يمثل العجز عن بلوغ ذروة النشوة الجنسية أثناء الاتصال الجنسي الإيلاجي، أو ما يُعرف في الأدبيات السريرية بمصطلح لاإرجازية الجماع (Coital Anorgasmia)، إحدى أكثر الظواهر إثارة للجدل والنقاش في حقول علم النفس الجنسي والطب النفسي الحديث. لا يقتصر هذا التحدي على كونه استجابة فسيولوجية متباينة، بل يمتد ليتشابك بعمق مع التكوين النفسي المعقد للفرد، والديناميات العلائقية بين الشريكين، والتوقعات السوسيو-ثقافية المتوارثة حول الأداء الجنسي السوي والمعياري. إن الفهم الدقيق لهذه الحالة يتطلب تفكيكاً منهجياً للمفاهيم التي خلطت لعقود طويلة بين الوظيفة التشريحية الطبيعية والاضطراب الإكلينيكي الحقيقي، مما يمهد الطريق لتقديم دعم علاجي نفسي مستند إلى الأدلة العلمية الرصينة.
التحديد المفاهيمي والتصنيف السريري للاإرجازية
تُعرّف لاإرجازية الجماع بأنها حالة تتمثل في عدم القدرة على الوصول إلى النشوة الجنسية (Orgasm) عبر الإيلاج المهبلي حصراً، على الرغم من وجود استثارة جنسية كافية وتوافر القدرة الوظيفية الكاملة على بلوغ الرعشة من خلال وسائل التحفيز الأخرى، مثل التحفيز اليدوي أو الفموي للبظر. من الناحية التصنيفية، يندرج هذا النمط تحت مظلة “اللاإرجازية الظرفية” (Situational Anorgasmia)، والتي تتمايز جذرياً عن اللاإرجازية الشاملة أو المطلقة (Generalized Anorgasmia) التي تنعدم فيها النشوة تحت أي ظرف وبأي وسيلة تحفيزية كانت.
في سياق الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين (DSM-5)، يُصنّف اضطراب النشوة الجنسية لدى الإناث (Female Orgasmic Disorder) استناداً إلى معايير دقيقة تشمل التأخر الملحوظ في النشوة، أو ندرتها الشديدة، أو غيابها التام، أو الانخفاض الجوهري في شدة الإحساس بها في 75% إلى 100% من الأنشطة الجنسية، على أن يستمر ذلك لمدة لا تقل عن ستة أشهر متواصلة، وأن يُحدث ضائقة نفسية سريرية ذات دلالة لدى المرأة. ورغم ذلك، يشدد الدليل على ضرورة عدم تشخيص الحالة كاضطراب نفسي إذا كان السبب الأساسي يعود إلى نقص التحفيز الجنسي الكافي أو الملائم، وهو ما يُعد جوهر حالة لاإرجازية الجماع في معظم الحالات السريرية.
تتطلب الدقة المنهجية التمييز بين الأنماط الأولية والثانوية في السياق السريري؛ فالنمط الأولي (Primary) يشير إلى عدم بلوغ النشوة عبر الإيلاج إطلاقاً عبر المسار الحياتي للشخص، في حين يشير النمط الثانوي المكتسب (Secondary/Acquired) إلى حدوث الحالة بعد فترة من الاستجابة الوظيفية السابقة. هذا التمايز يوجه المعالج النفسي نحو استقصاء الفروق الجوهرية بين الأسباب البنيوية والتطورية، وتلك الناشئة عن تغيرات طارئة في البيئة النفسية أو العلاقة الزوجية أو الحالة الصحية العضوية.
من المهم الإشارة إلى أن الغالبية الساحقة من الدراسات الإبيديميولوجية تشير إلى أن ما نسبته 70% إلى 80% من النساء يحتجن إلى تحفيز مباشر للبظر من أجل بلوغ النشوة، ولا يستطعن الوصول إليها عبر حركة الإيلاج المجردة وحدها. وعليه، فإن علم النفس المعاصر والطب الجنسي يميلان تدريجياً نحو تجريد لاإرجازية الجماع من صفة “المرضية المطلقة”، والنظر إليها كنمط من أنماط التباين الفسيولوجي الطبيعي للاستجابة الجنسية الأنثوية، ما لم تترافق مع معاناة نفسية ذاتية تنبع من شعور بالنقص أو الإحباط.
