تمثل المشاعر الإنسانية جوهر التجربة النفسية وتفاعلها المعقد مع العالم الخارجي؛ إذ لا تنبثق الانفعالات بوصفها ردود أفعال بيولوجية فوضوية أو استجابات غريزية عمياء، بل كمنظومة تقييمية راقية تعكس إدراك الفرد لمكانته ومصالحه داخل بيئته المتغيرة. وفي هذا الفضاء السيكولوجي، برزت النظرية المعرفية الدافعية العلاقية (Cognitive-Motivational-Relational Theory) كواحدة من أكثر الأطر النظرية شمولاً وعمقاً في تفسير العواطف والضغوط النفسية. أسس هذه النظرية عالم النفس الأمريكي الشهير ريتشارد لازاروس (Richard Lazarus) بهدف تفكيك البنية التفاعلية التي تربط الإدراك المعرفي، والدوافع الإنسانية الغائية، والعلاقة الحية بين الذات ومحيطها الاجتماعي والبيئي.
مدخل مفاهيمي إلى النظرية المعرفية الدافعية العلاقية
تنطلق النظرية المعرفية الدافعية العلاقية من فرضية مفصلية مفادها أن الانفعال لا يمكن فهمه بالتركيز الحصري على المثير البيئي بمفرده، ولا عبر تحليل الاستجابة العضوية أو السمات الشخصية بمعزل عن السياق. بدلاً من ذلك، ترى النظرية أن الانفعال هو نتاج وحدة تفاعلية مركبة تتألف من ثلاثة محاور جوهرية: الإدراك المعرفي، والنزعة الدافعية، والمعاملة العلاقية المستمرة بين الفرد وبيئته. هذه الأبعاد الثلاثة لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تندمج في عملية نفسية تكاملية تصنع المعنى الذاتي لما يمر به الإنسان.
يؤكد لازاروس أن الأحداث الحياتية تكتسب وزنها الانفعالي فقط عندما يُسقط عليها الكائن البشري أحكاماً دلالية ترتبط بأهدافه ورفاهه الشخصي. فالحدث الخارجي محايد بطبيعته حتى يدخل مجال المعالجة المعرفية؛ وعندئذ يتحول إلى مهدد، أو تحدٍّ، أو خسارة، أو مكسب، اعتماداً على التقدير الشخصي للشخص الذي يواجهه. ومن ثم، فإن التجربة الانفعالية ليست حادثاً عارضاً يُصاب به الإنسان سلبياً، بل هي بناء نفسي نشط يعكس كيف يفسر الفرد العالم وكيف يتموضع داخله انطلاقاً من قيمه وغاياته الراسخة.
تتميز هذه النظرية بقدرتها الفائقة على تفسير التباين الفردي الهائل في الاستجابات لنفس الموقف الضاغط؛ فبينما يرى موظف في فقدان وظيفته كارثة وجودية تؤدي إلى الاكتئاب والقلق الشديدين، قد يرى زميل له في الظرف عينه فرصة مثالية لإعادة بناء مساره المهني واختبار إمكاناته. هذا الاختلاف الجذري في التفاعل لا يعود إلى المعطيات الفيزيائية للموقف، بل إلى البنية المعرفية التقييمية، والأولويات الدافعية، والحسابات الشخصية التي يُجريها كل منهما إزاء البيئة المحيطة.
السياق التاريخي والتطور الإبستمولوجي
لتتبع الجذور التاريخية لهذه النظرية، ينبغي الرجوع إلى منتصف القرن العشرين حين سادت المدرسة السلوكية التي همشت دور العمليات العقلية واختزلت النشاط النفسي في ثنائية (المثير – الاستجابة). وفي المقابل، ظهرت النظريات الفسيولوجية المبكرة مثل نظرية جيمس-لانج ونظرية كانون-بارد، والتي ركزت على الاستثارة الحشوية والجسدية دون إيلاء اهتمام كافٍ لدور المعنى الواعي في تشكيل الانفعال. ورغم أن أبحاث ستانلي شاختر وجيروم سينجر في مطلع الستينيات أعادت الاعتبار لعملية التسمية المعرفية، إلا أنها اقتصرت على تفسير الاستثارة العامة الغامضة بدلاً من تقديم نموذج متكامل لتوليد الانفعالات المتمايزة.
