الطب النفسيالعلوم العصبية الإدراكيةعلم النفس السريري

الانحراف المعرفي: التأصيل النظري، والآليات العصبية، والتشخيص الإكلينيكي

الانحراف المعرفي هو أحد أبرز اضطرابات التفكير الشكلي في الطب النفسي، حيث تنزلق الأفكار من سياقها المنطقي نحو مسارات غير مترابطة. تعرف على أسبابه، وآلياته العصبية، وطرق تشخيصه وعلاجه.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل الانحراف المعرفي (Cognitive Derailment) أحد أبرز المظاهر السريرية التي تعكس تفكك العمليات الفكرية وانهيار البنية المنطقية للخطاب البشري. يتجلى هذا الاضطراب حين ينزلق حبل الأفكار فجأة وبشكل لا إرادي من مسار موضوعي محدد إلى مسارات فرعية متباعدة أو منقطعة الصلة تماماً، مما يفضي إلى تشتت الرسالة الاتصالية وفقدان الغاية الحوارية. ويعد فهم هذه الظاهرة مدخلاً محورياً لاستيعاب آليات عمل العقل البشري واعتلالاته الذهانية والمعرفية المعقدة.

1. التأصيل المفاهيمي والتاريخي لظاهرة الانحراف المعرفي

يعود الجهد التأسيسي في تفكيك ظاهرة الانحراف المعرفي إلى رواد الطب النفسي الكلاسيكي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فقد أشار الطبيب النفسي السويسري أوجين بليولر (Eugen Bleuler) عند صياغته لمفهوم الفصام إلى ما أسماه “تفكك الروابط الفكرية” (Loosening of Associations)، واعتبره العَرَض الأساسي والرئيسي الذي يميز التدهور الذهاني عن غيره من الاعتلالات النفسية. رأى بليولر أن تدفق التفكير الطبيعي يعتمد على قوة موجهة ترتكز على هدف ذهني محدد، وحين تضعف هذه القوة الرابطة، تصبح الأفكار عرضة للارتباط العشوائي والتداعي السطحي، وهو ما يشكل النواة الأولى لما يُعرف اليوم بالانحراف المعرفي.

مع تطور أدوات القياس السيكومتري في النصف الثاني من القرن العشرين، قامت الباحثة الإكلينيكية نانسي أندرياسن (Nancy Andreasen) بإعادة تعريف وتصنيف اضطرابات التفكير واللغة والتواصل (Scale for the Assessment of Thought, Language, and Communication). ميزت أندرياسن بين “الانحراف الفكري” (Derailment) بوصفه انتقالاً غير متوقع من فكرة إلى أخرى ذات صلة واهية أو معدومة، وبين اضطرابات أخرى كالتطويل الزائد أو التفكير المماسي. وقد وفر هذا العمل المعياري إطاراً موضوعياً مكّن الباحثين الإكلينيكيين من قياس الظاهرة وتحديدها بدقة عبر المقابلات السريرية المقننة، متجاوزاً الانطباعات الذاتية المجردة.

في السياق المعرفي المعاصر، لم يعد يُنظر إلى الانحراف بوصفه مجرد خلل لغوي في التعبير الظاهري، بل كنتيجة مباشرة لعطل وظيفي في البنية المعرفية المركزية المسؤولة عن توجيه الانتباه ومعالجة السياق. تتفاعل في تشكيل هذا المفهوم مفاهيم مستعارة من اللسانيات النفسية ونظرية معالجة المعلومات، حيث يُفهم الانحراف المعرفي على أنه فشل متكرر في الحفاظ على “التمثيل الذهني للهدف” عبر الزمن، مما يسمح للمنبهات الدخيلة والتداعيات الضعيفة باختراق الوعي وفرض سيطرتها على مخرجات التفكير.

