يُعد اختبار مرونة الإغلاق (Closure Flexibility Test) أحد أبرز المقاييس المعرفية النفسية التي صُممت لتقييم قدرة الفرد على عزل شكل بصري محدد وتحديده واستخراجه من وسط خلفية بصرية معقدة ومشتتة للانتباه. ينطوي هذا الاختبار على تفكيك التكوينات الإدراكية السائدة ومقاومة الخداع البصري من أجل الوصول إلى إغلاق معرفي مرن، وهو ما يجعله ركيزة أساسية في دراسات علم النفس العصبي والقياس النفسي المتقدم. تمثل هذه الأداة المعيارية نموذجاً فريداً لتلاقي مفاهيم علم نفس الغشتالت مع نظريات التحليل العاملي للذكاء الإنساني والقدرات المعرفية الخاصة.
المفهوم والتعريف الأكاديمي لاختبار مرونة الإغلاق
يُعرف اختبار مرونة الإغلاق في سياق القياس النفسي والمعرفي بأنه مقياس للأداء العقلي يقيس قدرة الفاحص على الاحتفاظ بتمثيل بصري معين في ذاكرته العاملة والتعرف عليه فوراً عندما يكون مدمجاً أو مخفياً داخل سياق بصري مشوش أو شكل مركب أكبر. يعود هذا المفهوم إلى قدرة الإدراك البصري على التحرر من التأثير الكلي للبنية البصرية (Gestalt)، حيث يتطلب إنجاز المهمة تفكيك الكل المنظم لاستخراج الأجزاء المستهدفة، وهي عملية تقتضي مستوى رفيعاً من المرونة الإدراكية والتثبيط الانتقائي للمثيرات غير ذات الصلة.
في إطار التصنيفات المعرفية الحديثة، وبخاصة نظرية كاتل-هورن-كارول للقدرات المعرفية (CHC Theory)، يندرج هذا الاختبار تحت مجال المعالجة البصرية المكانية العامة (Visual Processing – Gv)، وتحديداً تحت القدرة الضيقة المعروفة باسم مرونة الإغلاق (Closure Flexibility – CF). تشير هذه القدرة إلى السرعة والدقة في إدراك وتحديد نمط أو تكوين بصري معروف مسبقاً عندما يكون مطموراً في مادة بصرية مشتتة أو مموهة أو مغطاة بخطوط متقاطعة تعيق الإدراك المباشر.
تختلف مرونة الإغلاق جوهرياً عن مفهوم “سرعة الإغلاق” (Speed of Closure – CS)؛ فبينما تقيس سرعة الإغلاق قدرة الفرد على توحيد وتجميع عناصر بصرية مفككة أو غير مكتملة في شكل كلي ذي معنى بصورة فورية وتلقائية، تتطلب مرونة الإغلاق العكس تماماً، أي مقاومة الميل الفطري نحو الإغلاق الكلي وتفكيك البنية المهيمنة بنشاط وعزم ذهني مستمر. ومن ثم، فإن مرونة الإغلاق تتطلب جهداً معرفياً تحليلياً واعياً، في حين تعتمد سرعة الإغلاق على تجميع بنائي سريع واستبصار إدراكي كلي.
من الناحية المعرفية العصبية، يستند اختبار مرونة الإغلاق إلى تفاعل معقد بين باحات المعالجة البصرية في الفص القذالي، وشبكات الانتباه التنفيذي في الفص الجبهي، والقشرة الجدارية المسؤولة عن التحليل المكاني وإلغاء الارتباط بالمشتتات. إن الإخفاق في هذا الاختبار لا يعكس بالضرورة ضعفاً في حدة الإبصار، بل يشير غالباً إلى تراجع في المرونة الإدراكية، أو صعوبة في تجاوز التداخل البصري، أو قصور في الوظائف التنفيذية المتعلقة بكف الاستجابة للانطباعات الحسية الأولية.
التطور التاريخي والسياق المعرفي للاختبار
تعود الجذور الأولى لمفهوم مرونة الإغلاق إلى أبحاث عالم النفس الرائد لويس ليون ثيرستون (L. L. Thurstone) في أربعينيات القرن العشرين، وتحديداً دراسته التاريخية المنشورة عام 1944 بعنوان “تحليل عاملي للإدراك البصري” (A Factorial Study of Perception). سعى ثيرستون في ذلك المشروع العلمي الطموح إلى توسيع نظريته حول القدرات العقلية الأولية (Primary Mental Abilities) لتشمل النطاق الإدراكي الحسي، حيث لاحظ أن الأفراد يتفاوتون بشكل منهجي في قدرتهم على معالجة المعلومات البصرية غير المنظمة أو المشوشة.
