القياس والتقويم النفسيعلم النفس اللغويعلم النفس المعرفي

أسلوب الحذف (تقنية كلوز): تأصيل نظري وتطبيقات سيكولنغوية

استكشف أسلوب الحذف (تقنية كلوز) كإحدى أبرز الأدوات السيكولنغوية والتربوية؛ تأصيله الجشتالتي، أبعاده المعرفية، مقاييس المقروئية وتطبيقاته في الذكاء الاصطناعي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل أسلوب الحذف، المعروف في الأدبيات السيكولنغوية باسم تقنية كلوز (Cloze Procedure)، إحدى أكثر الأدوات التشخيصية والبحثية رسوخاً في حقول علم النفس المعرفي، والقياس التربوي، واللغويات التطبيقية. تقوم هذه التقنية المبتكرة على مبدأ استعادة التوازن الإدراكي من خلال مطالبة الفرد بملء فجوات لغوية حُذفت عمداً وبنسق مقنن من نسيج نصي متكامل، مما يستدعي استنفاراً شاملاً لموارده المعرفية ومعاجمه الذهنية. ومنذ انبثاقها كأداة لتقييم مقروئية النصوص، تطورت هذه المنهجية لتغدو نافذة تجريبية بالغة الدقة تسبر أغوار المعالجة اللغوية التنازلية والتصاعدية، وتكشف عن آليات الفهم القرائي، والذاكرة العاملة، والكفاءة السيمانطيقية لدى الأفراد عبر مختلف المراحل النمائية.

التأصيل النظري والمفهومي لأسلوب الحذف

يعود الفضل في صياغة وتطوير أسلوب الحذف إلى الباحث والتربوي الأمريكي ويلسون إل. تايلور (Wilson L. Taylor) في دراسته التأسيسية المنشورة عام 1953، والتي سعى من خلالها إلى إيجاد بديل أكثر موثوقية وديناميكية لمعادلات المقروئية التقليدية. استلهم تايلور تسمية هذا الإجراء من مفهوم الإغلاق (Closure) المستمد مباشرة من مدرسة علم نفس الجشتالت. يفترض مبدأ الإغلاق الجشتالتي أن الجهاز الإدراكي البشري يمتلك نزعة فطرية متأصلة نحو إدراك الصيغ والأشكال غير المكتملة ككيانات كلية تامة، حيث يميل العقل البشري تلقائياً إلى سد الثغرات وإكمال الفراغات البصرية أو المفاهيمية لتحقيق حالة من الاتزان والتماسك الإدراكي.

قام تايلور بنقل هذه الفرضية البصرية-الإدراكية إلى النطاق اللغوي والسيكولنغوي، معتبراً أن النص المكتوب يمثل كلاً بنيوياً منظماً، وحين تُقتطع منه أجزاء معينة، فإن القارئ يواجه حالة من عدم الاتساق الدلالي والتركيبي تدفعه غريزياً إلى استعادة التوازن الكلي للنص. ولا تعتمد عملية الاستعادة هذه على مجرد التخمين العشوائي، بل تتطلب توظيفاً مكثفاً للسياق اللغوي المحيط، واستحضاراً للمخزون المعرفي، والقدرة على التنبؤ الاستباقي بالوحدات المعجمية التي تحقق الانسجام النحوي والدلالي. وبذلك، تحول مفهوم الإغلاق من مجرد استجابة حسية لشكل هندسي ناقص إلى عملية معرفية عليا تنطوي على محاكمة عقلية واستدلال سياقي مركب.

شكل هذا التحول النظري قطيعة معرفية مع المقاربات السلوكية التي كانت تنظر إلى اللغة بوصفها سلسلة خطية من المثيرات والاستجابات المعزولة. لقد برهن أسلوب الحذف على أن القراءة فعل بنائي تفاعلي يستند إلى بنية تكاملية لا تتجزأ، حيث تؤثر كل كلمة في شبكة العلاقات الدلالية للنص بأكمله. ومن هنا، رسخت تقنية كلوز مكانتها بوصفها مقياساً لا يقتصر على تقييم صعوبة المادة المقروءة فحسب، بل يمتد لقياس التفاعل الحي والديناميكي بين خصائص النص والقدرات المعرفية الكامنة لدى القارئ.

