يمثل معامل التوافق (Contingency Coefficient)، الذي صاغه وطوره عالم الإحصاء البريطاني الشهير كارل بيرسون (Karl Pearson)، إحدى الدعامات الإحصائية غير المعلمية الجوهرية المستخدمة لتقدير درجة الاقتران والارتباط بين متغيرين كيفيين أو اسميين. وتتجلى الأهمية السيكومترية والمنهجية لهذا المعامل في قدرته على تكميم العلاقات الارتباطية المعقدة في جداول التصنيف المتقاطع (جداول الاقتران)، والتي تفتقر بياناتها إلى خصائص التوزيع الطبيعي والقياس الفتري أو النسبي. يسعى هذا المدخل المعجمي المفصل إلى تشريح المرتكزات الرياضية والابستمولوجية لمعامل التوافق، وتوضيح استخداماته النوعية في مجالات التشخيص النفسي، القياس السلوكي، وبحوث الشخصية، فضلاً عن مناقشة محدداته الرياضية ومقارنته بالمقاييس الإحصائية الموازية.
التعريف المعجمي والمفهوم السيكومتري لمعامل التوافق
يُعرَّف معامل التوافق، ويُرمز له إحصائياً بالحرف اللاتيني (C)، بأنه مقياس كمي غير نسبي يُستخدم لتقدير قوة العلاقة أو درجة الترابط بين متغيرين يتم قياسهما على مقياس اسمي (Nominal Scale) ضمن جدول اقتران ثنائي البُعد يتجاوز في تصنيفاته النموذج البسيط المعتاد (2×2). وفي سياق علم النفس الكمي والقياس النفسي، يعد هذا المعامل بمثابة تحوير رياضي مباشر لقيمة إحصاء مربع كاي (Chi-Square) للاستقلال، حيث يستهدف تحويل دلالة الفروق بين التكرارات الملاحظة والمتوقعة إلى مقياس معياري يعكس حجم الأثر وشدة الاقتران النمطي بين الفئات المدروسة.
تكمن الطبيعة السيكومترية للمعامل في أنه يتعامل مع البيانات النفسية التي لا تتبع مدرجات القياس المتصلة، مثل تصنيفات الاضطرابات النفسية المندرجة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، أو الأنماط المزاجية، أو الانتماءات الاجتماعية والديموغرافية المرتبطة بالسلوك الإنساني. فعندما يرغب الباحث السيكولوجي في معرفة ما إذا كان هناك اقتران دال بين “النوع الفرعي للاكتئاب” (اكتئاب نمطي، غير نمطي، ذهاني) وبين “نمط الاستجابة للعلاج النفسي” (استجابة كاملة، جزئية، منعدمة)، فإن البيانات هنا تفرض نفسها كمتغيرات فئوية متعددة المستويات، مما يجعل تطبيق معاملات الارتباط الخطية التقليدية مثل معامل ارتباط بيرسون للرتب أو العزوم أمراً غير دقيق رياضياً ومخالفاً لافتراضات القياس القياسي.
إضافة إلى ذلك، يلعب معامل التوافق دوراً بنيوياً في التحقق من صدق البناء وصدق المحتوى للأدوات التشخيصية والاستبيانات السيكولوجية ذات الاستجابات النوعية. إنه يوفر مؤشراً وصفياً كمياً يقع عادة بين الصفر، الذي يدل على الاستقلال التام وانعدام أي توافق بين التصنيفات النفسية، وقيمة حدية عليا تقترب من الواحد الصحيح ولكنها لا تبلغه تماماً لأسباب بنيوية تتعلق برتبة الجدول ومصفوفة البيانات، وهو ما يستدعي دائماً تدقيقاً منهجياً وحسابات تصحيحية متقدمة لفهم دلالة المعامل بالصورة العلمية الصحيحة.
السياق التاريخي والنشأة الإحصائية: إسهامات كارل بيرسون والجدل مع يول
نشأ مفهوم معامل التوافق في مطلع القرن العشرين في خضم الثورة البيومترية والإحصائية التي قادها كارل بيرسون في مختبر فرانسيس غالتون بجامعة لندن. كان بيرسون مدفوعاً بهاجس إيجاد أدوات رياضية قادرة على اختبار نظريات التطور والانتقال الوراثي للسمات البيولوجية والنفسية، خاصة تلك السمات التي لا يمكن قياسها في صورة كميات متصلة سهلة الرصد وإنما تتجلى في صور أوصاف كيفية وسمات فئوية مركبة كالألوان والأنماط السلوكية والطباع البشرية.
