تُمثّل المناصرة ركيزة جوهرية في منظومة الرعاية النفسية والاجتماعية المعاصرة، حيث تتجاوز الممارسة المهنية حدود التشخيص الإكلينيكي والتدخل العلاجي الفردي لتشتبك مع البنى الاجتماعية والتنظيمية المؤثرة في الرفاه النفسي. ويُعرّف المناصر الفئوي (Class Advocate) بأنه الممارس المهني أو الفاعل الاجتماعي الذي يعمل على حماية وتوسيع حقوق فئة محددة من الأفراد يشتركون في خصائص أو تحديات بنيوية متماثلة، وذلك من خلال إحداث تغييرات جذرية في السياسات، والتشريعات، والممارسات المؤسسية. تنبع أهمية هذا الدور في علم النفس الاجتماعي والطب النفسي المجتمعي من الإدراك المتزايد بأن العديد من الاضطرابات النفسية والضغوط الوجودية ليست مجرد اختلالات كيميائية أو داخلية، بل هي انعكاس مباشر للظلم المنظومي، والوصم البنيوي، والتهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي تواجهه الفئات الهشة والمستضعفة.
التأصيل المفاهيمي لمصطلح المناصر الفئوي
يندرج مفهوم المناصر الفئوي ضمن حقل المدافعة النسقية (Systemic Advocacy)، حيث يُركز الفاعل على تلبية احتياجات مجتمعات بأكملها أو جماعات ذات مصلحة مشتركة عوضاً عن التركيز الحصري على حالات فردية معزولة. إن المناصرة الفئوية هي شكل متقدم من أشكال التدخل المهني تستند إلى مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة، حيث يتم تعريف الفئة باعتبارها مجموعة سكانية تشترك في نمط معين من الضعف المكتسب أو التمييز المؤسسي، مثل الأفراد المصابين باضطرابات نفسية شديدة، أو ذوي التنوع العصبي، أو نزلاء المصحات والمؤسسات العلاجية المغلقة، أو الفئات الاجتماعية المهمشة التي تعاني من غياب العدالة في توزيع الموارد الصحية. وتتطلب هذه الممارسة فهماً عميقاً لآليات القوة، والهيمنة الرمزية، وكيفية إعادة إنتاج عدم المساواة داخل المنظومات البيروقراطية الرسمية.
في السياق التاريخي والمهني، تطور مفهوم المناصر الفئوي من خلال تقاطع حركات حقوق المرضى النفسيين وحركات حقوق المعاقين مع تخصصات الخدمة النفسية-الاجتماعية والتحليل النفسي المجتمعي. لم يعد دور الأخصائي النفسي يقتصر على تقديم جلسات العلاج النفسي الداعمة، بل امتد ليتضمن تحليل السياقات البيئية والمؤسسية المعقدة التي تحاصر المتعالجين، وتحد من فاعليتهم الشخصية والاجتماعية. إن الهدف الأسمى للمناصر الفئوي لا يتوقف عند مجرد إصلاح المشاكل الإجرائية الطارئة، بل يتعداه إلى تفكيك السياسات الإقصائية وتشييد بيئات وقائية وعلاجية عادلة تضمن الكرامة الإنسانية وحق تقرير المصير لجميع أفراد الفئة المستهدفة.
يتداخل دور المناصر الفئوي مع نظريات حقوق الإنسان والمدخل القائم على الحقوق في الرعاية النفسية؛ فهو لا ينظر إلى متلقي الخدمة بوصفهم مستهلكين سلبيين أو حالات مرضية بحاجة إلى الشفقة، وإنما يراهم أصحاب حقوق أصيلة مسلوبة بفعل الحواجز التشريعية والاجتماعية. ينبثق هذا التحول الفلسفي من نقد النموذج الطبي الحيوي التقليدي الذي طالما اختزل المعاناة الإنسانية في إطار العطب العضوي الفردي، متجاهلاً الآثار النفسية السامة الناتجة عن البطالة القسرية، أو غياب السكن الملائم، أو الوصمة المرتبطة بالتشخيص النفسي، مما يستدعي تدخلاً يغير قواعد اللعبة المؤسسية برمتها لصالح تلك الجماعات.
