العلوم العصبية الإدراكيةعلم النفس المعرفيفلسفة العقل

اللاوعي المعرفي

استكشف مفهوم اللاوعي المعرفي في علم النفس الحديث: نشأته وتطوره، والفرق الجوهري بينه وبين اللاشعور الفرويدي، ودوره الحاسم في معالجة المعلومات، والذاكرة الضمنية، وعمليات صنع القرار.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل مفهوم اللاوعي المعرفي (Cognitive Unconscious) نقطة تحول جوهرية في تاريخ الفكر النفسي المعاصر، حيث يمثل إعادة صياغة علمية ودقيقة لكيفية معالجة العقل البشري للمعلومات خارج نطاق الإدراك الواعي واليقظة الذاتية. فعلى النقيض من التصورات التحليلية الكلاسيكية التي ربطت العمليات اللاشعورية بالصراعات الغريزية المكبوتة، يقدم علم النفس المعرفي نموذجاً متطوراً يرى في اللاوعي منظومة حاسوبية فائقة التعقيد، تتولى إدارة العمليات الإدراكية والتنفيذية بكفاءة استثنائية. يستعرض هذا المدخل الموسوعي بنية اللاوعي المعرفي، وجذوره التاريخية، وآلياته البيولوجية والعصبية، وتجلياته في الذاكرة واتخاذ القرار.

التعريف الاصطلاحي والتأصيل المفهومي

يُعرَّف اللاوعي المعرفي في الأدبيات السيكولوجية الحديثة بأنه مجمل العمليات الذهنية، والبنى المعرفية، والآليات الحاسوبية التي تعمل بمعزل عن الوعي الاستبطاني الذاتي للفرد، ولكنها تؤثر بصورة حاسمة ومباشرة في الإدراك الحسي، والتفكير، والمشاعر، والسلوك الحركي. يرتكز هذا المفهوم على فرضية أساسية مفادها أن بنية الجهاز العصبي المركزي مصممة للتعامل مع كميات هائلة من المدخلات البيئية عبر قنوات معالجة آلية ومتوازية لا تتطلب بالضرورة تخصيص موارد انتباهية واعية.

وقد صيغ هذا المصطلح بشكل منهجي ورسمي على يد عالم النفس الأمريكي جون كيلستروم (John Kihlstrom) في مقالته التأسيسية البارزة المنشورة في مجلة Science عام 1987. أوضح كيلستروم أن معظم الأنشطة العقلية المعقدة، مثل استخلاص المعاني الدلالية، وبناء الأحكام التقييمية، وتخزين المعلومات واسترجاعها، تحدث في غياب الخبرة الشعورية المباشرة، مما يعني أن الوعي ليس شرطاً مسبقاً لحدوث العمليات المعرفية الراقية، بل هو في واقع الأمر نتاج متأخر ومحدود لنظام معالجة أعمق وأشمل بكثير.

يتسع نطاق اللاوعي المعرفي ليشمل طيفاً واسعاً من الظواهر السيكولوجية، بدءاً من المعالجة الحسية تحت العتبية (Subliminal Perception)، مروراً بالاستدلال الآلي، وانتهاءً بالاكتساب الضمني للقواعد اللغوية والمهارات الحركية المعقدة. إن هذا الاتساع يعكس تحولاً جذرياً في النظرة إلى العقل البشري؛ إذ لم يعد اللاوعي مخزناً مظلماً للمكبوتات النفسية، بل أصبح يُفهم بوصفه المحرك الأساسي والقاعدة المعرفية الراسخة التي يستند إليها الوعي الظاهر في كل لحظة من لحظات التفاعل مع العالم الخارجي.

الجذور الفلسفية والتطور التاريخي

على الرغم من أن التبلور العلمي للاوعي المعرفي ارتبط بصعود الثورة المعرفية في منتصف القرن العشرين، إلا أن جذوره الإبستمولوجية تمتد عميقاً في تاريخ الفلسفة الغربية. فقد أشار الفيلسوف الألماني غوتفريد فيلهلم لايبنتس (Gottfried Wilhelm Leibniz) في القرن السابع عشر إلى مفهوم “الإدراكات الدقيقة” (Petites Perceptions)، مؤكداً وجود عدد لا حصر له من الانطباعات الحسية التي تؤثر في النفس دون أن تبلغ درجة الإدراك الواعي أو التمييز الشعوري، وهو ما مهد الطريق لفصل الإدراك عن الوعي الذاتي.

