يُمثّل مفهوم السلوك المصاحب (Collateral Behavior) إحدى الركائز المنهجية الجوهرية في المدرسة السلوكية الراديكالية والتحليل السلوكي المعاصر، حيث يتيح للباحثين والسريريين فهم الروابط الدقيقة بين الأحداث الخاصة غير القابلة للرصد المباشر والاستجابات العلنية المشاهدة. يتناول هذا المفهوم الاستجابات الحركية والفسيولوجية واللفظية التي تتزامن بصورة مطردة مع خبرات داخلية أو تتغير بالتبعية عند استهداف سلوكيات أخرى بالتدخل، مما يجعله أداة بالغة الأهمية لتفسير بنية السلوك الإنساني وتعديله بطرق علمية رصينة.
المفهوم والتأصيل النظري للسلوك المصاحب
يُعرَّف السلوك المصاحب في الأدبيات النفسية بوصفه الاستجابة الظاهرة القابلة للقياس المباشر التي تقترن زمنيّاً ووظيفيّاً بحدثٍ داخلي خاص (مثل الألم، أو القلق، أو الأفكار التأملية) أو تظهر كأثر جانبي ناتج عن ديناميكيات الاشتراط الإجرائي في بيئة الفرد. في سياق السلوكية الراديكالية التي أسسها عالم النفس الأمريكي بورهوس فريدريك سكينر، لا يُنظر إلى الأحداث الداخلية بوصفها كينونات غير مادية تنتمي إلى عالم ميتافيزيقي مستقل، بل تُعدّ أحداثاً طبيعية مادية تخضع لنفس قوانين السلوك الفيزيائي، إلا أن خصوصيتها تنبع فقط من محدودية إمكانية وصول الملاحظين الخارجيين إليها.
انطلاقاً من هذا التأسيس، يشكل السلوك المصاحب الجسر الإبستمولوجي الذي تعتمد عليه البيئة اللفظية والاجتماعية في تدريب الأفراد على تسمية حالاتهم الذاتية الخاصة والتعبير عنها. فحين يُعاني طفلٌ صغير من ألم في الأذن، لا تستطيع الأم ملامسة الألم أو الشعور به ذاتياً، ولكنها ترصد بدقة السلوكيات المصاحبة الظاهرة كالبكاء الشديد، ووضع اليد على موضع الألم، وشد صيوان الأذن، وحركات الرأس المضطربة. وبناءً على هذا الاقتران، تتدخل البيئة الاجتماعية لتقديم التعزيز المناسب وتدريب الطفل على ربط تلك الخبرة الداخلية بمفردة “ألم”، مما يُثبت الدور المركزي للسلوك المصاحب في التنشئة اللغوية وتطوير الوعي الذاتي.
علاوة على ذلك، يتسع المفهوم في إطار تحليل السلوك التطبيقي (ABA) ليشمل التغيرات السلوكية غير المستهدفة مباشرةً التي تحدث بالتوازي مع تعديل السلوك المستهدف، وهي الظاهرة المعروفة بـ “التغاير المشترك للاستجابة” (Response Covariation). ففي كثير من الحالات الإكلينيكية، يؤدي تطبيق برنامج لتقليل نوبات الغضب إلى انخفاض تلقائي في سلوكيات الانسحاب الاجتماعي وزيادة موازية في مبادرات التفاعل الإيجابي مع الأقران، على الرغم من أن خطة التدخل لم تصمم بالأساس للتعامل مع تلك السلوكيات المصاحبة، الأمر الذي يعكس التداخل الشبكي للمنظومات السلوكية.
ومن ثم، فإن دراسة السلوك المصاحب لا تقتصر على مجرد تسجيل الحركات التابعة، بل تمتد لتشمل تفكيك شبكات العلاقات الوظيفية التي تحكم ترابط الاستجابات السلوكية وتزامنها. يتيح هذا المنظور الشامل فهماً أعمق لطبيعة الفرد الإنساني بوصفه وحدة عضوية متكاملة تتفاعل مع محيطها الفيزيقي والاجتماعي، دون السقوط في ثنائية العقل والجسد الديكارتية التي فصلت لقرون طويلة بين التجربة الشعورية والأداء الحركي.