في عام 1904، نشر بيرسون دراسته التأسيسية التي طرح فيها نظرية التوافق والاقتران الإحصائي، محاولاً جسر الهوة بين التوزيعات الاحتمالية المتصلة (مثل التوزيع الطبيعي ثنائي المتغير) وجداول البيانات المتقاطعة المنفصلة. رأى بيرسون أن أي جدول توافق فئوي يخفي خلفه في الأصل متغيراً نفسياً أو فيزيولوجياً كامناً يتسم بالاستمرارية والتوزيع الطبيعي، وأن التقسيمات الفئوية ليست سوى عتبات اصطناعية وضعها الباحث أو فرضتها طبيعة أدوات الجمع اليدوية، ومن ثم هدف معامل التوافق إلى استرجاع القيمة التقريبية لمعامل الارتباط الكامن من خلال الترددات الملاحظة.
أشعلت هذه الرؤية جدلاً ابستمولوجياً وإحصائياً حاداً استمر لسنوات بين بيرسون والإحصائي البارز جورج أودني يول (George Udny Yule). كان يول يتبنى موقفاً عملياً يرى فيه أن الفئات الاسمية والنوعية تمثل حقائق واقعية قائمة بذاتها، ولا ينبغي افتراض متغير كامن متصل يكمن خلفها، وقام يول بتطوير مقاييسه الخاصة مثل معامل اقتران يول (Yule’s Q) ومعامل ارتباط فاي للجداول البسيطة. أسهم هذا الصراع العلمي الخصب في صقل الأساس الرياضي لمعامل التوافق لبيرسون، حيث ثبُتت فائدته في استيعاب الجداول الأكبر حجماً التي تتضمن أبعاداً معقدة تفوق نسق (2×2)، ليصبح من وقتها ركيزة معيارية للتحليل الاستدلالي في العلوم الاجتماعية والسيكولوجية المتنامية.
الأسس الرياضية والصيغة الحسابية لمعامل التوافق
يرتكز الحساب الرياضي لمعامل التوافق بصورة جوهرية على القيمة الإحصائية الناتجة عن اختبار الاستقلال لمربع كاي (χ²). يبدأ التحليل بتنظيم البيانات المرصودة في جدول اقتران مكون من (r) من الصفوف و (c) من الأعمدة، حيث تمثل كل خلية تكراراً مشاهداً (O) يتطابق مع تلاقي فئة معينة من المتغير الأول مع فئة محددة من المتغير الثاني، بينما يتم احتساب التكرارات المتوقعة نظرياً (E) في حالة افتراض استقلال المتغيرين تماماً عن بعضهما البعض.
تُحسب قيمة مربع كاي أولاً وفق المعادلة الإحصائية التقليدية:
χ² = Σ [(O – E)² / E]
حيث يمثل الرمز (Σ) المجموع الكلي للانحرافات التربيعية عبر جميع خلايا الجدول مقسومة على التكرار المتوقع لكل خلية. وبمجرد استخراج هذه القيمة التوزيعية، يُستخرج معامل التوافق (C) من خلال إدراج القيمة المحسوبة لمربع كاي إلى جانب حجم العينة الكلي (N) في الصيغة الجذرية الآتية:
C = √ [ χ² / (χ² + N) ]
يكشف الفحص الدقيق لهذه الصيغة الرياضية عن براعة بيرسون في تصميم مقياس يعمل على تقييد القيمة المتضخمة المحتملة لمربع كاي؛ إذ إنه كلما زاد حجم العينة (N)، زادت قيمة مربع كاي طردياً حتى وإن كانت قوة العلاقة الواقعية بين المتغيرين ضعيفة، مما يجعل مربع كاي وحده دالاً على وجود ارتباط من الناحية الإحصائية لكنه عاجز عن تحديد حجم هذا الارتباط. يعمل معامل التوافق على إبطال هذا التأثير التضخمي لقوة العينة عبر وضع قيمة (χ² + N) في المقام تحت الجذر التربيعي، مما يولد مقياساً نسبياً يعبر عن القوة الفعلية للارتباط مجردة من الانحياز العيني المطلق.