في عام 1966، أحدث ريتشارد لازاروس ثورة مفاهيمية عبر كتابه التأسيسي «الضغط النفسي وعملية التكيف»، حيث ناقش لأول مرة فكرة أن الضغط النفسي (Stress) ليس خاصية كامنة في المثير ولا رد فعل بيولوجي مجرد، بل هو حالة علائقية تنشأ عندما يرى الفرد أن متطلبات البيئة تفوق موارده وقدراته وتُهدد استقراره. وقد قوبلت هذه الأطروحة بجدل علمي واسع، وتطورت لاحقاً عبر مناظرة تاريخية مع عالم النفس الاجتماعي روبرت زايونس (Robert Zajonc) حول أسبقية المعرفة أو الانفعال، حيث دافع لازاروس ببراعة عن أن التقييم المعرفي شرط تأسيسي وضروري لا مفر منه لولادة أي انفعال إنساني ذي معنى.
بلغت هذه التراكمات ذروتها في عام 1991 بنشر لازاروس لكتابه المرجعي «الانفعال والتكيف» (Emotion and Adaptation)، الذي وسّع فيه إطاره المفاهيمي من مجرد نظرية للضغوط إلى نظرية عامة ومتكاملة للـ علم النفس المعرفي الانفعالي. وقد استوعب النموذج الجديد مفهوم «الانفعالات المنفصلة» (Discrete Emotions)، وبيّن أن لكل انفعال نسيجه المعرفي والدافعي الفريد، مكرساً بذلك منظومة تُعد اليوم ركيزة أساسية في دراسات علم النفس العصبي، والإكلينيكي، والتنظيمي، والرياضي.
الأبعاد الهيكلية الثلاثة للنظرية
البعد المعرفي وعمليات التقييم (Cognitive Dimension)
يشير البعد المعرفي في نظرية لازاروس إلى النشاط الذهني المعني بإدراك الموقف وتحليله وتأويله. غير أن لازاروس يحرص على توضيح أن «المعرفة» هنا لا تعني بالضرورة التفكير العقلاني، أو المنطقي، أو الحسابات الباردة المطولة؛ بل تشمل أيضاً العمليات التقييمية السريعة والضمنية والحدسية التي تجري تحت مستوى الوعي المباشر في أجزاء من الثانية. يتضمن هذا البعد فهم معطيات الواقع، واستحضار الذاكرة، وتقدير الاحتمالات، وتصور المآلات المستقبلية وتأثيرها على رفاه الفرد.
لا يقتصر التقييم المعرفي على مجرد استقبال المعلومات الحسية، بل هو عملية إضفاء دلالة شخصية على تلك المعلومات. فالعقل البشري يغربل المثيرات البيئية من خلال عدسة المفاهيم الذاتية، والمعتقدات حول الذات والعالم، والمخططات المعرفية المكتسبة عبر التنشئة والتجارب السابقة؛ مما يعني أن المعرفة في هذا السياق هي عملية تأويلية بنائية بامتياز.
البعد الدافعي والمنظومة الغائية (Motivational Dimension)
يمثل البعد الدافعي المحرك الأساسي والحكم الفاصل في المعادلة الانفعالية برمتها؛ إذ يرى لازاروس أن الإنسان كائن غائي يتحرك نحو تحقيق غايات وتجنب أضرار معينة. وبدون وجود دوافع، أو رغبات، أو أهداف، أو التزامات قيمية، لن يكترث الكائن الحي بما يجري حوله، وبالتالي لن تنشأ أي استجابة انفعالية على الإطلاق. الانفعالات ببساطة هي ترمومتر يقيس مدى اقترابنا من أهدافنا أو ابتعادنا عنها أو إعاقتها.
يتفرع هذا البعد إلى نوع الأهداف التي يحملها الفرد وهرميتها ومدى استثماره الوجداني فيها. فعندما يكون الهدف محورياً للهوية الشخصية ومفهوم الذات، فإن أي مساس به سيولد انفعالات عاصفة كالغضب الشديد أو الحزن العميق؛ بينما المثيرات التي تمس أهدافاً هامشية أو عابرة لا تستحث سوى تموجات انفعالية طفيفة وسريعة الزوال. الدافعية إذن هي التي تمنح المعرفة طاقتها الانفعالية وحيويتها.