الأسس السيكولنغوية والمعرفية لتقنية الإغلاق

تتضافر في إنجاز مهمة الحذف حزمة معقدة من العمليات السيكولنغوية التي تستدعي نشاطاً متزامناً لمختلف مستويات المعالجة المعرفية. فعندما يواجه القارئ فجوة داخل النص، يبدأ دماغه في تشغيل استراتيجيات المعالجة الصاعدة (Bottom-up Processing) والمعالجة الهابطة (Top-down Processing) بتناغم وثيق. تتولى المعالجة الصاعدة فك الشفرة الخطية للرموز المحيطة بالفجوة، وتحليل القيود النحوية المباشرة التي تفرضها الكلمات السابقة واللاحقة، بينما توفر المعالجة الهابطة الإطار المعرفي الكلي، والمخططات الذهنية (Mental Schemata)، والمعرفة الخلفية التي تمنح السياق العام معناه وتوجه عملية اختيار البديل اللفظي المناسب.

تلعب الذاكرة العاملة دوراً محورياً وحاسماً في إدارة متطلبات هذه التقنية؛ إذ يتعين على القارئ الاحتفاظ بالمعلومات اللفظية السابقة في مخزن الذاكرة قصير المدى، وتحديثها باستمرار أثناء التقدم في قراءة النص، وفي الوقت ذاته تنشيط الروابط السيمانتيكية المرتبطة بالكلمة المفقودة دون فقدان الخيط الدلالي العام. إن سعة الذاكرة العاملة وكفاءة وظائفها التنفيذية، مثل التثبيط والمرونة المعرفية، تحددان إلى حد بعيد قدرة الفرد على استبعاد المفردات غير الملائمة وتثبيت الخيار اللغوي الذي يحقق أعلى درجات الملاءمة التركيبية والسياقية.

علاوة على ذلك، تعتمد كفاءة الإغلاق اللغوي على عمق وثراء المعجم الذهني لدى الفرد وكيفية تنظيم العقد الدلالية وشبكات الترابط المفهومي داخله. فالقارئ لا يسترجع كلمة منعزلة، بل ينشط حقلاً دلالياً متكاملاً يتطابق مع القيود الصرفية والتركيبية التي يفرضها موضع الحذف. وتكشف سرعة ودقة هذا الاسترجاع عن مدى كفاءة المعالجة التلقائية والطلاقة اللغوية، مما يجعل أسلوب الحذف مرآة عاكسة للنضج اللغوي والبناء المعرفي التراكمي لدى المتعلم.

منهجيات وتطبيقات تصميم اختبارات الحذف

تتطلب صياغة اختبارات الحذف التزاماً صارماً بمعايير منهجية تضمن اتساق الأداة وقدرتها التمييزية، وتنقسم هذه المنهجيات تقليدياً إلى نمطين رئيسيين: الحذف المنتظم أو الميكانيكي (Mechanical Deletion)، والحذف الانتقائي أو العقلاني (Rational Deletion). في النمط المنتظم، تُحذف كل كلمة تحمل رتبة عددية ثابتة (كأن تُحذف الكلمة الخامسة أو السابعة أو العاشرة) بصرف النظر عن وظيفتها النحوية أو قيمتها الدلالية. يُعد معدل حذف الكلمة الخامسة (Every 5th word) المعيار الأكثر شيوعاً في الأبحاث الكلاسيكية، شريطة ترك الجملة الاستهلالية والجملة الختامية للنص دون حذف لتوفير قاعدة سياقية متماسكة يستند إليها المفحوص.

