سيكولوجيا العلاقاتعلم النفس الاجتماعي

مستوى المقارنة: معيار الرضا في العلاقات الإنسانية

مستوى المقارنة (CL) هو المفهوم النفسي الذي يحدد معيار الرضا الذاتي في العلاقات وفق نظرية التبادل الاجتماعي، شارحاً كيف تؤثر التوقعات والخبرات في السعادة الإنسانية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثّل مستوى المقارنة (Comparison Level – CL) أحد المفاهيم المحورية والجوهرية في علم النفس الاجتماعي المعاصر، حيث يوفّر إطاراً تفسيرياً رصيناً لكيفية تقييم الأفراد لمدى رضاهم وسعادتهم ضمن مختلف أشكال التفاعلات والروابط الإنسانية. لا يتوقف هذا المعيار النفسي عند مجرد الحسابات العقلانية للربح والخسارة، بل يمتد ليعكس التوقعات الذاتية المتراكمة، والخبرات السابقة، والمعايير الشخصية التي يحملها الفرد في وجدانه إزاء ما يستحقه وما ينبغي أن يناله من أي علاقة يدخل فيها.

مقدمة تأصيلية: مفهوم مستوى المقارنة وتجذره في علم النفس الاجتماعي

يُعرَّف مستوى المقارنة في الأدبيات النفسية والسلوكية بأنه المقياس المعياري الداخلي أو العتبة التقييمية الذاتية التي يستخدمها الفرد للحكم على مدى جاذبية العلاقة الحالية والشعور بالرضا والارتياح النفسي حيالها. يستند هذا المفهوم في أصله إلى الفرضية القائلة بأن البشر لا يقيّمون تجاربهم الحياتية وعلاقاتهم في فراغ مطلق أو بمعزل عن سياقاتهم الذاتية، بل يضعون مخرجات العلاقة الراهنة في ميزان دائم يقابل تطلعاتهم وتوقعاتهم المسبقة. إذا كانت المخرجات الفعلية التي يجنيها الفرد تفوق أو توازي مستوى المقارنة الذي يحمله، فإن التجربة تتسم بالسعادة والامتنان والشعور بالإشباع العاطفي؛ أما إذا هبطت المخرجات دون هذه العتبة، فإن المشاعر السلبية كالإحباط، وخيبة الأمل، والنفور، تبدأ في التسلل إلى بنية العلاقة.

إن الركيزة الأساسية لفهم هذا البناء النفسي تكمن في إدراك كونه مفهوماً ديناميكياً يتطور ويتغير باستمرار تبعاً لدورات الحياة والتحولات الإدراكية لدى الفرد. لا يمثل مستوى المقارنة رقماً ثابتاً أو صيغة جامدة، بل هو مزيج معقد من الإدراكات المعرفية، والانفعالات الوجدانية، والتصورات الثقافية التي تتفاعل معاً لتحديد خط الأساس النفسي لكل شخص. ومن هنا، يبرز التباين الشاسع بين الأفراد؛ فقد يجد شخصان نفسيهما في علاقتين تقدمان نفس المقدار الموضوعي من الدعم العاطفي والمادي، ومع ذلك يشعر أحدهما بالرضا التام والامتلاء الوجداني، في حين يعاني الآخر من تعاسة مزمنة، وذلك ببساطة لأن الأول يحمل مستوى مقارنة منخفضاً أو واقعياً، بينما يحمل الثاني مستوى مقارنة شديد الارتفاع تغذيه التوقعات المثالية غير الواقعية.

ومن المنظور الإبستيمولوجي، ارتبط هذا المصطلح ارتباطاً وثيقاً بنماذج العدالة التوزيعية والمعاملة بالمثل في التفاعل الإنساني، مشكلاً جسراً متيناً بين علم النفس المعرفي وسيكولوجيا العلاقات الشخصية المتبادلة. إن استيعاب آليات عمل مستوى المقارنة يُمكّن الباحثين والمعالجين النفسيين من فك شفرات النزاعات الزوجية، والتفكك الأسري، واضطرابات الرضا الوظيفي، حيث تتكشف جذور الأزمة غالباً ليس في سوء الشريك أو بيئة العمل ذاتها، بل في الفجوة المتسعة بين الواقع والمستوى التوقعي المقارن الراسخ في العقل الباطن للفرد.

