الصحة النفسية العامةعلم النفس المجتمعيمناهج البحث السلوكي

المدخل المتمركز حول المجتمع: بناء الرفاه الجماعي

يقدم المدخل المتمركز حول المجتمع نموذجاً نفسياً واجتماعياً متقدماً ينقل محور التركيز من علاج الفرد المنعزل إلى تعزيز الرفاه الجمعي والتمكين والعدالة الاجتماعية عبر المنظور الإيكولوجي البيئي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل المدخل المتمركز حول المجتمع (Community-Centered Approach) تحولاً إبستمولوجياً ومنهجياً جذرياً في مسار العلوم الإنسانية والسلوكية، حيث ينقل بؤرة الاهتمام من الفرد المعزول بيولوجياً ونفسياً إلى النسيج التفاعلي المعقد الذي يربطه ببيئته الاجتماعية والبيئية. ينبثق هذا التوجه من إدراك علمي رصين بأن المعاناة الإنسانية والاضطرابات النفسية لا تنشأ في فراغ عضوي بحت، بل تتشكل عبر تفاعلات ديناميكية معقدة تشمل السياقات الثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والمؤسسية المحيطة. من هنا، لا يكتفي هذا المنظور بإعادة صياغة استراتيجيات التدخل العلاجي، بل يعيد تعريف مفهوم الصحة النفسية ذاته باعتباره نتاجاً للرفاه الجمعي والعدالة الهيكلية داخل المجتمع المحلي.

يرتكز النهج المجتمعي على افتراض أساسي مفاده أن المجتمعات ليست مجرد ساحات لتلقي الخدمات أو بيئات سلبية تتراكم فيها الأزمات، بل هي كيانات حية تمتلك رأس مال اجتماعي وخبرات متراكمة وموارد كامنة قادرة على صياغة الحلول التكيفية وتوليد المعرفة. وبدلاً من استنساخ النماذج الفوقية التي تفرض الحلول الجاهزة من منظور الخبير الخارجي، يتبنى هذا المدخل فلسفة تشاركية ترى في الأفراد والفاعلين المحليين شركاء أصيلين في عمليات التشخيص والتخطيط والتقييم. يستهدف هذا التوجه معالجة الجذور البنيوية للمشكلات السلوكية والنفسية، مستنداً إلى قيم توازن القوى وحماية الهوية الثقافية.

في ضوء التحولات العالمية المعاصرة وتصاعد وتيرة الأزمات النفسية والاجتماعية الناتجة عن التهميش والتغيرات الاقتصادية الحادة، يكتسب المدخل المتمركز حول المجتمع أهمية استثنائية بوصفه بديلاً نقدياً يتجاوز قصور النموذج الطبي الاختزالي. إنه يسعى إلى تفكيك ميكانيزمات العجز المكتسب لدى الفئات المستضعفة، ويهدف إلى إعادة توزيع السلطة المعرفية والتنفيذية لصالح القواعد الشعبية، مما يجعل منه مظلة نظرية وميدانية شاملة لإعادة صياغة التدخلات النفسية والاجتماعية في القرن الحادي والعشرين.

النشأة التاريخية والجذور الفكرية للمدخل المجتمعي

تضرب الجذور المعرفية للمدخل المتمركز حول المجتمع عميقاً في التربة الفكرية لمنتصف القرن العشرين، وهي فترة شهدت أزمات عميقة في فاعلية التدخلات الإكلينيكية التقليدية. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، تصاعدت وتيرة الانتقادات الموجهة إلى التحليل النفسي والنماذج الطبية النفسية الفردية، نظراً لعجزها البنيوي عن استيعاب حجم الصدمات الجمعية والاضطرابات السلوكية المتزايدة الناتجة عن التغيرات الاجتماعية المتسارعة، وظهور حركات التحرر المدني، وتنامي الوعي بحقوق الإنسان وحركات مناهضة الطب النفسي المؤسسي.