نظرية سكينر للأحداث الخاصة ودور السلوك المصاحب
أولى بي إف سكينر في مؤلفه التأسيسي “السلوك اللفظي” (Verbal Behavior الصادر عام 1957) اهتماماً استثنائياً لمشكلة كيفية نجاح المجتمع اللفظي في ترسيخ استجابات لفظية دقيقة للأحداث الخاصة، على الرغم من افتقار الملاحظين للقدرة على الوصول المباشر إلى المنبه الداخلي. وقد حدد سكينر أربع ممارسات أساسية تستخدمها الجماعة اللفظية لتعليم الأفراد التحدث عن عوالمهم الباطنية، وكان السلوك المصاحب في مقدمة هذه الممارسات وأكثرها موثوقية في مراحل النمو المبكرة.
تتمثل الآلية الأساسية هنا في استغلال المجتمع للاستجابات الحركية والفسيولوجية التي تصاحب المنبه الخاص بصورة طبيعية؛ فعندما يتعرض الفرد لمحفز مؤلم داخلياً (كالتشنج المعوي)، تنشأ حزمة من السلوكيات العامة كالانحناء إلى الأمام، والتأوه، والضغط على منطقة البطن. يقوم الملاحظ الخارجي باستغلال هذا السلوك المصاحب كمنبه تمييزي يتيح له توفير التعزيز المناسب حين يقول الطفل “بطني تؤلمني”، وبذلك يكتسب الطفل القدرة على التعبير الدقيق عن حالة خاصة بفضل وجود سلوك عام متزامن معها.
ومع ذلك، يبرز سكينر في تحليله إشكالية الدقة والتمايز في هذه العملية؛ إذ إن السلوك المصاحب قد لا يكون دائم التطابق مع الحالة الداخلية، مما يفسح المجال لاحتمالات التشويه أو المبالغة أو حتى التظاهر. فالفرد الذي يكتشف أن السلوك المصاحب يجلب تعزيزاً اجتماعياً إيجابياً (كالاهتمام أو الرعاية) أو تعزيزاً سلبياً (كالهروب من المهام الشاقة)، قد يعيد إنتاج ذلك السلوك العلني في غياب المنبه الداخلي الخاص تماماً، وهو ما يفسر سلوكيات التمارض والادعاء الشائعة في الأوساط السريرية والتربوية.
وبالإضافة إلى ذلك، يلعب السلوك المصاحب دوراً بنيوياً في نشأة العمليات المعرفية التأملية وتطور مفهوم الذات؛ فالإنسان لا يتعلم مراقبة أفكاره ومشاعره من خلال حدس باطني غيبي، بل يكتسب مهارة “معرفة الذات” نتيجة مطالبة المجتمع له المستمرة بتفسير وتبرير سلوكياته المصاحبة. فالمجتمع يسأل: “لماذا ترتجف؟” أو “لماذا تبتسم لنفسك؟”، مما يجبر الفرد على ربط استجاباته الخارجية بأحداثه الداخلية، ليغدو السلوك المصاحب أداة التربية الاجتماعية للوعي واليقظة الذهنية.
التغاير المشترك للاستجابة في تحليل السلوك التطبيقي
يُمثل التغاير المشترك للاستجابة أحد أهم التجليات العملية للسلوكيات المصاحبة في ميدان تعديل السلوك؛ حيث يُشير هذا المفهوم إلى حقيقة أن السلوكيات الفردية لا توجد في فراغ معزول، بل تنتظم ضمن فئات وظيفية متماسكة تُعرف بـ “فئات الاستجابة” (Response Classes). وتتميز هذه الفئات بأن التغيير الموجه نحو أحد أفرادها عبر التدخل العلاجي ينعكس بصورة حتمية على السلوكيات المصاحبة الأخرى المنتمية لنفس الفئة أو المرتبطة بها في تسلسل هرمي.
تتنوع التغيرات المصاحبة بين تغيرات إيجابية مرغوبة وتغيرات سلبية غير متوقعة، وهو ما يفرض على الأخصائيين الممارسين تبني نماذج تقييم واسعة النطاق لا تقتصر على مراقبة السلوك المستهدف بمفرده. على سبيل المثال، عند علاج سلوكيات إيذاء الذات لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد عبر استراتيجيات التعزيز التفريقي للسلوك البديل، غالباً ما يُلاحظ تحسن مصاحب في التواصل البصري، وزيادة في فترات الانتباه المستمر، وارتفاع في معدلات الامتثال للتوجيهات التعليمية، دون الحاجة لتدريب مباشر على تلك الاستجابات.