يتداخل الانحراف المعرفي مع مصطلحات أخرى تستلزم تمييزاً دقيقاً في الفضاء التشخيصي؛ فهو يختلف عن “تطاير الأفكار” (Flight of Ideas) الشائع في الهوس، حيث يتميز الأخير بتسارع حركي ملحوظ في وتيرة التفكير مع بقاء خيوط ربط واهية ومفهومة ترتبط غالباً بالمثيرات البيئية الفورية. بينما يتسم الانحراف المعرفي في الفصام بغياب الوعي بهذا التشتت، وتلاشي الترابط المنطقي الداخلي حتى في ظل سرعة كلامية طبيعية أو بطيئة، مما يجعل الخطاب غامضاً وغير مفهوم للمتلقي.

2. الخصائص الإكلينيكية والظاهراتية

تتجلى الظاهراتية السريرية للانحراف المعرفي من خلال تتبع البنية السردية للمريض أثناء التفاعل اللفظي التلقائي. يبدأ الفرد عادة بالإجابة عن سؤال محدد أو بطرح فكرة واضحة ومحددة المعالم، ولكن مع تقدم الجملة أو الانتقال إلى الجملة التالية، ينزاح المسار نحو نقطة دلالية بعيدة تماماً دون أي إشارة إلى العودة أو إدراك لهذا التحول المفاجئ. تبدو الجمل الفردية في حد ذاتها صحيحة نحوياً وسليمة لغوياً في كثير من الأحيان، إلا أن التماسك الكلي (Global Coherence) بينها ينهار بصورة تدريجية أو حادة.

يطلق اللغويون النفسيون على هذا النمط مصطلح “الانزلاق الدلالي” (Semantic Drift)، حيث تلعب الروابط الصوتية السطحية أو التداعيات المعجمية البعيدة دور القاطرة التي تقود الفكر نحو الهاوية التعبيرية. على سبيل المثال، قد يُسأل المريض عن وجبته المفضلة، فيبدأ بذكر الخبز، ثم ينتقل فجأة للحديث عن حقول القمح في أوكرانيا، ومنها إلى الجغرافيا السياسية، ثم إلى صناعة الحديد والصلب، دون أن يمتلك أي رابط منطقي يجمع هذه العناصر داخل السياق التواصلي الأولي، ودون أن يلاحظ دهشة المحاور.

يرافق هذا التشتت في العادة غيابٌ ملحوظ للبصيرة السريرية حيال اضطراب الخطاب؛ فالمريض لا يشعر بوجود فجوة منطقية في حديثه، بل يتعامل مع تدفق أفكاره بوصفه نسقاً متكاملاً ومفهوماً بذاته. هذا الانفصال بين نية المتحدث وفهم السامع يُنتج نوعاً من العزلة الإدراكية العميقة، إذ يواجه المريض صعوبة بالغة في إدراك أسباب سوء الفهم المتكرر الذي يواجهه من محيطه الاجتماعي، الأمر الذي قد يغذي بدوره مشاعر الارتياب أو الانسحاب الانفعالي.

علاوة على ذلك، يمتد تأثير الانحراف المعرفي ليشمل الكتابة والإنتاج الرمزي للمريض، ولا يقتصر على الكلام المنطوق فحسب. في النصوص المكتوبة، تتضح ظاهرة الانحراف المعرفي بجلاء أكبر؛ حيث تخلو الفقرات من الفقرة المحورية أو الفكرة الرئيسية، وتتكدس الكلمات والمفاهيم دون تسلسل هرمي للمعلومات. يوضح هذا الامتداد النصي أن الخلل ليس مجرد زلة لسان أو عسر في النطق، وإنما هو اضطراب عميق يصيب صياغة البنية الفكرية ذاتها وتشفيرها التواصلي.

3. النماذج النفسية المعرفية المفسرة

قدم علم النفس المعرفي عدة نماذج تفسيرية رائدة تسعى لفك شفرة الانحراف المعرفي، ويقف في طليعتها نموذج “تنشيط الذاكرة الدلالية المفرط” (Semantic Hyper-priming). تفترض هذه النظرية أن المفاهيم في الدماغ البشري مخزنة ضمن شبكة عصبية دلالية مترابطة، حيث يؤدي تنشيط مفهوم معين إلى تنشيط المفاهيم القريبة منه بالتبعية. في الحالة الطبيعية، يتم كبح المفاهيم البعيدة وغير ذات الصلة بواسطة آليات التثبيط العصبي، غير أن هذه الآليات التثبيطية تتعطل لدى المصابين بالانحراف المعرفي، مما يؤدي إلى فيضان من التنشيط العشوائي للمفاهيم البعيدة وانتشارها غير المنضبط داخل حقل الوعي.

