يمثل مفهوم السيناريو المغلق (Closed Scenario) أحد الركائز المنهجية الجوهرية في تصميم التجارب السلوكية، وأدوات التقييم النفسي، والتدريب القائم على المحاكاة المعرفية والسريرية. يشير هذا المصطلح إلى إطار تجريبي أو تدريبي محدد المعالم بدقة متناهية، تُقيد فيه الخيارات المتاحة للمشارك، وتُضبط فيه المتغيرات البيئية والسياقية وفق مسارات مسبقة التحديد لا تسمح بظهور نتائج غير متوقعة أو تفاعلات مفتوحة غير محسوبة. يهدف هذا النموذج التقييمي الصارم إلى عزل استجابات نفسية وسلوكية محددة، مما يتيح للباحثين والممارسين قياس العمليات الإدراكية، واتخاذ القرار تحت الضغط، وردود الفعل الانفعالية بأعلى درجات الموثوقية والدقة الإحصائية.
المفهوم النظري والتعريف الأكاديمي للسيناريو المغلق
يُعرَّف السيناريو المغلق في الأدبيات السلوكية والمعرفية بأنه نموذج محاكاة اصطناعي ذو بنية محددة سلفاً، يتم تصميمه لاختبار فرضيات علمية معينة أو تقييم كفاءات نفسية محددة عبر حصر فضاء البدائل المتاحة للفرد الخاضع للتجربة. على النقيض من السيناريوهات المفتوحة (Open Scenarios) التي تتسم بالمرونة وديناميكية التفاعل وتعدد النتائج الحرة، يعتمد السيناريو المغلق على خوارزمية خطية أو شجرية محدودة الفروع، حيث تقود كل استجابة محتملة إلى نتيجة محسوبة سلفاً لا تخرج عن نطاق التصميم التجريبي المستهدف.
ينبثق التأصيل الإبستمولوجي لهذا النموذج من النماذج الوضعية والتجريبية التي تسعى إلى تحقيق أقصى درجات الضبط والتحكم في المتغيرات الدخيلة (Extraneous Variables). في سياق علم النفس التجريبي، لا يُنظر إلى السيناريو المغلق كمجرد أداة إجرائية، بل كبيئة استحثاث سيكولوجي مُعايرة بدقة تسمح بدراسة السلوك البشري بوصفه دالة للمنبهات المحددة سلفاً، وتفكيك السلوكيات المعقدة إلى وحدات استجابية أولية قابلة للقياس المباشر والمقارنة المعيارية عبر عينات عريضة من المشاركين.
علاوة على ذلك، يتقاطع مفهوم السيناريو المغلق تقاطعاً وثيقاً مع نظريات النمذجة المعرفية ونماذج المعالجة المحدودة للمعلومات؛ إذ يفرض هذا التصميم قيوداً مقصودة على سعة المعالجة الذهنية والانتباه، مجبراً المفحوص على تشغيل استراتيجيات معرفية محددة كالتفكير التقاربي (Convergent Thinking) والاختيار القسري بين بدائل مقننة، الأمر الذي يعزل تشتت الانتباه الذي قد تفرضه البيئات الواقعية المفتوحة شديدة التعقيد والتغير.
تتجلى الأهمية الأكاديمية لهذا الطرح في قدرته على توفير بيئة متكافئة إحصائياً لجميع المفحوصين، حيث تُمحى الفروق الفردية الناتجة عن تباين البيئة أو تباين التدخلات التجريبية، ويتبقى التباين الصافي المنسوب إلى السمة النفسية المقاسة، وهو ما يمنح السيناريو المغلق مكانة متميزة في الاختبارات النفسية التشخيصية والمختبرات السلوكية المتقدمة حول العالم.
الجذور التاريخية والتطور المنهجي في علم النفس التجريبي
تعود الجذور الأولى لاستخدام السيناريوهات المغلقة إلى بدايات ظهور السلوكية في مطلع القرن العشرين، ولا سيما مع تجارب إدوارد ثورندايك وصناديق الألغاز، وتجارب بي إف سكينر في غرف الإشراط الإجرائي المعروفة بصناديق سكينر. في تلك التجارب، كانت البيئة مغلقة بالكامل؛ فالحيوان لا يملك إلا سلوكيات حركية محدودة تقود إلى نتائج ثنائية (التعزيز أو العقاب)، مما رسخ مبدأ حصر فضاء الاستجابة لدراسة قوانين التعلم الأساسية بعيداً عن التشويش البيئي الخارجي.
