القياس النفسيعلم النفس الإكلينيكينظريات الشخصية

النموذج الدائري في علم النفس: الأسس النظرية والتطبيقات الإكلينيكية والقياسية

النموذج الدائري في علم النفس هو إطار قياسي ونظري متقدم يرتب الظواهر النفسية كالسمات التفاعلية والحالات الوجدانية ضمن متصل هندسي دائري ثنائي الأبعاد يقوم على محاور مستمرة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل النموذج الدائري (Circumplex Model) إحدى أبرز القفزات المنهجية والنظرية في حقل القياس النفسي ودراسة بنية الشخصية والانفعالات، حيث يتجاوز التصنيفات الفئوية التقليدية نحو هندسة فراغية متصلة ترتكز على محاور تقاطع مستمرة. يتيح هذا النموذج للباحثين والإكلينيكيين إمكانية نمذجة الظواهر النفسية المعقدة – مثل العلاقات بين الأشخاص والحالات الوجدانية – ضمن فضاء هندسي دائري ثنائي الأبعاد، تتحدد فيه طبيعة المتغيرات وعلاقاتها المتبادلة استناداً إلى زوايا دورانها وبعدها عن المركز. ومن خلال الجمع الدقيق بين الدقة الإحصائية والواقعية الظاهراتية، أصبح هذا النموذج أداة محورية لفهم التباين الإنساني في السلوك والشعور بصورة متكاملة وديناميكية.

الجذور التاريخية والتطور النظري للنموذج الدائري

تعود الجذور الأولى لفكرة التنظيم الدائري للسمات النفسية إلى منتصف القرن العشرين، وتحديداً من خلال الأعمال التأسيسية التي قادها عالم النفس الأمريكي تيموثي ليري وفريقه البحثي في مؤسسة كايزر بكاليفورنيا خلال خمسينيات القرن الماضي. سعى ليري إلى تطوير نظام تصنيفي لتشخيص الشخصية يتلافى أوجه القصور في النماذج الفئوية الطبية السائدة آنذاك، والتي كانت تختزل الطبيعة المعقدة للتفاعل الإنساني في خانات تشخيصية جامدة ومنفصلة. انبثقت رؤية ليري من الإيمان بأن السلوك التفاعلي بين الأفراد يمكن توصيفه بأفضل شكل عبر متصلات تفاعلية مستمرة، وهو ما تمخض عنه نشر كتابه الرائد “التشخيص الإنساني للشخصية” في عام 1957، واضعاً بذلك اللبنة الأساسية لما عُرف لاحقاً باسم شبكة التفاعل بين الأشخاص.

شهد النموذج مرحلة مفصلية أخرى من التطور النظري والرياضي على يد عالم النفس والقياس النفسي لويس غوتمان، الذي قدم مفهوم “السيركومبلكس” (Circumplex) كبنية ارتباطية خاصة تنشأ حين تترتب المتغيرات في مصفوفة متبادلة تأخذ شكل حلقة دائرية منتظمة، بحيث تتناقص قوة الارتباط بين المتغيرات تدريجياً كلما زادت المسافة الزاوية بينها، حتى تصل إلى أدنى مستوياتها أو الارتباط العكسي عند زاوية 180 درجة. هذا التأطير الرياضي الدقيق مكن علماء الشخصية من اختبار الفرضيات المتعلقة ببنية السمات تجريبياً باستخدام أساليب التحليل العاملي والتحليل متعدد الأبعاد، مما نقل النماذج الدائرية من مجرد تصورات وصفية إلى أطر قياسية بالغة الإحكام الرياضي.

في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أعاد عالم النفس جيري ويغينز (Jerry Wiggins) إحياء وتطوير النموذج الدائري للسمات التفاعلية، مدخلاً أحدث تقنيات التحليل الإحصائي لتنقيح مقاييس الشخصية وربطها بالتيارات السائدة في علم النفس المعاصر. ركّز ويغينز على تنقية الأبعاد الأساسية للتفاعل بين الأفراد، مستفيداً من المعاجم اللغوية للسمات، ومثبتاً أن معظم المصطلحات المستخدمة لوصف التفاعلات البشرية تقع حتماً على محيط دائرة تشكلها ثنائية الوكالة والاندماج. وفي الوقت نفسه تقريباً، استعار عالم النفس جيمس راسل البنية ذاتها وطبقها على المجال الوجداني، مما أحدث ثورة موازية في فهم العواطف الإنسانية قادت إلى ترسيخ النموذج الدائري كواحد من أكثر النماذج شمولاً وقابلية للتعميم في علم النفس الحديث.