النموذج الثاني يركز على عجز الذاكرة العاملة (Working Memory) وقصور التحكم التنفيذي؛ فالذاكرة العاملة هي المنصة المعرفية المسؤولة عن الاحتفاظ بالهدف التواصلي حياً وفعالاً أثناء بناء الجمل والفقرات. حين تفشل الذاكرة العاملة في صيانة هذا التمثيل التوجيهي، تفقد المنظومة المعرفية بوصلتها، وتصبح الكلمات المنطوقة مؤخراً هي المحرك الوحيد للتداعي اللاحق، بدلاً من أن تكون الفكرة العامة هي الموجهة، وهو ما يُترجم فوراً في صورة انحرافات متتالية عن المسار الأصلي للحديث.

طور الباحثان جوناثان كوهين وديفيد سيرفان-شرايبر (Cohen & Servan-Schreiber) نموذجاً حسابياً بارزاً يعزو الانحراف المعرفي إلى “خلل معالجة السياق” (Context Processing Impairment). يشير هذا النموذج إلى أن الدماغ يعتمد على تمثيلات السياق الداخلي لاختيار الاستجابات الملائمة وتثبيط الاستجابات غير الملائمة؛ وعندما ينهار هذا التمثيل السياقي، تصبح التداعيات التلقائية العشوائية أقوى من السياق الموجه، مما يدفع التفكير قسراً نحو الانحراف عن الخط الأصلي تحت وطأة التداعي الحر غير المنضبط.

بالإضافة إلى ذلك، تقترح أبحاث اللسانيات العصبية المعاصرة وجود اضطراب في “التكامل الدلالي المتأخر”؛ حيث يمتلك الفرد قدرة أولية على التعرف على المفردات الفردية، لكنه يواجه عجزاً حاداً في دمج هذه المفردات ضمن البنية الكلية للجملة في الزمن الحقيقي. يؤدي هذا التأخر إلى تراكم الفجوات الدلالية، مما يجبر الجهاز المعرفي على ملء الفراغات باستدعاء مفردات ومفاهيم عشوائية لا تتناسب مع الغاية التداولية للخطاب، مما يظهر سريرياً في شكل انحراف فكري جلي.

4. الأسس العصبية والبيولوجية للانحراف المعرفي

تربط الدراسات النيورولوجية والتصوير الدماغي الوظيفي بين الانحراف المعرفي واختلالات محددة في البنية القشرية والشبكات الوظيفية المركزية. تشير نتائج الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) باستمرار إلى وجود قصور بنيوي ووظيفي في قشرة الفص الجبهي الأمامي، وخاصة القشرة الجبهية الظاهرية الجانبية (DLPFC). تلعب هذه المنطقة دوراً ريادياً في الضبط التنفيذي، وصيانة الأهداف، وتثبيط الاستجابات الشاردة؛ ويؤدي تراجع نشاطها أو اضطراب اتصالاتها إلى انفلات العنان للتداعيات الفكرية غير المقيدة.

كما تؤكد الأبحاث تورط الفص الصدغي الأيسر، وبالتحديد التلفيف الصدغي العلوي والأوسط (Superior and Middle Temporal Gyri)، والمسؤولين عن المعالجة اللغوية وتخزين المفاهيم الدلالية. يُعتقد أن عدم التناسق الوظيفي بين الفصين الجبهي والصدغي يمنع الكبح الطبيعي للمفاهيم الهامشية، مما يسمح لإشارات المعاني الثانوية بالمرور إلى مستوى المعالجة الواعية والتعبير اللفظي المباشر، وهو ما يفسر التداعي السطحي الملاحظ سريرياً لدى المرضى.