مع اندلاع الثورة المعرفية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، شهد السيناريو المغلق تحولاً نوعياً من دراسة المنبه والاستجابة الميكانيكية إلى دراسة تمثيل المعلومات واتخاذ القرار. ساهم علماء مثل هربرت سيمون في صياغة مفهوم العقلانية المحدودة (Bounded Rationality)، التي أكدت أن العقل البشري يعمل ضمن قيود معلوماتية وبيئية ضيقة؛ ومن هنا أصبحت السيناريوهات المغلقة الوسيلة المثلى لمحاكاة هذه القيود المعرفية مختبرياً وفحص كيفية استجابة الإنسان للمواقف الحرجة التي تتطلب مفاضلة بين خيارات محددة حصراً.
في العقود اللاحقة، وظف باحثو علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التنظيمي السيناريوهات المغلقة المقننة في تجارب الامتثال وإطاعة السلطة؛ مثل تجارب ستانلي ميلغرام وتجربة سجن ستانفورد، والتي رغم بعض جوانبها المفتوحة ظاهرياً، إلا أنها بُنيت على سيناريوهات إجرائية محكمة الإغلاق حددت مسبقاً مسار التفاعل ومداه وأدواره بدقة صارمة بهدف إجبار المشارك على مواجهة معضلات أخلاقية محددة لا مناص من اتخاذ قرار تجاهها.
ومع تطور الحوسبة وتكنولوجيا المحاكاة في أواخر القرن العشرين، انتقلت السيناريوهات المغلقة من الورقة والقلم والمختبر الفيزيائي إلى البيئات الرقمية المتطورة. مكّن هذا التحول علماء النفس من تصميم سيناريوهات رقمية تفاعلية مشفرة مسبقاً، حيث يتم التحكم في التوقيت بالمللي ثانية، وتُعرض المثيرات عبر برمجيات متقدمة تسجل كل نقرة وتغير في حركة العين، مما منح السيناريو المغلق بعداً جديداً من الدقة المنهجية الفائقة والقدرة على تكرار التجربة عالمياً بنفس الشروط تماماً.
الخصائص الهيكلية والآليات المحددة للسيناريوهات المغلقة
يرتكز السيناريو المغلق على بنية هندسية صارمة تتألف من عدة عناصر جوهرية تجعله متميزاً عن غيره من التصاميم المنهجية. الخاصية الأولى هي محدودية شجرة القرار (Finite Decision Tree)؛ حيث تُصاغ الخيارات المتاحة للمشارك بطريقة مانعة للجمع وشاملة للحالات، فلا يمكن للمفحوص ابتكار استجابة ثالثة خارج الأطر المبرمجة أو المكتوبة سلفاً، مما يضمن اتساق البيانات وخضوعها لمعايير القياس الكمي الصارم.
الخاصية الثانية تكمن في الضبط الصارم للمتغيرات الدخيلة والتحكم المطلق في مسار التغذية الراجعة (Feedback Loops). في السيناريو المغلق، تكون كل نتيجة مترتبة على اختيار معين محددة مسبقاً دون أدنى مجال للعشوائية غير المنضبطة، مما يسمح للباحث بإنشاء علاقات سببية واضحة (Causal Relationships) بين المثير المعروض والنمط السلوكي الناتج، معززاً بذلك ما يُعرف في مناهج البحث بـ الصدق الداخلي للتجربة.
تتمثل الخاصية الثالثة في المعيارية وقابلية التكرار (Standardization and Replicability). يتميز السيناريو المغلق بأن كل فرد يخضع للتجربة يتعرض لنفس السلسلة من الشروط، بنفس الترتيب، وتحت نفس الضغوط الزمنية والإدراكية، مما يقلص تماماً من تحيزات القائم بالاختبار (Experimenter Bias) ويوفر أرضية صلبة للمقارنات الإحصائية بين المجموعات التجريبية والضابطة دون خوف من انحراف التجربة عن مسارها المرسوم.