حدد ثيرستون في أبحاثه عاملين أساسيين للإغلاق: العامل الأول هو سرعة الإغلاق (الذي أطلق عليه رمز Cs)، والعامل الثاني هو مرونة الإغلاق (الذي رمز له بالرمز Cf). وقد طوّر ثيرستون وزوجته ثيلما جوين ثيرستون نماذج مبكرة لاختبارات تقيس هذا البعد، معتمدين على أشكال هندسية وخطوط متشابكة تُخفي بداخلها أشكالاً بسيطة، مما وضع حجر الأساس لتطوير اختبار مرونة الإغلاق كأداة تشخيصية وسيكومترية مستقلة حظيت باهتمام واسع في القياس النفسي المهني والعسكري.
في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ارتبط اختبار مرونة الإغلاق ارتباطاً وثيقاً بأبحاث الأساليب المعرفية التي قادها هيرمان ويتكين (Herman Witkin) وفريقه البحثي، ولا سيما مفهوم “الاعتماد مقابل الاستقلال عن المجال الإدراكي” (Field Dependence-Independence). أظهرت الدراسات أن أداء الأفراد في اختبار مرونة الإغلاق يتطابق بدرجة كبيرة مع أدائهم في اختبار الأشكال المتضمنة (Embedded Figures Test – EFT)، مما برهن على أن مرونة الإغلاق ليست مجرد مهارة بصرية معزولة، بل هي تجسيد لأسلوب معرفي تحليلي عام يميز تعامل الفرد مع بيئته الحسية والمعنوية.
توالت بعد ذلك أعمال جون كارول (John B. Carroll) في مسحه الشامل للقدرات المعرفية البشرية عام 1993، حيث أكد التحليل التلوي الشامل للبيانات العامودية عبر العقود أن مرونة الإغلاق تمثل عاملاً معرفياً راسخاً من الدرجة الأولى ضمن نطاق التصور المكاني. ومع دخول عصر الحوسبة وعلم الأعصاب الإدراكي، أُعيدت صياغة الاختبار وتطوير نسخ رقمية دقيقة تسجل زمن الرجع بالميللي ثانية، مما فتح آفاقاً جديدة لدراسة المسارات العصبية الحيوية المرتبطة بالمرونة الإدراكية وكفاءة التحليل المكاني البصري.
الأسس النفسية والعمليات المعرفية المتضمنة
يرتكز أداء اختبار مرونة الإغلاق على منظومة متكاملة من العمليات المعرفية التي تتجاوز مجرد الرؤية البصرية البسيطة. تتصدر هذه العمليات آلية الانتباه الانتقائي البصري (Visual Selective Attention)، حيث يتعين على المفحوص توجيه بؤرة تركيزه الذهني نحو ميزات هندسية محددة (مثل الزوايا، واستقامة الخطوط، ونقاط التقاطع)، وتجاهل المثيرات المحيطة التي تشكل نمطاً بصرياً قوياً ومهيمناً يحاول الاستيلاء على الموارد الإدراكية للدماغ.
تتمثل العملية المعرفية الثانية في التثبيط الإدراكي (Perceptual Inhibition) ومقاومة التداخل البصري؛ فالشكل المركب الذي يحوي الشكل المطلوب يميل عادة إلى تشكيل وحدة كلية تفرض نفسها على الإدراك وفق قوانين الغشتالت (مثل قانون الاستمرارية وقانون الإغلاق وقانون التقارب). ولكي ينجح الفرد في الاختبار، يجب عليه قمع هذه القوانين التلقائية وتثبيط النمط البصري الطاغي بصورة متعمدة ومستمرة، وهو ما يتطلب تدخلاً مباشراً من وظائف التحكم التنفيذي المتمركزة في الفص الجبهي للدماغ.