شكّل مؤتمر سوامبسكوت (Swampscott Conference) التاريخي، الذي عُقد في ولاية ماساتشوستس الأمريكية عام 1965، نقطة التحول المؤسسية الحاسمة لولادة علم النفس المجتمعي، حيث اجتمع نخبة من علماء النفس والممارسين السريريين لإعلان فشل المقاربة العلاجية الفردية المقتصرة على العيادات والمشافي. دعا المؤتمرون إلى تحول استراتيجي من التدخل العلاجي المتأخر (Tertiary Intervention) إلى الوقاية الأولية (Primary Prevention)، ومن التركيز الحصري على العوامل الشخصية إلى فحص وتعديل البيئات الاجتماعية والمجتمعية التي تسهم في توليد الاضطراب أو تعزيز الرفاه.

تأثر هذا التطور المبكر بأطروحات سيمور ساراسون (Seymour Sarason) الذي أكد في سبعينيات القرن العشرين على محورية “الشعور النفسي بالانتماء للمجتمع” (Psychological Sense of Community) كحاجة إنسانية جوهرية ومؤشر محدد للصحة النفسية. جادل ساراسون بأن التفتت الاجتماعي وتفكك الروابط المجتمعية الحديثة هما السبب المباشر لارتفاع معدلات الاغتراب والقلق والاكتئاب، محذراً من أن اختزال النفس البشرية في مجرد كيمياء دماغية أو صراعات داخلية لا شعورية يمثل تشويهاً لطبيعة الإنسان باعتباره كائناً اجتماعياً في جوهره.

تزامن ذلك مع إسهامات جوليان رابابورت (Julian Rappaport) الذي رسّخ مفهوم التمكين (Empowerment) كإطار ناظم للتدخل المجتمعي في مطلع الثمانينيات. رفض رابابورت بشدة مفهوم “الوصاية المهنية” التي تجعل المريض أو العميل كائناً عاجزاً يتلقى المساعدة، مقترحاً بدلاً من ذلك نموذجاً يرى الناس بوصفهم خبراء في شؤون حياتهم، ولديهم حقوق واحتياجات غير مستوفاة تتطلب تعبئة مجتمعية وتغييراً في موازين القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية بدلاً من الاقتصار على التسكين الدوائي أو السلوكي الفردي.

الأسس الإبستمولوجية والنظرية للنهج المتمركز حول المجتمع

يقوم المدخل المتمركز حول المجتمع على منظومة إبستمولوجية نقدية ترفض الوضعية التقليدية (Positivism) التي تفصل بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. من منظور المنهج المجتمعي، لا يمكن فهم الظواهر النفسية بوصفها حقائق موضوعية مطلقة معزولة عن السياق، بل هي تجارب حية تتشكل عبر التفاعل الاجتماعي والبنى الثقافية واللغوية؛ وعليه، فإن المعرفة الحقيقية تنتج عبر الحوار التعاوني والتفاعل المشترك بين الباحثين والمجتمع المحلي، وليست نتاج استنتاجات مختبرية معقمة.

تستند هذه الإبستمولوجيا إلى نظرية النظم العامة (General Systems Theory)، التي ترى المجتمع كنظام حي فائق التعقيد يتألف من أجزاء مترابطة يؤثر كل منها في الآخر بصورة دورية غير خطية. انطلاقاً من هذه الرؤية، يُنظر إلى أي خلل في سلوك الفرد ليس كـ”عطب فردي”، وإنما كـ”عرض” لخلل وظيفي أو توتر هيكلي يعتري النظام الكلي، مما يعني أن استهداف الفرد وحده بالعلاج دون تعديل ديناميكيات النظام الاجتماعي والمحيط البيئي محكوم عليه بالفشل أو تحقيق نتائج مؤقتة تزول بمجرد عودة الفرد إلى بيئته الأصلية.

كما يعتمد النهج على النظرية البنائية الاجتماعية (Social Constructionism)، التي ترى أن معايير السواء والمرض، والنجاح والفشل، والقدرة والعجز، هي مفاهيم يتم بناؤها وتفاوضها اجتماعياً ضمن سياقات تاريخية محددة. يتيح هذا الأساس للممارسين تفكيك التصنيفات التشخيصية التقليدية، وإعادة النظر في الطرق التي تساهم بها الهياكل المجتمعية في خلق وتأصيل مشكلات التهميش، والتمييز، والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية والعقلية.