الجذور التاريخية والتطور الفكري للمناصرة الفئوية
تعود الجذور التأسيسية للمناصرة الفئوية في الصحة النفسية إلى موجة إلغاء المؤسسات الإيوائية (Deinstitutionalization) التي اجتاحت الدول الغربية في منتصف القرن العشرين. قبل هذه الحقبة، كان الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية حادة يُعزلون في مصحات كبرى تنعدم فيها أبسط المعايير الإنسانية، وتفتقر إلى مقومات الكرامة الشخصية والحرية الفردية. مع تصاعد الانتقادات الفكرية لظاهرة الرقابة المؤسسية، والتي قادها رواد التحليل النفسي والنقاد الاجتماعيون مثل ميشيل فوكو وإرفينغ غوفمان وتوماس زاس، برزت الحاجة الملحة إلى مدافعين متخصصين لا يكتفون بمساعدة النزلاء الأفراد في الهروب من بؤس المصحات، بل يسعون إلى إغلاق هذه المنشآت وتأسيس بدائل علاجية مجتمعية تحترم الإنسانية وتعيد دمج الفئات المهمشة.
خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، تشكلت حركة الناجين من الطب النفسي وحركة متلقي خدمات الصحة النفسية، حيث بدأ المتعالجون أنفسهم في تولي أدوار المناصرة الفئوية، مما أضفى شرعية تجريبية وميدانية غير مسبوقة على هذا الحقل. لقد أكدت هذه التحولات أن الأشخاص الذين يمتلكون خبرة معاشة مع المرض النفسي والتمييز هم الأجدر بصياغة الأولويات وتحديد السياسات التي تمس حياتهم. هذا التقاطع بين التنظيم الذاتي للمتضررين والتحالف المهني مع علماء النفس الاجتماعي والأخصائيين القانونيين حوّل المناصرة الفئوية من نشاط تطوعي متفرق إلى تخصص علمي وممارسة منهجية منظمة تعتمد على الأدلة البحثية والتقاضي الاستراتيجي وتعبئة الجماهير.
في الحقبة المعاصرة، وسّع المناصر الفئوي نطاق تركيزه ليشمل قضايا العولمة والعدالة البيئية والتمييز الرقمي وتأثير الخصخصة على الخدمات النفسية العامة. فمع تزايد الفجوات الاقتصادية وازدياد وتيرة الضغوط النفسية الجمعية، أصبح دور المناصر الفئوي حاسماً في التصدي للتراجع في مخصصات الرعاية الاجتماعية، وفي الدفاع عن الوصول العادل والمنصف إلى التدخلات الرقمية والعلاجات الحديثة، مؤكداً استمرارية النضال التاريخي ضد إضفاء الطابع الفردي على الأزمات الهيكلية التي تنشأ في جوهرها من آليات النظام الاجتماعي والسياسي.
التمييز الإبستمولوجي والمهني بين المناصرة الفئوية والمناصرة الفردية
من الضروري في التحليل الأكاديمي التمييز بين المناصرة الفردية (Case Advocacy) والمناصرة الفئوية (Class Advocacy)، إذ يمثل هذا التمييز انتقالاً منهجياً من مستوى التدخل المجهري (Micro-level) إلى المستويين الوسيط والمكروي (Meso and Macro-levels). تُعنى المناصرة الفردية بمساعدة مريض محدد في الحصول على مأوى ملائم، أو التصدي لقرار فصل تعسفي من العمل بسبب مرضه، أو تيسير حصوله على دواء معين داخل المستشفى. تظل هذه التدخلات بالغة الأهمية لتخفيف المعاناة العاجلة، إلا أن أثرها ينحصر في حدود الشخص المستفيد، تاركاً النظام المعيب الذي أفرز المشكلة قائماً ليعيد إنتاج المعاناة ذاتها مع أفراد آخرين في الغد.