الجذور التاريخية والجدل السيكولوجي: من فرويد إلى ماسترز وجونسون
تضرب الجذور التاريخية لسوء الفهم المحيط بلاإرجازية الجماع عميقاً في التراث التحليلي النفسي المبكر، لا سيما مع الأطروحات التي قدمها سيغموند فرويد في بدايات القرن العشرين. صاغ فرويد نظريته المثيرة للجدل حول النضج النفسي الجنسي للمرأة، مدعياً أن الانتقال السوي من الطفولة إلى الأنوثة الناضجة يتطلب تحولاً وظيفياً ورمزياً لمركز الإحساس والنشوة من “البظر” (الذي اعتبره عضواً طفولياً ذكورياً في رمزيته) إلى “المهبل”. ووفقاً لهذه الرؤية الفرويدية، وُصفت النساء اللواتي لا يصلن إلى الذروة عبر الإيلاج المهبلي بكونهن يعانين من تثبيت نفسي (Fixation)، أو كبت جنسي، أو نكوص عصابي ينم عن عدم تقبل الدور الأنثوي، مما رسخ لقرون وصمة نفسية ثقيلة طالت ملايين النساء حول العالم.
استمرت هذه الهيمنة الفكرية حتى منتصف ستينيات القرن العشرين، حينما أحدث الباحثان ويليام ماسترز وفيرجينيا جونسون (Masters & Johnson) ثورة علمية كبرى عبر أبحاثهما المخبرية الرائدة حول فسيولوجيا الاستجابة الجنسية البشرية. أثبتت تجاربهما المختبرية الموثقة تشريحياً وفسيولوجياً أن جميع هزات الجماع لدى النساء متشابهة من حيث البنية العضلية والانقباضات الفسيولوجية، وأن البظر هو المركز الحسي الأساسي والمحفز الأكبر لأي نشوة، حتى تلك التي تحدث أثناء الإيلاج، حيث يتم تحفيزه بطريقة غير مباشرة عبر شد الشفرين والقلنسوة البظرية خلال حركة الاحتكاك الميكانيكي. وبذلك، نسفت أبحاث ماسترز وجونسون الخرافة التحليلية التي ميزت بين نوعين مستقلين من النشوة، أحدهما بظري والآخر مهبلي متفوق.
تعزز هذا التحول الإبستيمولوجي بظهور تقرير شير هايت (The Hite Report) في سبعينيات القرن العشرين، والذي جمع بيانات نوعية موسعة من آلاف النساء حول تجاربهن الجنسية الفعلية. كشفت النتائج أن عدم بلوغ النشوة عبر الإيلاج المهبلي المجرد هو القاعدة الإحصائية الشائعة لدى النساء وليس الاستثناء، مما قاد الحركة النسوية وعلم النفس الإكلينيكي النقدي إلى إعادة تعريف مفهوم المتعة الجنسية، وتفكيك المركزية الإيلاجية (Coitocentrism) التي هيمنت على الفكر الغربي والطبي لعقود، مؤكدين أن حصر الرضا الجنسي في نموذج الإيلاج التقليدي يعكس انحيازاً ذكورياً يتجاهل الطبيعة البيولوجية الحقيقية لجسد المرأة.
المحددات التشريحية والفيزيولوجية العصبية للاستجابة الجنسية
لفهم الآليات الكامنة وراء لاإرجازية الجماع، يتعين الغوص في التركيب التشريحي الدقيق لما يُعرف حديثاً باسم “المعقد البظري-الإحليلي-المهبلي” (Clitourethrovaginal Complex – CUV). أظهرت الدراسات التشريحية المتقدمة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي أن البظر ليس مجرد حبة صغيرة ظاهرة، بل هو عضو تشريحي ضخم يتفرع إلى ساقين (Crura) وجسمين كهفيين وبصلتين دهليزيتين تمتد في عمق الحوض وتحيط بالثلث الخارجي للمهبل. وبناءً على هذا التركيب، فإن الاستثارة أثناء الجماع تعتمد على مدى قرب هذه التفرعات التشريحية من جدران المهبل، ومدى توفر الزاوية والحركة الكافية لإحداث التحفيز الميكانيكي الضروري أثناء الإيلاج.