وفي القرن التاسع عشر، قدم الطبيب والفيزيائي هيرمان فون هيلمهولتز (Hermann von Helmholtz) إسهاماً بالغ الأهمية من خلال نظريته حول “الاستدلال غير الواعي” (Unconscious Inference). جادل هيلمهولتز بأن العمليات الإدراكية البصرية ليست مجرد تسجيل ميكانيكي للصور على شبكية العين، بل هي عمليات استنتاجية منطقية معقدة يقوم بها الدماغ بصورة آلية وسريعة ودون أي وعي منا بالخطوات الوسيطة، وذلك لسد الثغرات وتفسير الإشارات الحسية الغامضة بناءً على الخبرات السابقة.

مع بداية القرن العشرين، أدت الهيمنة السلوكية في علم النفس الأمريكي إلى إقصاء مفاهيم الوعي واللاوعي على حد سواء، واعتبارها كيانات غير قابلة للقياس التجريبي. غير أن اندلاع الثورة المعرفية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وظهور الاستعارة الحاسوبية التي تقارن العقل البشري ببرمجيات معالجة البيانات، أعاد الاعتبار للعمليات الداخلية غير المرئية. وبحلول سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وفرت تقنيات علم النفس التجريبي والنمذجة المعرفية أدوات صارمة لدراسة العمليات العقلية اللاشعورية تجريبياً، متجاوزة الاستبطان الذاتي نحو القياس الكمي الموضوعي.

الافتراق الجوهري بين اللاوعي المعرفي واللاشعور الفرويدي

يعد التمييز بين اللاوعي المعرفي المعاصر واللاشعور الديناميكي الذي أسسه سيغموند فرويد (Sigmund Freud) في التحليل النفسي أحد أهم المحددات النظرية في علم النفس. ينبثق اللاشعور الفرويدي من مبدأ الصراع النفسي والدفاع؛ فهو مستودع محتشد بالنزوات الغريزية الجنسية والعدوانية، والرغبات المرفوضة أخلاقياً، والذكريات الصادمة التي أُبعدت قسراً عن الوعي عبر آلية الكبت النشط (Repression)، خشية تفجير القلق والتوتر النفسي داخل الأنا.

في المقابل، يتجرد اللاوعي المعرفي تماماً من الشحنات الانفعالية الصراعية والمفاهيم الغائية للكبت والدفاع. إن الطبيعة اللاشعورية لهذه العمليات المعرفية لا ترجع إلى كونها مرفوضة أو مهددة للأنا، بل تعود ببساطة إلى الهيكلية المعمارية للدماغ البشري وقدرته المحدودة على معالجة البيانات المتزامنة؛ فالعمليات العقلية تكون لاواعية لأنها تعمل آلياً، وبسرعة تفوق سرعة الانتباه الواعي، وبكفاءة بيولوجية تحافظ على الطاقة الإدراكية من الاستنزاف.

علاوة على ذلك، يختلف النمطان في المنهجية المعرفية للتحقق منهما؛ فبينما اعتمد النموذج الفرويدي على التفسير التأويلي لأعراض المرضى، وزلات اللسان، وتداعيات الأحلام الحرة، يستند نموذج اللاوعي المعرفي إلى تجارب مختبرية منضبطة تخضع لشروط التكرار، والقياس الزمني بالمللي ثانية، والتصوير الدماغي الوظيفي. وبناءً على ذلك، تحول اللاوعي من كيان درامي مليء بالأسرار والرموز إلى شبكة ديناميكية من الخوارزميات العصبية والحسابية الفعالة.