الركائز الجوهرية للنهج المتمركز حول المجتمع

يتميز هذا المدخل بمجموعة من المبادئ المحورية المترابطة التي توجه كافة ممارساته النظرية والتطبيقية، ويمكن إيجازها في الآتي:

  • المنظور الإيكولوجي البيئي: يرى السلوك الإنساني كنتاج للتفاعل المستمر والمتصل بين خصائص الأفراد والمتغيرات البيئية متعددة المستويات، مما يتطلب تقييماً شاملاً للمناخ الاجتماعي والمادي.
  • التمكين النفسي والاجتماعي: عملية متعددة الأبعاد تُمكن الأفراد والجماعات غير الممثلة من امتلاك زمام التحكم والسيطرة على مقدرات حياتهم ومواردهم ومجتمعاتهم المحلية.
  • التركيز على الوقاية الأولية وتعزيز الصحة: الانتقال الاستراتيجي من معالجة الأعراض والاضطرابات بعد تفاقمها إلى بناء الكفاءة، وتنمية المناعة النفسية الجمعية، وتوفير الشروط الوقائية المعززة للرفاه.
  • مبدأ العدالة الاجتماعية والإنصاف: الالتزام بالدفاع عن حقوق الفئات المهمشة والمستضعفة، وتفكيك بنى التمييز والقهر المؤسسي، والتوزيع العادل للموارد النفسية والصحية والمادية.
  • الكفاءة الثقافية والوعي السياقي: احترام التنوع الثقافي، وتثمين المعارف والطقوس والقيم المحلية الأصيلة، ورفض استعمار المعرفة وتطبيق النماذج الغربية دون توطين نقدي دقيق.
  • التعاون التشاركي والتحالف الديمقراطي: إلغاء التراتبية الهرمية بين الخبير المهني والمستفيد، وبناء علاقات قائمة على الندية والاحترام المتبادل وتبادل الخبرات بين العلم المنهجي والتجربة المعيشة.

النماذج البيئية والتطبيقية: أطر التحليل المنهجي

تعد النماذج البيئية من أهم الأدوات التحليلية التي يعتمد عليها المدخل المتمركز حول المجتمع لتفسير التعقيد السلوكي. وفي صدارة هذه النماذج يأتي النموذج الإيكولوجي لتطور الإنسان الذي وضعه عالم النفس أوري برونفنبرينر (Urie Bronfenbrenner). يطرح هذا النموذج رؤية متدرجة للبيئة بوصفها مجموعة من النظم المتداخلة والمتراكزة التي تحيط بالفرد:

يبدأ النظام بالنظام المصغر (Microsystem)، وهو البيئة المباشرة التي يتفاعل معها الفرد وجهاً لوجه كالأسرة، والمدرسة، ومجموعة الرفاق، وبيئة العمل المباشرة. ثم ينتقل إلى النظام الأوسط (Mesosystem)، الذي يمثل الروابط والشبكات التفاعلية بين الأنظمة المصغرة المختلفة، مثل طبيعة العلاقة والاتصال بين بيئة الأسرة والمؤسسة التعليمية، والتي تنعكس بصورة مباشرة على الاستقرار النفسي والتكيف الاجتماعي للفرد النامي.

يليه النظام الخارجي (Exosystem)، الذي يشمل البيئات والمؤسسات المجتمعية التي لا يشارك فيها الفرد بصورة نشطة ولكنها تؤثر في مسار حياته ونموه بشكل غير مباشر، كسياسات العمل المطبقة على الوالدين، وشبكات الخدمات الاجتماعية المتاحة، ووسائل الإعلام المحلية. ويأتي بعد ذلك النظام الشامل (Macrosystem)، الذي يمثل الإطار الأيديولوجي والثقافي العام للمجتمع، بما يحتويه من قيم سائدة، وقوانين وتشريعات، وتفاوتات طبقية واقتصادية تؤطر معايير الحياة.

أخيراً، أضاف برونفنبرينر النظام الزمني (Chronosystem)، الذي يعكس البعد الزمني وتأثير التحولات التاريخية والتغيرات الحياتية الكبرى عبر دورة الحياة. يتيح هذا التحليل متعدد الطبقات للمهنيين النفسيين والاجتماعيين تصميم استراتيجيات تدخل متكاملة تتجاوز معالجة السلوك الفردي المنعزل، لتستهدف تفكيك الضغوط في النظم الوسيطة والكبرى التي تغذي مشكلات القلق، والإدمان، والعنف الأسري، والتفكك الاجتماعي.