تلعب التغذية العصبية دوراً حاسماً في إتمام دورة الاستجابة الجنسية؛ حيث ينقل العصب الفرجي (Pudendal Nerve) الإشارات الحسية الرئيسية من منطقة البظر والفرج إلى النخاع الشوكي العجزي، وتحديداً في المستويات (S2-S4). في المقابل، تُعصّب جدران المهبل العميقة عبر الجهاز العصبي الذاتي اللاإرادي (Autonomic Nervous System)، بما في ذلك الضفيرة الخثلية السفلية وعصب الحوض، وهي مناطق تتميز بكثافة نهايات عصبية أقل نوعياً للتحسس التمييزي للمس مقارنة بتلك الموجودة في البظر، مما يفسر انخفاض القدرة على الوصول إلى النشوة عبر الاحتكاك المهبلي الداخلي فقط لدى الكثير من النساء.
على المستوى الغدي والهرموني، تلعب التوازنات بين الإستروجين والتستوستيرون والبرولاكتين والأوكسيتوسين أدواراً متكاملة في ضبط الإثارة والترطيب المهبلي والتحفيز العصبي المركزي. كما تتحكم النواقل العصبية في الدماغ بالعملية بشكل بالغ الحساسية، حيث يعمل الدوبامين والمحفزات النورأدرينالية على تحفيز الرغبة وبلوغ الذروة، بينما يمارس السيروتونين كبحاً مركزياً على الاستجابة الإرجازية. ولهذا السبب بالتحديد، تؤدي بعض الأدوية النفسية شائعة الاستخدام، مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، إلى تفاقم مشكلة اللاإرجازية وصعوبة بلوغ النشوة كأثر جانبي دوائي بارز يستلزم التدخل السريري.
العوامل النفسية والديناميات العلائقية المسببة
تتضافر في لاإرجازية الجماع عوامل نفسية عميقة تتجاوز البعد التشريحي البحت، ويبرز في مقدمتها مفهوم “المراقبة الذاتية” أو الاستعراضية الانفصالية (Spectatoring)، وهو مصطلح سريري دقيق صاغه ماسترز وجونسون ليصف حالة الانقسام المعرفي الذي تعاني منه المرأة أثناء العلاقة الحميمة. في هذه الحالة، تتحول المرأة من مشاركة حسية منغمسة في تدفق المتعة إلى ناقدة خارجية ومراقبة متوجسة ترصد أداء جسدها، وتتساءل بقلق: “هل سأصل إلى النشوة الآن؟ هل ينتظر الشريك طويلاً؟ هل يراني غير جذابة؟”، وهذا الانفصال المعرفي ينشط الجهاز العصبي الودي، مطلقاً هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، وهو ما يعطل بصورة ميكانيكية المنظومة العصبية السمبثاوية-الباراسمبثاوية اللازمة للوصول إلى النشوة.
يرتبط قلق الأداء (Performance Anxiety) الوثيق بالمراقبة الذاتية بضغط التوقعات؛ حيث تشعر المرأة غالباً بعبء نفسي ثقيل يتمثل في ضرورة الوصول إلى النشوة كنوع من إثبات “الأنوثة الكاملة” أو كـ “مكافأة” لشريكها على جهده. يتسبب هذا الضغط في خلق حلقة مفرغة، حيث يولد الخوف من عدم بلوغ النشوة توتراً متزايداً يقضي تماماً على إمكانية الاسترخاء العضلي والنفسي الضروري لحدوث ردود الفعل الانعكاسية للأورجازم، مما ينتهي بالإحباط وتجنب النشاط الجنسي كاستراتيجية دفاعية تجنباً للشعور بالفشل المتكرر.