وتوضح النقاط الآتية المكونات البنيوية الأساسية التي لا يخلو منها أي سيناريو مغلق في البحوث النفسية المعاصرة:
- المدخل المثير (Stimulus Input): المحفز الأولي المقنن بدقة (نص، صورة، مقطع فيديو، أو موقف محاكاة) الذي يقدم المشكلة المعرفية أو الانفعالية.
- فضاء الاستجابة المقيد (Restricted Response Space): حزمة الخيارات المتاحة قسرياً، والتي تتراوح بين مقاييس ليكرت، أو الاختيار من متعدد، أو مسارات سلوكية محددة في برنامج محاكاة.
- قواعد الانتقال الحتمية (Deterministic Transition Rules): المنطق البرمجي أو الإجرائي الذي ينقل المشارك من مرحلة إلى المرحلة التالية بناءً على الاستجابة السابقة حصراً.
- النتيجة النهائية المغلقة (Closed Outcome): نهاية محددة المسار تسفر عن مؤشرات قابلة للقياس الرقمي كالزمن المستغرق، ونسبة الأخطاء، ونمط المعالجة.
السيناريو المغلق في علم النفس المعرفي ونظرية اتخاذ القرار
يشكل السيناريو المغلق أداة مفصلية في اختبار نظريات معالجة المعلومات ونماذج التفكير العقلاني وغير العقلاني في علم النفس المعرفي. عند دراسة كيفية معالجة الأفراد للمعلومات في ظل الضغوط والغموض، يتيح حصر السيناريو للمختبرين تفكيك استراتيجيات الاستدلال التجريبي (Heuristics) والانحيازات المعرفية (Cognitive Biases) التي يوظفها العقل البشري لتجاوز القيود البيئية والوصول إلى حلول سريعة.
في إطار دراسات نظرية القرار وتطبيقات نظرية الآفاق (Prospect Theory) لعالمي النفس دانيال كانمان وآموس تفيرسكي، اعتمد الباحثون اعتماداً مطلقاً على السيناريوهات المغلقة ذات الخيارات الثنائية القسرية (مثل معضلة مرض آسيا الشهيرة). من خلال إغلاق السيناريو ومنع الحلول الوسطية أو التأجيل، استطاع الباحثون كشف ظاهرة تأثير التأطير (Framing Effect) والنفور من الخسارة (Loss Aversion)، وهي ظواهر لم يكن بالإمكان قياسها تجريبياً بهذا الوضوح لو تركت السيناريوهات مفتوحة للتأويل الذاتي والابتكار الحر من المشاركين.
كذلك، يوفر السيناريو المغلق بيئة اختبار مثالية لقياس العبء المعرفي (Cognitive Load). من خلال التلاعب الدقيق بحجم المعلومات المقدمة في كل خطوة مغلقة، يستطيع الباحث قياس استنزاف الذاكرة العاملة (Working Memory) ومعدلات الاستجابة الزمنية (Reaction Times)، مما يبرز الكيفية التي يتدهور بها الأداء الذهني عند وصول السيناريو إلى أقصى درجات التعقيد المحسوبة مسبقاً، وهو ما يخدم مجالات الهندسة البشرية وتصميم واجهات التفاعل الرقمية.
يمتد هذا التأثير المعرفي أيضاً إلى دراسة المعضلات الأخلاقية المعرفية، مثل معضلة العربة الشهيرة (The Trolley Problem). يعد هذا النموذج نموذجاً كلاسيكياً للسيناريو المغلق؛ إذ يُجبر الفرد على الاختيار بين مسارين أخلاقيين متناقضين حصراً دون السماح بأي بديل إنقاذي ثالث، مما مكّن علماء النفس العصبي والمعرفي من رصد النشاط الدماغي في قشرة الفص الجبهي واللوزة الدماغية وتحديد المناطق المسؤولة عن الصراع بين المنطق النفعي والواجب الأخلاقي الحتمي بدقة تجريبية غير مسبوقة.
التطبيقات السريرية والتشخيصية للسيناريوهات المغلقة
في ميدان علم النفس السريري والطب النفسي، تُعد السيناريوهات المغلقة أدوات تشخيصية وعلاجية بالغة الفعالية، لا سيما في تقييم الاضطرابات النفسية المعقدة واختبار الاستجابات السلوكية التكيفية. يُستخدم هذا النموذج ضمن تقنيات التقييم القائم على الأداء (Performance-Based Assessment)، حيث يُعرض المريض على مواقف افتراضية أو تمثيلية محكمة الإغلاق تقيس قدرته على التعاطي مع مثيرات القلق، أو الضغوط الشخصية المتبادلة، أو نوبات الهلع.