على الجانب الآخر، قد يؤدي خفض سلوك غير مرغوب فيه دون تزويد الفرد ببدائل وظيفية مكافئة إلى ما يُعرف بـ “الاستبدال السلوكي” أو تصاعد سلوكيات مصاحبة ضارة أخرى. فإذا تم إيقاف سلوك الصراخ الموجه لجذب الانتباه عبر تقنية الإطفاء الصارم دون تدريب الفرد على سلوك تواصل وظيفي ملائم، فقد تظهر سلوكيات مصاحبة تتمثل في العدوان الجسدي، أو تحطيم الممتلكات، أو إتلاف الأدوات المدرسية للحصول على نفس الوظيفة التعزيزية.
تؤكد هذه الظواهر المترابطة أن السلوك المصاحب ليس مجرد صدفة إحصائية أو عرض غير متوقع، بل هو تعبير عن توازن تكييفي تسعى المنظومة السلوكية للكائن الحي إلى تحقيقه. وبالتالي، فإن الفهم العميق للعلاقات المصاحبة بين الاستجابات يسهم في تصميم برامج تدخل أكثر أماناً وفعالية، وتوقع الآثار الجانبية للعلاج قبل حدوثها، مما يضمن استدامة المخرجات الإيجابية على المدى الطويل.
الآليات الفسيولوجية والديناميكية: فئات الاستجابة والزخم السلوكي
لتفسير أسباب حدوث السلوكيات المصاحبة على المستوى الديناميكي والوظيفي، يستند التحليل النفسي السلوكي إلى مفاهيم متقدمة مثل نظرية الزخم السلوكي (Behavioral Momentum) وبنية فئات الاستجابة الوظيفية. تفترض نظرية الزخم السلوكي، المستوحاة من قوانين الميكانيكا الكلاسيكية في الفيزياء، أن السلوك يمتلك “كتلة” و”سرعة” تتحددان عبر تاريخ التعزيز وتكرار الاستجابة، وأن هذه الخصائص تؤثر على السلوكيات المصاحبة المحيطة بالسلوك الرئيسي في البيئة ذاتها.
حينما ينخرط الفرد في سلسلة سلوكية تتميز بمعدلات تعزيز مرتفعة ومستقرة، ينشأ زخم سلوكي يُقلل من قابلية هذا النمط للاضطراب أو التشتت، وتظهر استجابات مصاحبة تتسم بالحيوية واليقظة والفاعلية الحركية. وفي المقابل، عند انخفاض معدلات التعزيز أو تطبيق إجراءات العقاب، يتداعى الزخم السلوكي العام، مما يُنتج حزمة من السلوكيات المصاحبة السلبية مثل التباطؤ الحركي، وتفادي النظر، والتنهد، والانسحاب الانفعالي، وهي مؤشرات تعكس انخفاض القوة السلوكية الكلية للمنظومة.
من الناحية الفسيولوجية العصبية، ترتبط السلوكيات المصاحبة ارتباطاً وثيقاً بنشاط الجهاز العصبي الذاتي وقنوات الاستجابة الانفعالية المعقدة؛ فالاستجابة لضاغط بيئي حاد لا تقتصر على الهرب أو المواجهة فقط، بل تشمل حزمة هائلة من السلوكيات المصاحبة كالتغيرات في نبرة الصوت، وسرعة حركة الأطراف، وتشنج العضلات الوجهية الدقيقة، واتساع حدقة العين. وتنشأ هذه السلوكيات نتيجة الإفراز المكثف للناقلات العصبية والهرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، والتي تُهيئ الكائن الحي للتعامل مع التحديات البيئية عبر استجابات حركية متكاملة ومتزامنة.
توضح هذه الآليات المعقدة أن السلوكيات المصاحبة تمثل جزءاً من التكيف الشامل للجسم مع بيئته المحيطة، حيث تتداخل العمليات البيولوجية التحتية مع جداول التعزيز الخارجية لتشكيل المشهد السلوكي النهائي. ومن هنا، يتيح تحليل التغيرات المصاحبة للعلماء رصد التفاعلات الفسيولوجية-السلوكية بدقة متناهية دون الحاجة إلى اللجوء إلى افتراضات غيبية أو تفسيرات تخمينية حول الطبيعة البشرية.