في المقابل، يتجاوز المناصر الفئوي معالجة الأعراض الفردية ليتعامل مع الجذور البنيوية التي تسببت في إنتاج الخلل. إذا لاحظ المناصر الفردي أن عشرات النزلاء في مؤسسة علاجية معينة يُحرمون من حقهم في مراجعة ملفاتهم الطبية، فإن المناصر الفئوي يتدخل ليس لفتح ملف فردي واحد، بل لتغيير لوائح المؤسسة بأكملها، أو رفع دعوى قضائية تمثيلية (Class-action litigation) تلزم النظام الصحي بإقرار هذا الحق لكل المرضى الحاليين والمستقبليين. إن المناصرة الفئوية تهدف إلى إيقاف النزيف البنيوي بدلاً من الاكتفاء بوضع ضمادات على الجروح الفردية المتكررة، وهو ما يجعل أثرها أوسع نطاقاً وأطول استدامة.
يتجلى هذا الاختلاف أيضاً في المنهجيات والمهارات المستخدمة؛ فبينما تتطلب المناصرة الفردية مهارات الإرشاد النفسي، والوساطة الفردية، وإدارة الحالة السريرية، تتطلب المناصرة الفئوية كفاءات متقدمة في تحليل السياسات العامة، وبناء التحالفات العريضة، وإدارة الحملات الإعلامية، واستخدام أدوات الضغط السياسي والتشريعي. يوضح الجدول المفاهيمي التالي أبرز الفروق الجوهرية بين النمطين:
- نطاق التركيز: الفرد أو الأسرة في المناصرة الفردية، مقابل الفئة المجتمعية أو الشريحة السكانية في المناصرة الفئوية.
- الهدف المباشر: تأمين حقوق أو خدمات فورية لحالة خاصة، مقابل إصلاح السياسات وإلغاء القوانين التمييزية وتغيير الهياكل المؤسسية.
- طبيعة المخرجات: حلول مخصصة وقصيرة المدى تنتهي بانتهاء الحالة، مقابل إصلاحات هيكلية وتشريعات تضمن الحماية المستمرة للأجيال القادمة.
- المنظور النظري: التركيز على التكيف والتوافق النفسي الفردي، مقابل التركيز على العدالة التوزيعية والتمكين الجماعي وتغيير موازين القوى.
الأطر النظرية المفسرة للمناصرة الفئوية في علم النفس
تستند ممارسات المناصر الفئوي إلى شبكة مترابطة من النظريات الأكاديمية الراسخة في العلوم النفسية والاجتماعية. وتأتي في مقدمة هذه الأطر نظرية التمكين (Empowerment Theory)، التي صاغها علماء النفس المجتمعي مثل جوليان رابابورت ومارك زيمرمان. تفترض النظرية أن غياب الصحة النفسية يرتبط وثيقاً بفقدان السيطرة والقوة على الموارد الحياتية والقرارات المصيرية. في هذا الإطار، لا يتصرف المناصر الفئوي كـ”منقذ” خارجي يتحدث نيابة عن الفئات الصامتة بأسلوب أبوي، بل يعمل كميسّر يعزز التمكين النفسي والسياسي، ويخلق المنصات التي تتيح لأفراد الفئة تنظيم أنفسهم والمطالبة بحقوقهم الجماعية بوعي وفاعلية.
كما يشكل علم النفس النقدي (Critical Psychology) مرجعاً إبستمولوجياً أساسياً للمناصرة الفئوية؛ إذ يرفض هذا الاتجاه التعامل مع التشخيصات والاضطرابات النفسية بمعزل عن البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تغذيها. ينتقد علم النفس النقدي نزعة الفردنة والخصخصة في العلاج النفسي، مبيناً أن تشخيص شخص يعيش تحت خط الفقر ويعاني من القهر العنصري بأنه مصاب بـ”اضطراب الاكتئاب الجسيم” دون معالجة الظلم الواقع عليه يمثل شكلاً من أشكال التواطؤ المؤسسي لإسكات الاحتجاج الإنساني المشروع. من هنا، يرى المناصر الفئوي في النضال الاجتماعي والمدافعة السياسية تدخلاً علاجياً ونفسياً وقائياً مشروعاً وضرورياً لاستعادة الصحة الذهنية والكرامة.