البنى والآليات المعرفية الأساسية

يتألف اللاوعي المعرفي من مجموعة متكاملة من البنى والوظائف العقلية التي تم إثباتها تجريبياً في المختبرات السيكولوجية، ويمكن تصنيفها إلى عدة مجالات محورية:

  • الذاكرة الضمنية (Implicit Memory): تشير إلى تأثير الخبرات والأحداث السابقة على الأداء الحالي دون أن يمتلك الفرد أي تذكر واعي أو استرجاع إرادي لتلك الأحداث. وقد ميز دانيال شاكتر بين الذاكرة الصريحة (التي تتطلب استدعاءً متعمداً) والذاكرة الضمنية التي تتجلى تلقائياً في السلوك والمهارات.
  • التهيئة المعرفية (Priming): ظاهرة تجريبية تتمثل في تيسير معالجة مثير معين نتيجة التعرض المسبق لمثير آخر ذي صلة دلالية أو بصرية أو صوتية، وتحدث هذه التهيئة حتى لو عُرض المثير الأول لفترة وجيزة جداً منعت وصوله إلى عتبة الإدراك الواعي (Subliminal Priming).
  • التعلم الضمني (Implicit Learning): العملية التي يكتسب من خلالها الفرد معرفة مجردة وهياكل معقدة حول البيئة، مثل القواعد النحوية الاصطناعية أو الأنماط الحركية المتسلسلة، دون القدرة على صياغة هذه القواعد أو إدراك كيفية تعلمها بصورة لفظية واعية.
  • الآلية الإدراكية والتنفيذية (Automaticity): تحول العمليات المعرفية المعقدة، مثل القراءة وقيادة السيارة والعزف الموسيقي، من عمليات تتطلب انتباهاً مقصوداً وجهداً شعورياً إلى إجراءات سريعة وتلقائية تعمل خارج دائرة الوعي بأقل قدر من التدخل الإرادي.

تعمل هذه البنى بتناغم متصل؛ فالتهيئة المعرفية توفر الأساس للاسترجاع السريع في الذاكرة الضمنية، بينما يتيح التعلم الضمني تحويل الخبرات التراكمية إلى سلوكيات آلية لا تتطلب جهداً ذهنياً مضنياً، مما يضمن مرونة التكيف البشري وتفاعله المستمر مع المحيط المادي والاجتماعي.

نماذج المعالجة المزدوجة ونظرية الأنظمة

لتفسير التفاعل المعقد بين الإدراك الواعي واللاوعي المعرفي، طور علماء النفس نماذج المعالجة المزدوجة (Dual-Process Theories)، والتي نالت انتشاراً واسعاً بفضل أعمال علماء بارزين مثل جوناثان إيفانز، وكيث ستانوفيتش، وعالم النفس الحائز على جائزة نوبل دانيال كانمان. تقسم هذه النماذج العمليات الذهنية إلى نظامين رئيسيين يمثلان مستويين متباينين لمعالجة المعلومات:

النظام الأول (System 1): يمثل تجسيداً عملياً للاوعي المعرفي؛ فهو نظام سريع، وتلقائي، ولا واعٍ، وعالي الكفاءة، ويعمل بأدنى جهد إدراكي ممكن. يعتمد هذا النظام على الترابطات الدلالية، والحدس، والخبرات السابقة، وال휴ريستيات (الاستدلالات السريعة). يتولى النظام الأول تنفيذ المهام الروتينية مثل التعرف الفوري على ملامح الوجوه، وتحديد اتجاه الأصوات المفاجئة، وفهم الجمل البسيطة بلغتنا الأم، دون الحاجة إلى قرار واعي أو تركيز مكثف.

النظام الثاني (System 2): يمثل العقل الواعي التأملي؛ فهو بطيء، ومجهد، ومتسلسل، وخاضع للسيطرة الإرادية. يتولى هذا النظام العمليات المعرفية العليا مثل الحسابات الرياضية المعقدة، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، والتحليل المنطقي النقدي، ومراجعة القرارات الآلية الصادرة عن النظام الأول. ومع ذلك، فإن النظام الثاني محدود الطاقة والقدرة الاستيعابية، مما يجعله عاجزاً عن إدارة الحياة اليومية بمفرده دون الاعتماد الكثيف والمستمر على النظام الأول غير الواعي.