التمييز المفاهيمي: السلوك المصاحب والسلوك الإضافي والإزاحي
تقتضي الرصانة الأكاديمية والصرامة النظرية في علم النفس التمييز الدقيق بين السلوك المصاحب وعدد من المفاهيم السلوكية والإيثولوجية المتقاربة، مثل السلوك الإضافي المستحث بالجدول (Adjunctive Behavior) والسلوك الإزاحي (Displacement Behavior). فرغم اشتراك هذه الأنماط في كونها استجابات غير مستهدفة بصورة مباشرة بالتعزيز المباشر، إلا أن الآليات التوليدية والوظائف البيئية لكل منها تختلف بشكل جوهري، مما يتطلب تحديداً دقيقاً لحدود كل مفهوم.
يُعرَّف السلوك الإضافي المستحث بالجدول بأنه استجابة تحدث بمعدلات مرتفعة للغاية خلال الفترات الفاصلة بين معززات مجدولة زمنياً بصورة متقطعة، مثل ظاهرة شرب الماء المفرط المستحث بالجدول (Schedule-Induced Polydipsia) التي وثقها عالم النفس جون فالك. يتميز السلوك الإضافي بكونه نتاجاً حتمياً للبنية الزمنية لجداول التعزيز، بينما لا يشترط السلوك المصاحب هذا النمط من التوزيع الزمني الميكانيكي، بل يرتبط غالباً بأحداث خاصة أو يتغير كجزء من فئة استجابة وظيفية مترابطة التكافؤ.
أما السلوك الإزاحي، الذي نشأ ضمن مدرسة علم سلوك الحيوان (الإيثولوجيا) على يد علماء مثل نيكولاس تينبرغن وكونراد لورنتس، فيشير إلى استجابات تظهر بشكل يبدو غير ملائم للسياق عندما يقع الكائن الحي تحت وطأة صراع حاد بين دافعين متعارضين (مثل الصراع بين الإقدام والإحجام، أو بين القتال والهروب). ففي هذه الحالة، قد يقوم الطائر بنقر ريشه فجأة أو ينخرط الإنسان في حك رأسه بتردد، كمهرب لتفريغ الطاقة الناتجة عن الصراع الداخلي. وعلى النقيض من ذلك، لا يرتبط السلوك المصاحب بالضرورة بمواقف الصراع الغريزي، بل قد يكون استجابة طبيعية متسقة لوجود منبه خاص كالألم أو السرور.
يوضح الجدول المقارن التالي الفروق الجوهرية بين هذه المفاهيم السلوكية الثلاثة بناءً على المعايير النظرية والوظيفية الأساسية:
- السلوك المصاحب (Collateral Behavior): يرتبط وظيفياً بأحداث خاصة داخلية أو يتغير بالتزامن مع استجابات أخرى ضمن فئة استجابة واحدة، ويستخدمه المجتمع لتعليم تسمية الخبرات الذاتية، ومحكوم بمتغيرات التحليل السلوكي الإجرائي.
- السلوك الإضافي (Adjunctive Behavior): ينشأ بفعل الخصائص الزمنية لجداول التعزيز المتقطع (Intermittent Reinforcement)، ويحدث خلال فترات ما بين المعززات، ويتميز بنمط إيقاعي مفرط لا يرتبط بالضرورة بأحداث خاصة.
- السلوك الإزاحي (Displacement Behavior): ينبع من صراع بين دوافع غريزية متناقضة أو إحباط مفاجئ لمنع استجابة أساسية، ويتجلى في أنشطة تبدو خارج السياق الوظيفي المباشر، وتعود جذوره للبيولوجيا التطورية والإيثولوجيا.
التطبيقات الإكلينيكية والأهمية التشخيصية للسلوكيات المصاحبة
في الممارسة الإكلينيكية والطب النفسي، يكتسب السلوك المصاحب أهمية بالغة بوصفه علامة تشخيصية شديدة الحساسية تُعين المعالجين على استنباط المعاناة غير المعلنة للمرضى، لاسيما أولئك الذين يعانون من عجز في القدرات اللفظية كالأطفال الصغار، ومرضى الخرف، والأفراد ذوي الإعاقات النمائية الشديدة. فالأفراد غير القادرين على صياغة شكواهم بالكلمات يعتمدون كلياً على السلوكيات المصاحبة للتعبير عن اضطراباتهم الفسيولوجية والوجدانية، مما يفرض على الفريق الطبي مهارات ملاحظة متقدمة.
