تُعد ظاهرة المساكنة (Cohabitation) واحدة من أبرز التحولات الاجتماعية والنفسية التي طرأت على بنية العلاقات الإنسانية في العصر الحديث، حيث أعادت صياغة المفاهيم التقليدية للشراكة والارتباط الأسري. يُشير هذا المفهوم في جوهره إلى اشتراك شخصين في علاقة عاطفية وحميمية في معيشة واحدة ومسكن مشترك دون توثيق هذا الارتباط عبر إطار الزواج القانوني أو الديني الرسمي. يهدف هذا المقال الموسوعي إلى تفكيك مفهوم المساكنة من منظور علم النفس وعلم الاجتماع الأسري، مستعرضاً الأبعاد التطورية، الديناميات العلائقية، والآثار المترتبة على الصحة النفسية واستقرار العلاقات الإنسانية.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي والنفسي للمساكنة
تُعرف المساكنة في الأدبيات السيكولوجية والاجتماعية بأنها نمط معيشي يتشارك فيه طرفان راشدان مسكناً واحداً وتجمعهما رابطة عاطفية وجنسية مستمرة، متجاوزين الصيغ التعاقدية الرسمية التي تفرضها المؤسسات الدينية أو المدنية. ولا تقتصر المساكنة على مجرد اقتسام الأعباء المادية أو السكن المشترك كما هو الحال بين زملاء الدراسة أو العمل، بل تتضمن درجة عالية من التداخل الحميمي والاعتمادية البينشخصية التي تحاكي في كثير من مظاهرها الحياة الزوجية التقليدية. يرى علماء النفس أن هذا الترتيب يمثل استجابة لحاجات إنسانية أساسية تتمثل في الانتماء والدعم العاطفي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هامش أوسع من الاستقلالية الفردية مقارنة بمؤسسة الزواج الكلاسيكية.
من الناحية النفسية، يختلف إدراك الأفراد للمساكنة باختلاف الدوافع الكامنة وراءها؛ فالبعض ينظر إليها كمرحلة تجريبية استكشافية تسبق اتخاذ قرار الزواج، بينما يعتبرها آخرون بديلاً دائماً ومكافئاً له يغنيهم عن القيود البيروقراطية والاجتماعية. تُشير الدراسات إلى أن الدوافع النفسية للمساكنة تتراوح بين الرغبة في اختبار التوافق النفسي والسلوكي بين الشريكين، وتفادي مخاطر الطلاق، والبحث عن الأمان العاطفي السريع دون تحمل التزامات بعيدة المدى. هذا التباين في الدوافع يجعل من المساكنة ظاهرة غير متجانسة سيكولوجياً، إذ تختلف مستويات الرضا والالتزام تبعاً للمقاصد الواعية وغير الواعية التي يقدم بها كل طرف على هذه الخطوة.
تُصنف المساكنة في علم النفس الإكلينيكي ضمن أطر العلاقات الحميمة التي تتطلب مهارات متقدمة في التفاوض وحل النزاعات، نظراً لغياب القواعد المعيارية الجاهزة التي توفرها عادة مؤسسة الزواج. في غياب العقود الصريحة، يجد الشريكان نفسيهما مضطرين لتحديد الأدوار والمسؤوليات، وتوزيع الواجبات المنزلية والمالية بصورة مستمرة، وهو ما قد يولد ضغوطاً تفاوضية إضافية على العلاقة. كما أن الغموض المحيط بمستقبل العلاقة قد يفرز حالة من عدم اليقين المعرفي، مما يؤثر بشكل مباشر على الآليات الدفاعية النفسية المتبعة ويزيد من احتمالية ظهور التوتر العلائقي.
السياق التاريخي والتطور السوسيولوجي للظاهرة
شهدت النصف الثاني من القرن العشرين تحولات جذرية في البنى الاجتماعية الغربية قادت إلى انتشار المساكنة كظاهرة واسعة النطاق بعد أن كانت هامشية وموصومة اجتماعياً. لعبت حركات التحرر الفردي، والثورة الجنسية في ستينيات القرن الماضي، وتراجع النفوذ المعياري للمؤسسات الدينية دوراً حاسماً في إزالة الوصمة المرتبطة بالسكن المشترك خارج أطر الزواج. تزامن ذلك مع التغيرات الاقتصادية الكبرى، ودخول المرأة لسوق العمل بكثافة، مما منحها استقلالية مالية قللت من اعتمادها التقليدي على مؤسسة الزواج كمصدر وحيد للأمان الاقتصادي، ومكّنها من إعادة صياغة خياراتها العاطفية بحرية أكبر.