توضح هذه النماذج أن اللاوعي المعرفي ليس مجرد بديل سلبي للوعي، بل هو الشريك الأكثر كفاءة وسرعة في المنظومة العقلية برمتها، حيث يتولى تصفية البيانات، وتوجيه الانتباه، وإعداد الخيارات البديلة مسبقاً، ليقوم الوعي فقط بالمصادقة عليها أو تعديلها عند الضرورة القصوى.

الأسس العصبية البيولوجية للاوعي المعرفي

شهدت دراسة اللاوعي المعرفي قفزات نوعية بفضل تقنيات التصوير العصبي الحديثة، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتخطيط أمواج الدماغ (EEG)، إلى جانب دراسة الحالات العصبية المرضية في علم النفس العصبي (Neuropsychology). وقد كشفت هذه الدراسات عن ركائز تشريحية واضحة ومحددة تميز العمليات اللاواعية عن نظيراتها الواعية داخل الدماغ.

تعد ظاهرة الرؤية العمياء (Blindsight) من أقوى الأدلة العصبية على استقلالية اللاوعي المعرفي. في هذه الحالة، يفقد المرضى الذين يعانون من تلف في القشرة البصرية الأولية (V1) الرؤية الواعية تماماً في أجزاء من مجالهم البصري، مدعين العمى التام؛ ومع ذلك، عندما يُطلب منهم تخمين موقع مثير ضوئي أو الإشارة إليه، فإن دقة إجاباتهم تفوق الصدفة بمراحل. يعود ذلك إلى وجود مسارات بصرية بديلة تحت قشرية، تمتد عبر الأكيمة العلوية (Superior Colliculus) والوسادة المهادية، وتستمر في معالجة المعلومات المكانية والحركية بصورة لاواعية تماماً.

كما بينت أبحاث عالم الأعصاب جوزيف ليدو (Joseph LeDoux) حول معالجة المشاعر، وتحديداً الخوف، وجود طريقين عصبيين لمعالجة الخطر: “طريق سفلي” سريع وتلقائي ينقل الإشارات الحسية مباشرة من المهاد إلى اللوزة الدماغية (Amygdala) دون المرور بالقشرة المخية، مما يؤدي إلى استجابات جسدية ودفاعية فورية قبل أن يدرك الدماغ طبيعة الخطر بوعي، و”طريق علوي” بطيء ينقل المعلومات عبر القشرة لإجراء تقييم واعي ومفصل. يؤكد هذا الفصل التشريحي أن العمليات الانفعالية والإدراكية اللاواعية تملك بنية عصبية مستقلة وضرورية للبقاء البيولوجي.

وفي إطار النماذج الشاملة للوعي، اقترح ستانيسلاس ديهاين (Stanislas Dehaene) نظرية “فضاء العمل العصبي العالمي” (Global Neuronal Workspace)، والتي تفيد بأن المعلومات تبقى في إطار اللاوعي المعرفي طالما بقيت معالجتها محصورة في شبكات معيارية موضعية داخل القشرة المخية. ولا تنبثق الخبرة الواعية إلا عندما تصبح تلك الإشارات قوية بما يكفي لإحداث استثارة واسعة النطاق تشمل الدوائر الجبهية الجدارية، مما يسمح بمشاركة البيانات وبثها عبر مختلف مناطق الدماغ في وقت واحد.

التطبيقات التجريبية والمنهجية في القياس

تطلب إثبات وجود اللاوعي المعرفي ابتكار أدوات تجريبية دقيقة وصارمة لعزل المعالجة اللاواعية عن التلوث الواعي أو الرغبة الاستجابية للمفحوصين. وقد وظف الباحثون عدداً من النماذج التجريبية البارعة لتحقيق هذه الغاية المعرفية:

  • تقنية الحجب البصري (Visual Masking): تتضمن عرض مثير مستهدف لفترة زمنية بالغة القصر (تتراوح بين 20 إلى 50 مللي ثانية)، متبوعاً فوراً بمثير بصري حاجب يمحو الأثر الحسي للمثير الأول ويمنع وصوله للوعي، مع الاستمرار في تتبع أثره الدلالي على المعالجة اللاحقة.
  • التنافس بين العينين والتثبيط المستمر للوميض (Continuous Flash Suppression): تقنية متقدمة تُعرض فيها ومضات بصرية ديناميكية وسريعة لإحدى العينين، مما يؤدي إلى كبح إدراك المثير المستقر المعروض للعين الأخرى لعدة ثوانٍ، مما يتيح دراسة المعالجة المعرفية المعقدة في أثناء كبح الوعي البصري لفترات طويلة.
  • اختبار الترابط الضمني (Implicit Association Test – IAT): تم تطويره بواسطة أنتوني جرينوالد وزملائه لقياس المعتقدات، والقوالب النمطية، والتحيزات الاجتماعية غير الواعية من خلال قياس الفروق الزمنية في سرعة الاستجابة الحركية عند تصنيف المفاهيم المترابطة مقابل المفاهيم المتنافرة.

تثبت هذه المناهج التجريبية المتسقة أن الدماغ يقوم بفك الشفرات الدلالية، والتحليل اللغوي، والتقييم العاطفي، وحتى العمليات الحسابية البسيطة للمثيرات التي تفشل بشكل مطلق في الوصول إلى حيز الإدراك والتقرير اللفظي الواعي، مما يقدم دليلاً قاطعاً على النشاط الدؤوب والمستقل للاوعي المعرفي.

التأثيرات على صنع القرار والسلوك البشري

يمتد تأثير اللاوعي المعرفي إلى ما هو أبعد من المختبرات الأكاديمية؛ إذ يؤثر جوهرياً في كل قرار نتخذه تقريباً وفي توجيه التفاعلات الاجتماعية والمهنية. ففي مجال اتخاذ القرارات، بينت دراسات “تأثير التفكير غير الواعي” (Unconscious Thought Theory) التي قادها أب ديكسترهويس (Ap Dijksterhuis) أن القرارات المعقدة للغاية، التي تنطوي على متغيرات متعددة ومتشابكة (مثل اختيار منزل أو استراتيجية عمل معقدة)، غالباً ما تُحل بصورة أفضل وأكثر إرضاءً عندما ينشغل العقل الواعي بمهمة إلهائية، مما يسمح للاوعي المعرفي بدمج المعلومات المتباينة وموازنة الأوزان النسبية دون قيود سعة الوعي المحدودة.

وفي السياق الاجتماعي، يؤدي الإدراك الاجتماعي الضمني (Implicit Social Cognition) دوراً مركزياً في تكوين الانطباعات السريعة، والتفاعل اللفظي وغير اللفظي، واتخاذ الأحكام القضائية أو الطبية الفورية. تتشكل هذه السلوكيات بتأثير تراكمات ثقافية وخبرات مستبطنة تعمل كقوالب معرفية توجه الاستجابات دون نية معلنة أو إدراك ذاتي من الفرد لوجودها.

كما يعتمد الإبداع وحل المشكلات الاستبصاري (Insight Problem Solving) اعتماداً وثيقاً على آليات اللاوعي المعرفي. فما يُعرف بـ “فترة الحضانة” (Incubation Period) في علم النفس الإبداعي يمثل مرحلة حيوية يستمر فيها العقل في إعادة هيكلة عناصر المشكلة، وتنشيط الروابط البعيدة بين المفاهيم في مستودعات الذاكرة اللاشعورية، حتى يتبلور الحل فجأة في الوعي في لحظة استبصار وإلهام مفاجئة تحاكي تجربة “يوريكا”.

النقاشات الفلسفية والانتقادات المعاصرة

على الرغم من النجاح التجريبي الهائل لمفهوم اللاوعي المعرفي، فإنه لا يزال يثير سجالات فلسفية وعلمية عميقة تتعلق بطبيعة العقل والحرية الإنسانية. ومن أبرز تلك المناقشات ما أثاره الفيلسوف الأمريكي جون سيرل (John Searle) من خلال “مبدأ الاتصال” (Connection Principle)، حيث جادل بأن أي حالة عقلية لاواعية يجب بالضرورة أن تكون قابلة للوصول إلى الوعي من حيث المبدأ، معتبراً أن الحديث عن تمثيلات معرفية غير واعية بصورة جذرية ومطلقة قد يخلط بين القوانين البيولوجية العصبية المحضة والعمليات المعرفية الحقيقية ذات الطابع القصدي (Intentionality).