في حالات الألم المزمن غير القابل للتقرير الذاتي، تُعد السلوكيات المصاحبة مثل تجنب استخدام طرف معين، والجمود الحركي، وتعبيرات الوجه المتقبضة، واضطراب أنماط النوم والشهية، مؤشرات حاسمة تستند إليها مقاييس تقييم الألم السلوكية المعتمدة عالمياً. يتيح رصد هذه السلوكيات للأطباء التدخل لضبط الجرعات الدوائية أو تعديل الخطط العلاجية وتجنب التقليل من شأن معاناة المريض أو تجاهلها بسبب غياب التعبير اللفظي الصريح.
كما تلعب السلوكيات المصاحبة دوراً تشخيصياً حاسماً في تقييم اضطرابات المزاج والقلق المعقدة؛ إذ غالباً ما تسبق التغيرات في السلوكيات المصاحبة الانتكاسات الاكتئابية أو نوبات الهوس الصريح. فالانخفاض التدريجي في معدل العناية بالمظهر الشخصي، أو التراجع في نبرة الصوت وتناقص التواصل الإيمائي، أو التململ الحركي الدقيق للقدمين والأصابع، تعد جميعها سلوكيات مصاحبة تنبئ بارتفاع وتيرة المعاناة الداخلية قبل أن يصرح المريض رسمياً بشعوره بالاكتئاب أو الانهيار النفسي.
وفي مجال العلاج النفسي المعرفي السلوكي، يُستخدم تتبع السلوكيات المصاحبة لمساعدة المسترشدين على زيادة استبصارهم بأنماطهم الانفعالية والتفكيرية؛ حيث يُدرب المسترشد على ملاحظة سلوكياته المصاحبة (كإطباق الفكين، أو حبس الأنفاس، أو تسارع الخطى) كإشارات إنذار مبكرة تدل على بدء نوبات القلق أو الغضب، مما يمكنه من تفعيل استراتيجيات المواجهة والتنظيم الذاتي بصورة استباقية قبل تفاقم الأزمة وتصاعدها.
المنهجيات القياسية والتقييم التجريبي للسلوك المصاحب
يفرض الطابع الديناميكي والمعقد للسلوكيات المصاحبة تحديات قياسية ومنهجية فريدة على الباحثين في علم النفس وتحليل السلوك، مما تطلب تطوير أدوات قياس دقيقة وتصاميم تجريبية متقدمة قادرة على رصد وتوثيق التغيرات المتزامنة والمتعاقبة للاستجابات المتعددة في آن واحد دون الإخلال بسلامة التصميم البحثي.
تتصدر تصاميم الحالة الفردية (Single-Case Experimental Designs)، وتحديداً التصميم المتعدد خطوط الأساس عبر السلوكيات (Multiple Baseline Design across Behaviors)، واجهة المنهجيات المعتمدة لتقييم السلوك المصاحب؛ حيث يتيح هذا التصميم للباحث تتبع السلوك المستهدف بالتوازي مع رصد دقيق لعدة سلوكيات مصاحبة مرشحة للتأثر عبر الزمن. فإذا حدث التدخل على سلوك واحد فقط ولوحظ تغير متزامن في السلوكيات المصاحبة غير المعالجة، يتم استنتاج وجود علاقة وظيفية وارتباط تكافئي بين تلك الاستجابات داخل المنظومة السلوكية للفرد.
ولتحقيق أعلى درجات الدقة الإمبريقية، يوظف الباحثون المعاصرون تقنيات الملاحظة المباشرة المعتمدة على التسجيل بالفيديو والتحليل الرقمي للحركة بالاعتماد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الرؤية الحاسوبية؛ حيث تسمح هذه البرمجيات باكتشاف أدق التغيرات في السلوكيات المصاحبة الدقيقة، مثل تغيرات زوايا الرأس، أو أنماط التململ الدقيق، أو التردد الحركي، والتي قد تفوت على الملاحظين البشريين أثناء جلسات القياس الميدانية الحية.