تطورت نظرة المجتمعات إلى المساكنة عبر مراحل متعددة ومتميزة؛ ففي البداية، كانت تُعد ممارسة محظورة أو شكلاً من أشكال الانحراف المعياري، ثم تحولت تدريجياً لتصبح مرحلة انتقالية أو مقدمة شائعة تسبق الخطبة والزواج في العديد من الدول المتقدمة. وفي مراحل لاحقة، لا سيما في دول شمال أوروبا مثل السويد والدنمارك، أصبحت المساكنة نمط حياة معترفاً به قانونياً واجتماعياً ومكافئاً للزواج إلى حد كبير، حيث يتمتع الشركاء بحقوق وواجبات مماثلة لتلك الممنوحة للأزواج. هذا التحول من “التابو” إلى “المعيار السائد” يعكس تغيراً عميقاً في المنظومة القيمية التي تحكم العلاقات الشخصية الحديثة، حيث بات التركيز ينصب على الجودة الذاتية للعلاقة بدلاً من شكلها المؤسسي.
على النقيض من ذلك، لا تزال المساكنة في معظم المجتمعات النامية والمحافظة، وخاصة في العالم العربي والإسلامي، تواجه رفضاً قيمياً ودينياً وقانونياً قاطعاً، إذ تُصنف ضمن العلاقات غير الشرعية وتواجه عقوبات اجتماعية وقانونية صارمة. ومع ذلك، تشير بعض الدراسات الميدانية غير الرسمية إلى وجود أشكال خفية أو غير معلنة من المساكنة بين فئات محددة من الشباب في المدن الكبرى، وغالباً ما تُمارس في سياق من السرية والتوتر النفسي المستمر خوفاً من الفضيحة أو الملاحقة. يعكس هذا التباين العالمي صراعاً مستمراً بين الحداثة الفردانية والتقاليد الجماعية، ويؤكد أن المساكنة ليست مجرد خيار فردي، بل هي ظاهرة تتشكل في تقاطع الثقافة والاقتصاد والدين.
الأطر والنظريات النفسية المفسرة للمساكنة
يسعى علم النفس الاجتماعي والأسري إلى تفسير دوافع ومآلات المساكنة من خلال عدة أطر نظرية متكاملة، لعل أبرزها نظرية القصور الذاتي العلائقي (Relationship Inertia Theory) التي طورها العالمان ستانلي ومارك مان. تفترض هذه النظرية أن كثيراً من الشركاء ينزلقون إلى المساكنة تدريجياً لأسباب براغماتية (مثل توفير الإيجار أو الراحة اليومية) دون اتخاذ قرار واعٍ وحاسم بالالتزام طويل المدى، لكنهم يجدون لاحقاً صعوبة متزايدة في إنهاء العلاقة بسبب العوائق المادية واللوجستية المشتركة. يؤدي هذا “القصور الذاتي” إلى دفع بعض الشركاء نحو الزواج فقط لأن الانفصال بات مكلفاً ومعقداً، وليس بدافع الحب أو التوافق العميق، مما يفسر ارتفاع معدلات الهشاشة الزوجية لاحقاً بين الذين تساكنوا دون تخطيط مسبق.
من زاوية أخرى، تقدم نظرية التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory) تفسيراً اقتصادياً نفسياً لظاهرة المساكنة، معتبرة أن الأفراد يقيمون علاقاتهم بناءً على معادلة التكلفة والعائد. وفقاً لهذا النموذج، توفر المساكنة عوائد سريعة تشمل الدعم النفسي والحميمية الجسدية وتقاسم النفقات، في حين تفرض تكاليف خروج منخفضة مقارنة بالزواج الذي يتطلب إجراءات طلاق معقدة وخسائر مادية ومعنوية فادحة عند الفشل. يرى أصحاب هذا الطرح أن المساكنة تمثل استراتيجية تحوطية تقلل من المخاطر الاستثمارية العاطفية، لا سيما للأفراد الذين شهدوا تجارب انفصال مؤلمة في أسرهم الأصلية أو علاقاتهم السابقة.