تلعب الديناميات العلائقية وأنماط التعلق العاطفي دوراً لا يقل أهمية في تأصيل هذه الصعوبة، فالنساء اللواتي يمتلكن نمط تعلق قلق أو تجنبي يجدن صعوبة متزايدة في الاستسلام الكامل للحظة الحميمية وفقدان السيطرة الواعي المصاحب للنشوة الجنسية. يؤدي انعدام التواصل الصريح والشفاف بين الشريكين حول التفضيلات الحسية، ووجود صراعات غير محلولة، أو مشاعر دفينة من الاستياء والغضب العاطفي المكبوت، إلى جدار صد نفسي يحول دون الاستجابة الجسدية العفوية، حيث يعتبر الجسد ساحة تعبير لاواعية عن التوترات والمسافات العاطفية بين الزوجين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التجارب الصادمة السابقة، مثل التعرض لأشكال مختلفة من الاعتداء الجنسي، أو الإساءة النفسية والجسدية في مراحل الطفولة أو المراهقة، تترك بصمات تروما عميقة في الذاكرة الجسدية (Somatic Memory). يؤدي هذا التكيف الدفاعي القديم إلى تشغيل آليات الانفصال الجسدي (Dissociation) عند ملامسة الحميمية، حيث يفسر الجهاز العصبي الإيلاج كخطر كامن يستوجب التشنج والتحفظ، بدلاً من كونه مساحة آمنة لتفريغ الشحنات الحركية والعاطفية وتحقيق الاسترخاء النشواني.
الأبعاد السوسيو-ثقافية والتوقعات الجنسية المعيارية
لا تتشكل تجربة المتعة الجنسية في فراغ بيولوجي منعزل، بل تنبثق ضمن سياق ثقافي واجتماعي يفرض نصوصاً جنسية (Sexual Scripts) محددة تملي على الأفراد ما يجب أن يشعروا به، وكيف ومتى. إن التكريس الثقافي السائد لفكرة “مركزية الإيلاج” يختزل كامل العملية الجنسية في مشهد القضيب والمهبل، معتبراً أن أي نشاط آخر هو مجرد “مداعبة تمهيدية” غير ذات قيمة جوهرية. هذا التصور الثقافي يضع عبئاً غير واقعي على الإيلاج كمعيار وحيد للنجاح الجنسي، مما يولد لدى النساء اللواتي لا يصلن إلى الذروة عبره شعوراً دفيناً بالدونية والخلل البيولوجي.
تلعب المواد الإباحية والإنتاج الإعلامي الاستهلاكي دوراً خطيراً في ترسيخ هذه التشوهات الإدراكية؛ حيث يتم تصوير النساء فيها بانتظام وهن يبلغن هزات جماع متتالية وفورية بمجرد حدوث الإيلاج المجرد، وبدون أي تحفيز إضافي للبظر. هذه المشاهد المفبركة والموجهة للإثارة البصرية تخلق معايير زائفة لدى الرجال والنساء على حد سواء، مما يؤدي إلى توليد توقعات مستحيلة تؤثر سلباً على التقدير الذاتي للجسد، وتغذي شعور المرأة بالذنب والقصور حيال جسدها الطبيعي الذي يتطلب مساراً استثارياً مختلفاً كلياً.
علاوة على ذلك، فإن المحظورات والوصمات الاجتماعية المتعلقة بالاستكشاف الجسدي الذاتي لدى الفتيات في مراحل التنشئة الاجتماعية تسهم بشكل فعال في تكريس لاإرجازية الجماع. إن البيئات الثقافية والدينية المتشددة التي تصبغ رغبات المرأة بالخطيئة والنجاسة والعار تؤدي إلى كبت الفضول التشريحي، مما يحرم الفتاة من التعرف على خريطتها الحسية الخاصة، فتدخل مؤسسة الزواج وهي تجهل تماماً ما يثيرها، وتعتمد كلياً على مبادرة الشريك الذي قد يفتقر بدوره إلى المعرفة البيولوجية بأهمية البظر وموقعه وحاجته للتحفيز المستمر.
التقييم والتشخيص الفارق في العيادة النفسية
يتطلب التقييم السريري الدقيق للاإرجازية نهجاً بيولوجياً-نفسياً-اجتماعياً شاملاً (Biopsychosocial Approach) يستند إلى تفكيك تاريخ الحالة باستفاضة. يبدأ المعالج النفسي بأخذ تاريخ جنسي وطبي مفصل يشمل بدايات الوعي بالمتعة، وتجارب الاستمناء الفردي، والخبرات الجنسية التشاركية، إلى جانب استقصاء مدى وجود الضائقة النفسية الذاتية (Subjective Distress). من الضروري هنا التأكد من استبعاد التشخيصات الخاطئة الناتجة عن مجرد افتقار العلاقة للتقنيات والتحفيز الكافي أو الجهل بالتشريح الجنسي الأساسي، حيث يُحل هذا اللبس غالباً عبر التثقيف النفسي المباشر بدلاً من إدراج المراجعة تحت تصنيف مرضي.