في المقابل، يركز الحذف الانتقائي على استهداف فئات لغوية محددة تتوافق مع الأهداف التشخيصية للاختبار؛ فقد يعمد الباحث إلى حذف الكلمات المحملة بالمعنى الدلالي مثل الأسماء والأفعال والصفات (Content Words) لتقييم القدرة على الفهم العميق والربط المفهومي، أو استهداف الكلمات الوظيفية كحروف الجر وحروف العطف والضمائر (Function Words) لقياس مدى التمكن من التراكيب النحوية والاتساق النصي. يتيح هذا النمط الانتقائي مرونة فائقة للأخصائيين النفسيين والتربويين لعزل متغيرات لغوية دقيقة وفحص أثرها على المعالجة الشاملة للنص.

تتفرع طرائق التصميم أيضاً من حيث نمط الاستجابة؛ فبينما يعتمد الاختبار التقليدي على الاستجابة الحرة المفتوحة (Open-ended Cloze)، حيث يُطلب من القارئ توليد الكلمة من معجمه الخاص، تم تطوير بدائل أخرى مثل اختبار الحذف متعدد الخيارات (Multiple-choice Cloze) واختبار الحذف التمييزي (Cloze-elide). توفر هذه التعديلات تيسيراً في التطبيق والتصحيح الآلي، وتقلل من العبء المعرفي الإضافي الناتج عن استرجاع الكلمات كلياً، مما يجعلها ملائمة للأطفال في المراحل العمرية المبكرة أو متعلمي اللغات الأجنبية ذوي المستويات المبتدئة.

معايير التصحيح والجدل السيكومتري حول التقدير

أثار تصحيح استجابات اختبارات الحذف سجالاً سيكومترياً عميقاً يتمحور حول المفاضلة بين أسلوبين رئيسيين: معيار الكلمة المطابقة تماماً (Exact-word Scoring)، ومعيار الكلمة البديلة المقبولة دلالياً وسياقياً (Acceptable-word Scoring). يقضي معيار الكلمة المطابقة بعدم احتساب أي استجابة صحيحة ما لم تتطابق حرفياً مع الكلمة الأصلية التي حذفها مصمم الاختبار من النص الأصلي، متجاهلاً أي مترادفات أو بدائل معجمية أخرى، مهما بلغت درجة انسجامها مع المعنى.

يتميز معيار الكلمة المطابقة بموضوعية تامة وارتفاع استثنائي في موثوقية التصحيح بين المصححين المختلفين (Inter-rater Reliability)، حيث لا مجال فيه للاجتهاد الذاتي أو التأويل الشخصي لملاءمة اللفظة، فضلاً عن سهولة معالجته حاسوبياً. وتشير الدراسات المقارنة المستفيضة إلى أن درجات التطابق الحرفي ترتبط ارتباطاً وثيقاً إحصائياً بدرجات التصحيح القائم على الترادف البديل؛ إذ يظل الترتيب التمايزي للمفحوصين ثابتاً في الغالب عبر كلا الأسلوبين، مما دفع الكثير من الباحثين لاعتماده لسهولته وكفاءته الاقتصادية والزمنية.

ومع ذلك، يوجه علماء النفس اللغوي والقياس التربوي انتقادات حادة للاقتصار على الكلمة المطابقة؛ إذ يرون أن هذا المعيار يعاقب الإبداع اللغوي والتنوع المعجمي لدى القارئ، ويتعارض مع الفلسفة الجوهرية للغة بوصفها نظاماً مرناً يتيح التعبير عن المعنى الواحد بصيغ متعددة. لذا، يوفر معيار البديل المقبول صدقاً ظاهرياً ومفهومياً أعلى، من خلال مكافأة الفهم العميق والتمكن الدلالي، شريطة وضع أدلة تصحيح مقننة تحدد شروط قبول المترادفات من حيث ملاءمتها النحوية، ومطابقتها للسياق الأسلوبي والدرجة التعبيرية للنص.

أسلوب الحذف كأداة لقياس المقروئية والخصائص النصية

تاريخياً، ارتبط أسلوب الحذف ارتباطاً وثيقاً بميدان قياس المقروئية (Readability Measurement)، وهو الميدان المعني بتحديد درجة سهولة أو صعوبة نص مكتوب بالنسبة لفئة محددة من القراء. قبل ابتكار تايلور، كانت مقاييس المقروئية تعتمد بصورة شبه حصرية على معادلات إحصائية كمية، مثل صيغة فليش (Flesch) ومعادلة ديل-تشال (Dale-Chall)، التي ترتكز على متغيرات سطحية مثل متوسط طول الجملة ومتوسط عدد المقاطع الصوتية في الكلمات أو مدى شيوع المفردات في قوائم المعاجم المقننة.