كما تُسهم نظرية التعلق (Attachment Theory) التي أسسها جون بولبي في فهم التباينات الفردية في تفضيل المساكنة على الزواج. تشير الأبحاث إلى أن الأفراد ذوي نمط التعلق التجنبي (Avoidant Attachment) يميلون بشكل أكبر إلى المساكنة، إذ تسمح لهم بالحفاظ على مسافة أمان نفسية وتحميهم من التورط الكامل والاعتمادية المطلقة التي يتطلبها الزواج. في المقابل، قد يدخل الأفراد ذوو التعلق القلق (Anxious Attachment) في المساكنة سعياً وراء القرب الفوري وتهدئة مخاوف الهجر، إلا أنهم قد يعانون من قلق مزمن جراء غياب الضمانات الرسمية لاستمرار العلاقة، مما يخلق دينامية تفاعلية مضطربة بين الطرفين.
الديناميات النفسية والعاطفية في علاقات المساكنة
تتسم العلاقات القائمة على المساكنة بدرجة فريدة من التعقيد النفسي نابعة من التوتر الكامن بين الرغبة في الاستقلالية والحاجة إلى الأمان العاطفي. يُظهر التحليل السيكولوجي أن غياب الالتزام المؤسسي العلني يفرض على الشريكين إعادة إنتاج الثقة وتأكيد الرغبة في الاستمرار بشكل يومي، وهو ما قد يُعد ميزة إيجابية تجدد حيوية العلاقة، أو عبئاً نفسياً مستمراً يهدد شعورهما بالاستقرار. تشير الدراسات إلى أن مفهوم الالتزام في المساكنة ينقسم إلى شقين: التفاني الشخصي (Dedication) والقيود الهيكلية (Constraint)؛ وغالباً ما تشهد المساكنة تفوقاً للقيود الواقعية اليومية على حساب وضوح التفاني المستقبلي المشترك.
يُعد عدم التناظر في الالتزام (Commitment Asymmetry) من أبرز التحديات النفسية التي تواجه شركاء المساكنة، حيث يرغب أحد الطرفين في أن تكون المساكنة خطوة تمهيدية تفضي حتماً إلى الزواج، بينما يراها الطرف الآخر مجرد ترتيب مريح دون أفق زمني محدد. هذا التباين الإدراكي يولد بيئة خصبة للمشاعر السلبية كالإحباط، الاستغلال العاطفي، وتدني احترام الذات لدى الطرف الأكثر رغبة في الالتزام. كما يرتبط هذا الغموض بتراجع مستويات الإفصاح عن الذات والشفافية المالية والعاطفية، حيث يتردد الأفراد في الاستثمار الكامل في علاقة قد تنهار بسهولة ودون قيود ملزمة.
على مستوى الصحة النفسية، تشير البيانات البحثية إلى نتائج متباينة؛ فالأشخاص الذين يعيشون في مساكنة مستقرة يتمتعون بمستويات من الرفاه النفسي والدعم الاجتماعي أعلى من نظرائهم العزاب، إلا أنهم يسجلون في المتوسط معدلات أعلى قليلاً من أعراض الاكتئاب والقلق مقارنة بالمتزوجين. ويُعزى هذا الفارق في الغالب إلى قلة الدعم الاجتماعي الخارجي الذي قد تتلقاه علاقات المساكنة من العائلات الممتدة، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن التفاوض الدائم حول الأدوار، وغياب الحماية القانونية في حالات المرض أو الأزمات المالية الطارئة.
تأثير المساكنة على استقرار العلاقات والزواج اللاحق
شغل مفهوم أثر المساكنة (The Cohabitation Effect) حيزاً واسعاً في أبحاث علم النفس الاجتماعي لعقود، وهو مصطلح يشير إلى الملاحظة الإحصائية التي تفيد بأن الأزواج الذين تساكنوا قبل الزواج يميلون تاريخياً إلى إظهار معدلات رضا زوجي أقل ونسب طلاق أعلى مقارنة بالذين لم يتساكنوا قبل اقترانهم. فسر الباحثون هذه الظاهرة لسنوات عديدة من خلال فرضية الانتقاء (Selection Bias)، والتي تقترح أن الأفراد الذين يقبلون على المساكنة يمتلكون بطبيعتهم سمات شخصية وقيمية تجعلهم أكثر قبولاً لفكرة الطلاق وأقل تمسكاً بالالتزام طويل المدى، مثل ارتفاع الفردانية وتراجع التدين، مما يجعلهم أكثر عرضة لإنهاء الزواج عند أول أزمة.