كما تلعب الذاكرة العاملة البصرية المكانية (Visuospatial Working Memory) دوراً محورياً في هذا السياق؛ إذ يحتاج الفاحص إلى تخزين تمثيل ذهني دقيق وثابت للشكل الهدف (Target Shape)، ثم إجراء مطابقة نشطة ومستمرة بين هذا التمثيل المخزن ومختلف قطاعات الشكل المركب. يتضمن ذلك تدوير الشكل ذهنياً أو تغيير مقياسه التقديري لمقارنته بالتفاصيل المتداخلة، مع الحفاظ على معالم الشكل نقية من التشويش الذي تفرضه الخطوط المتقاطعة المحيطة به.
أخيراً، يتضمن الاختبار عملية معرفية تُعرف بالتحليل البصري التفكيكي (Deconstructive Visual Analysis)؛ فبدلاً من معالجة الصورة بشكل شمولي متزامن (Holistic Processing)، يتحول الفرد عالي المرونة الإدراكية إلى نمط المعالجة التحليلية المتعاقبة (Analytical Sequential Processing). يبحث هذا النمط عن نقاط مفصلية، كالأطراف والحدود الفاصلة، مما يتيح عزل الخطوط المكونة للهدف وتفكيك الإيهام البصري المحيط به بفاعلية ودقة بالغة.
بنية الاختبار وإجراءات التطبيق والتصحيح
يتألف اختبار مرونة الإغلاق الكلاسيكي من مجموعة من البنود المتدرجة في الصعوبة والتعقيد الهندسي. يُقدم لكل بند شكل هندسي أساسي بسيط كنواة مستهدفة، يتبعه شكل أو عدة أشكال مركبة معقدة تحتوي على خطوط متشابكة ومضلعات متداخلة، ويكون المطلوب من المفحوص تحديد ما إذا كان الشكل المستهدف موجوداً بتمامه وتفاصيله الدقيقة داخل الشكل المعقد، وتحديد موقعه الدقيق أو الإشارة إليه وفق تعليمات الاختبار المقننة.
يُطبق الاختبار وفق ضوابط زمنية دقيقة تجعل منه اختباراً للسرعة والقوة الإدراكية معاً. تتراوح المدة الزمنية المحددة للنسخ المعيارية الورقية بين 7 إلى 10 دقائق، يُطلب فيها من الفاحصين إكمال أكبر عدد ممكن من البنود دون التضحية بالدقة. وقبل البدء في الاختبار الفعلي، يُعطى المشاركون فقرة تدريبية تشتمل على بنود توضيحية مصحوبة بتغذية راجعة وتفسيرات وافية، وذلك لضمان استيعابهم الكامل لطبيعة المهمة وآلية الاستجابة المطلوبة وتجنب أي لبس في التعليمات.
تتضمن استمارة الاختبار تعليمات صارمة تنص على أن الشكل المستهدف يجب أن يكون موجوداً بالحجم نفسه والاتجاه الهندسي عينه دون أي تحريف أو ميلان، ما لم تنص تعليمات محددة في نسخ تجريبية أخرى على خلاف ذلك. وتتمثل مهمة المفحوص في وضع علامة على الأشكال المركبة التي تتضمن الشكل الهدف، أو تظليل الخطوط الفعلية المكونة للهدف داخل الشكل المعقد، وذلك لاختبار دقة العزل الحسي واستبعاد التخمين العشوائي من جانب المفحوص.
يتبع تصحيح الاختبار معادلات سيكومترية تأخذ في الحسبان احتمالية التخمين؛ حيث تُحسب الدرجة الخام عادة بطرح نسبة من الإجابات الخاطئة من مجموع الإجابات الصحيحة (الدرجة = الصحيح – [الخاطئ / (ن – 1)]، حيث تمثل ‘ن’ عدد الخيارات المتاحة)، أو من خلال تسجيل عدد الإجابات الصحيحة المكتملة في غضون الزمن المحدد في الاختبارات التي تمنع التخمين العشوائي بتصميمها. وتُحول هذه الدرجات الخام لاحقاً إلى درجات معيارية تائية (T-scores) أو رتب مئينية بناءً على معايير مشتقة من عينات تقنين تمثيلية بحسب الفئة العمرية والمستوى التعليمي.