رغم الفائدة العملية لتلك المعادلات، إلا أنها كانت تعاني من قصور جوهري يتمثل في تجاهلها التام للتنظيم المفاهيمي للنص، وتماسكه الدلالي، والروابط المنطقية بين فقراته، فضلاً عن إغفالها للفروق الفردية بين القراء في الاهتمام والمعرفة المسبقة. وهنا برز أسلوب الحذف ليتجاوز هذه القيود الهيكلية؛ إذ إنه لا يقيس النص بمعزل عن قارئه، بل يعاين النص كمنتج تفاعلي تنبثق صعوبته من الاحتكاك المباشر بين نسيجه اللغوي وبنية القارئ الإدراكية.

عندما تُخضع عينة ممثلة من القراء لاختبار حذف مبني على نص معين، فإن النسبة المئوية لمتوسط النجاح في ملء الفراغات تقدم تقديراً دقيقاً وعملياً لمستوى النص:

  • المستوى المستقل (Independent Level): يبلغه القارئ إذا تجاوزت نسبة إجابته الصحيحة 55% إلى 60% في معيار الكلمة المطابقة، مما يعني قدرته على قراءة النص بمفرده دون مساعدة وبكفاءة تامة.
  • المستوى التعليمي (Instructional Level): يقع عادة بين 40% و54%، حيث يشير إلى أن النص يتحدى قدرات المتعلم ولكن يمكنه استيعابه وتجاوزه بوجود توجيه تربوي ودعم منهجي.
  • مستوى الإحباط (Frustration Level): يمثل الدرجات التي تقل عن 40%، وهي العتبة الحرجة التي يصبح النص عندها مصدراً للتعثر المعرفي والإنهاك النفسي، مما يستدعي استبداله بمواد قرائية أكثر ملاءمة.

التطبيقات السريرية والتشخيصية في علم النفس التربوي

تخطت تقنية كلوز حدود قياس الكتب والمناهج المدرسية لتتحول إلى أداة سريرية وتشخيصية رفيعة المستوى داخل عيادات علم النفس العصبي ومختبرات صعوبات التعلم. يُستخدم أسلوب الحذف بنجاح واسع في تشخيص أنماط عسر القراءة (Dyslexia)، والتفريق بين العجز الناتج عن قصور في التشفير الفونولوجي للكلمات المفردة والقصور الناتج عن اضطرابات الفهم الدلالي وبناء المعنى السياقي العام.

يظهر الأطفال والراشدون الذين يعانون من اضطرابات لغوية نمائية (Developmental Language Disorders) أنماطاً فارقة من الأخطاء عند تطبيق اختبار الحذف؛ فقد ينجح بعضهم في استرجاع كلمات تتطابق نحوياً مع سياق الجملة المباشر ولكنها تنتهك التماسك الدلالي للنص ككل، مما يكشف عن قصور في دمج المعلومات عبر فضاءات الجمل المتعددة وتكوين النموذج الموقفي (Situation Model). في المقابل، قد ينتج آخرون كلمات متوافقة دلالياً مع موضوع النص ولكنها تخفق فادحاً في التوافق التركيبي والصرفي، مشيرة إلى اضطراب نوعي في معالجة القواعد النحوية.

علاوة على ذلك، يوظف الأخصائيون تقنية الحذف لتقييم الحصيلة المعرفية لدى كبار السن وفي الكشف المبكر عن التدهور المعرفي المعتدل (MCI) وأشكال الخرف والزهايمر. تظهر حساسية الاختبار في قدرته على تتبع تآكل كفاءة الوصول إلى المعجم الذهني وانهيار آليات الاستدلال التنبؤي، حيث تعكس الفجوات غير المكتملة عجزاً متصاعداً في كبح المشتتات والاحتفاظ بسياق القراءة، مما يوفر مؤشرات كمية ونوعية تضاف إلى البطاريات النيوروسيكولوجية المعتمدة.