غير أن الأبحاث المعاصرة، لا سيما تلك التي قادتها الباحثة ويندي مانينغ، أظهرت أن هذا التأثير لم يعد مطلقاً أو موحداً في المجتمعات الحديثة، بل يرتبط بشكل وثيق بالتوقيت والنية وراء الانتقال للمعيشة المشتركة. لقد تبين أن المساكنة التي تحدث بعد الارتباط الرسمي أو الخطوبة الصريحة لا تترك أثراً سلبياً على الزواج اللاحق، بل قد تعزز من التوافق العملي بين الشريكين. في حين تظل المساكنة التي تحدث دون خطط واضحة للمستقبل مرتبطة بمخاطر الانفصال، نظراً لأنها غالباً ما تؤدي إلى “الزواج بالقصور الذاتي” كما أُشير سابقاً، حيث يرتبط الشريكان رسمياً دون نضج كافٍ للقرار المشترك.
علاوة على ذلك، أدى انتشار المساكنة وتطبيعها الاجتماعي في العديد من البلدان إلى تلاشي الفروق الإحصائية تدريجياً بين المجموعتين؛ فكلما أصبحت المساكنة ممارسة معيارية لا تقتصر على فئات معينة، قلت الفروق في السمات الشخصية بين المتساكنين وغير المتساكنين. ومع ذلك، يؤكد المعالجون النفسيون والأسريون أن المساكنة قد ترسخ أحياناً عادات تواصل غير بناءة، مثل سهولة الانسحاب وتجنب المواجهة الجادة للمشاكل المشتركة، وهي سلوكيات إذا انتقلت إلى مؤسسة الزواج فإنها تهدد ديمومته واستقراره على المدى الطويل.
المساكنة وتربية الأطفال: الآثار النفسية والنمائية
تكتسب ظاهرة المساكنة أبعاداً نفسية أكثر تعقيداً وخطورة عندما يتضمن الترتيب المعيشي وجود أطفال، سواء كانوا ثمرة هذه العلاقة أو نتاج علاقات سابقة لأحد الشريكين. تكشف الدراسات في علم نفس النمو أن الأطفال الذين ينشؤون في أسر قائمة على المساكنة يواجهون في المتوسط مستويات أعلى من عدم الاستقرار الأسري مقارنة بالأطفال الذين يعيشون مع والدين متزوجين. يرجع ذلك أساساً إلى أن علاقات المساكنة تنطوي إحصائياً على معدلات انفصال وتفكك أعلى بكثير من الزيجات الرسمية، مما يعرض الطفل لصدمات الفقدان المتكررة وتغير البيئة المعيشية، وهو ما ينعكس سلباً على نموه النفسي والوجداني.
يؤثر عدم الاستقرار الهيكلي للأسرة المساكنة على شعور الطفل بالأمان والارتباط الآمن؛ فالأطفال حساسون للغاية للمشاعر الدفينة وعدم اليقين الذي قد يطغى على العلاقة بين والديهم. وقد أظهرت الأبحاث أن هؤلاء الأطفال يسجلون في كثير من الأحيان مستويات أعلى من المشكلات السلوكية (مثل العدوانية وفرط النشاط) والصعوبات الانفعالية (كالقلق والاكتئاب)، إلى جانب تراجع طفيف في التحصيل الأكاديمي. ومع ذلك، يشدد علماء النفس على أن الكثير من هذه الفروق لا يعود إلى الشكل القانوني للعلاقة بحد ذاته، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمتغيرات وسيطة مثل الفقر، وتدني الموارد الاقتصادية، وارتفاع مستويات التوتر داخل الأسرة.
