رؤية كيف تتقاطع أفعالهم وتتشابك ردود أفعالهم، مما يولد وعياً جماعياً بأن المشكلة ليست كائنة في داخل الفرد المستهدف بالعلاج، بل كامنة في الفضاء البيني التفاعلي الذي يفصل بين أفراد النسق ويتغذى على مساهماتهم التراكمية.

تتجلى هذه المقاربة بوضوح في التعامل مع الاضطرابات الجسدية النفسية (Psychosomatic Disorders) واضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa). في كثير من هذه الحالات، لا يُعامل الامتناع عن الطعام كاضطراب بيولوجي أو نفسي فردي منعزل، بل كحلقة مركزية في دورة دائرية معقدة؛ فقد يُظهر المريض العَرَض كاستجابة غير لفظية للتوتر الزواجي الخفي بين والديه، مما يدفع الوالدين إلى التوحد والتراجع عن خلافاتهما من أجل رعاية الطفل المريض، وهو ما يُكافئ بدوره بقاء العَرَض ويجعله حيوياً لاستقرار تماسك الأسرة بصورة غير واعية.

وحتى في فضاء العلاج النفسي الفردي، توظف السببية الدائرية بفاعلية فائقة لتفكيك الأنماط العقلية والسلوكية الذاتية؛ فالأفراد المصابون باضطراب الهلع أو القلق العام، على سبيل المثال، يقعون أسرى لدوائر سببية داخلية مفرغة: يُفسر التغير الفسيولوجي البسيط (تسارع ضربات القلب) بأنه مؤشر على كارثة وشيكة (نوبة قلبية)، مما يولد قلقاً حاداً يفرز المزيد من الأدرينالين ويزيد تسارع ضربات القلب، مما يؤكد الفكرة الكارثية الأولية ويدفع نوبة الهلع إلى ذروتها القصوى. يساعد تفكيك هذه الحلقات الدائرية العميل على إدراك كيف يسهم في تغذية الأعراض ومحاصرتها عبر استراتيجيات إعادة الهيكلة المعرفية والتنظيم الانفعالي.

الانتقادات الإبستمولوجية والأخلاقية للسببية الدائرية

على الرغم من النجاح النظري والتطبيقي الباهر الذي حققته السببية الدائرية، إلا أنها لم تسلم من انتقادات راديكالية ومراجعات نقدية حادة، لاسيما من قِبل الباحثين والمعالجين المنتمين إلى الحركة النسوية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. جاءت أبرز هذه الانتقادات على يد منظرات مثل راشيل هير-موستين (Rachel Hare-Mustin) وماريان والترز، اللواتي أشرن إلى أن التطبيق الأعمى للسببية الدائرية قد يطمس الفروق الهيكلية في موازين القوى ويغفل الأبعاد الاجتماعية والطبقية والنوعية الحاكمة للعلاقات.

تتجلى خطورة هذا المأزق الأخلاقي بوضوح صارخ في قضايا العنف الأسري وسوء المعاملة والاعتداء الجنسي على الأطفال؛ فإذا افترض المعالج أن جميع التفاعلات داخل الأسرة دائرية وتبادلية بالضرورة، فقد يؤدي ذلك ضمناً إلى لوم الضحية واعتبار سلوكياتها مستفزة أو مساهمة في استدعاء العنف الممارس ضدها. أدى هذا النقاش الحاد إلى إدراك ضرورة وضع قيود أخلاقية وإبستمولوجية صارمة لاستخدام السببية الدائرية، والتأكيد على أن المسؤولية عن ارتكاب العنف والأذى تظل دائماً مسؤولية خطية وفردية وأخلاقية تقع كلياً على عاتق الجاني، ولا يجوز تفكيكها أو تذويبها في مبررات النسق الدائري التفاعلي.

إضافة إلى ذلك، واجهت السببية الدائرية انتقادات من وجهة نظر علم الأعصاب والطب النفسي البيولوجي، التي ترى أن الغلو في التفكير النظمي الدائري قد يؤدي إلى إهمال المكونات الوراثية والبيوكيميائية الصلبة للاضطرابات النفسية الجسيمة، كالفصام والاضطراب ثنائي القطب. لقد تطلب هذا النقد إعادة تموضع إبستمولوجي حديث يدمج السببية الدائرية ضمن النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial Model)، حيث تتفاعل العوامل البيولوجية الخطية كاستعدادات ومحددات داخلية تندمج وتتأثر بالحلقات الدائرية النفسية والاجتماعية دون أن تلغي إحداهما الأخرى.

الخاتمة: مكانة السببية الدائرية في الفكر المعاصر

تمثل السببية الدائرية نقلة نوعية كبرى في مسار الفكر الإنساني وتاريخ علم النفس الإكلينيكي؛ إذ حررت الباحثين والمعالجين من قيود النظرة الميكانيكية الضيقة التي اختزلت الإنسان لقرون في صورة آلة أحادية الاتجاه تُدفع بمحركات سببية مادية بسيطة. من خلال الكشف عن التشابك العضوي بين الذات والآخر، وبين العَرَض والسياق، أعادت السببية الدائرية الاعتبار للطبيعة المعقدة والشبكية للتجربة النفسية والاجتماعية.

إن إدراك آليات السببية الدائرية لا يثري الممارسة العلاجية فحسب، بل يمنح الأفراد والمجتمعات فهماً أعمق لطبيعة الصراعات الإنسانية وحركيتها، متجاوزاً منطق الإدانة وتوجيه اللوم الشخصي نحو البحث عن التغيير التحويلي الحقيقي في بنية القواعد والأنماط التي تحكم علاقاتنا. يظل هذا المفهوم حجر الزاوية في كل تفكير تركيبي يسعى إلى مقاربة الحياة النفسية بكل ما تنطوي عليه من حيوية وتجدد وتناغم تكراري عميق.

المراجع

  • Bateson, G. (1972). Steps to an ecology of mind: Collected essays in anthropology, psychiatry, evolution, and epistemology. University of Chicago Press.
  • von Bertalanffy, L. (1968). General system theory: Foundations, development, applications. George Braziller.
  • Watzlawick, P., Bavelas, J. B., & Jackson, D. D. (1967). Pragmatics of human communication: A study of interactional patterns, pathologies, and paradoxes. W. W. Norton & Company.
  • Selvini Palazzoli, M., Boscolo, L., Cecchin, G., & Prata, G. (1980). Hypothesizing – circularity – neutrality: Three guidelines for the conductor of the session. Family Process, 19(1), 3-12. https://doi.org/10.1111/j.1545-5300.1980.00003.x
  • von Foerster, H. (2003). Understanding systems: Conversations on cybernetics and systems theory. Kluwer Academic/Plenum Publishers.
  • Hare-Mustin, R. T. (1978). A feminist approach to family therapy. Family Process, 17(2), 181-194. https://doi.org/10.1111/j.1545-5300.1978.00181.x
  • Nichols, M. P., & Davis, S. D. (2020). Family therapy: Concepts and methods (12th ed.). Pearson.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). السببية الدائرية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/circular-causality/
looti, Mohammed. “السببية الدائرية.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/circular-causality/.
looti, Mohammed. “السببية الدائرية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/circular-causality/.