الخصائص السيكومترية: الصدق والثبات
حظي اختبار مرونة الإغلاق بدراسات سيكومترية مستفيضة أكدت تميزه بمؤشرات صدق وثبات عالية عبر مختلف البيئات والثقافات. في ما يتعلق بالثبات، أظهرت الدراسات المعيارية معاملات ثبات عالية باستخدام طريقة إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) تراوحت في الغالب بين 0.78 و 0.88 عند تطبيق الاختبار بفواصل زمنية تمتد لعدة أسابيع، مما يعكس استقرار السمة المعرفية المقاسة عبر الزمن وعدم خضوعها لتذبذبات عابرة في الحالة المزاجية للفرد.
كما أظهرت تحليلات الاتساق الداخلي للاختبار قيماً متقدمة، حيث تراوح معامل ألفا كرونباخ ومعامل التجزئة النصفية (سبيرمان-براون) بين 0.82 و 0.91 في مختلف عينات التقنين، مما يؤكد تجانس البنود وقدرتها على قياس البعد الإدراكي المستهدف بدقة متناهية ودون تشتت في المفاهيم المقاسة. وتبرز هذه المعاملات قوة البنية الداخلية للاختبار وتماسك مفرداته في قياس قدرة مرونة الإغلاق.
وعلى صعيد الصدق، يتمتع الاختبار بمؤشرات قوية لصدق المفهوم أو البناء (Construct Validity)؛ حيث أثبتت تحليلات العوامل التوكيدية (Confirmatory Factor Analysis) تشبع بنود الاختبار بقوة على عامل المعالجة البصرية المكانية العامة (Gv) وتمايزها بوضوح عن عوامل أخرى مثل الذكاء اللفظي (Gc) وسرعة المعالجة الحركية البسيطة (Gs). كما أظهر الاختبار صدقاً تقاربياً (Convergent Validity) مرتفعاً مع اختبار الأشكال المضمنة لويتكين واختبار متاهات بورتيوس، مما يدعم صحة تفسير درجاته في سياق الاستقلال الإدراكي والتحليل المكاني.
أما من حيث الصدق التمايزي (Discriminant Validity)، فقد بيّنت الأبحاث أن درجات مرونة الإغلاق لا ترتبط ارتباطاً ذا دلالة باختبارات الطلاقة اللفظية أو الذاكرة الدلالية قصيرة المدى، ما يؤكد خصوصية الأداة في قياس العمليات البصرية التفكيكية دون تداخل مع القدرات اللغوية العامة. كذلك يتمتع الاختبار بصدق تنبؤي مرموق في التنبؤ بالنجاح في المهن الهندسية والتقنية والجراحية والمجالات التي تتطلب تمييزاً بصرياً دقيقاً في بيئات بصرية مزدحمة بالمشتتات.
الفروق الفردية والعوامل المؤثرة على الأداء
يتأثر الأداء في اختبار مرونة الإغلاق بعدد من المتغيرات البيولوجية والنفسية والبيئية التي تخلق فروقاً فردية واضحة بين الأفراد والمجموعات. يُعد العمر أحد أبرز هذه العوامل؛ إذ يتبع مسار نمو مرونة الإغلاق منحنى مقلوباً على شكل حرف U، حيث ينمو الأداء تدريجياً خلال مراحل الطفولة والمراهقة ليصل إلى ذروته في أواخر سن المراهقة ومطلع العشرينيات، ثم يشرع في التراجع التدريجي مع التقدم في السن، لا سيما بعد العقد الخامس، نتيجة الانخفاض الطبيعي في سرعة المعالجة العصبية ومرونة الوظائف التنفيذية القشرية.
وفي ما يتعلق بالفروق بين الجنسين، أشارت بعض الدراسات إلى وجود تفوق طفيف للذكور في المهام التي تتطلب تحليلاً مكانياً تفكيكياً وفصلاً للأشكال عن خلفياتها، إلا أن هذا التباين يظل محدوداً عند مقارنته بالفروق الفردية داخل الجنس الواحد، وغالباً ما يتأثر بالخلفية التدريبية والممارسة السابقة للألعاب البصرية المكانية والأنشطة الرقمية ثلاثية الأبعاد، مما يرجح مساهمة العوامل البيئية والخبرات التراكمية في تعديل هذه الفروق وتضييق الفجوة الإدراكية.