البعد العلاقي بين الشخص والبيئة (Relational Dimension)
يؤسس البعد العلاقي رؤية بيئية-نفسية ترفض الفصل بين الذات ومحيطها؛ فالإنسان لا يعيش في فراغ، والبيئة لا تؤثر في الفراغ. يصف لازاروس هذا البعد بأنه «الصفقة أو المعاملة المستمرة بين الشخص والبيئة» (Person-Environment Transaction). وهذا يعني أن التقييم والانفعال لا يوجدان حصراً داخل عقل الشخص، ولا ينبعان بمفردهما من خصائص الموقف، بل يتبلوران في نقطة التقاء وتفاعل الطرفين.
هذه العلاقة تتسم بالديناميكية والتغير الدائم؛ فالإنسان يؤثر في بيئته ويغير معالمها من خلال سلوكه، والبيئة بدورها تفرض قيوداً وتتيح فرصاً وتحدث تحولات تدفع الفرد إلى إعادة تقييم موقفه. ومن هذا المنظور، فإن الانفعال يعكس الحالة الراهنة والمتحولة للتوازن أو الخلل في التوافق بين متطلبات البيئة وإمكانات وتطلعات الفرد.
مستويات التقييم المعرفي: الأولي والثانوي وإعادة التقييم
تعتمد النظرية على تقسيم جوهري لعملية التقييم المعرفي إلى مستويين متكاملين يعملان معاً بشكل متزامن أو متتابع، بالإضافة إلى آلية التغذية الراجعة المعروفة بإعادة التقييم:
1. التقييم الأولي (Primary Appraisal)
يركز التقييم الأولي على سؤال محوري مفاده: «هل هذا الموقف يعنيني شخصياً؟ وهل يؤثر على رفاهيتي وأهدافي؟» ويتفرع هذا المستوى إلى ثلاثة مكونات فرعية حاسمة:
- الملاءمة الهدفيّة (Goal Relevance): وهي التقدير المبدئي لما إذا كان الحدث يمس أياً من أهداف الفرد أو قيمه. إذا كان الجواب بالنفي، يمر الحدث مرور الكرام دون استثارة انفعالية؛ أما إذا كان الحدث ذا صلة، تُفتح بوابة الانفعال.
- التوافق الهدفي (Goal Congruence / Incongruence): يُعنى بما إذا كان الحدث يدعم ويسهل تحقيق الهدف (مما يولد انفعالات إيجابية كالفرح والراحة)، أو يعرقله ويهدده (مما يولد انفعالات سلبية كالحزن والقلق والغضب).
- نوع إشراك الأنا (Type of Ego-Involvement): يبحث في الجانب المحدد من هوية الشخص المتأثر بالحدث؛ هل يمس الموقف احترامه لذاته، أم أمنه المادي، أم معاييره الأخلاقية، أم ارتباطه بعلاقاته الاجتماعية الوثيقة؟ يحدد نوع إشراك الأنا الطبيعة النوعية للانفعال الناتج.
2. التقييم الثانوي (Secondary Appraisal)
بينما يحدد التقييم الأولي ما إذا كان هناك خطر أو فائدة، يأتي التقييم الثانوي للإجابة عن سؤال: «ما الذي يمكنني فعله حيال هذا الوضع؟ وكيف أتعامل معه؟» إنه تقييم لخيارات وموارد التكيف المتاحة، ويشمل العناصر الآتية:
- تحديد اللوم أو الفضل (Blame or Credit): يعزو الفرد مسؤولية الحدث؛ فإذا عزا الضرر إلى جهة خارجية متعمدة نشأ الغضب، وإذا عزا الضرر إلى تقصير ذاتي نشأ الذنب، وإذا حدث نفع بفضل مجهوده الخاص نشأ الفخر، بينما يولد الامتنان إذا عُزي النفع إلى مساعدة طرف خارجي.