يعد التشخيص الفارق (Differential Diagnosis) مرحلة جوهرية لاستبعاد المسببات العضوية الكامنة؛ إذ ينبغي على الفريق الطبي تقييم مستويات الهرمونات، واستبعاد الاضطرابات العصبية مثل التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis) أو اعتلال الأعصاب المحيطية السكري. كذلك، يجب التحقق من عدم وجود حالات ألم حوضي متزامنة مثل التشنج المهبلي (Vaginismus) أو عسر الجماع (Dyspareunia) والتهاب دهليز الفرج (Vulvodynia)، إذ غالباً ما يؤدي الألم المصاحب للإيلاج إلى تثبيط مسارات النشوة تلقائياً عبر آلية الحماية العصبية من الأذى.
توضح المعايير الإكلينيكية المعاصرة جدولاً تفريقياً يساعد المعالجين على التمييز بدقة بين الأنماط الوظيفية والاضطرابات الحقيقية، كما هو موضح في التصنيف الآتي:
- اللاإرجازية الظرفية الطبيعية: قدرة كاملة على بلوغ النشوة بالتحفيز البظري الذاتي أو الشركاتي، مع غيابها أثناء الإيلاج المستقل بدون استثارة إضافية؛ لا تعد اضطراباً طبياً إذا لم تكن مصحوبة بضيق نفسي مرضي، وتمثل استجابة تشريحية فسيولوجية نموذجية لمعظم النساء.
- اضطراب النشوة الجنسية الأنثوي (FOD) المستمر: غياب أو تأخر حاد وغير معتاد للنشوة في جميع أو غالبية الممارسات الجنسية عبر شتى أنواع التحفيز (المهبلي والبظري)، مع استمراره لأكثر من ستة أشهر وتسببه في معاناة نفسية واضحة للمرأة.
- الخلل الوظيفي الجنسي المستحث بالأدوية أو المواد: صعوبة اكتساب النشوة بعد بدء تعاطي أدوية معينة (كمضادات الاكتئاب، أو حاصرات بيتا، أو مضادات الذهان)، وتزول الصعوبة عادة أو تخف بجرعات معدلة أو استبدال الدواء.
- اللاإرجازية الناتجة عن صدمة أو خلاف علائقي: نشوء مفاجئ للعجز عن بلوغ النشوة بعد التعرض لحدث صادم، أو عند تدهور الأمان والتواصل في العلاقة الزوجية، مع احتفاظ الفرد بالقدرة الوظيفية الفيزيولوجية التامة.
النماذج العلاجية والتدخلات النفسية الجنسية
يقوم العلاج النفسي الجنسي المعاصر للاإرجازية على ركائز متعددة تجمع بين العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، والعلاج الجنسي المتخصص، والتثقيف الإكلينيكي الشامل. يمثل نموذج “التركيز الحسي” (Sensate Focus) الذي طوره ماسترز وجونسون أحد أهم التدخلات الميدانية؛ حيث يُطلب من الشريكين الانخراط في تمارين لمس جسدي حميم متدرجة مع حظر ممارسة الإيلاج بشكل صارم في المراحل الأولى. يهدف هذا الحظر إلى تفكيك “قلق الأداء” والتخلص من ضغط الوصول إلى الذروة، وإعادة تدريب الجهاز العصبي على الاستمتاع بالمدخلات اللمسية والجسدية الدقيقة في بيئة تخلو تماماً من المطالب التقييمية والتوتر الإنجازي.
يتكامل مع ذلك بروتوكول “الاستمناء الموجه” (Directed Masturbation Program) الذي وضعته العالمة لوني بارباش (Lonnie Barbach)، والذي يُعد التدخل الأكثر دعماً بالأدلة التجريبية لحالات اللاإرجازية الأولية. يتضمن البرنامج إرشاد المرأة عبر خطوات منهجية للتعرف على جسدها عبر استكشاف المرآة، وفهم الاستجابات الحسية لمناطق الفرج والبظر بدقة وسرية وبمعزل عن أي ضغط خارجي، وصولاً إلى تحقيق النشوة الذاتية بنجاح وثقة. لاحقاً، يتم دمج هذه المعرفة والخبرة الجسدية ضمن العلاقة التشاركية عبر مشاركة الإشارات اللفظية والجسدية مع الشريك، مما يسقط حواجز الحياء المرضي ويعيد بناء التوافق والتناغم التواصلي بينهما.