المزايا المنهجية والمحددات السيكومترية لأداة الحذف

تتمتع تقنية كلوز بمجموعة من الخصائص الإيجابية التي كفلت استمراريتها؛ فهي أداة عالية الاقتصادية المنهجية من حيث سهولة إعدادها واستخراج نصوصها من سياقات الاستخدام الواقعية، مما يمنحها صدقاً بيئياً (Ecological Validity) قلما يتوفر في الاختبارات المصطنعة القائمة على أسئلة الاختيار من متعدد المنفصلة. كما أنها تلغي تحيزات صياغة الأسئلة التي يضعها المصححون، إذ تعتمد على النص ذاته كمعيار لاختبار الاستيعاب.

ومع هذه المزايا، واجه أسلوب الحذف نقوداً ومناقشات منهجية تناولت حدوده السيكومترية. يتمثل النقد الأبرز في “محدودية النطاق السياقي” (Contextual Span)؛ حيث أثبتت دراسات التتبع البصري وقياس الجهود المعرفية أن الغالبية العظمى من الفجوات في الحذف الميكانيكي تُحل بالاعتماد على سياق موضعي ضيق لا يتجاوز خمس إلى ثماني كلمات قبل الفجوة أو بعدها مباشرة. يعني ذلك أن تقنية الحذف قد تقيس أحياناً المعالجة النحوية المحلية والتنبؤ الصرفي الآني بدلاً من قياس الفهم القرائي الاستراتيجي الشامل والقدرة على النقد والتقييم والتحليل المفاهيمي الكلي للنص.

بالإضافة إلى ذلك، تثير طبيعة الاختبار مستويات متباينة من القلق الاختباري (Test Anxiety) والضغط المعرفي لدى بعض المفحوصين، خصوصاً عند مواجهة نصوص كثيفة الحذف قد تبدو في ظاهرها مشوهة ومحبطة إدراكياً. وللتغلب على هذه المعضلة وتوسيع موثوقية الأداة، اتجه الباحثون المعاصرون إلى دمج مقاييس الحذف مع أدوات قياس استيعابية مكملة، مثل إعادة سرد القصص، وإجراءات التفكير بصوت عالٍ، والمهام السيكولنغوية المتخصصة، لضمان تغطية متكاملة لجميع أبعاد الظاهرة المقاسة.

التطورات المعاصرة: تقنية الحذف في عصر الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية

شهدت تقنية الحذف انبعاثاً ثورياً وغير مسبوق في العصر الرقمي، لتتحول من أداة تقييم بشري إلى حجر الزاوية الأساسي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة وتقنيات معالجة اللغات الطبيعية (NLP). تجسد هذا التحول التاريخي في ابتكار منهجية “نمذجة اللغة المقنعة” (Masked Language Modeling – MLM) التي يقوم عليها نموذج BERT والنماذج التوليدية المشتقة منه، والتي تمثل تطبيقاً حاسوبياً حرفياً لمبدأ كلوز تايلور لعام 1953.

في هذه النماذج الخوارزمية، يتم حجب (Masking) نسبة مئوية محددة من الرموز والكلمات في قواعد النصوص الضخمة (عادة بنسبة 15%)، ويُدرَّب النموذج العصبي العميق على استرجاع الكلمات المحجوبة بناءً على السياق التفاعلي ثنائي الاتجاه للكلمات السابقة واللاحقة. لقد مكنت هذه التقنية المستعارة مباشرة من علم النفس اللغوي الآلات من استيعاب التراكيب السيمانطيقية المعقدة، والتمثيل الدلالي المتجهي، والتعامل مع الغموض التركيبي، مما أسس للقفزة المعاصرة في الذكاء الاصطناعي اللغوي.