إلى جانب نموذج برونفنبرينر، يبرز نموذج جيمس كيلي (James Kelly) للبيئة الإنسانية (Ecological Principles)، والذي يحدد أربعة مبادئ إيكولوجية موجهة للتدخل المجتمعي: أولاً، الترابط الوثيق (Interdependence)، حيث يؤدي التغيير في أي جزء من النظام إلى تأثيرات متتابعة في الأجزاء الأخرى. ثانياً، تدوير الموارد (Cycling of Resources)، الذي يركز على كيفية تحديد واستثمار وتطوير الطاقات المادية والبشرية الكامنة في المجتمع. ثالثاً، التكيف (Adaptation)، ويعنى بالقدرة المتبادلة للأفراد والمجتمعات على الاستجابة للمتطلبات والتغيرات البيئية المستجدة. ورابعاً، الخلافة والتتابع (Succession)، وهو استيعاب أن المجتمعات ليست ثابتة بل تتطور وتتحول عبر الزمن، مما يتطلب تخطيطاً مستداماً ومرناً يستجيب للظروف المتغيرة باستمرار.

المفارقة البنيوية: المقارنة بين النموذج الطبي الفردي والمدخل المجتمعي

لفهم التمايز النوعي الذي يقدمه المدخل المتمركز حول المجتمع، تقتضي المنهجية العلمية عقد مقارنة هيكلية تفصيلية بينه وبين النموذج الطبي الإكلينيكي التقليدي المهيمن على علوم النفس المعاصرة. يرتكز النموذج الطبي على فكرة “علم الأمراض داخل النفس” (Intrapsychic Pathology)، حيث يُنظر إلى الألم والمعاناة النفسية كخلل بيولوجي كيميائي أو قصور شخصي في البنية النفسية، بينما يرى النهج المجتمعي المعاناة كاستجابة مفهومة للضغوط البيئية، والتفاوتات الطبقية، وفقدان الدعم الاجتماعي في السياق المحلي.

في إطار التشخيص، يتبنى النموذج الفردي أدوات قياس معيارية تسعى لتصنيف الأفراد استناداً إلى أدلة تشخيصية جامدة، مما يكرس وصمة المرض ويضعف الفاعلية الذاتية للمريض. في المقابل، يعتمد المدخل المجتمعي على “تقييم الاحتياجات والموارد المشتركة” (Needs and Assets Assessment)، وهي عملية استقصائية مفتوحة لا تقتصر على رصد النواقص، بل تُبرز مواطن القوة والتضامن ورأس المال الاجتماعي الكامن، مع التركيز على فهم كيفية تأثير السياق في تشكيل الأنماط السلوكية والوجدانية وتطويرها.

أما على صعيد التدخل وموقع القوة، فإن النموذج الطبي يمنح المعالج أو الطبيب النفسي سلطة خبير مطلقة يمارسها من أعلى إلى أسفل عبر وصفات دوائية أو جلسات مغلقة في عيادات منعزلة، تاركاً العميل في موقع المتلقي السلبي. وعلى العكس تماماً، يقوم النهج المجتمعي بتوزيع القوة وتفكيك الهرمية المهنية، حيث يتحول الممارس إلى ميسر أو محفز (Facilitator/Catalyst) يعمل جنباً إلى جنب مع أفراد المجتمع، لابتكار برامج تنموية، ودعم مجموعات المساندة الذاتية، وإعادة تنظيم البيئات المدرسية أو المهنية بما يحقق العافية النفسية الشاملة على المدى الطويل.

منهجيات البحث والتدخل: البحث الإجرائي التشاركي المستند إلى المجتمع (CBPR)

تتجسد الممارسة الميدانية للمدخل المجتمعي بوضوح في منهجية البحث الإجرائي التشاركي المستند إلى المجتمع (Community-Based Participatory Research – CBPR). تمثل هذه المنهجية قطيعة حاسمة مع البحوث الاستخراجية التقليدية (Extractive Research)، التي يكتفي فيها الباحثون بجمع البيانات من أفراد المجتمع المحلي دون استشارتهم في أسئلة البحث، ثم يغادرون دون ترك أي أثر تنموي أو حلول مستدامة تفيد الفئات المستهدفة في حياتها اليومية.