على سبيل المثال، في علاج اضطراب الوسواس القهري (OCD) عبر التعرض ومنع الاستجابة (ERP)، يُبنى بروتوكول التعرض في جوهره كسيناريو مغلق؛ إذ يوضع المريض في بيئة محكومة تُعرضه للمثير الوسواسي مع منعه القسري من ممارسة الطقوس القهرية المعتادة عبر مسار علاجي مغلق ومحدد مسبقاً. تتيح هذه البنية المحكمة مراقبة التراجع الطبيعي لمستويات القلق الذاتي (Habituation) دون تداخل آليات الهروب المعرفي أو السلوكي المفتوح التي قد تعطل العملية العلاجية برمتها.
كما تلعب السيناريوهات المغلقة دوراً محورياً في تقييم اضطرابات طيف التوحد وقصور نظرية العقل (Theory of Mind). عبر استخدام اختبارات قصصية وسيناريوهات بصرية مغلقة (مثل اختبار سالي-آن)، يُطلب من المفحوص الإجابة عن أسئلة محددة تتناول معتقدات الشخصيات الأخرى ونواياها؛ حيث يقود غلق السيناريو إلى استبعاد التشتت الناتج عن التفسيرات الرمزية المعقدة، ويسمح بالوقوف المباشر على مدى قدرة الفرد على قراءة الحالات العقلية للآخرين بدقة ومعيارية موثوقة.
تُوظف السيناريوهات المغلقة أيضاً في تشخيص اضطرابات الشخصية، وتحديداً الشخصية المعادية للمجتمع أو الحدية، عبر اختبارات تقييم العدوانية الكامنة والاندفاعية. يتم تقديم مواقف استفزازية مقننة ذات خيارات استجابة محدودة، مما يساعد المعالجين على تصنيف الأنماط الدفاعية اللاواعية وتحديد درجة الخطر السلوكي بدقة موضوعية تتجاوز الاعتماد الكلي على استبيانات التقرير الذاتي (Self-Report Inventories) المعرضة دائماً لخطأ التزييف وتأثير المرغوبية الاجتماعية.
الاستخدامات في القياس النفسي والتدريب القائم على المحاكاة
يمثل القياس النفسي (Psychometrics) أحد أكثر الحقول التي تتجلى فيها القيمة المنهجية للسيناريوهات المغلقة، لا سيما مع تطور اختبارات الحكم الموقفي (Situational Judgement Tests – SJTs). في هذه الاختبارات، يُعرض على المترشح أو المفحوص سيناريو مكتوب أو مرئي يمثل مشكلة واقعية محددة في بيئة العمل أو القيادة، ويُطلب منه المفاضلة بين حزمة مقيدة من الإجراءات المصممة لتقييم سمات نفسية بعينها كالنزاهة، أو المرونة المعرفية، أو الذكاء العاطفي.
في قطاعات التدريب النفسي عالي الخطورة، مثل طيران النقل التجاري، والعمليات العسكرية، والتدخلات الطبية الطارئة، يبرز نموذج السيناريو المغلق كأداة تدريب لا غنى عنها في إدارة موارد الطاقم (Crew Resource Management – CRM). في هذه البيئات، يخضع المتدربون لمحاكاة مغلقة لحالات فشل الأجهزة أو الطوارئ القصوى، حيث تبرمج المحاكاة لاتباع بروتوكولات حتمية تفرض استجابات سيكولوجية سريعة ومنسقة، مما يتيح قياس الصمود النفسي ومقاومة الانهيار الإدراكي تحت التهديد الشديد.
إن إغلاق السيناريو في سياق التدريب النفسي يحقق وظيفة بالغة الأهمية تتمثل في التغذية الراجعة الموضوعية (Objective Debriefing). فعندما تنتهي المحاكاة، لا يملك المتدرب حجة التشكيك في ظروف البيئة؛ إذ أن السيناريو المغلق يسجل كل متغير وزمن استجابة وقرار تم اتخاذه في كل نقطة تفرع، مما يسمح للمعالج النفسي أو المدرب بتحليل مكامن العجز المعرفي أو الانفعالي بدقة جراحية وإعادة بناء السلوكيات المطلوبة وتثبيتها عبر التكرار الموجه.