المبادئ الهندسية والإحصائية للبنية الدائرية

يقوم النموذج الدائري على بنية هندسية ورياضية محددة بدقة تفترض أن العلاقات الارتباطية بين المتغيرات هي دالة جيب تمام (Cosine Function) للمسافة الزاوية بين تلك المتغيرات على محيط دائرة ثنائية الأبعاد. في هذا النظام، تمثل كل سمة أو متغير شعاعاً ينطلق من نقطة الأصل المركزية إلى محيط الدائرة، وتتحدد العلاقة بين أي متغيرين بالزاوية المحصورة بينهما. فعندما تكون الزاوية بين متغيرين صفراً، يكون الارتباط بينهما موجباً وقوياً جداً (يقترب من الواحد الصحيح)، وحين تكون الزاوية 90 درجة، يكون المتغيران متعامدين (Orthogonal) ولا يرتبطان خطياً، بينما يشير الانفراج الزاوي بمقدار 180 درجة إلى تضاد تام وارتباط سالب قطبي.

تتطلب البرهنة الإحصائية على وجود بنية دائرية في البيانات النفسية تطبيق خوارزميات قياسية متقدمة تتجاوز التحليل العاملي الاستكشافي الكلاسيكي، مثل نمذجة المعادلات الهيكلية (Structural Equation Modeling) والتحليل التوافقي الدائري (Circular Stochastic Modeling). وتقتضي المعايير الصارمة للتحقق من البنية الدائرية إثبات ثلاثة شروط رياضية أساسية: أولاً، تساوي أطوال المتجهات (Equal Communality)، مما يعني أن المحورين الأساسيين يفسران مقداراً متساوياً تقريباً من التباين في كل متغير؛ ثانياً، التباعد الزاوي المتساوي (Equal Spacing)، حيث تتوزع المقاييس أو المتغيرات بانتظام وبفواصل زاوية متطابقة حول المحيط؛ وثالثاً، مطابقة مصفوفة الارتباط لمصفوفة التوافقيات الدائرية المتوقعة نظرياً.

توفر هذه الخصائص الهندسية ميزة فريدة لا تتيحها النماذج الخطية التقليدية، وهي القدرة على تحليل الدرجات الفردية عبر المقاييس الفرعية وتحويلها إلى “متجهات بنيوية” (Structural Vectors) تتضمن زاوية محددة (Angle) وطولاً للمتجه (Vector Length). تعبر الزاوية الناتجة عن النمط النوعي أو السمة الغالبة على استجابات الفرد، بينما يعكس طول المتجه مدى تماسك وتطرف ووضوح هذا النمط السلوكي أو الوجداني لديه، في حين تشير الدرجات القريبة من المركز إلى مرونة أو عدم تمايز واضح في السمات المقاسة، وهو ما يفتح آفاقاً قياسية فريدة للتفسير الفردي والجمعي.

النموذج الدائري للعلاقات الشخصية المتبادلة (The Interpersonal Circumplex)

يعد النموذج الدائري للعلاقات الشخصية (Interpersonal Circumplex – IPC) التطبيق الأكثر رسوخاً وشهرة للبنية الدائرية في علم النفس الإكلينيكي والاجتماعي. ينطلق هذا النموذج من فرضية مفادها أن النطاق الواسع واللامحدود من التفاعلات والسلوكيات الاجتماعية اليومية ينبثق جوهرياً من تقاطع دافعين إنسانيين عميقين: الدافع نحو التأكيد والسيطرة والفاعلية الذاتية، والذي يطلق عليه مفهوم “الوكالة” (Agency) أو السيطرة مقابل الإذعان، والدافع نحو الاتصال والانتماء والاندماج مع الآخرين، والمعروف بمفهوم “الشركة والاندماج” (Communion) أو المودة والارتباط مقابل العداء والانفصال.

في الفضاء الهندسي للنموذج الدائري للتفاعل الشخصي، يمثل المحور الرأسي متصل السيطرة مقابل الإذعان (Dominance vs. Submission)، حيث تشير النهاية العليا إلى النفوذ والتوكيد بينما تعبر النهاية السفلى عن الخضوع والتراجع؛ في حين يمثل المحور الأفقي متصل المودة مقابل العداء (Warmth vs. Hostility أو Love vs. Hate)، حيث تعبر الجهة اليمنى عن الدفء والتعاون والتقارب، والجهة اليسرى عن البرود والعدائية والتنافسية. وبتقاطع هذين المحورين الرئيسيين، تنقسم الدائرة عادة إلى ثمانية قطاعات متساوية (Octants) قياس كل منها 45 درجة، يمثل كل قطاع منها أسلوباً تفاعلياً نمطياً يجمع نسباً متفاوتة من هذين المحورين.