الخصائص السيكومترية والمحددات الرياضية للمعامل
يتسم معامل التوافق بمجموعة من الخصائص المنهجية التي ينبغي على الباحث في العلوم السلوكية والنفسية الإلمام بها لتجنب الوقوع في أخطاء التفسير القياسي. أولى هذه الخصائص هي خاصية اللاتناظر والحد الأعلى غير المكتمل. في المقاييس الإحصائية المعتادة مثل معامل ارتباط بيرسون أو سبيرمان، يتراوح المعامل عادة بين (+1.0) للارتباط التام الموجب و (-1.0) للارتباط التام السالب، مروراً بالصفر لانعدام العلاقة. أما معامل التوافق، فهو لا يحمل إشارات سالبة على الإطلاق؛ إذ تعبر قيمه دائماً عن كميات موجبة تقع بين الصفر وحد أقصى نظري يقل حتماً عن الواحد الصحيح.
يعتمد الحد الأعلى الذي يمكن أن يصل إليه معامل التوافق (C_max) على عدد الفئات المصنفة ضمن جدول الاقتران؛ ففي الجداول المربعة المتناظرة التي تتطابق فيها أبعاد الصفوف والأعمدة (k × k)، يتم احتساب الحد الأقصى الرياضي للمعامل بواسطة الصيغة:
C_max = √ [ (k – 1) / k ]
بناءً على هذه القاعدة الرياضية، إذا كان الجدول المستخدم مربعاً وبحجم (2×2)، فإن الحد الأقصى النظري الذي يمكن أن يسجله المعامل حتى في حالة الارتباط الكامل بين المتغيرين هو:
C_max = √ [ (2 – 1) / 2 ] = √ (1/2) ≈ 0.707
بينما إذا اتسع الجدول ليصبح (3×3)، فإن الحد الأقصى يرتفع إلى:
C_max = √ [ (3 – 1) / 3 ] = √ (2/3) ≈ 0.816
وفي جدول (4×4) يصل إلى نحو (0.866)، ولا يقترب بصورة قريبة جداً من الواحد إلا عندما تصبح أبعاد المصفوفة ضخمة للغاية (مثلاً 10×10 فأكثر). تفرض هذه الظاهرة الرياضية على علماء النفس التحليلي ضرورة عدم تفسير قيمة (C = 0.60) في جدول (2×2) على أنها ارتباط متوسط كما هو شائع في معامل بيرسون، بل إنها في الواقع تمثل ارتباطاً شديد القوة يقترب من السقف الرياضي الأقصى المتاح للاختبار.
ولمعالجة هذا القصور المنهجي، يلجأ الباحثون المتقدمون في سيكولوجيا القياس إلى تطبيق ما يُعرف باسم معامل التوافق المصحح (Corrected Contingency Coefficient)، ويُرمز له بـ (C_adj)، والذي يُحسب عن طريق قسمة معامل التوافق الخام على حده الأقصى للجدول المعني:
C_adj = C / C_max
تتيح هذه العملية الحسابية تسوية المقياس ليتدرج مجدداً ضمن المدى المعياري المألوف من (0 إلى 1)، الأمر الذي يمنح المحلل النفسي القدرة على مقارنة نتائج الارتباط المستخرجة من عينات ودراسات تتفاوت في تصنيفاتها ومستويات جداولها الاقترانية.
التطبيقات العملية في القياس النفسي والعلوم السلوكية
تتعدد مجالات توظيف معامل التوافق في الأبحاث السيكولوجية والتطبيقات العيادية المتخصصة، حيث تشكل المتغيرات الاسمية والترتيبية غير المعلمية الشريحة الأكبر من بيانات التشخيص والتقييم السلوكي. ومن أبرز تلك المجالات:
- أبحاث التشخيص النفسي والطب النفسي المقارن: يُستخدم المعامل لتقييم مدى توافق الأنظمة التشخيصية المختلفة، مثل مقارنة التوافق الفئوي لتشخيص اضطرابات المزاج الناتجة عن تطبيق الدليل التشخيصي (DSM-5) في مقابل التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، مما يلقي الضوء على الموثوقية التوافقية للمحكات الإكلينيكية المعاصرة.