- إمكانية التكيف المركّز على المشكلة (Problem-focused Coping Potential): تقدير قدرة الفرد على تغيير الموقف ذاته واتخاذ خطوات فعلية لتعديل المعاملة مع البيئة لصالح أهدافه.
- إمكانية التكيف المركّز على الانفعال (Emotion-focused Coping Potential): تقدير قدرة الفرد على تنظيم حالته الوجدانية وتطويع أفكاره الداخلية للتعايش مع الموقف في حال تعذر تغييره واقعياً.
- التوقعات المستقبلية (Future Expectancy): تقدير احتمالية تحسن الأوضاع أو تدهورها في المدى المنظور، وهو ما يحدد انفعالات مثل الأمل أو اليأس.
3. إعادة التقييم (Re-appraisal)
تمثل إعادة التقييم عملية مستمرة يتم من خلالها تعديل التقييمات الأولية والثانوية استناداً إلى تدفق معلومات جديدة من البيئة أو نتيجة للنتائج المترتبة على جهود التكيف السابقة. تضمن هذه العملية مرونة الجهاز النفسي وتكيفه مع تبدل الظروف الواقعية للحياة.
الموضوعات العلاقية الجوهرية (Core Relational Themes)
من أعمق الإسهامات المفاهيمية التي قدمها لازاروس هو صياغته لفكرة «الموضوع العلاقي الجوهري»، وهو التلخيص المعرفي-الدافعي الكلي للرابط المحدد بين الشخص وبيئته، والذي يميز انفعالاً معيناً عن غيره من الانفعالات. فكل انفعال نوعي يمتلك قصة مركزية فريدة تلخص طبيعة الصراع أو التوافق الراهن، كما يوضح الجدول المفاهيمي التالي لأبرز الانفعالات:
- الغضب (Anger): الموضوع الجوهري هو «إساءة مهينة واعتداء متعمد ضد الذات أو ما يخصها». يتطلب تقييماً أولياً يعلن إعاقة هدف مركزي، وتقييماً ثانوياً يحدد فاعلاً خارجياً يُلقى عليه اللوم.
- القلق (Anxiety): الموضوع الجوهري هو «مواجهة تهديد وجودي غامض ومجهول الأبعاد». يتميز بعدم اليقين حيال طبيعة المهدد وصعوبة تحديد استراتيجية مواجهة ناجزة.
- الخوف (Fear): الموضوع الجوهري هو «مواجهة خطر مادي أو نفسي داهم ومحدد وملموس يهدد البقاء الفوري».
- الشعور بالذنب (Guilt): الموضوع الجوهري هو «خرق أمر أخلاقي أو معيار قيمي ذاتي ملزم»، حيث يلوم الشخص نفسه صراحة على ارتكاب تصرف كان يمكن تجنبه.
- الخزي أو العار (Shame): الموضوع الجوهري هو «الإخفاق في الارتقاء إلى المستوى المثالي المتوقع للذات أمام نظر الآخرين أو الذات»، مما يعكس عيباً متأصلاً في الهوية الشخصية بأكملها.
- الحزن (Sadness): الموضوع الجوهري هو «التعرض لخسارة لا يمكن تعويضها لأمر شديد القيمة»، مقترناً بتقييم ثانوي بالعجز عن تغيير النتيجة واستعادة المفقود.
- الأمل (Hope): الموضوع الجوهري هو «الخوف من الأسوأ مع التطلع إلى أفضل النتائج الممكنة»، حيث يحافظ الفرد على الرغبة في تحول إيجابي وسط ظرف غير مؤكد.
- الفخر (Pride): الموضوع الجوهري هو «تعزيز الهوية والتقدير الذاتي عبر تحقيق إنجاز شخصي قيم أو الارتباط بكيان حقق ذلك».
آليات التكيف وتنظيم الانفعال (Coping Processes)
لا تتوقف النظرية عند حدود توليد الانفعال، بل تمنح عملية التكيف (Coping) مكانة مركزية تكافئ التقييم المعرفي. يعرف لازاروس التكيف بأنه «الجهود المعرفية والسلوكية المتغيرة باستمرار لإدارة متطلبات محددة داخلية أو خارجية يُنظر إليها على أنها ترهق موارد الفرد أو تتجاوزها». التكيف ليس سمة شخصية ثابتة، بل هو عملية إجرائية ديناميكية تتكيف مع السياق.