تتم تسمية هذه القطاعات الثمانية في المقاييس المعاصرة، مثل ميزان المشكلات الشخصية (IIP) ومسرد الصفات التفاعلية (IAS)، بأسماء توضح طبيعة التفاعل: المسيطر، الاستغلالي/المتكبر، البارد/الانعزالي، المنعزل/الخاضع، الخاضع/الممتثل، الودود/الخاضع، الودود والمفرط في التعاون، والمسيطر الاجتماعي. ومن القواعد السلوكية الجوهرية التي يقررها هذا النموذج هي “قاعدة التكامل التفاعلي” (Interpersonal Complementarity)، والتي تنص على أن السلوك الإنساني يستثير استجابة مكملة من الطرف الآخر وفق نمط متوقع: فالسلوك على محور السيطرة يستثير نقيضه (السيطرة تستثير الخضوع، والخضوع يستثير السيطرة)، بينما السلوك على محور المودة يستثير سلوكاً مماثلاً في الاتجاه (الدفء يستجلب الدفء، والعداء يستولد العداء).

النموذج الدائري للمشاعر والانفعالات (The Circumplex Model of Affect)

أحدث عالم النفس جيمس راسل نقلة بارزة في نظرية الانفعال عام 1980 حين صاغ النموذج الدائري للمشاعر، مفترضاً أن جميع الحالات الشعورية الذاتية لا تتألف من كيانات عصبية منفصلة مسبقة الصنع، بل هي حالات وجدانية تتركب من درجتين متصلتين على محورين فسيولوجيين ونفسيين أساسيين هما: محور التكافؤ الوجداني (Valence) ومحور الاستثارة الفسيولوجية (Arousal). ويمثل هذا الطرح ركيزة أساسية لما يُعرف اليوم في علم النفس العصبي بنظريات البناء الانفعالي (Constructed Emotion).

يمتد المحور الأفقي في نموذج راسل من القطب السلبي (عدم الارتياح، الاستياء، الألم النفسي) إلى القطب الإيجابي (الارتياح، المتعة، الرضا)، في حين يمتد المحور الرأسي المتعامد معه من مستويات الاستثارة المتدنية للغاية (الخمول، النعاس، التبلد) إلى مستويات الاستثارة الشديدة (التيقظ، التوتر، النشاط العصبي المرتفع). وبناءً على هذا التقاطع، يمكن وضع أي حالة شعورية يمر بها الكائن البشري في نقطة محددة بدقة على هذا السطح المستدير، بحيث يعكس موقعها درجة امتزاج اللذة بالألم مع مستوى النشاط القلبي والوعائي والعصبي المرافق لها.

وفقاً لهذا التصور، لا يعد الغضب والخوف والحزن مشاعر منعزلة بيولوجياً بصورة مطلقة، بل تقع ضمن قطاعات هذا النموذج؛ فالغضب والهلع يقعان في الربع العلوي الأيسر (استثارة مرتفعة مع تكافؤ سلبي)، بينما يقع الحزن والاكتئاب واليأس في الربع السفلي الأيسر (استثارة منخفضة وتكافؤ سلبي). وفي المقابل، تقع مشاعر الحماس والبهجة في الربع العلوي الأيمن (استثارة مرتفعة وتكافؤ إيجابي)، في حين تستقر حالات السكينة والهدوء والامتنان في الربع السفلي الأيمن (استثارة منخفضة وتكافؤ إيجابي). وقد نال هذا النموذج دعماً واسعاً من دراسات التعبير الوجهي، والتقارير الذاتية المعاشة، والقياسات الفسيولوجية العصبية مثل تخطيط أمواج الدماغ وتصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي.