تنطلق منهجية البحث التشاركي من مبدأ الشراكة المتكافئة في جميع مراحل البحث والتدخل؛ حيث يشارك ممثلو المجتمع جنباً إلى جنب مع الأكاديميين في تحديد المشكلة البحثية ذات الأولوية المحلية، وتصميم أدوات القياس والاستقصاء بما يتلاءم مع الخصوصية الثقافية، وتفسير النتائج، وتوظيف البيانات الناتجة في صياغة سياسات وإجراءات عملية ملموسة تعود بالنفع المباشر على المجتمع المحلي.

تتضمن استراتيجيات هذا التدخل برامج متعددة الأبعاد، تشمل تدريب قادة الرأي المحليين ككوادر مساندة نفسياً واجتماعياً، وتأسيس شبكات التضامن والتكافل، وتصميم حملات الضغط والمناصرة (Advocacy) لتعديل السياسات الحضرية أو الصحية الجائرة. تدمج هذه المنهجيات المعرفة العلمية المنهجية مع المعرفة التجريبية التراكمية للسكان، مما يعزز ملكية المجتمع للمشاريع التنموية والوقائية، ويضمن استمراريتها وفاعليتها بعد انتهاء التمويل أو الدعم الخارجي.

التحديات الإبستمولوجية والميدانية في التطبيق المعاصر

على الرغم من الزخم النظري والنجاحات الميدانية الواسعة للمدخل المتمركز حول المجتمع، إلا أنه يواجه جملة من التحديات المنهجية والإبستمولوجية المعقدة في سياق الممارسة الميدانية الحديثة. يتمثل التحدي الأول في صعوبة القياس والتقييم الكمي؛ حيث تعتمد المؤسسات الأكاديمية وجهات التمويل الدولية في كثير من الأحيان على مؤشرات قياس أداء ضيقة وقصيرة الأجل مستعارة من التجارب المنضبطة المعشاة (RCTs)، وهي مقاييس تعجز بنيوياً عن رصد التغيرات النوعية، والتحولات الهيكلية، وتراكم رأس المال الاجتماعي التي تستغرق سنوات طويلة لتظهر آثارها النفسية العميقة.

يرتبط التحدي الثاني بديناميكيات القوة الداخلية داخل المجتمعات المحلية ذاتها؛ إذ إن المجتمعات ليست وحدات متجانسة كلياً وخالية من الصراع، بل تتخللها تباينات في النفوذ، والطبقة، والجندر، والعرق. وقد يؤدي السعي الرومانسي للاعتماد على “قادة المجتمع” دون وعي نقدي كافٍ إلى إعادة إنتاج الهياكل الأبوية أو تكريس تهميش الفئات الأكثر هشاشة والشباب والنساء، مما يحيد بالنهج التمكيني عن مساره الأساسي الهادف للعدالة الشاملة.

يتمثل التحدي الثالث في هيمنة السياسات النيوليبرالية وثقافة الفردانية المفرطة على قطاعات الرعاية الصحية والاجتماعية في العالم المعاصر. تسعى هذه المنظومات باستمرار إلى خصخصة المسؤولية عن الصحة النفسية وتحميل الأفراد مسؤولية شقائهم أو تكيفهم، وهو ما يضع الممارسين المجتمعيين في مواجهة مباشرة مع نقص الموارد المالية، ومقاومة المؤسسات البيروقراطية المركزية التي تفضل التدخلات الدوائية والعلاجية الفردية السريعة ومنخفضة التكلفة الفورية، على حساب الاستثمار طويل الأجل في البنى التحتية للمجتمعات المحلية والوقاية المستدامة.

آفاق الممارسة المجتمعية في البيئات العربية: سياقات وخصوصيات

تكتسب المبادئ المتمركزة حول المجتمع وجاهة استثنائية وأهمية مصيرية عند تطبيقها في السياقات العربية والشرق أوسطية. تتميز هذه المجتمعات تاريخياً وثقافياً ببنى تضامنية متجذرة تتمثل في الامتدادات الأسرية، وشبكات الجوار، ومؤسسات التكافل الأهلي والوقفي، والتي شكلت عبر قرون حائط صد وقائياً ضد الانهيار النفسي في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية والكوارث الإنسانية.