على المستوى الجزيئي والكيميائي العصبي، يلعب اختلال التوازن في النواقل العصبية دوراً حاسماً في إحداث هذا الانحراف:

  • فرط الدوبامين الوسطي الحوفي (Mesolimbic Dopamine): يؤدي النشاط الدوباميني الشاذ إلى إضفاء أهمية دلالية زائفة (Aberrant Salience) على مثيرات وأفكار تافهة، مما يجعل فكرة هامشية تبدو فجأة للمريض ذات أهمية بالغة تستحق المتابعة والانتقال إليها.
  • خلل مستقبلات NMDA الغلوتاماتية: يتسبب القصور في النقل العصبي الغلوتاماتي في انهيار الاستقرار الشبكي العصبي داخل الدوائر القشرية، مما يضعف قدرة القشرة المخية على الحفاظ على الإشارات المستدامة اللازمة للتركيز على موضوع محدد.
  • تراجع تثبيط حمض الغاما-أمينوبيوتيريك (GABA): يؤدي ضعف الخلايا العصبية البينية المفرزة للغابا في القشرة الجبهية إلى عجز في ضبط الترددات التزامنية (مثل موجات غاما)، الضرورية للربط الدقيق بين المعاني وتناسق الخطاب.

تظهر دراسات الاتصال الدماغي المستندة إلى تصوير موتر الانتشار (DTI) تراجعاً في سلامة المادة البيضاء التي تربط المراكز اللغوية بالمراكز التنفيذية، ولا سيما الحزمة المقوسة (Arcuate Fasciculus) والحزمة الطولية العلوية. يشير هذا التحلل البنيوي إلى فرضية “تفكك الاتصال العصبي” (Neural Disconnectivity)، والتي ترى أن الانحراف المعرفي ليس عطلاً في منطقة دماغية معزولة، بل هو انهيار شامل في كفاءة التنسيق الشبكي بين مناطق الاسترجاع المعجمي ومناطق الرقابة الإدراكية العليا.

5. المظاهر التشخيصية والتقييم النفسي الإكلينيكي

يتطلب رصد وتقييم الانحراف المعرفي مهارة إكلينيكية فائقة نظراً لتشابهه الظاهري مع أعراض اضطرابات فكرية ولغوية متعددة. يعتمد التشخيص السريري المقنن على مقابلات تفاعلية تستحث الخطاب التلقائي المفتوح، مثل الطلب من المريض تفسير أمثال شعبية أو وصف صور مركبة، حيث توفر هذه المهام البيئة المثالية لظهور الانحراف المعرفي وتفكك الروابط المنطقية تحت ضغط المعالجة الذهنية التجريدية.

يعد مقياس تقييم اضطرابات التفكير واللغة والتواصل (TLC) الذي وضعته نانسي أندرياسن الأداة الذهبية المعتمدة في هذا المجال؛ حيث يقيم الانحراف عبر درجات تبدأ من الانحراف البسيط غير المحسوس وصولاً إلى التفكك التام للخطاب. كما تدمج المقاييس العالمية الأخرى تقييم هذه الظاهرة ضمن محاورها الفرعية، مثل مقياس المتلازمة الإيجابية والسلبية (PANSS) عبر بند التفكك المفاهيمي (Conceptual Disorganization)، ومقياس التقدير النفسي الموجز (BPRS).

في السنوات الأخيرة، أحدثت تقنيات اللسانيات الحاسوبية ومعالجة اللغات الطبيعية (NLP) ثورة في القياس الموضوعي للانحراف المعرفي؛ حيث تتيح خوارزميات مثل تحليل الدلالة الكامنة (Latent Semantic Analysis – LSA) قياس المسافة الإحصائية بين الكلمات والجمل في خطاب المريض في الوقت الحقيقي. أظهرت هذه النماذج الحاسوبية قدرة تنبؤية فائقة على رصد الانخفاض الدقيق في التماسك الدلالي حتى قبل أن يصبح جلياً للأذن السريرية المدربة، مما يفتح آفاقاً جديدة للاكتشاف المبكر للحالات التي تمر في المرحلة البادرية للذهان (Prodromal Phase).