التطبيقات الإكلينيكية والتشخيص النفسي

أتاح النموذج الدائري لعلماء النفس الإكلينيكيين والمعالجين النفسيين إطاراً مفاهيمياً بالغ الخصوبة لإعادة صياغة وتشخيص اضطرابات الشخصية وفهم الصراعات النفسية الداخلية كخلل وظيفي في المرونة التفاعلية. في السياق الإكلينيكي، يُنظر إلى الصحة النفسية والتوافق الاجتماعي السليم بوصفهما قدرة الفرد على التحرك بمرونة بين قطاعات الدائرة التفاعلية بحسب ما تقتضيه المواقف الحياتية؛ فالفرد المتوافق يمارس السيطرة حين يلزم الحزم، ويبدي الامتثال والتعاون حين يتطلب الأمر عملاً جماعياً، ويحافظ على الدفء في علاقاته الحميمة، ويتخذ موقفاً حازماً وبارداً عند التعرض للتهديد أو الاستغلال.

على النقيض من ذلك، تتميز الأمراض النفسية واضطرابات الشخصية بجمود شديد وتصلب في زاوية معينة على الدائرة، مصحوباً بمتجه ذي طول مفرط، وهو ما يعكس استخداماً قهرياً ومتكرراً لأسلوب سلوكي وتواصلي واحد بصرف النظر عن ملاءمته للسياق. فعلى سبيل المثال، يتمركز مريض اضطراب الشخصية النرجسية غالباً في الربع الشمالي الغربي (السيطرة العدائية والمتغطرسة)، متوقعاً الخضوع التام من الآخرين ومفسراً أي بادرة استقلال ذاتي كإهانة شخصية؛ بينما يتمركز مريض اضطراب الشخصية التجنبية في الربع الجنوبي الغربي (الخضوع البارد والانعزالي)، حيث يقوده خوفه المزمن من الرفض إلى الانسحاب والانكماش السلوكي.

علاوة على ذلك، أحدث مقياس المشكلات الشخصية (Inventory of Interpersonal Problems – IIP)، الذي صممه هورويتز وزملاؤه اعتماداً على النموذج الدائري، نقلة في مسار العلاج النفسي الفردي والجمعي. يتيح المقياس للمعالج تحديد العقد التفاعلية المركزية للمريض؛ سواء كانت تكمن في سلوكيات “يفعلها بإفراط” (مثل الإفراط في إرضاء الآخرين والخضوع لهم – الربع الجنوبي الشرقي)، أو في سلوكيات “يصعب عليه فعلها بشدة” (مثل صعوبة وضع الحدود أو صعوبة التعبير عن المودة والدفء). هذا الفهم الهندسي يساعد في تصميم خطط علاجية معرفية وسلوكية وديناميكية محددة تستهدف ترويض السلوكيات المتطرفة وتدريب المريض على المهارات الواقعة في القطب الدائري المقابل، بهدف استعادة التوازن والمرونة التكيفية.

الاستخدامات البحثية في علم النفس الاجتماعي والتنظيمي

تخطت استخدامات النموذج الدائري جدران العيادات النفسية لتصبح ركيزة محورية في أبحاث علم النفس الاجتماعي، ودراسات القيادة، وديناميات المنظمات وبيئات العمل. يوفر النموذج إطاراً لتحليل التفاعلات بين الزملاء، وأنماط القيادة الإدارية، وإدارة النزاعات داخل الفرق متعددة التخصصات، حيث تسهم ثنائية “الوكالة والاندماج” في كشف الكيفية التي يتفاوض بها القادة والأتباع حول القوة والنفوذ العاطفي والمهني داخل المؤسسات.

في حقل دراسات القيادة، يساعد النموذج الدائري على التمييز بين أساليب القيادة الفعالة وغير الفعالة؛ فالقيادة التحويلية والملهمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمواقع تقع في الربع الشمالي الشرقي للنموذج التفاعلي، حيث تجمع بين الحزم والسيطرة التوجيهية وتحديد الأهداف (الوكالة العالية) وبين الدفء الإنساني وبناء الثقة والتفهم الوجداني للمرؤوسين (الاندماج العالي). في المقابل، ترتبط القيادة الاستبدادية أو السامة بالربع الشمالي الغربي، حيث تُمارس السيطرة الفردية ببرود وعدائية، مما يؤدي إلى استثارة الخضوع المستتر أو المقاومة السلبية والاحتراق النفسي لدى الموظفين طبقاً لقاعدة التكامل التفاعلي.

يمتد التطبيق أيضاً إلى قياس المناخ التنظيمي وثقافة العمل؛ إذ يمكن رسم خرائط دائرية لطبيعة التفاعلات بين الأقسام المختلفة داخل المؤسسة لتشخيص بؤر التوتر وسوء الفهم. فالفرق التي تقع أنماط التواصل بين أعضائها في أقطاب متباعدة زاوياً (كأن يكون قسم المبيعات مسيطراً ودافئاً في حين يتسم قسم المراجعة والتدقيق بالبرود والانعزال) تعاني عادة من احتكاكات تواصلية مزمنة، يمكن تفكيكها وحلها عبر ورش عمل تدريبية تعتمد مفاهيم النموذج الدائري لتطوير لغة حوار مشتركة وتفهم التكامل الوظيفي بين هذه الأنماط المتمايزة.