على الصعيد المعرفي، يركز العلاج المعرفي السلوكي على تفكيك الأفكار التلقائية المشوهة والمخططات المعرفية السلبية المرتبطة بالجنس، مثل: “أنا لست امرأة طبيعية لأنني لا أصل للنشوة من الإيلاج فقط”، أو “شريكي يعتبرني باردة وغير متفاعلة”. يتم استبدال هذه الأفكار المشوهة بإدراكات واقعية وعلمية تعيد تقييم الموقف وتنزع الطابع الكارثي عن الظاهرة. كما تُستخدم تقنيات التيقظ الذهني الموجه (Mindfulness-Based Sex Therapy) لتدريب النساء على البقاء في الحاضر الحسي هنا والآن أثناء الممارسة، والتعامل مع أفكار المراقبة الذاتية كتيارات عابرة دون الانخراط العاطفي معها أو الاستسلام لدوامات التشكيك والتوتر الداخلي.
كما لا يمكن إغفال أهمية التعديل السلوكي والتقني المباشر في غرفة النوم؛ حيث يوجه المعالجون الشريكين نحو تبني وضعيات جماع تسهل وتسمح بالتحفيز البظري المستمر والمباشر بالتزامن مع الإيلاج، مثل وضعية المرأة في الأعلى (Woman-on-top) أو تقنية المحاذاة الجماعِيّة (Coital Alignment Technique – CAT) التي تزيد من الاحتكاك المستمر بقاعدة البظر أثناء الحركة الإيلاجية. هذا الدمج العملي يحول المعاشرة من تجربة تنافسية أحادية إلى مساحة تكاملية تضمن الإشباع الحسي المتبادل بعيداً عن أسر الخرافات البيولوجية القديمة.
خاتمة واستنتاجات في سياق الصحة الجنسية المتكاملة
في الختام، تتجلى لاإرجازية الجماع ليس كعاهة فسيولوجية أو نقص في التكوين الأنثوي، بل كظاهرة سيكولوجية-تشريحية معقدة تتطلب فهماً شاملاً يعيد الاعتبار للتنوع البيولوجي الطبيعي للمرأة، ويفكك القيود المعرفية والثقافية التي حاصرت متعتها لقرون عديدة. إن تحويل مسار التدخل الإكلينيكي من محاولات التعديل الجبري لجسد المرأة ليتوافق مع أسطورة الإيلاج المهبلي الخالص، نحو تعزيز التواصل الجنسي المنفتح وإدماج التحفيز البظري كعنصر فسيولوجي أصيل في العلاقة، هو الضمانة الحقيقية لتحقيق الرضا والاستقرار النفسي والعلائقي. تظل الصحة الجنسية المتكاملة حقاً إنسانياً يستند إلى المعرفة العلمية المبرأة من الأساطير، والتي تمنح الشريكين حرية استكشاف المتعة في إطار من الأمان والمودة والاحترام المشترك للخصائص البيولوجية والنفسية لكل منهما.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Barbach, L. G. (1975). For yourself: The fulfillment of female sexuality. Doubleday & Company.
- Basson, R. (2005). Women’s sexual dysfunction: Revised and expanded definitions. CMAJ: Canadian Medical Association Journal, 172(10), 1327–1333. https://doi.org/10.1503/cmaj.1040846
- Freud, S. (1905). Three essays on the theory of sexuality. Hogarth Press.
- Hite, S. (1976). The Hite report: A nationwide study of female sexuality. Macmillan Publishing Company.
- Kaplan, H. S. (1974). The new sex therapy: Active treatment of sexual dysfunctions. Brunner/Mazel Publishers.
- Masters, W. H., & Johnson, V. E. (1966). Human sexual response. Little, Brown and Company.
- Puppo, V., & Puppo, G. (2015). Anatomy of sex: Revision of the new anatomical terms and the report of orgasmic dysfunction in women. Clinical Anatomy, 28(3), 293–304. https://doi.org/10.1002/ca.22471