تُلقي التباينات العصبية بظلالها على الأداء في هذا الاختبار؛ حيث يظهر الأفراد ذوو طيف التوحد (Autism Spectrum) أداءً متفوقاً واستثنائياً في كثير من الأحيان مقارنة بالأفراد ذوي النمط العصبي السائد، وهو ما يفسره نموذج “الاتساق المركزي الضعيف” (Weak Central Coherence Theory). يتميز هؤلاء الأفراد بقدرة فطرية خارقة على التركيز على التفاصيل الدقيقة للأجزاء ومقاومة الإغلاق الشمولي للكل، مما يمنحهم ميزة معرفية واضحة في استخراج الأشكال المخفية وتفكيك السياقات البصرية المربكة.
وعلى النقيض من ذلك، يواجه الأفراد الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) أو صعوبات التعلم غير اللفظية صعوبة بالغة في تحقيق درجات مرتفعة في الاختبار؛ إذ يؤدي ضعف التحكم التثبيطي وتشتت الانتباه الانتقائي لديهم إلى الانجراف خلف المثيرات البصرية الطاغية في الشكل المركب، مما يعيق عملية البحث المنظم ويقود إلى ارتكاب أخطاء اندفاعية تخفض المحصلة النهائية للدرجة.
التطبيقات الإكلينيكية والمهنية والتربوية
يمتد توظيف اختبار مرونة الإغلاق إلى مجالات تطبيقية بالغة التنوع والتأثير؛ ففي المجال الإكلينيكي والعصبي النفسي، يُستخدم الاختبار كأداة تشخيصية مساعدة لتقييم التلف الوظيفي في الفصوص الجدارية والقذالية من الدماغ، ورصد التدهور المعرفي المبكر لدى كبار السن وحالات الخرف الوعائي ومرض ألزهايمر. وتوفر استجابات المريض للمهمة بيانات قيمة للأخصائي حول سلامة الإدراك المكاني وكفاءة شبكات الانتباه البصري والقدرة على فرز المعلومات المتداخلة وتجاوز التشويش الحسي.
في الميدان المهني والاختيار الوظيفي، يمثل هذا الاختبار أداة تقييم حاسمة في انتقاء الكوادر للمهن التي تعتمد على معالجة بصرية دقيقة تحت ضغط الوقت والمشتتات؛ ومنها:
- الملاحة الجوية والطيارون: لقياس القدرة على قراءة العدادات والرموز المعقدة وسط بيئات طيران متغيرة وبصرية صعبة.
- أطباء الأشعة والجراحون: لتقييم الكفاءة في اكتشاف الأورام أو الآفات التشريحية الدقيقة المدمجة داخل أنسجة الجسم المتشابكة في صور الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية.
- محللو الاستخبارات البصرية والمراقبة: لتقييم مهارة رصد الأهداف والمنشآت المموهة بدقة عبر الصور الجوية والأقمار الاصطناعية.
- مهندسو التصميم المعماري والميكانيكي: لاختبار القدرة على قراءة المخططات الهندسية المعقدة وعزل المكونات الهيكلية المتراكبة بدقة وسرعة.
أما في الحقل التربوي والتعليمي، فيُستعان باختبار مرونة الإغلاق في برامج الكشف عن الموهوبين في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (STEM)، حيث تمثل هذه المرونة الإدراكية ركيزة للموهبة العلمية والتفكير المنطقي التفكيكي. وفي المقابل، يساعد الاختبار أخصائيي التربية الخاصة على رصد الطلاب الذين يعانون من صعوبات نوعية في الإدراك البصري المكاني، وتصميم خطط تدريبية موجهة لتحسين مهارات التمييز الإدراكي وعزل الأشكال الهندسية عن خلفياتها المشتتة.
المقارنة النقدية مع اختبارات الإدراك البصري الأخرى
تقتضي الإحاطة العلمية باختبار مرونة الإغلاق مقارنته بأدوات القياس المجاورة له في فضاء المعالجة البصرية المكانية. يبرز أولاً التشابه الوثيق مع اختبار الأشكال المضمنة (EFT) لهيرمان ويتكين؛ فبينما يركز اختبار ويتكين بصورة رئيسية على تشخيص الأسلوب المعرفي للشخصية (الاستقلال عن المجال) ويُطبق غالباً بصورة فردية تتطلب زمناً مفتوحاً لقياس وقت الحل، يُعد اختبار مرونة الإغلاق اختباراً نفسياً مقنناً للقدرة العقلية ويُطبق جماعياً أو فردياً في ظل قيود زمنية صارمة، ما يجعله أداة قياس أكثر ملاءمة للدراسات السيكومترية والاختيار المهني واسع النطاق.