ميزت النظرية بين نمطين وظيفيين رئيسيين لاستراتيجيات التكيف، يعملان معاً بالتوازي أو التناوب تبعاً للظروف:
- التكيف الموجه نحو المشكلة (Problem-Focused Coping): ويهدف إلى تغيير الواقع المادي أو الاجتماعي المسبب للضغط بشكل مباشر؛ كالبحث عن معلومات إضافية، وتطوير خطط عمل لحل المشكلات، وحشد الموارد، والتفاوض، ومواجهة العقبات البيئية. يغلب هذا النمط عندما يقدر التقييم الثانوي أن الظرف قابل للتعديل والتحكم.
- التكيف الموجه نحو الانفعال (Emotion-Focused Coping): ويسعى إلى تنظيم الاستجابة الوجدانية والفسيولوجية المصاحبة للموقف دون تغيير الواقع الموضوعي بحد ذاته؛ ويشمل ذلك استراتيجيات مثل التشتيت الإيجابي، والإنكار الدفاعي، والتأمل، والبحث عن الدعم العاطفي، وإعادة التأطير المعرفي الإيجابي. يُلجأ إلى هذا النمط عندما يقيم الفرد أن الموقف حتمي ولا يمكن تغييره مادياً.
- التكيف القائم على إيجاد المعنى (Meaning-Focused Coping): أضاف لازاروس وسوزان فولكمان لاحقاً هذا البعد الثالث الذي يتجلى في الأزمات المزمنة الوجودية، حيث يعيد الفرد ترتيب أولوياته الأخلاقية والفلسفية لاشتقاق معنى عميق من رحم المعاناة الصعبة.
تؤكد النظرية على أن نجاح عملية التكيف لا يرتبط بتبني استراتيجية واحدة محددة ووصفها بأنها «صحية» بشكل مطلق، بل يرتبط بـ «المرونة التكيفية» (Coping Flexibility) وتطابق الاستراتيجية المختارة مع إمكانية التحكم الفعلية في الموقف؛ فمحاولة تغيير واقع مستحيل التغيير قد تجر الفرد إلى الإحباط المزمن، بينما الاستسلام العاطفي في مواجهة مشكلة قابلة للحل السريع يعد هروباً غير تكيفي.
التطبيقات الإكلينيكية والميدانية للنظرية
1. العلاج النفسي والعلاج المعرفي السلوكي
قدمت النظرية المعرفية الدافعية العلاقية أساساً صلباً لممارسات العلاج المعرفي السلوكي (CBT). فمن خلال فهم مستويات التقييم، يساعد المعالج النفسي العميل على كشف التقييمات التلقائية غير المتكيفة واستبدالها؛ حيث يُعاد فحص الملاءمة الهدفيّة، وتفكيك التهديد المتصور للأنا، واختبار الافتراضات المشوهة المتعلقة باللوم والعجز. يعمل العلاج على تطوير كفاءة التقييم الثانوي عبر تنمية مهارات حل المشكلات والتنظيم الذاتي للانفعال.
2. علم نفس الرياضة والأداء العالي
تُعد نظرية لازاروس إحدى أكثر النظريات استخداماً في إعداد الرياضيين للمنافسات الكبرى. يساعد فهم «الموضوع العلاقي الجوهري» المدربين على تحويل تقييم الرياضي للمنافسة من «تهديد للأنا» يولد قلق الأداء والتصلب العضلي، إلى «تحدٍّ إيجابي» يحفز الموارد الجسدية والمعرفية ويولد الحماس والتركيز العالي، من خلال إعادة هيكلة التقييم الثانوي لمهارات الرياضي وقدرته على السيطرة.
3. علم نفس الصحة ومواجهة الأمراض المزمنة
في السياق الصحي، بينت أبحاث النظرية كيف يتفاعل المرضى مع تشخيصات الأمراض الخطيرة كالسرطان أو اضطرابات القلب. المرضى الذين يمتلكون أطراً تقييمية تركز على المعنى وتعتمد استراتيجيات تكيف ملائمة لطبيعة المرحلة المرضية يظهرون استجابات مناعية أفضل، والتزاماً أعلى بالبروتوكولات العلاجية، وتدهوراً نفسياً أقل مقارنة بمن يعانون من عجز التقييم الثانوي أو الإنكار غير التكيفي.