يستدعي التقييم الإكلينيكي إجراء فحص دقيق للتشخيص الفارقي عبر مقارنة الانحراف المعرفي بما يلي:

  • التفكير المماسي (Tangentiality): حيث يقدم المريض إجابة تبتعد عن السؤال الأصلي لكنها تظل متماسكة داخلياً حول الموضوع البديل، على عكس الانحراف الذي ينهار فيه التسلسل كلياً.
  • التطويل الزائد (Circumstantiality): وفيه يغرق المريض في تفاصيل مفرطة وغير ضرورية ولكنه ينجح في نهاية المطاف في العودة إلى النقطة المحورية والإجابة عن السؤال.
  • الحبسة الكلامية الاستقبالية (Wernicke’s Aphasia): حيث يكون الخلل ناتجاً عن تلف بنيوي في مناطق اللغة في الدماغ، مصحوباً بابتكار ألفاظ جديدة غير مفهومة (Neologisms) مع الحفاظ على التنغيم الصوتي السليم، دون وجود محتوى ذهاني مرافق.

6. الأثر الوظيفي والاجتماعي للانحراف المعرفي

تتجاوز عواقب الانحراف المعرفي حدود العيادة النفسية لتلقي بظلال ثقيلة على الحياة اليومية للمريض وفاعليته المجتمعية؛ إذ يعد اضطراب التماسك اللفظي من أقوى المؤشرات التنبؤية بتراجع الأداء الوظيفي والاجتماعي على المدى الطويل. يتسبب الفشل المستمر في نقل الرسائل الواضحة وتبادل الأفكار بفاعلية في انهيار العلاقات الشخصية تدريجياً، حيث يعجز الأصدقاء وأفراد الأسرة عن متابعة حديث المريض، مما يقود بالضرورة إلى إحباط متبادل وسوء تفاهم مزمن.

على الصعيد المهني والأكاديمي، يشكل الانحراف المعرفي عائقاً حاسماً أمام أداء المهام التي تتطلب تفكيراً متسلسلاً أو حلاً منهجياً للمشكلات؛ فالقدرة على الاحتفاظ بوظيفة معينة تعتمد بشكل جوهري على اتباع التعليمات وإنجاز التقارير والتفاعل المثمر مع زملاء العمل. عندما تتسرب الأفكار الشاردة إلى السلوك التنفيذي، يفقد المريض القدرة على تنظيم أولوياته، وتصبح إنتاجيته مضطربة، مما يعرضه للطرد الوظيفي المتكرر والانزلاق نحو التبعية الاقتصادية والفقر.

يغذي هذا التدهور التواصلي دورة خبيثة من العزلة الاجتماعية والانسحاب؛ فمع إدراك المريض، ولو بصورة غامضة، لردود أفعال الآخرين المستغربة أو النافرة، قد يختار الصمت والابتعاد تفادياً للحرج والارتباك. تؤدي هذه العزلة إلى حرمان الدماغ من المحفزات الاجتماعية الضرورية، مما يسرع بدوره وتيرة التدهور المعرفي العام ويفاقم الأعراض السلبية للاضطرابات النفسية المزمنة، الأمر الذي يضاعف العبء الواقع على كاهل مقدمي الرعاية والمنظومة الصحية ككل.

7. الاستراتيجيات العلاجية والتدخلات التأهيلية

تتطلب إدارة الانحراف المعرفي مقاربة تكاملية تجمع بين التدخلات الدوائية البيولوجية والبرامج التأهيلية المعرفية السلوكية الموجهة. تحتل مضادات الذهان (Antipsychotics)، وخاصة الجيل الثاني منها، الخط الأول في المعالجة الدوائية؛ إذ تسهم استعادة التوازن في النقل الدوباميني في تثبيط الأهمية الشاذة المعطاة للأفكار الجانبية، مما يساعد على إعادة فرض نوع من الاستقرار على التدفق الفكري والتخفيف من حدة التشتت الدلالي الحاد.