وعند مقارنته باختبار الأشكال المخفية (Hidden Figures Test)، نجد تداخلاً مفاهيمياً كبيراً؛ إذ إن اختبار الأشكال المخفية يُعد في كثير من الأحيان تنويعة تطبيقية أو امتداداً لمبادئ ثيرستون ذاتها في قياس مرونة الإغلاق. ومع ذلك، يتميز اختبار مرونة الإغلاق بتدرج أكثر دقة في المعايير الهندسية للأشكال المتداخلة، وتنوع أشكال التمويه البصري المستخدمة، مما يقلل من احتمالية وصول المفحوص إلى الإجابة عن طريق التخمين أو الاعتماد المفرط على الحلول الجزئية العفوية.
وفي المقابل، يقف اختبار سرعة الإغلاق (مثل اختبار تكملة الصور أو اختبار الأشكال المجتزأة لجولين) على الطرف النقيض وظيفياً؛ ففي اختبار سرعة الإغلاق يُطلب من الفرد دمج المثيرات الجزئية والمفككة للوصول إلى كل منظم وواضح، في حين أن اختبار مرونة الإغلاق يتطلب كسر هذا التماسك الكلي واستخراج الجزء من الكل المركب. وتؤكد نتائج التحليل العاملي دوماً انفصال هذين البعدين في عوامل معرفية متمايزة، رغم انتمائهما المشترك لمظلة الإدراك المكاني البصري.
الخاتمة والتطلعات البحثية المستقبلية
يظل اختبار مرونة الإغلاق علامة فارقة في تاريخ علم النفس المعرفي وحركة القياس النفسي، مجسداً الجسر الواصل بين النظريات الإدراكية الكلاسيكية وعلم الأعصاب الوظيفي المعاصر. تُبرز هذه الأداة كيف يمكن لمهمة بصرية محددة أن تكشف عن أبعاد عميقة تتعلق بالمرونة الذهنية، وقوة التحكم التنفيذي، والقدرة على كبح التشويش الحسي في سبيل تحقيق الهدف المعرفي، وهو ما يفسر استمرار استخدام هذا المقياس على مدار عقود طويلة وتطويره الدائم لمواكبة متطلبات البحث والتشخيص المعاصر.
تتجه الأبحاث الحديثة نحو تطوير نسخ محوسبة ومكيفة تكيفاً حاسوبياً (Computerized Adaptive Testing – CAT) من الاختبار، ودمجها مع تقنيات تتبع حركة العين (Eye-Tracking) لتسجيل مسارات البحث البصري ونقاط التثبيت بدقة فائقة. كما تفتح تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) آفاقاً استثنائية لدراسة الشبكات العصبية المشاركة في عملية الإغلاق المرن بصورة حية، مما يعزز الفهم العلمي للطريقة التي يفكك بها الدماغ البشري تعقيدات العالم الخارجي ويستخلص منها المعاني الدقيقة بمرونة واقتدار.
المراجع
- Carroll, J. B. (1993). Human cognitive abilities: A survey of factor-analytic studies. Cambridge University Press.
- Ekstrom, R. B., French, J. W., Harman, H. H., & Dermen, D. (1976). Manual for kit of factor-referenced cognitive tests. Educational Testing Service.
- Happé, F., & Frith, U. (2006). The weak coherence account: Detail-focused cognitive style in autism spectrum disorders. Journal of Autism and Developmental Disorders, 36(1), 5-25.
- Schneider, W. J., & McGrew, K. S. (2018). The Cattell-Horn-Carroll theory of cognitive abilities. In D. P. Flanagan & E. M. McDonough (Eds.), Contemporary intellectual assessment: Theories, tests, and issues (4th ed., pp. 73-163). The Guilford Press.
- Thurstone, L. L. (1944). A factorial study of perception. University of Chicago Press.
- Witkin, H. A., Oltman, P. K., Raskin, E., & Karp, S. A. (1971). A manual for the Embedded Figures Tests. Consulting Psychologists Press.