الإطار النظري: نظرية التبادل الاجتماعي ونموذج ثيبو وكيلي

تعود الجذور المعرفية لمفهوم مستوى المقارنة إلى الأعمال التأسيسية الرائدة لعالمي النفس الاجتماعيين جون ثيبو (John Thibaut) وهارولد كيلي (Harold Kelley)، وتحديداً في كتابهما المرجعي المنشور عام 1959 بعنوان علم النفس الاجتماعي للجماعات (The Social Psychology of Groups). طرح الباحثان هذا المفهوم كركيزة حيوية ضمن نظرية التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory)، التي تفترض أن السلوك البشري والتفاعلات الاجتماعية تحكمها دوافع تعظيم المكاسب وتقليل التكاليف، على غرار التحليلات الاقتصادية ولكن بصبغة وجدانية واجتماعية عميقة.

افترض ثيبو وكيلي أن التفاعل بين الأفراد ينطوي على تبادل مستمر للمكافآت (مثل المحبة، والأمان، والتقدير، والدعم الملموس) والتكاليف (مثل الوقت، والجهد، والضغط العصبي، والتنازلات الشخصية). وتنتج من طرح التكاليف من المكافآت محصلة نهائية تسمى “مخرجات العلاقة” (Outcomes). وهنا يتدخل مستوى المقارنة كمعيار نفسي نوعي يحدد المعنى الذاتي لتلك المخرجات؛ فالمخرجات في حد ذاتها مجردة من القيمة الشعورية حتى يتم إسقاطها على خط مستوى المقارنة الداخلي للفرد، والذي يشير إلى ما يعتقد الشخص بصدق وثقة أنه “يستحقه بحق” في ظل الظروف المعطاة.

لقد شكل نموذج ثيبو وكيلي ثورة في فهم العلاقات الإنسانية لأنه رفض النظرة السلوكية الراديكالية التي تختزل السلوك في مجرد استجابات لمثيرات خارجية ومكافآت بيولوجية بحتة. بدلاً من ذلك، أدمج الباحثان البعد المعرفي والتقييم الداخلي المعقد، معتبرين أن عقل الإنسان يمارس عمليات حسابية تقويمية مستمرة تتأثر بمجمل تاريخه النمائي، ورؤيته لذاته، واستحقاقه الوجودي. هذا التأطير جعل من مستوى المقارنة متغيراً نفسياً بالغ الأهمية لدراسة استمرارية العلاقات أو تصدعها، متجاوزاً حدود الفلسفة النفعية البسيطة نحو فهم عميق للاحتياجات الوجدانية والرمزية للبشر.

محددات ومكونات مستوى المقارنة: كيف يتشكل المعيار الذاتي؟

يتشكل مستوى المقارنة لدى الفرد عبر مسار نمائي تراكمي متعدد الروافد، تشترك فيه عوامل شخصية، ونفسية، وتربوية، وبيئية. وتتلخص أبرز هذه المحددات فيما يلي:

  • الخبرات التاريخية السابقة: تلعب العلاقات الماضية، بما فيها علاقات الطفولة مع الوالدين ومقدمي الرعاية الأوائل، الدور التأسيسي الأبرز في رسم معالم مستوى المقارنة؛ فالأفراد الذين نشأوا في بيئات أسرية دافئة وداعمة ومحبة يطورون في العادة مستوى مقارنة مرتفعاً، حيث يتوقعون معاملة عادلة وإشباعاً عاطفياً مستمراً، بينما قد يُطور من عانوا من الإهمال أو الصدمات عتبة توقعات منخفضة قد تقودهم لقبول علاقات مسيئة لاحقاً.
  • الملاحظة الاجتماعية والمقارنة بالأقران: استناداً إلى أطروحات ليون فستنغر في نظرية المقارنة الاجتماعية، يراقب البشر باستمرار تجارب وعلاقات المحيطين بهم من أصدقاء وأقارب وأقران. فعندما يلاحظ الفرد أن أقرانه يتمتعون بشركاء كرماء أو بيئات عمل سخية، يرتفع مستوى مقارنته تلقائياً ليواكب ما يراه سائداً أو متاحاً للآخرين من حوله.
  • تقدير الذات وصورة النفس: ترتبط درجة استحقاق الفرد الواعية واللاواعية ارتباطاً طردياً بمستوى المقارنة؛ فالشخص ذو تقدير الذات المرتفع يضع معيار مقارنة صلب ومرتفع، معتقداً أنه يستحق الأفضل من الاحترام والاهتمام، في حين أن تدني احترام الذات يدفع بصاحبه إلى خفض معاييره إلى مستويات هابطة تبرر له البقاء في أوضاع مجحفة.
  • التنشئة الاجتماعية والقيم الثقافية: تصوغ المعايير الجمعية والمفاهيم الثقافية السائدة حول أدوار الجنسين، والواجبات الأسرية، وأنماط الارتباط، حدود ما يعتبره الفرد “مقبولاً” أو “متوقعاً”، مما يمنح مستوى المقارنة بعداً جمعياً يتجاوز التجارب الفردية المعزولة.