4. بيئة العمل والضغط المهني
استفادت دراسات السلوك التنظيمي من النظرية لتفسير ظاهرة الاحتراق النفسي (Burnout). يتضح أن الضغط الوظيفي ينشأ عندما تفرض المنظمة متطلبات تتجاوز الموارد المعرفية والمادية للموظف مع غياب الاستقلالية والتحكم (التقييم الثانوي الضعيف)، مما يؤدي مع الوقت إلى فقدان الدافع والشعور بالاغتراب والإنهاك الوجداني التام.
التقييم النقدي والمقارنة مع النظريات المعاصرة
على الرغم من المكانة الرفيعة التي حظيت بها نظرية لازاروس، إلا أنها واجهت انتقادات علمية متعددة. تمثل أبرزها في صعوبة التحقق التجريبي الدقيق من تتابع عمليات التقييم المعرفي، نظراً لأن التقييمات تحدث غالباً بسرعة فائقة ودون وعي مباشر، مما يجعل قياسها عبر استبيانات التقرير الذاتي (Self-Report) عرضة للتحيز الاسترجاعي وإعادة البناء المنطقي بعد وقوع الحدث.
كذلك أشار بعض علماء الأعصاب إلى أن مسارات معالجة الخوف في الدماغ (مثل المسار السريع تحت القشري عبر اللوزة الدماغية الذي درسه جوزيف ليدوكس) تثبت إمكانية حدوث استجابات انفعالية فسيولوجية حادة قبل أن تتاح للقشرة المخية فرصة إجراء تقييم معرفي مركب. وقد رد أنصار لازاروس بأن هذا التنشيط العصبي الفوري يمثل في جوهره «تقييماً بدائياً» مسجلاً تطورياً، وأن المعنى الكامل للانفعال الإنساني لا ينضج إلا بالمعالجة العلاقية الغائية.
ومع ذلك، تظل النظرية متفوقة على النظريات الاختزالية الصرفة؛ لأنها ترفض اختصار الإنسان في مجرد شفرات عصبية أو منعكسات سلوكية، وتصر على أن المشاعر تعبير رفيع عن المنظومة الدلالية والأخلاقية للفرد أثناء مواجهته للعالم وصراعه للوصول إلى أهدافه.
خاتمة
رسخت النظرية المعرفية الدافعية العلاقية مفهوماً ثورياً للإنسان والانفعال؛ إذ جعلت من المشاعر بوصلة ذكية تدلنا بدقة على ما هو مهم وقيم في حياتنا، وتخبرنا أين نقف في علاقتنا مع البيئة ومع الآخرين. ومن خلال ترسيخ مفاهيم التقييم المعرفي بمستوييه الأولي والثانوي، والموضوعات العلاقية الجوهرية، وديناميات التكيف، منحت النظرية الباحثين والمعالجين لغة علمية رصينة لفهم السلوك البشري في أقصى لحظات ضعفه وقوته، مؤكدة أن سلامتنا النفسية لا تتوقف فقط على ما تقدمه لنا الحياة من ظروف، بل على الطريقة التي نقيم بها تلك الظروف والمعاني التي نخلعها عليها.
المراجع
- Lazarus, R. S. (1966). Psychological stress and the coping process. McGraw-Hill.
- Lazarus, R. S. (1991). Emotion and adaptation. Oxford University Press.
- Lazarus, R. S. (1999). Stress and emotion: A new synthesis. Springer Publishing Company.
- Lazarus, R. S., & Folkman, S. (1984). Stress, appraisal, and coping. Springer Publishing Company.
- Folkman, S. (2011). The Oxford handbook of stress, health, and coping. Oxford University Press.
- Scherer, K. R., Schorr, A., & Johnstone, T. (Eds.). (2001). Appraisal processes in emotion: Theory, methods, research. Oxford University Press.
- Zajonc, R. B. (1984). On the primacy of affect. American Psychologist, 39(2), 117–123.