- دراسات الاتساق بين الملاحظين (Inter-Rater Reliability): عند تقييم درجات الاتفاق بين مجموعة من الفاحصين أو الأطباء النفسيين الذين يقومون بتصنيف السلوك العدواني لدى عينة من الأطفال إلى فئات كيفية (عدوان لفظي، عدوان جسدي، عدوان علائقي، لا يوجد عدوان)، يوفر معامل التوافق وسيلة موثوقة لحساب التباين المشترك في التقديرات السريرية.
- أبحاث علم النفس الاجتماعي والاتجاهات: يتيح المعامل رصد الارتباطات القائمة بين المتغيرات الديموغرافية الاسمية (مثل الانتماء العرقي، أو التفضيل السياسي، أو النوع الاجتماعي) وبين الأنماط السلوكية المحددة، كالمواقف المتباينة تجاه قضايا الصحة النفسية والاستعداد لطلب الاستشارة النفسية التخصصية.
- تقييم برامج التدخل والعلاج النفسي: يُطبق المعامل في دراسة العلاقة بين نوع التدخل العلاجي المقدم (علاج معرفي سلوكي، علاج تحليلي، علاج دوائي) ومسارات الشفاء المصنفة كيفياً (تحسن سريع، تحسن تدريجي، ثبات الحالة، انتكاس).
تسهم هذه التطبيقات في تمكين المختصين من بناء نماذج سببية وتفسيرية أولية، تمهد الطريق لتطبيق تحليلات أكثر تعقيداً مثل الانحدار اللوجستي والنماذج الخطية المعممة، مع الحفاظ على البساطة التفسيرية للارتباطات المباشرة بين المتغيرات.
المقارنة النقدية مع مقاييس الاقتران والارتباط الأخرى
لضمان الاختيار الإحصائي السليم في التصاميم البحثية السيكولوجية، تبرز الحاجة إلى تفنيد الفروق الفاصلة بين معامل التوافق ونظرائه من مقاييس الاقتران الإحصائي اللامعلمية والمعلمية. تتناول النقاط الآتية تفصيلاً تحليلياً لهذه المقارنات المنهجية:
1. مقارنة معامل التوافق مع معامل فاي (Phi Coefficient)
يعد معامل فاي (φ) حالة خاصة بالغة التحديد من مقاييس الارتباط المشتقة من مربع كاي، إذ إنه مخصص حصرياً للجداول من نوع (2×2) التي تتضمن متغيرين ثنائيي التفريع (Dichotomous Variables). وعلى خلاف معامل فاي الذي يمكن أن تتجاوز قيمته الواحد الصحيح إذا ما طُبق خطأً على جداول أكبر حجماً، يتميز معامل التوافق بقدرته الرياضية المرنة على التعامل مع الجداول الأكبر حجماً مثل (3×3) و (4×5) دون أن ينهار تركيبه الرياضي الداخلي. ومع ذلك، يظل معامل فاي متفوقاً في الجداول البسيطة (2×2) لكونه يمتلك إمكانية الامتداد حتى القيمة القصوى المطلقة (1.0)، ولدلالته المباشرة كحالة تطابق مع معامل ارتباط بيرسون الثنائي.
2. مقارنة معامل التوافق مع معامل في لكريمر (Cramer’s V)
ابتكر عالم الرياضيات هارالد كريمر (Harald Cramér) مقياسه الشهير لتفادي مشكلة “الحد الأعلى المتغير” التي يعاني منها معامل التوافق لبيرسون. يعتمد معامل (Cramer’s V) على قسمة مربع كاي على حاصل ضرب حجم العينة في القيمة الدنيا لعدد الصفوف أو الأعمدة منقوصاً منها واحد:
V = √ [ χ² / (N × min(r – 1, c – 1)) ]
يتيح هذا التعديل البارع لمعامل كريمر أن يصل دائماً إلى القيمة القصوى (1.0) بغض النظر عن عدد مستويات أو أبعاد الجدول المتقاطع، وسواء كان الجدول متناظراً أم غير متناظر (مثل جداول 3×5). لهذا السبب، يُفضل الكثير من علماء القياس المعاصرين استخدام معامل (Cramer’s V) كبديل أكثر اتساقاً من معامل التوافق في التقارير الإحصائية الموجهة للمجلات العلمية المحكمة ذات التأثير المرتفع.