مع ذلك، نادراً ما تنجح العقاقير الدوائية وحدها في إزالة الانحراف المعرفي المزمن بصورة كاملة، مما يستدعي الاستعانة ببرامج التدريب والإصلاح المعرفي (Cognitive Remediation Therapy – CRT). تركز هذه التدخلات النفسية على تدريب المرضى عبر حواسيب وتمارين ذهنية مكثفة تستهدف تقوية الذاكرة العاملة، وتحسين الانتباه الانتقائي، وتعزيز المرونة الإدراكية. من خلال هذه التمارين، يتعلم الدماغ استراتيجيات تعويضية تعزز السيطرة الواعية على مسار التفكير وتحد من الاستجابات التلقائية المشوهة للسياق.

تلعب التدخلات الموجهة لمهارات التواصل اللغوي والاجتماعي دوراً حيوياً في تمكين المريض من التعامل مع انحرافاته الفكرية في المواقف الحياتية اليومية؛ حيث يُدرب الأفراد على استخدام تقنيات التغذية الراجعة الذاتية، ومراقبة تعابير وجه المستمع لرصد مؤشرات عدم الفهم، والتوقف الواعي عند ملاحظة الاستطراد الزائد لإعادة ضبط مسار الفكرة. كما يشمل التدخل تدريب أفراد الأسرة على أساليب تواصل داعمة تستخدم جملاً قصيرة وأسئلة مغلقة ومحددة، مما يقلل العبء المعرفي الواقع على المريض ويوفر له بنية خارجية مساعدة تحافظ على ترابط الحوار واستمراريته.

الخاتمة

يظل الانحراف المعرفي ظاهرة إكلينيكية مركبة تقع في نقطة التقاطع الحساسة بين اضطرابات التفكير، والخلل اللغوي، والاعتلال العصبي الشبكي. إن فهم هذه الظاهرة يتطلب تجاوز النظرة السطحية التي تعدها مجرد عجز في انتقاء الكلمات، والتعامل معها بوصفها نافذة تشريحية تكشف عن كيفية تنظيم العقل البشري لأفكاره وسياقاته الدلالية تحت وطأة المرض النفسي. يمثل الدمج المستمر بين تقنيات اللسانيات الحاسوبية المتقدمة، والتصوير العصبي الوظيفي، وبرامج الإصلاح المعرفي المتخصصة، أملاً واعداً لتطوير أدوات تشخيصية مبكرة وتدخلات علاجية دقيقة تسهم في إعادة بناء الجسور التواصلية لدى الأفراد المتأثرين، واستعادة قدرتهم على التعبير المتماسك والاندماج الفعال في النسيج الإنساني والاجتماعي.

المراجع

  • Andreasen, N. C. (1979). Thought, language, and communication disorders: I. Clinical assessment, definition of terms, and evaluation of their reliability. Archives of General Psychiatry, 36(12), 1315-1321. https://doi.org/10.1001/archpsyc.1979.01780120025002
  • Bleuler, E. (1950). Dementia praecox or the group of schizophrenias (J. Zinkin, Trans.). International Universities Press. (Original work published 1911).
  • Cohen, J. D., & Servan-Schreiber, D. (1992). Context, cortex, and dopamine: A connectionist approach to behavior and biology in schizophrenia. Psychological Review, 99(1), 45-77. https://doi.org/10.1037/0033-295X.99.1.45
  • Kuperberg, G. R. (2010). Language in schizophrenia part 1: An introduction. Language and Linguistics Compass, 4(8), 576-589. https://doi.org/10.1111/j.1749-818X.2010.00216.x
  • Spitzer, M. (1997). A cognitive neuroscience view of schizophrenic thought disorder. Schizophrenia Bulletin, 23(1), 29-50. https://doi.org/10.1093/schbul/23.1.29

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). الانحراف المعرفي: التأصيل النظري، والآليات العصبية، والتشخيص الإكلينيكي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-derailment-concept-symptoms-neurobiology/
looti, Mohammed. “الانحراف المعرفي: التأصيل النظري، والآليات العصبية، والتشخيص الإكلينيكي.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-derailment-concept-symptoms-neurobiology/.
looti, Mohammed. “الانحراف المعرفي: التأصيل النظري، والآليات العصبية، والتشخيص الإكلينيكي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-derailment-concept-symptoms-neurobiology/.