بالإضافة إلى الملاحظة الظاهرية، يدمج علم النفس الفسيولوجي تقنيات القياس البيومتري المستمر، كقياس الموصلية الكهربائية للجلد (GSR)، ومعدل تباين نبضات القلب (HRV)، والتخطيط الكهربائي السطحي للعضلات (sEMG)، لرصد الاستجابات الفسيولوجية المصاحبة بدقة متناهية بالتزامن مع قياس السلوكيات الحركية واللفظية، مما يوفر صورة متكاملة متعددة المستويات للظاهرة السلوكية في سياقها الطبيعي.
الاعتبارات الأخلاقية والآفاق المستقبلية في دراسة السلوك المصاحب
تثير دراسة السلوكيات المصاحبة والتحكم فيها جملة من القضايا الأخلاقية والمهنية الحساسة التي تتطلب التزاماً صارماً من قبل الممارسين والباحثين في الحقل النفسي. ويتمثل التحدي الأخلاقي الأبرز في ضرورة ضمان ألا يؤدي التدخل العلاجي المصمم لتعديل سلوك ظاهري معين إلى التسبب غير المقصود في تدهور سلوكيات مصاحبة أخرى جوهرية لجودة حياة المسترشد أو تكيفه الاجتماعي والنفسي العام.
يفرض هذا المبدأ الأخلاقي على المعالجين تضمين تقييم شامل للتأثيرات الجانبية المحتملة في خططهم السلوكية، وإشراك متلقي الخدمة أو ممثليهم القانونيين في اتخاذ القرارات العلاجية المستنيرة عبر توضيح كافة الاحتمالات السلوكية المصاحبة للتدخل. فالتدخلات التي تهدف مثلاً إلى تعزيز الانضباط والهدوء التام داخل الفصول الدراسية قد تؤدي كأثر مصاحب إلى تقويض التلقائية، وخفض المبادرة الاستكشافية، وتثبيط الفضول المعرفي لدى الطلاب، مما يجعل النتيجة الإجمالية للتدخل سلبية على المدى الطويل رغم نجاحه الظاهري في ضبط السلوك المستهدف.
أما على صعيد الآفاق المستقبلية، فإن التقدم المتسارع في مجالات الحوسبة السلوكية، وتقنيات التعلم العميق، والأجهزة القابلة للارتداء يفتح آفاقاً غير مسبوقة لرصد وفهم السلوكيات المصاحبة في البيئات الطبيعية للفرد بدقة متناهية. تتيح هذه التطورات للمنظومات الذكية مراقبة الأنماط الحركية والفسيولوجية المصاحبة على مدار الساعة، والتنبؤ بالأزمات النفسية والسلوكية قبل وقوعها الفعلي بوقت كافٍ للتدخل الاستباقي.
ختاماً، يؤكد التوسع في دراسة السلوك المصاحب حقيقة أن الكائن البشري ليس مجموعة ميكانيكية من ردود الأفعال المعزولة، بل هو نسيج حيوي ديناميكي يتسم بالترابط الوثيق والتعقيد البالغ. إن المضي قدماً في تفكيك شيفرات السلوك المصاحب يعزز قدرة العلوم النفسية على تجاوز الاختزالية المفرطة وبناء نماذج تشخيصية وعلاجية أكثر إنسانية وشمولاً وكفاءة تلبي الاحتياجات الحقيقية للأفراد وتدعم رفاههم النفسي الشامل.
المراجع
- Falk, J. L. (1961). Production of polydipsia in normal rats by an intermittent food schedule. Science, 133(3447), 195-196. https://doi.org/10.1126/science.133.3447.195
- Kazdin, A. E. (1982). Symptom substitution, conservatism, and the response to treatment. Behavior Modification, 6(3), 399-426. https://doi.org/10.1177/01454455820063007
- Nevin, J. A. (1992). An integrative model for the study of behavioral momentum. Journal of the Experimental Analysis of Behavior, 57(3), 301-316. https://doi.org/10.1901/jeab.1992.57-301
- Skinner, B. F. (1953). Science and human behavior. Macmillan.
- Skinner, B. F. (1957). Verbal behavior. Appleton-Century-Crofts.
- Tinbergen, N. (1952). “Derived” activities; their causation, biological significance, origin, and emancipation during evolution. The Quarterly Review of Biology, 27(1), 1-32. https://doi.org/10.1086/398642
- Voogt, C. M., & Kunnavatana, S. S. (2020). Examining response covariation in applied behavior analysis: A systematic review. Journal of Applied Behavior Analysis, 53(4), 2145-2168. https://doi.org/10.1002/jaba.734