3. مقارنة معامل التوافق مع معامل تشوبرو (Tschuprow’s T)
يمثل معامل ألكسندر تشوبرو (Tschuprow’s T) محاولة إحصائية وسيطة أخرى لمعايرة علاقات التوافق في الجداول الكيفية. ومع أن معامل تشوبرو يتمتع بخصائص تقترب من معامل كريمر، إلا أنه يعاني من عيب هيكلي يظهر عند تطبيقه على الجداول غير المتناظرة المستطيلة (r ≠ c)، حيث يعجز عن بلوغ القيمة (1.0) إلا إذا كانت أبعاد المصفوفة مربعة تماماً. وفي هذا السياق، يتشابه معامل تشوبرو مع معامل التوافق لبيرسون في خضوعه لقيود هندسية المصفوفة، مما يمنح معامل كريمر أفضلية نسبية عليهما في التطبيقات المرنة.
القيود المنهجية والمشكلات التفسيرية
على الرغم من الانتشار الواسع لمعامل التوافق لبيرسون وتاريخه العريق، إلا أن توظيفه في البحث النفسي محفوف بعدد من القيود التي يجب إدراكها بوعي منهجي متعمق لتلافي الاستنتاجات العلمية المضللة:
أولى هذه المعضلات تتعلق بحساسية المعامل المفرطة لحجم العينة وتوزيع الخلايا الصفرية أو المتدنية التكرار. بما أن معامل التوافق يستند تماماً إلى إحصاء مربع كاي، فإنه يرث منه كافة افتراضاته القياسية الصارمة؛ ومن أبرزها اشتراط ألا يقل التكرار المتوقع في أي خلية عن 1، وألا تحتوي أكثر من 20% من خلايا الجدول على تكرارات متوقعة تقل عن 5. وفي المسوح النفسية المطبقة على عينات نادرة (مثل الاضطرابات السلوكية الحادة أو الجرائم النادرة)، تتناثر التكرارات وتكثر الخلايا الفارغة، مما يقود إلى تضخيم زائف لقيمة مربع كاي وبالتالي إنتاج معامل توافق مشوه لا يعكس الواقع الحقيقي للظاهرة السلوكية المدروسة.
ثانية المشكلات تكمن في غياب الاتجاهية الرياضية؛ فالمعامل بطبيعته اللامعلمية الاسمية يقدم تقديراً لمدى الاقتران العام دون تحديد اتجاه هذا الاقتران (إيجابي طردي أو سلبي عكسي)، كما هو معتاد في تحليلات المتغيرات الكمية. ولهذا السبب، فإن قراءة المعامل بمعزل عن التحليل التفصيلي للبواقي المعيارية المعدلة (Adjusted Standardized Residuals) لكل خلية داخل جدول الاقتران يعد ممارسة بحثية مبتورة؛ فالرقم المجرد للمعامل يخبرنا بوجود ترابط ذي مغزى، لكنه يظل عاجزاً عن توضيح أي الفئات تحديداً تنجذب نحو بعضها البعض وأيها تنفر وتتباعد.
أما القيد الثالث فيتجلى في صعوبة المقارنة المباشرة بين الدراسات السيكومترية المختلفة إذا ما اختلفت أبعاد جداول التصنيف المستخدمة؛ فإذا نشرت دراسة أولى معامل توافق (C = 0.50) مستندة إلى جدول (3×3)، ونشرت دراسة أخرى معامل توافق بالقيمة ذاتها (C = 0.50) لكن استناداً إلى جدول (5×5)، فإن الدلالة النفسية وقوة حجم الأثر في الدراسة الأولى تكون في الواقع أكبر بكثير منها في الدراسة الثانية؛ نظراً لأن الحد الأقصى النظري للدراسة الأولى أصغر، مما يجعل المعامل الخام غير قابل للمقارنة المباشرة عبر البحوث دون تطبيق معادلات التصحيح والتسوية المعيارية.
اعتبارات استخدام المعامل في برمجيات التحليل الإحصائي الحديثة
في الممارسة البحثية المعاصرة، لا يقوم علماء النفس بحساب معامل التوافق يدوياً إلا في سياقات التدريس والتدريب، حيث تتولى البرمجيات الإحصائية المتقدمة مثل SPSS، وR، ولغة Python مع مكتباتها العلمية المتخصصة، مهمة استخراج هذه المعاملات واختبار دلالاتها الاحتمالية بدقة متناهية.