كذلك تتبنى المقابلات السريرية المعيارية المنظمة (Structured Clinical Interviews) البنية الهيكلية للسيناريو المغلق؛ حيث يلتزم الفاحص بأسئلة ومسارات تشخيصية مغلقة تمنعه من الارتجال، الأمر الذي يضمن ثبات الدرجات عبر مختلف المقيمين (Inter-Rater Reliability)، ويرفع من القيمة التنبؤية للأدوات التشخيصية السريرية في مختلف الأنظمة الصحية والثقافات المتباينة دون تحريفات إجرائية فردية.
المزايا المنهجية والمحددات النقدية والأخلاقية
تتمتع السيناريوهات المغلقة بجملة من المزايا المنهجية التي تجعلها خياراً مفضلاً في البحوث التجريبية الصارمة؛ في مقدمتها القدرة الاستثنائية على تعظيم الصدق الداخلي، وتسهيل المعالجة الإحصائية عبر تحويل السلوك البشري إلى متغيرات رتبية أو اسمية أو فئوية واضحة، وخفض التكاليف الزمنية واللوجستية مقارنة بالدراسات الميدانية المفتوحة، فضلاً عن حماية المشاركين في التجارب السريرية من التعرض لمفاجآت نفسية غير متوقعة قد تؤدي إلى صدمات ارتدادية.
ومع ذلك، يواجه هذا النموذج انتقادات ابستمولوجية ومنهجية حادة من قِبل مدارس علم النفس الإنساني والظاهراتي (Phenomenological Psychology) وعلم النفس البيئي، ويتركز النقد الأساسي حول معضلة الصدق الإيكولوجي (Ecological Validity). يرى النقاد أن إغلاق السيناريو يقضي على التعقيد الطبيعي للحياة النفسية البشرية؛ فالواقع الإنساني نادراً ما يقدم خيارات محددة سلفاً أو مسارات حتمية واضحة، مما قد يجعل الاستجابات المقاسة داخل السيناريو المغلق سلوكيات اصطناعية مشوهة لا تعكس الأداء الحقيقي للفرد في واقعه اليومي المعاش.
إضافة إلى ذلك، تبرز إشكالية “أثر التوقع والمطالب التجريبية” (Demand Characteristics)؛ حيث يميل المشاركون عند إدراكهم أنهم داخل سيناريو مغلق إلى استنتاج الفرضية التي يسعى الباحث لاختبارها، مما يدفعهم قسراً لاختيار الإجابات التي يعتقدون أنها “صحيحة” أو “مرغوبة” تجريبياً، متجاوزين استجاباتهم التلقائية الحقيقية، وهو ما يهدد الصدق البنائي (Construct Validity) للأداة المقترحة.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن السيناريوهات المغلقة التي تضع المشارك أمام خيارات قسرية غير مريحة أو معضلات ضاغطة قد تثير مستويات مرتفعة من التوتر الحاد أو الشعور بالذنب والعجز المكتسب المؤقت (Learned Helplessness)، لا سيما إذا تم حجب طبيعة السيناريو المغلق عنه كجزء من الخداع التجريبي (Experimental Deception). يفرض هذا الواقع على اللجان الأخلاقية ضرورة إلزام الباحثين بتقديم جلسات تفريغ نفسي واستيضاح معمقة (Debriefing Sessions) عقب انتهاء التجربة فوراً لضمان تفكيك أي آثار انفعالية سلبية ترسبت لدى المشارك.
الآفاق المستقبلية: السيناريوهات المغلقة والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي
يشهد ميدان السيناريوهات المغلقة في الوقت الراهن ثورة تقنية كبرى مدفوعة باندماج تقنيات الواقع الافتراضي الغامر (Immersive Virtual Reality) ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. تسهم هذه التكنولوجيات الحديثة في سد الفجوة التاريخية بين الصدق الداخلي الصارم والصدق الإيكولوجي الواقعي، من خلال بناء بيئات افتراضية مغلقة تبدو ظاهرياً للمشارك مفتوحة وطبيعية بالكامل، في حين أنها محكومة في برمجتها الأساسية بقواعد سيناريو مغلق فائق الانضباط والتعقيد.