التحديات المنهجية والنقد الإبستمولوجي

على الرغم من النجاح الواسع والجاذبية النظرية التي يحظى بها النموذج الدائري، إلا أنه واجه مجموعة من الانتقادات الإبستمولوجية والقيود المنهجية من قبل علماء القياس ونظريات الشخصية. يتمثل أبرز هذه التحديات في صرامة الشروط الإحصائية المطلوبة لإثبات البنية الدائرية؛ إذ نادراً ما تتطابق البيانات النفسية الميدانية المستمدة من عينات واقعية تطابقاً تاماً مع المتطلبات الرياضية لتساوي التباين والمسافات الزاوية المنتظمة، مما يدفع بعض الباحثين أحياناً إلى فرض قالب هندسي مسبق على بيانات قد تكون في جوهرها خطية أو متعددة العوامل بصورة أكثر تعقيداً.

من الناحية المفاهيمية، يوجه نقاد النموذج الدائري للانفعال، وعلى رأسهم أنصار نظرية المشاعر الأساسية الكلاسيكية، انتقادات حادة لاختزال المشاعر الإنسانية الثرية في مجرد بعدين فقط (التكافؤ والاستثارة). يرى هؤلاء أن هناك فروقاً بيولوجية وتطورية جوهرية تعجز البنية الدائرية الثنائية عن التقاطها بدقة؛ فالخوف والغضب مثلاً يقعان في الحيز المكاني نفسه تقريباً على محيط الدائرة الوجدانية (تكافؤ سلبي مع استثارة مرتفعة)، ومع ذلك فإنهما يثيران استجابات سلوكية وفسيولوجية شديدة التباين جذرياً، حيث يرتبط الخوف بسلوك الهروب وتفعيل مسارات عصبية متباينة، بينما يرتبط الغضب بسلوك الهجوم والمواجهة والاقتراب الاندفاعي.

إضافة إلى ذلك، تبرز مسألة الخصوصية الثقافية كإحدى العقبات الهامة؛ إذ إن المعاني المرتبطة بـ “السيطرة” و”الدفء” ليست متطابقة عبر جميع المجتمعات الإنسانية. ففي الثقافات الجمعية الشرقية، قد لا يُنظر إلى السلوك التوافقي الخاضع بوصفه ضعفاً أو عجزاً عن التوكيد الذاتي كما هو شائع في الأدبيات الغربية الفردانية، بل قد يمثل قيمة أخلاقية عليا تعبر عن التناغم الجماعي وضبط الذات، وهو ما يشير إلى أن المعايير الزاوية والمواقع البنيوية للقطاعات قد تشهد انحرافات دلالية عند نقل وتطبيق المقاييس عبر ثقافات مختلفة دون تعديل بنيوي ملائم.

الاتجاهات المعاصرة والتكامل مع النماذج النفسية الحديثة

يشهد البحث المعاصر تقارباً متزايداً بين النماذج الدائرية والاتجاهات الحديثة في تصنيف الأمراض والسمات النفسية، وفي مقدمتها عوامل الشخصية الخمسة الكبرى (Big Five) ونموذج التصنيف الهرمي للاعتلال النفسي (HiTOP). فقد بينت التحليلات التوافقية الموسعة أن المحورين الأساسيين للنموذج الدائري التفاعلي يرتبطان بارتباطات بنيوية عميقة مع اثنين من أبعاد العوامل الخمسة الكبرى: إذ يمثل محور السيطرة مقابل الخضوع الوجه التفاعلي لبُعد الانبساط (Extraversion)، في حين يمثل محور المودة مقابل العداء التجلي الصريح لبُعد المقبولية (Agreeableness)، مما سمح بدمج النماذج المعجمية في إطار هندسي دائري موحد.