تكتمل هذه المرجعيات بـالنموذج البيئي الاجتماعي الذي وضعه يوري برونفنبرينر، والذي يقسم المؤثرات التنموية والنفسية إلى مستويات متداخلة: النظم الدقيقة، والوسطى، والظاهرة، والكبرى. يوضح هذا النموذج بجلاء أن التدخلات الفردية تعمل في النظم الدقيقة وحدها، في حين أن الخلل غالباً ما يكون متجذراً في النظام الكلي (Macro-system) المتمثل في الثقافة المجتمعية، والتشريعات الوطنية، والمخصصات الميزانية. بناءً على هذا التصور، يُركز المناصر الفئوي طاقته على إعادة تشكيل النظام الكلي لضمان أن تكون النظم المباشرة داعمة وصحية نفسياً لجميع أفراد الجماعة المتضررة.
الأدوار والكفاءات الوظيفية للمناصر الفئوي
يتطلب النجاح في مهام المناصرة الفئوية منظومة متكاملة من المعارف النظرية والمهارات التطبيقية المعقدة التي تجمع بين الحس الإكلينيكي الرصين والدهاء الاستراتيجي. يبدأ الدور في مرحلة مبكرة من خلال البحث الإجرائي التشاركي (Participatory Action Research)، حيث يقوم المناصر بتوثيق الانتهاكات والعيوب الهيكلية استناداً إلى بيانات علمية وإحصائية دقيقة، جنباً إلى جنب مع الشهادات الحية للمتضررين. هذه المقاربة التوثيقية تحمي جهود المناصرة من الاتهام بالانحياز أو العشوائية، وتوفر أدلة إمبريقية صلبة لا يمكن للمؤسسات الحكومية والتشريعية تجاهلها عند مناقشة التعديلات السياساتية.
تتمثل الكفاءة الثانية في القدرة الفائقة على بناء التحالفات والشبكات المجتمعية (Coalition Building). يدرك المناصر الفئوي المحترف أن مواجهة النظم البيروقراطية المتجذرة تتطلب حشداً واسعاً للموارد وتنسيقاً بين أطراف متعددة، تشمل المنظمات غير الحكومية، والجمعيات المهنية للأطباء والنفسانيين، والنقابات العمالية، والمؤسسات الحقوقية، ووسائل الإعلام. يتولى المناصر صياغة خطاب مشترك يجمع بين هذه الأطراف المتنوعة وتنسيق استراتيجيات الضغط الجماعي، مما يحول المطالب الفئوية المحدودة إلى قضايا رأي عام ذات وزن سياسي واجتماعي لا يمكن الالتفاف عليه.
إضافة إلى ذلك، يضطلع المناصر الفئوي بمهمة الترجمة التشريعية والإعلامية، وهي مهارة تقتضي صياغة المفاهيم النفسية والإكلينيكية المعقدة في لغة قانونية محكمة تصلح لمشاريع القوانين واللوائح التنظيمية، وفي لغة إعلامية جذابة ومؤثرة تلامس تعاطف الجمهور العام وتكسر حواجز الوصمة والإنكار. إن تفكيك الخطاب النمطي السائد حول الفئات المستهدفة يمثل نصف المعركة؛ فبدون تغيير النظرة المجتمعية العامة إلى الأفراد ذوي التحديات النفسية أو الفئوية، تظل أي تعديلات تشريعية شكلية وعرضة للإفراغ من محتواها عند التطبيق العملي.
الأبعاد القانونية والأخلاقية للمناصرة الفئوية في الصحة النفسية
تثير ممارسة المناصرة الفئوية مجموعة من التساؤلات الأخلاقية والقانونية الدقيقة التي تستوجب التزاماً صارماً بمبادئ المسؤولية المهنية. تبرز في هذا الصدد إشكالية التمثيل والشرعية؛ فمن يمنح المناصر الفئوي الحق في الحديث باسم شريحة سكانية واسعة ومتنوعة؟ وإلى أي مدى تعكس مطالبه التطلعات الفعلية لجميع أفراد تلك الفئة؟ لتفادي السقوط في فخ التوجيه الفوقي أو الأبوية الأخلاقية، يجب أن يلتزم المناصر الفئوي بمبدأ الشفافية والمساءلة الجماعية، مؤكداً على أولوية الشعار العالمي لحركات حقوق المعاقين: “لا شيء عنا بدوننا” (Nothing About Us Without Us)، من خلال ضمان مشاركة قيادية للمتضررين في كافة مراحل رسم الاستراتيجيات.