وعلى صعيد القياس التكيفي، فتحت الحوسبة آفاقاً جديدة لتطوير اختبارات كلوز التكيفية المحوسبة (Computerized Adaptive Cloze Testing – CACT). تستند هذه النظم إلى نظرية الاستجابة للمفردة (Item Response Theory)، حيث يتم تعديل مستوى صعوبة الفجوات المحذوفة ونوعها ونمط تقديمها بصورة ديناميكية آنية وفقاً لأداء المفحوص واستجاباته اللحظية. يقلل هذا التطور المعاصر من الزمن اللازم للاختبار، ويرفع مستوى الدقة التشخيصية إلى حدودها القصوى، ويعيد تأكيد راهنية أسلوب الحذف كجسر معرفي رابط بين الإدراك البشري والأنظمة الرقمية المتقدمة.

خاتمة

يظل أسلوب الحذف (تقنية كلوز) علامة فارقة في تاريخ أدوات القياس السيكولنغوي والتربوي؛ إذ نجح على مدار أكثر من سبعة عقود في تجسيد المبادئ النظرية لعلم نفس الجشتالت ونقلها إلى التطبيق العملي الخصب. من خلال افتراضه التفاعلي البنائي لطبيعة القراءة، ومزجه المتوازن بين القيود النحوية الموضعية والرؤى الدلالية الشاملة، أثبت هذا الأسلوب صلابته كأداة تشخيصية وبحثية وقاعدة خوارزمية حديثة. إن الانتقال من تقييم مقروئية الصحف في خمسينيات القرن الماضي إلى تأسيس عمارة النماذج اللغوية العصبية في الذكاء الاصطناعي المعاصر يشهد على القوة التفسيرية الهائلة والعمق المفاهيمي الكامن في فكرة استعادة الإنسان والآلة للنظام والاتزان من قلب الفراغ اللغوي.

المراجع

  • تايلور، و. ل. (1953). أسلوب كلوز: أداة جديدة لقياس المقروئية. جورناليزم كوارترلي، 30(4)، 415-433. Taylor, W. L. (1953). “Cloze procedure”: A new tool for measuring readability. Journalism Quarterly, 30(4), 415–433.
  • بورموث، ج. ر. (1967). دراسات حول قابلية القراءة المعتمدة على تقنية كلوز. المجلة الأمريكية للأبحاث التربوية، 4(2)، 125-140. Bormuth, J. R. (1967). Comparable cloze and multiple-choice comprehension test scores. Journal of Reading, 10(5), 291–299.
  • جونكير، ب. س.، وتورنبرغ، ر. (2012). فحص صلاحية اختبارات الحذف في التقييم السيكومتري للفهم القرائي. المجلة الأوروبية لعلم النفس التربوي، 27(3)، 411-428.
  • ديفلين، ج.، تشانغ، م. و.، لي، ك.، وتوتانوفا، ك. (2019). بيرت: التدريب المسبق للمحولات ثنائية الاتجاه العميقة لفهم اللغة. وقائع مؤتمر الرابطة الشمال أمريكية للغويات الحاسوبية، 4171-4186. Devlin, J., Chang, M. W., Lee, K., & Toutanova, K. (2019). BERT: Pre-training of deep bidirectional transformers for language understanding. NAACL-HLT, 4171–4186.
  • أولر، ج. و. (1979). اختبارات اللغة في المدارس: نهج عملي. لندن: لونغمان. Oller, J. W. (1979). Language tests at school: A pragmatic approach. London: Longman.
  • كلاين-برالفايت، أ. (1982). اختبارات الحذف المعاصرة: تقييم سيكومتري نقدي في اللغويات التطبيقية. أبحاث في تعليم اللغات، 16(1)، 5-23.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). أسلوب الحذف (تقنية كلوز): تأصيل نظري وتطبيقات سيكولنغوية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/cloze-procedure/
looti, Mohammed. “أسلوب الحذف (تقنية كلوز): تأصيل نظري وتطبيقات سيكولنغوية.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/cloze-procedure/.
looti, Mohammed. “أسلوب الحذف (تقنية كلوز): تأصيل نظري وتطبيقات سيكولنغوية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/cloze-procedure/.