تزداد التحديات النفسية عمقاً في حالات الأسر المركبة الناتجة عن المساكنة، حيث يعيش الطفل مع أحد والديه وشريك جديد ليس له به صلة بيولوجية أو التزام قانوني ملزم. في هذه البيئات، قد تنشأ صراعات حول السلطة والانضباط والولاء العاطفي، وقد يشعر الطفل بالتهميش أو بالتهديد لوجود دخيل في فضائه الأسري. يتطلب بناء علاقات إيجابية وصحية في هذه الأنماط وعياً تربوياً فائقاً ومهارات تواصل متقدمة لتجنيب الأطفال الصدمات النفسية وتوفير بيئة داعمة تلبي احتياجاتهم النمائية دون تعريضهم لتقلبات العلاقات العابرة.
الفروق الثقافية والمعيارية: المقارنة بين السياقات الغربية والشرقية
تتباين التمثلات النفسية والاجتماعية للمساكنة تبايناً جذرياً عند مقارنة المجتمعات الغربية الفردانية بالمجتمعات الشرقية والعربية التي تسودها القيم الجمعية والدينية. في السياقات الغربية، أصبحت المساكنة خياراً نمطياً يقع ضمن مسار النضج والاستقلال الفردي الطبيعي، وتدعمه بنى تحتية قانونية تضمن حقوق الشركاء وتنظم التزاماتهم المتبادلة. في هذا المناخ، نادراً ما يعاني الشركاء من مشاعر الذنب أو الصراع القيمي، إذ يجدون قبولاً واعترافاً من محيطهم الاجتماعي وأسرهم، مما يقلل من الضغوط الخارجية المؤثرة على العلاقة ويحصر التحديات في الديناميات البينشخصية الداخلية فقط.
في المقابل، يمثل الانخراط في المساكنة في العالم العربي والإسلامي تحدياً نفسياً واجتماعياً بالغ التعقيد؛ فالعلاقات الجنسية والمعيشية خارج إطار عقد الزواج الشرعي تُعتبر محرمة دينياً ومدانة عرفياً ومجرّمة قانونياً في معظم التشريعات الوطنية. وبالتالي، فإن الأفراد الذين يختارون هذا النمط السلوكي غالباً ما يعيشون في بيئات يسودها التكتم الشديد والقلق المزمن من الانكشاف والعقاب الاجتماعي، مما يولد ضغطاً نفسياً حاداً (Chronic Social Stress) قد يؤدي إلى العزلة والشعور بالاغتراب عن المجتمع والأسرة. كما تبرز صراعات التنافر المعرفي لدى الأفراد الذين تشربوا القيم الثقافية الأصلية لكنهم يمارسون سلوكاً يناقضها، مما يفرز مشاعر عميقة بالذنب ولوم الذات.
علاوة على ذلك، تلعب الشبكات الاجتماعية الأسرية دوراً متبايناً في كلا السياقين؛ فبينما يمكن للأسرة في الغرب أن تستقبل شريك المساكنة كفرد مرحب به في المناسبات العامة، تفرض الأسر في المجتمعات المحافظة مقاطعة صارمة ورفضاً قاطعاً قد يصل إلى العنف أو التبرؤ الرمزي والفعلي من الأبناء المتساكنين. هذا الحرمان من شبكة الأمان والمساندة الاجتماعية الأسرية يضع عبئاً عاطفياً مضاعفاً على العلاقة ذاتها، إذ يُطلب من الشريك أن يكون البديل الحصري لكافة أشكال الدعم، وهو عبء غالباً ما يفوق طاقة العلاقات غير الموثقة، مما يسرع في تفككها ويزيد من هشاشتها النفسية.
التداعيات القانونية والاقتصادية وتأثيرها على استقرار الرابطة
تؤثر الأطر الاقتصادية والقانونية تأثيراً مباشراً وغير مباشر على البنية النفسية لعلاقات المساكنة ومدى متانتها؛ فمن الناحية الاقتصادية، تتسم المساكنة بمستويات أقل من الاندماج المالي مقارنة بالزواج، حيث يفضل معظم المتساكنين الاحتفاظ بحسابات بنكية منفصلة وممتلكات مستقلة. يعكس هذا الفصل المالي رغبة واعية أو غير واعية في تقليل التكاليف في حال حدوث انفصال، ولكنه في الوقت نفسه يحد من الشعور بـ “المصير المشترك” والتكافل الكامل الذي يميز الزيجات المستقرة، مما يعزز النزعة الفردية داخل الفضاء المعيشي المشترك ويقلل من الترابط النفسي طويل المدى.