تتفاعل هذه الروافد المختلفة في بوتقة واحدة لتشكل المخطط المعرفي الإدراكي (Cognitive Schema) الذي يلجأ إليه الفرد بصورة عفوية عند تقييم شريك حياته، أو مديره، أو أصدقائه. ومن المثير للاهتمام أن مستوى المقارنة يتسم بقدر ملحوظ من المرونة المعرفية؛ إذ إنه يعيد معايرة نفسه بناءً على استمرار التجارب وتكرارها. فالشخص الذي يدخل في علاقة تفوق توقعاته بكثير قد يشعر بنشوة عارمة في البداية، ولكن بمرور الوقت، يتكيف عقله مع هذا المستوى الجديد من المكافآت، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى مقارنته ليصبح ما كان يُعتبر استثنائياً في الأمس هو الحد الأدنى المقبول اليوم، وهي ظاهرة نفسية تشبه مفهوم “التكيف التلذذي” (Hedonic Treadmill).

التمييز الجوهري بين مستوى المقارنة (CL) ومستوى المقارنة للبدائل (CLalt)

من أهم الإسهامات التحليلية التي قدمها ثيبو وكيلي هو التمييز الصارم بين مفهومين غالباً ما يقع الخلط بينهما في التحليل النفسي البسيط: مستوى المقارنة (Comparison Level – CL) ومستوى المقارنة للبدائل (Comparison Level for Alternatives – CLalt). يمثل هذا التمييز المفتاح النظري لحل اللغز الكلاسيكي في العلاقات: لماذا يظل بعض الأفراد في علاقات غير مرضية وربما تعيسة، بينما يغادر آخرون علاقات تبدو ناجحة وسعيدة ظاهرياً؟

يختص مستوى المقارنة (CL) حصرياً بتحديد الرضا الذاتي (Satisfaction) داخل العلاقة؛ فهو المعيار الذي يجيب عن السؤال: “هل أنا سعيد وراضٍ عن هذه العلاقة مقارنة بما أستحقه وأتوقعه؟”. فإذا كانت المخرجات الحالية أعلى من CL، يكون الفرد راضياً؛ وإذا كانت أدنى منه، يشعر بعدم الرضا. في المقابل، يحدد مستوى المقارنة للبدائل (CLalt) الاعتمادية والاستقرار (Dependence and Stability)؛ فهو يمثل أدنى مستوى من المخرجات المستعدة للتنازل عندها مقارنة بأفضل فرصة بديلة متاحة، سواء أكانت تلك البدائل علاقة جديدة، أم العزوبية والاستقلال الذاتي، ويجيب عن السؤال: “هل أستطيع أن أجد وضعاً أفضل إذا تركت هذه العلاقة الآن؟”.

ينتج عن تقاطع هذين المعيارين مع مخرجات العلاقة الفعلية أربع حالات نفسية وسلوكية مميزة تحكم استقرار العلاقات الإنسانية:

  • الحالة الأولى (المخرجات > CL و CLalt): علاقة مثالية؛ يكون الفرد فيها راضياً جداً (لأن المخرجات تتجاوز توقعاته)، ومستقراً ومخلصاً (لأن البدائل المتاحة أدنى بكثير مما يمتلكه حالياً).
  • الحالة الثانية (المخرجات > CLalt ولكن المخرجات < CL): علاقة غير مرضية ولكنها مستقرة وتستمر قسراً؛ يشعر الفرد بالتعاسة وخيبة الأمل لعدم بلوغ طموحاته وتوقعاته، ولكنه يدرك أن بدائل الانفصال أسوأ بكثير، مما يجعله أسيراً ومكبوتاً داخل العلاقة (الوقوع في فخ التبعية النفسية أو الاقتصادية).
  • الحالة الثالثة (المخرجات > CL ولكن المخرجات < CLalt): علاقة مرضية وجيدة ولكنها غير مستقرة وهشة؛ الفرد سعيد بشريكه الحالي، لكنه يتلقى عروضاً أو يرى بدائل توفر له مكاسب وتطلعات أعلى بكثير، مما يجعله عرضة لإغراء الرحيل وإنهاء العلاقة رغم جودتها.
  • الحالة الرابعة (المخرجات < CL و CLalt): علاقة فاشلة ومنتهية؛ تنعدم فيها السعادة تماماً، وتوجد في الوقت ذاته بدائل متاحة أكثر جاذبية، مما يقود حتماً وبسرعة إلى فسخ الرابطة والانفصال.

الديناميات النفسية والسلوكية لتطبيقات مستوى المقارنة في العلاقات العاطفية

تتجلى قوة مفهوم مستوى المقارنة بأوضح صورها في أروقة العلاقات الحميمية والزواج، حيث يفسر هذا المفهوم الكثير من ظواهر التكيف والصراع الزواجي. في المراحل الأولى من الارتباط والافتتان العاطفي، يميل الأفراد تحت تأثير الاندفاع الهرموني والشغف إلى التغاضي عن الفجوات الصغيرة بين مخرجات العلاقة ومستوى المقارنة الشخصي. ومع ذلك، مع استقرار العلاقة وتحولها إلى مسار التفاعل اليومي الروتيني، تبدأ الآليات المعرفية في تفعيل مقاييس المقارنة بصرامة بالغة، وتظهر الصراعات عندما يكتشف أحد الطرفين أن الشريك عاجز عن تلبية السقف التوقعي الذي ترسخ عبر سنوات من التجارب السابقة أو الخيالات الرومانسية.

يرى الباحثون في سيكولوجيا العلاقات الأسرية، مثل كيريل روسبولت (Caryl Rusbult) في نموذج الاستثمار الخاص بها (Investment Model)، أن مستوى المقارنة يؤثر تأثيراً مباشراً في آليات الصيانة السلوكية للعلاقة. فالأشخاص الذين يمتلكون مستويات مقارنة تتطابق مع الواقع يظهرون مرونة أكبر، ويميلون لاستخدام استراتيجيات التسامح، والتواصل البنّاء، وحل المشكلات، في حين أن أولئك المحمّلين بمستويات مقارنة خيالية أو مرتفعة بشكل نرجسي ينظرون إلى أي هفوة أو نقص عاطفي عابر على أنه إهانة لاستحقاقهم وإخفاق كارثي لا يُغتفر، مما يمهد للانهيار التدريجي لنسيج الثقة والمودة.

علاوة على ذلك، يبرز دور التدخل الإرشادي والعلاج النفسي الزوجي في إعادة صياغة ومواءمة مستويات المقارنة لدى الشريكين. غالباً ما يركز المعالجون النفسيون على تفكيك التوقعات غير العقلانية (Irrational Expectations) التي يفرضها الشركاء على بعضهم البعض، ومساعدتهم على إعادة ضبط مستوى المقارنة ليتوافق مع الإمكانات البشرية الطبيعية، مما يعيد بناء مشاعر الرضا دون الحاجة لتغيير جذري في سلوكيات الطرف الآخر الملموسة، بل عبر تصحيح العدسة المعرفية التي تتم من خلالها الرؤية والتقييم.

مستوى المقارنة في البيئات التنظيمية وسيكولوجيا العمل

لا ينحصر نطاق مستوى المقارنة في الدائرة العاطفية الضيقة، بل يمتد بقوة ليشمل علم النفس الصناعي والتنظيمي، موفراً أداة تفسيرية جوهرية لظواهر الرضا الوظيفي، والاحتراق النفسي، ودوران العمالة. يدخل الموظف إلى المؤسسة حاملاً معه مستوى مقارنة مهني يرتكز على تعليمه، وخبراته الوظيفية السابقة، والجهد العقلي أو البدني الذي يبذله، ومقدار المكافآت التقديرية والمالية التي يعتقد جازماً أنه يستحقها مقابل تلك المدخلات، وهو ما يلتقي بشكل وثيق مع نظرية العدالة لآدامز (Adams’ Equity Theory).