كما تفرض الممارسة القانونية تحديات تتعلق بـالسرية المهنية والمصلحة الفضلى؛ فعندما يرفع المناصر الفئوي قضايا استراتيجية استناداً إلى انتهاكات تعرض لها بعض أفراد الفئة، يجب الحذر من الكشف عن الهويات الشخصية أو تعريض الأفراد لأضرار نفسية ثانوية أو انتقام مؤسسي. تتطلب القضايا التمثيلية موازنة دقيقة بين الحماية الفورية للمتضررين الأفراد والمكاسب النظامية طويلة المدى التي ستجنيها الفئة ككل في حال النجاح في كسب المعركة القضائية.
على الصعيد الأخلاقي المهني، يواجه المناصر الفئوي معضلة تضارب المصالح والولاء المزدوج؛ فالعديد من المناصرين يعملون داخل مؤسسات ممولة حكومياً أو تابعة للجهات ذاتها التي يسعون إلى إصلاحها وانتقادها. يتطلب هذا الوضع شجاعة مهنية ووعياً نقدياً حاداً لتجنب المساومة على الحقوق الجوهرية للفئات المستهدفة في سبيل الحفاظ على التمويل أو المناصب، مع المحافظة في الوقت ذاته على قنوات اتصال فعالة تتيح التأثير الداخلي المستمر دون الانجراف إلى صدام مدمر وغير محسوب العواقب.
التحديات والعقبات الميدانية أمام ممارسي المناصرة الفئوية
تواجه المناصرة الفئوية مقاومة مؤسسية شرسة نظراً لأنها تستهدف بطبيعتها تغيير موازين القوى وإعادة تخصيص الموارد الاقتصادية والرمزية. تتمترس النظم البيروقراطية غالباً خلف آليات الجمود التنظيمي، والتسويف الإجرائي، ومحاولات الاستيعاب الشكلي (Co-optation)، حيث تقدم المؤسسات تنازلات مظهرية طفيفة لتهدئة الرأي العام دون المساس بجوهر السياسات التمييزية القائمة. هذا النوع من المقاومة السلبية يتطلب من المناصر الفئوي نفساً طويلاً ومثابرة استراتيجية تتجاوز الردود الانفعالية أو الحماس اللحظي.
إلى جانب المقاومة الخارجية، يمثل الاحتراق النفسي (Burnout) والصدمة الثانوية تهديداً داخلياً كبيراً للممارسين في هذا الحقل. إن الانغماس المستمر في صراعات سياسية وقانونية معقدة، ومواجهة حجم هائل من الظلم البنيوي، وبطء وتيرة التغيير المؤسسي، يولد لدى العديد من المناصرين مشاعر عميقة بالعجز والإحباط والإنهاك الوجداني. تغدو الرعاية الذاتية الفردية والجماعية، وبناء شبكات الدعم النفسي بين الزملاء، والتفرقة الواعية بين الذات الشخصية والنتائج الميدانية شروطاً لا غنى عنها لضمان استدامة العمل وتفادي الانهيار النفسي.
تشمل التحديات أيضاً مشكلة التباينات الداخلية داخل الفئة المستهدفة نفسها؛ فالفئات الاجتماعية ليست كتلاً متجانسة، بل تحتوي على تقاطعات طبقية، وجندرية، وعرقية وثقافية معقدة تخلق تضارباً أحياناً في الأولويات. على سبيل المثال، قد تختلف أولويات النساء المصابات باضطرابات نفسية عن أولويات الرجال، كما قد تختلف مطالب الأقليات العرقية داخل الفئة عن مطالب الأغلبية. يتطلب هذا الواقع من المناصر الفئوي توظيف منظور التقاطعية (Intersectionality) بعناية فائقة لضمان عدم تهميش الفئات الأضعف داخل الجماعة المهمشة ذاتها في سبيل تحقيق انتصارات سياسية سريعة للفئة المهيمنة.