ومع ذلك، تعاني الممارسة النفسية في العديد من الدول العربية من تبعية منهجية حادة للنماذج الإكلينيكية الغربية الفردية، والتي تتعامل مع المريض النفسي بمعزل تام عن منظومته القيمية، والروحية، والاجتماعية الممتدة. إن توطين المدخل المجتمعي في البيئة العربية يتطلب اعترافاً أصيلاً بتلك الأبعاد الجمعية، وإعادة الاعتبار للممارسات الثقافية والتراثية الإيجابية المعززة للتماسك الاجتماعي، وتوظيفها بشكل علمي رشيد ومدروس.

في ظل ما تشهده المنطقة العربية من أزمات ممتدة، كالحروب والنزاعات، واللجوء والتهجير القسري، والتغيرات الديموغرافية المتسارعة، يصبح تبني النهج المتمركز حول المجتمع ضرورة ملحة لا ترفاً فكرياً. يتطلب هذا الواقع تدخلاً يركز على تضميد الصدمات الجماعية (Collective Trauma)، وبناء المناعة الجمعية، وتمكين المجتمعات المستضيفة ومجتمعات اللاجئين من استعادة الفاعلية والقدرة على إعادة بناء حياتهم المشتركة بكرامة وتضامن، وتفكيك العوائق المؤسسية التي تحول دون الرفاه الاجتماعي والنفسي المستدام.

خاتمة

في الختام، يمثل المدخل المتمركز حول المجتمع تحولاً جوهرياً في فلسفة وممارسة علوم الصحة النفسية والسلوكية، بنقله لبوصلة التركيز من علم الأمراض الفردي الاختزالي إلى الرفاه البيئي والاجتماعي الشامل. يرتكز هذا النموذج على تكامل المنظور الإيكولوجي، والتمكين، والعدالة الاجتماعية، والشراكة المنهجية التشاركية، مقدماً بديلاً علاجياً ووقائياً يرى في المجتمع شريكاً فاعلاً وصاحب موارد أصيلة وليس مجرد هدف سلبي للخدمات الفوقية. ورغم التحديات الميدانية والمنهجية التي تواجهه في عصر العولمة والفردانية، يظل النهج المجتمعي هو المسار الأكثر استدامة وإنسانية لتحقيق تعافٍ متكامل يحترم الهوية والكرامة الجمعية، ويؤسس لعدالة صحية ونفسية حقيقية.

المراجع

  • برونفنبرينر، أ. (1979). إيكولوجيا التطور البشري: تجارب في الطبيعة والتصميم. مطبعة جامعة هارفارد.
  • رابابورت، ج. (1981). في مدح المفارقة: سياسة اجتماعية للتمكين بدلاً من الوقاية. المجلة الأمريكية لعلم النفس المجتمعي، 9(1)، 1-25.
  • ساراسون، س. ب. (1974). الشعور النفسي بالمجتمع: آفاق لعلم النفس المجتمعي. دار جوسي باس للنشر.
  • كيلي، ج. ج. (2006). الوجود البيئي: رحلة شخصية في علم النفس المجتمعي. مطبعة جامعة أكسفورد.
  • ميزر، إي. ج.، وجاسون، ل. أ. (2019). مقدمة في علم النفس المجتمعي: أن تصبح وكيلاً للتغيير. منشورات ريباص.
  • نيلسون، ج.، وبريليتنسكي، أ. (2010). علم النفس المجتمعي: في السعي وراء التحرر والرفاه (الطبعة الثانية). بالجريف ماكميلان.
  • والرشتاين، ن.، ودوران، ب. (2006). استخدام البحث التشاركي المرتكز على المجتمع لمعالجة الفوارق الصحية. مجلة تعزيز الصحة والممارسة، 7(3)، 312-323.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). المدخل المتمركز حول المجتمع: بناء الرفاه الجماعي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/community-centered-approach/
looti, Mohammed. “المدخل المتمركز حول المجتمع: بناء الرفاه الجماعي.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/community-centered-approach/.
looti, Mohammed. “المدخل المتمركز حول المجتمع: بناء الرفاه الجماعي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/community-centered-approach/.