في برنامج الحزم الإحصائية للعلوم الاجتماعية (SPSS)، يتم استدعاء معامل التوافق من خلال إجراء جداول الاقتران التقاطعية المندرجة تحت قائمة الإحصاءات الوصفية:
CROSSTABS /TABLES=VarA BY VarB /STATISTICS=CHISQ CC PHI.
حيث يولد البرنامج خيار (Contingency Coefficient) إلى جانب مربع كاي ومعامل فاي. وتظهر مخرجات النظام قيمة المعامل المصحوبة بمستوى الدلالة الإحصائية المقاربة (Approximate Significance)، والمشتقة أساساً من قيمة اختبار الفرض الصفرية لمربع كاي المقابل بدرجات حرية محددة محسوبة وفق المعادلة: df = (r – 1) × (c – 1).
أما في بيئة البرمجة الإحصائية (R)، فيمكن استخراج المعامل وحسابه عبر استدعاء حزم القياس السيكومتري والحساب غير المعلمي، كاستخدام الدالة المباشرة في مكتبة vcd أو psych، أو كتابة شفرة وظيفية بسيطة تحول مخرجات الدالة الأساسية chisq.test() إلى معامل توافق مع إمكانية تعديله وفق الحد الأقصى:
chisq_val <- chisq.test(table_data)$statistic
N <- sum(table_data)
C <- sqrt(chisq_val / (chisq_val + N))
k <- min(dim(table_data))
C_max <- sqrt((k - 1) / k)
C_adj <- C / C_max
يتيح هذا التناول البرمجي للباحثين السيكولوجيين في الوقت الراهن دمج تقديرات معامل التوافق ضمن تقنيات المحاكاة وإعادة أخذ العينات (Bootstrapping)، مما يساعد على اشتقاق فترات الثقة (Confidence Intervals) للمعامل، وهو ما يعزز من الموثوقية الاستدلالية لتفسيرات حجم الأثر في الدراسات المنشورة.
الخلاصة المنهجية والتوصيات السيكومترية
يظل معامل التوافق الإحصائي الذي صاغه كارل بيرسون أداة بارزة وذات أثر راسخ في ترسانة التحليل السيكومتري والعلوم السلوكية، إذ يتيح فهماً كمياً للاقتران بين المتغيرات الاسمية متجاوزاً قيود اختبارات الدلالة الصفرية المجردة. وعلى الرغم من ظهور بدائل إحصائية أخرى تسعى لمعالجة سقفه الحسابي غير المكتمل مثل معامل كريمر، فإن القيمة التاريخية والمنهجية لمعامل التوافق تستمد ديمومتها من ارتباطه العضوي بأسس التباين الإحصائي وتطبيقاته الواسعة في تصنيف الظواهر السريرية والاجتماعية. ويوصى الباحثون في الحقل النفسي دائماً بالإبلاغ عن قيمة المعامل الخام مقترنة بالحد الأقصى الممكن أو بالمعامل المصحح، ومشفوعة بتحليل دقيق للبواقي المعيارية لضمان تقديم رؤية علمية متكاملة تتسم بالدقة والعمق في تفسير التفاعلات المعقدة للسلوك الإنساني.
المراجع
- Agresti, A. (2013). Categorical data analysis (3rd ed.). John Wiley & Sons.
- Cramér, H. (1946). Mathematical methods of statistics. Princeton University Press.
- Ferguson, G. A., & Takane, Y. (1989). Statistical analysis in psychology and education (6th ed.). McGraw-Hill.
- Fleiss, J. L., Levin, B., & Paik, M. C. (2003). Statistical methods for rates and proportions (3rd ed.). John Wiley & Sons.
- Kendall, M. G., & Stuart, A. (1979). The advanced theory of statistics: Vol. 2. Inference and relationship (4th ed.). Griffin.
- Pearson, K. (1904). Mathematical contributions to the theory of evolution. XIII. On the theory of contingency and its relation to association and normal correlation. Dulau and Co.
- Siegel, S., & Castellan, N. J. (1988). Nonparametric statistics for the behavioral sciences (2nd ed.). McGraw-Hill.
- Yule, G. U. (1912). On the methods of measuring association between two attributes. Journal of the Royal Statistical Society, 75(6), 579–652.