من الناحية القانونية، تخلق التباينات التشريعية تحديات سيكولوجية تتعلق بالشعور بالأمان القانوني؛ ففي الدول التي لا تعترف بـ “الزواج بحكم الواقع” (Common-Law Marriage) أو لا توفر اتفاقيات مساكنة رسمية، يجد الشريك الأضعف اقتصادياً (غالباً المرأة، لا سيما في حال وجود أطفال أو التفرغ للرعاية المنزلية) نفسه في وضع هش للغاية وخالٍ من أي حماية عند الانفصال أو وفاة الطرف الآخر. هذا الإدراك للهشاشة القانونية يولد قلقاً مستمراً وشعوراً بالتهديد المستمر، مما قد ينعكس سلباً على موازين القوى داخل العلاقة، ويجعل اتخاذ القرارات اليومية محكوماً بالخوف والحيطة بدلاً من الثقة والانفتاح التام.
على صعيد التدخلات النفسية والإرشاد الأسري، يواجه المعالجون النفسيون تحديات فريدة عند التعامل مع قضايا المتساكنين؛ حيث يقتضي العمل الإكلينيكي أولاً استكشاف البنية القانونية والتنظيم المالي للعلاقة كمدخل لفهم التوترات العاطفية الدفينة. يتطلب الأمر توضيح الحدود، وإماطة اللثام عن التوقعات غير المعلنة، ومساعدة الشريكين على صياغة التزامات صريحة ومحددة تعوض غياب الإطار المؤسسي. يؤكد الباحثون أن الشفافية في إدارة الجوانب المادية والقانونية تلعب دوراً وقائياً حاسماً في تعزيز الصحة النفسية للشريكين وحماية الروابط العاطفية من الانهيار تحت وطأة الأزمات المفاجئة.
خاتمة واستشراف مستقبلي
في الختام، تُبرز القراءة النفسية والاجتماعية لظاهرة المساكنة أنها ليست مجرد شكل بديل لترتيبات السكن، بل هي تجلٍ معقد لتحولات الهوية الفردية، وتغير معايير الالتزام والأمان العاطفي في العالم المعاصر. ورغم ما تتيحه المساكنة من مرونة ومساحة لاستكشاف التوافق الذاتي وتقليل تكاليف الخروج من العلاقات غير المجدية، إلا أنها تحمل في طياتها تحديات سيكولوجية عميقة تنبع من غموض التوقعات، وهشاشة الاستقرار، وافتقارها في كثير من السياقات إلى الغطاء المؤسسي والاجتماعي الداعم. إن فهم هذه الديناميات يظل مدخلاً جوهرياً للمختصين في علم النفس والإرشاد الأسري لتقديم الدعم الملائم للأفراد، بما يضمن بناء علاقات إنسانية صحية تقوم على الوضوح، والمسؤولية، والارتباط العاطفي الناضج سواء اختار الأفراد تأطيرها بالزواج أو غيره من الصيغ المعيشية.
المراجع
- Cherlin, A. J. (2004). The deinstitutionalization of American marriage. Journal of Marriage and Family, 66(4), 848–861. https://doi.org/10.1111/j.0022-2445.2004.00058.x
- Manning, W. D., & Cohen, J. A. (2012). Premarital cohabitation and marital stability: The importance of marriage cohort and race/ethnicity. Social Science Research, 41(5), 1061–1075. https://doi.org/10.1016/j.ssresearch.2012.04.004
- Rhoades, G. K., Stanley, S. M., & Markman, H. J. (2009). The pre-engagement cohabitation effect: A replication and extension of previous findings. Journal of Family Psychology, 23(1), 107–111. https://doi.org/10.1037/a0014358
- Stanley, S. M., Rhoades, G. K., & Markman, H. J. (2006). Sliding versus deciding: Inertia and the premartial cohabitation effect. Family Relations, 55(4), 499–509. https://doi.org/10.1111/j.1741-3729.2006.00418.x
- Thomson, E., & Hanson, T. L. (1996). Cohabitation and children’s well-being. In A. Booth & A. C. Crouter (Eds.), State of the union: Cohabitation and marriage in contemporary America. Lawrence Erlbaum Associates.