وعلاوة على ذلك، أسهمت الثورة التكنولوجية المعاصرة وتطبيقات القياس اللحظي التفاعلي (Ecological Momentary Assessment – EMA) في نقل تطبيق النموذج الدائري من مجرد استبيانات تقرير ذاتي ورقية ساكنة إلى نمذجة ديناميكية حية ترصد التغيرات اللحظية في سلوك الفرد ومشاعره عبر الهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء. يستطيع الباحثون الآن رسم مسارات حركة الفرد داخل الدائرة الانفعالية أو التفاعلية على مدار اليوم، وتحديد مدى مرونة تحركه بين القطاعات المختلفة استجابة لضغوط العمل أو التفاعلات الأسرية، مما يحول الفضاء الدائري إلى أداة تتبع ديناميكية دقيقة وشخصية.

كما تشهد أبحاث الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية (NLP) توظيفاً واسعاً للنموذج الدائري للانفعالات لبرمجة روبوتات المحادثة والوكلاء الافتراضيين وتزويدهم بالقدرة على فهم العواطف البشرية وتوليدها بمرونة؛ حيث يُستخدم الفضاء الدائري ثنائي المحاور كخريطة طوبوغرافية حاسوبية لتقييم النبرة الوجدانية للنصوص والرسائل الصوتية في الوقت الفعلي، وتعديل سلوك الأنظمة الذكية لتكون أكثر تعاطفاً وملاءمة للوضع النفسي للمستخدم، وهو ما يثبت حيوية هذه النماذج الهندسية وقدرتها على البقاء والتطور المستمر في العصر الرقمي.

خاتمة

يظل النموذج الدائري أحد أعظم الابتكارات المفاهيمية في علم النفس القياسي والوصفي؛ إذ نجح في صياغة لغة هندسية متكاملة تترجم التعقيد اللانهائي للخبرات الوجدانية والتفاعلات الإنسانية إلى بنية ثنائية المحاور شديدة البساطة والأناقة العلمية في آن واحد. ومن خلال توحيد مفاهيم الوكالة والاندماج، أو التكافؤ والاستثارة، استطاع هذا النموذج أن يردم الفجوة القائمة بين النظريات المجردة للشخصية وبين الممارسات الإكلينيكية والتشخيصية الواقعية، مقدماً نموذجاً نادراً يجمع بين الصرامة الرياضية الرياضية والفهم الإنساني العميق. ومع استمرار دمجه في علم الأعصاب وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتقييم اللحظي المعاصر، يبرهن النموذج الدائري على أنه ليس مجرد محطة تاريخية في تاريخ القياس، بل هو إطار عمل مستدام ومرن يواصل إعادة تشكيل فهمنا للطبيعة البشرية وسلوكياتها المعقدة.

المراجع

  • Gurtman, M. B. (2009). Exploring personality with the interpersonal circumplex. Social and Personality Psychology Compass, 3(4), 601–619. https://doi.org/10.1111/j.1751-9004.2009.00192.x
  • Horowitz, L. M., Alden, L. E., Wiggins, J. S., & Pincus, A. L. (2000). Inventory of Interpersonal Problems Manual. The Psychological Corporation.
  • Leary, T. (1957). Interpersonal Diagnosis of Personality: A Functional Theory and Methodology for Personality Evaluation. Ronald Press.
  • Posner, J., Russell, J. A., & Peterson, B. S. (2005). The circumplex model of affect: An integrative approach to affective neuroscience, cognitive development, and psychopathology. Development and Psychopathology, 17(3), 715–734. https://doi.org/10.1017/s0954579405050340
  • Russell, J. A. (1980). A circumplex model of affect. Journal of Personality and Social Psychology, 39(6), 1161–1178. https://doi.org/10.1037/h0077714
  • Wiggins, J. S. (1979). A psychological taxonomy of trait-descriptive terms: The interpersonal domain. Journal of Personality and Social Psychology, 37(3), 395–412. https://doi.org/10.1037/0022-3514.37.3.395
  • Wiggins, J. S. (1995). Interpersonal Adjective Scales: Professional manual. Psychological Assessment Resources.
  • Wiggins, J. S., & Pincus, A. L. (1992). Personality: Structure and assessment. Annual Review of Psychology, 43(1), 473–504. https://doi.org/10.1146/annurev.ps.43.020192.002353

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). النموذج الدائري في علم النفس: الأسس النظرية والتطبيقات الإكلينيكية والقياسية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/circumplex-model-psychology/
looti, Mohammed. “النموذج الدائري في علم النفس: الأسس النظرية والتطبيقات الإكلينيكية والقياسية.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/circumplex-model-psychology/.
looti, Mohammed. “النموذج الدائري في علم النفس: الأسس النظرية والتطبيقات الإكلينيكية والقياسية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/circumplex-model-psychology/.