استراتيجيات التدخل والعمل المنظومي في المؤسسات النفسية
تتعدد الاستراتيجيات التي يعتمد عليها المناصر الفئوي لإحداث التغيير المنشود، ويمكن تصنيفها وفقاً لدرجة التعاون أو المواجهة مع الهياكل القائمة. تبدأ الاستراتيجيات التعاونية من خلال المشاركة في اللجان الاستشارية وصياغة السياسات؛ حيث يستغل المناصر خبرته الإكلينيكية والقانونية لتقديم استشارات مباشرة لصناع القرار، ومراجعة اللوائح الداخلية للمؤسسات العلاجية، وتطوير معايير الجودة القائمة على حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وتدريب الكوادر الطبية والتمريضية على الممارسات الإنسانية الحديثة.
عندما تفشل الطرق التعاونية في اختراق الجمود المؤسسي، ينتقل المناصر إلى الاستراتيجيات الضاغطة والتقاضي الاستراتيجي. يتضمن ذلك استخدام الأدوات القانونية لإجبار الأنظمة على الامتثال للمعايير الدستورية والدولية، وتنظيم حملات الضغط الإعلامي والرقمي لتسليط الضوء على الانتهاكات البنيوية، والتعاون مع المنظمات الدولية ولجان حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لإصدار تقارير موازية تضع الحكومات والمؤسسات الصحية أمام مسؤولياتها العالمية. يُظهر التاريخ أن أهم القفزات النوعية في حقوق المرضى النفسيين والمهمشين تحققت بفعل المزاوجة الذكية بين الحوار المؤسسي الرصين والضغط الشعبي والحقوقي المنظم.
في الختام، يظل التعليم والتوعية المجتمعية الاستراتيجية الأكثر جذرية وعمقاً؛ حيث يعمل المناصر الفئوي على إعادة بناء الوعي العام حول قضايا الصحة النفسية والحقوق الفئوية. يشمل ذلك إدخال مفاهيم العدالة النفسية والاجتماعية في المناهج الجامعية لتدريب أجيال جديدة من الأخصائيين النفسيين والأطباء والمحامين القادرين على استيعاب دورهم كمناصرين، فضلاً عن إنتاج مواد معرفية وثقافية تفكك المفاهيم المغلوطة والوصم الاجتماعي، مما يخلق تربة مجتمعية خصبة تحمي المكتسبات التشريعية وتضمن استمراريتها عبر الأجيال.
الخاتمة
يُمثل المناصر الفئوي تجسيداً حياً للانتقال النوعي في العلوم النفسية والاجتماعية من الملاحظة الفردية والتشخيص السلبي إلى الفعل التغييري والعدالة المنظومية. إن الدفاع عن حقوق الفئات المهمشة في قطاع الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية ليس مجرد نشاط تكميلي أو عمل خيري فائض عن الحاجة، بل هو جوهر الممارسة الإنسانية والأخلاقية السليمة التي تعترف بتأثير السياقات السياسية والاجتماعية على النفس البشرية. من خلال امتلاك الرؤية الاستراتيجية، والأدوات البحثية الرصينة، والالتزام بأخلاقيات التمكين ومبادئ التضامن الجماعي، يواصل المناصر الفئوي أداء دوره الحيوي كجسر يعبر بالمجتمعات من ضيق القهر المؤسسي والوصم البنيوي إلى رحابة العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية المستدامة.
المراجع
- Ezell, M. (2001). Advocacy in the human services. Brooks/Cole Thomson Learning.
- Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. Herder and Herder.
- Goffman, E. (1961). Asylums: Essays on the social situation of mental patients and other inmates. Anchor Books.
- Nelson, G., & Prilleltensky, I. (Eds.). (2010). Community psychology: In pursuit of liberation and well-being (2nd ed.). Palgrave Macmillan.
- Rapp, C. A., & Goscha, R. J. (2006). The strengths model: Case management with people with severe mental illness (2nd ed.). Oxford University Press.
- Schneider, R. L., & Lester, L. (2001). Social work advocacy: A new framework for action. Brooks/Cole.
- Zimmerman, M. A. (2000). Empowerment theory: Psychological, organizational, and community levels of analysis. In J. Rappaport & E. Seidman (Eds.), Handbook of community psychology (pp. 43–63). Kluwer Academic/Plenum Publishers.