تتيح تقنيات الواقع الافتراضي حالياً للباحثين تصميم سيناريوهات مغلقة تفاعلية لدراسة الفوبيا، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والمهارات الاجتماعية؛ حيث يتم التحكم في كل تفصيلة بصرية وصوتية في المشهد الافتراضي، مع قياس متزامن للمؤشرات الفسيولوجية العصبية كتقلب معدل ضربات القلب (HRV) والموصلية الجلدية (GSR) دون أن يشعر الفرد بالقيود الميكانيكية التقليدية لغرف المختبر القديمة.
من جهة أخرى، يفتح توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي التكيفي آفاقاً لما يمكن تسميته بـ السيناريوهات المغلقة الديناميكية (Dynamic Closed Scenarios)؛ وهي أنظمة تقوم بتعديل فروع السيناريو المغلق آنياً بالاعتماد على الاستجابات النفسية الحيوية والانفعالية للمفحوص، مع البقاء الصارم ضمن الحدود التجريبية المخططة مسبقاً، مما يوفر منصات تشخيصية وتدريبية مخصصة وفائقة الدقة تناسب كل مريض أو متدرب على حدة.
إن مستقبل البحث النفسي يسير نحو أتمتة هذه السيناريوهات لتعمل كأدوات تشخيصية رقمية مبكرة قادرة على التنبؤ بالانتكاسات النفسية وتحديد مسارات العلاج المعرفي السلوكي بدقة رياضية متناهية، وهو ما يرسخ مكانة السيناريو المغلق ليس كأثر تاريخي للتجريبية السلوكية فحسب، بل كأداة حيوية ومتطورة تواصل إعادة تشكيل معالم القياس والعلاج السلوكي في العصر الرقمي.
خاتمة
تأسيساً على ما سبق، يتبين أن السيناريو المغلق يشكل مفهوماً منهجياً ونظرياً محورياً لا غنى عنه في ترسانة علم النفس المعاصر بمختلف فروعه التجريبية والمعرفية والسريرية والقياسية. فعلى الرغم من التحديات والانتقادات المشروعة المتعلقة بالصدق الإيكولوجي والمحدودية الصارمة للاستجابة الحرة، يظل هذا النموذج الضمانة الأقوى للضبط التجريبي، واستكشاف العلاقات السببية بين المثير والسلوك، ومعايرة التشخيص الإكلينيكي في بيئات آمنة وقابلة للتكرار. ومع التطورات المتسارعة في تقنيات الواقع الافتراضي والنمذجة الذكية، يعيد السيناريو المغلق تجديد أدواته ليجمع ببراعة بين الواقعية الإدراكية والانضباط التجريبي، مما يجعله ركيزة لا غنى عنها لفهم الطبيعة البشرية المعقدة في أدق تفاصيلها وتجلياتها السلوكية.
المراجع
- Kahneman, D., & Tversky, A. (1979). Prospect theory: An analysis of decision under risk. Econometrica, 47(2), 263-291. https://doi.org/10.2307/1914185
- Milgram, S. (1963). Behavioral study of obedience. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 67(4), 371-378. https://doi.org/10.1037/h0040525
- Simon, H. A. (1955). A behavioral model of rational choice. The Quarterly Journal of Economics, 69(1), 99-118. https://doi.org/10.2307/1884852
- Sweller, J. (1988). Cognitive load during problem solving: Effects on learning. Cognitive Science, 12(2), 257-285. https://doi.org/10.1207/s15516709cog1202_4
- Weekley, J. A., & Ployhart, R. E. (Eds.). (2006). Situational judgment tests: Theory, measurement, and application. Lawrence Erlbaum Associates Publishers.
- Rizzo, A., & Koenig, S. T. (2017). Is clinical virtual reality ready for primetime? Neuropsychology, 31(8), 877-899. https://doi.org/10.1037/neu0000405
- Skinner, B. F. (1953). Science and human behavior. Macmillan.
- Foot, P. (1967). The problem of abortion and the doctrine of the double effect. Oxford Review, 5, 5-15.