كما برزت انتقادات منهجية تركز على إشكالية “معيار الوعي” في التجارب السلوكية؛ حيث يرى بعض الباحثين المتشككين أن التأثيرات المنسوبة للاوعي قد تكون في حقيقتها ناتجة عن وعي ضعيف أو عابر تلاشى من الذاكرة سريعاً قبل لحظة التقرير اللفظي، مما يعني أن العتبة بين الوعي واللاوعي قد تكون طيفاً تدريجياً وليست فاصلاً ثنائياً حاداً كما تصور بعض النماذج الحسابية المبكرة.

إضافة إلى ذلك، تثير النتائج المتزايدة حول هيمنة اللاوعي المعرفي على سلوكياتنا تساؤلات أخلاقية حول مفهوم “الإرادة الحرة” والمسؤولية القانونية؛ فإذا كانت أحكامنا وخياراتنا تُحسم إلى حد كبير عبر معالجات مسبقة وآلية غير خاضعة للتحكم الواعي المباشر، فإن المفاهيم الكلاسيكية حول التحكم الذاتي والاستقلال الأخلاقي تتطلب إعادة تقييم فلسفية رصينة تأخذ في الحسبان المعطيات التجريبية لعلم النفس العصبي الحديث.

خاتمة واستشراف مستقبلي

لقد أعاد مفهوم اللاوعي المعرفي صياغة فهمنا للطبيعة البشرية بصورة لا تقل جذرية عن الثورات العلمية الكبرى في التاريخ الإنساني؛ فالعقل البشري ليس كياناً شفافاً متطابقاً مع الوعي الاستبطاني، بل هو أشبه بجبل جليدي يمثل الوعي قمته البارزة واللامعة فقط، بينما يمتد جسده الأكبر والغني بالبنى المعرفية والعمليات الحسابية داخل أعماق اللاوعي.

إن استمرار التطور في أدوات القياس البيولوجي العصبي، والذكاء الاصطناعي، والنمذجة العصبية يفتح آفاقاً واعدة لفك شفرات هذا اللاوعي وفهم كيفية انبثاق الإدراك والشعور من التفاعلات الحسابية الصامتة للدماغ. وفي نهاية المطاف، يظل اللاوعي المعرفي الدعامة التطورية الخالدة التي تتيح للإنسان التكيف السريع، والتعلم العميق، والإبداع الاستثنائي في عالم يموج بالمعلومات والتعقيدات.

المراجع

  • Bargh, J. A., & Chartrand, T. L. (1999). The unbearable automaticity of being. American Psychologist, 54(7), 462–479. https://doi.org/10.1037/0003-066X.54.7.462
  • Dehaene, S. (2014). Consciousness and the brain: Deciphering how the brain codes our thoughts. Viking.
  • Dijksterhuis, A., & Nordgren, L. F. (2006). A theory of unconscious thought. Perspectives on Psychological Science, 1(2), 95–109. https://doi.org/10.1111/j.1745-6916.2006.00007.x
  • Greenwald, A. G., McGhee, D. E., & Schwartz, J. L. (1998). Measuring individual differences in implicit cognition: The implicit association test. Journal of Personality and Social Psychology, 74(6), 1464–1480. https://doi.org/10.1037/0022-3514.74.6.1464
  • Kahneman, D. (2011). Thinking, fast and slow. Farrar, Straus and Giroux.
  • Kihlstrom, J. F. (1987). The cognitive unconscious. Science, 237(4821), 1445–1452. https://doi.org/10.1126/science.3629249
  • LeDoux, J. E. (1996). The emotional brain: The mysterious underpinnings of emotional life. Simon & Schuster.
  • Schacter, D. L. (1987). Implicit memory: History and current status. Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition, 13(3), 501–518. https://doi.org/10.1037/0278-7393.13.3.501
  • Searle, J. R. (1992). The rediscovery of the mind. MIT Press.
  • Weiskrantz, L. (1986). Blindsight: A case study and implications. Oxford University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). اللاوعي المعرفي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-unconscious-2/
looti, Mohammed. “اللاوعي المعرفي.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-unconscious-2/.
looti, Mohammed. “اللاوعي المعرفي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/cognitive-unconscious-2/.