إذا كانت بيئة العمل تمنح الموظف حوافز مالية، واستقراراً وظيفياً، وفرصاً للترقي، ومرونة شخصية تفوق مستوى مقارنته، ينعكس ذلك على سلوكه المهني في صورة التزام تنظيمي عالٍ وسلوكيات مواطنة تنظيمية (Organizational Citizenship Behaviors) تتجاوز الوصف الوظيفي الرسمي. في المقابل، عندما تهبط البيئة التنظيمية بمخرجاتها دون مستوى مقارنة الموظف، حتى وإن كانت الرواتب مقبولة في السوق بوجه عام، يتولد شعور حاد بالإحباط والاستغلال، يتجلى غالباً في ظاهرة “الانسحاب الصامت” (Quiet Quitting)، وتراجع الإنتاجية، والغياب المتكرر، والبحث الدؤوب عن بدائل أفضل في سوق العمل.

تدرك القيادات الإدارية الحديثة الملمة بالسلوك الإنساني أن الرضا الوظيفي ليس مسألة زيادة مالية بحتة، بل هو فن إدارة وتوجيه التوقعات وتعديل مستويات المقارنة لدى الكوادر البشرية. إن الشفافية التنظيمية، وإرساء معايير عادلة للترقيات، وتوفير التغذية الراجعة الموضوعية، تسهم جميعها في تقريب مستويات المقارنة الفردية من الإمكانات الفعلية للمؤسسة، مما يحمي المنظمة من خسارة كفاءاتها الاستراتيجية نتيجة الفجوات الإدراكية غير المعالجة بين ما يرجوه الموظف وما توفره بيئة عمله الحقيقية.

التأثيرات الثقافية والاجتماعية المعاصرة وعصر الرقمنة على معايير المقارنة

في عصر التحول الرقمي وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي، شهدت آليات تشكيل مستوى المقارنة اضطراباً عميقاً وتحولاً بنيوياً لم تشهده البشرية من قبل. تاريخياً، كان مستوى المقارنة لدى الإنسان يتشكل ضمن نطاق جغرافي واجتماعي محصور وقريب يتألف من الأسرة الممتدة، والجيران في القرية أو الحي، وزملاء العمل المباشرين، مما جعل التوقعات تتسم بالنسبية والواقعية والمواءمة للبيئة الطبيعية للفرد.

أما اليوم، ومع التدفق المستمر واللحظي لصور الحياة المترفة، والأجساد المنحوتة بفلاتر الرقمنة، وقصص النجاح المبهر والمبكر، والعلاقات العاطفية الزائفة المصممة بدقة على منصات مثل إنستغرام وتيك توك، تعرضت أنظمة التقييم الإدراكي لتضخم مفرط ومفاجئ. لقد أدى هذا العرض المستمر للمثالية المصطنعة إلى رفع مستويات المقارنة لدى الملايين من البشر إلى آفاق غير واقعية يستحيل على الواقع المعاش مجاراتها، مما فجّر أزمة نفسية عميقة تتسم بالشعور الدائم بالنقص، ومتلازمة فومو (FOMO)، وانخفاض الرضا عن الحياة والشركاء بصورة غير مسبوقة.

أصبح الفرد المعاصر يقيس شريكه الواقعي المنهك بضغوط الحياة اليومية في مقابل صور لشخصيات افتراضية تعيش حياة تخلو ظاهرياً من أي عيب، كما يقارن عمله ووظيفته العادية بقصص ثراء فاحش وسريع يروج لها المؤثرون في الفضاء الرقمي. وتؤكد الدراسات السيكولوجية الحديثة أن هذا التضخم المصطنع في مستوى المقارنة أدى إلى تآكل خطير في استقرار الروابط الزوجية، وزيادة معدلات القلق والاكتئاب الوجودي، إذ بات الإنسان المعاصر عاجزاً عن التلذذ بالمخرجات الحقيقية الجيدة لعلاقته أو واقعه، لأن معايير المقارنة القابعة في عقله اللاواعي تمت برمجتها وفق مقاييس وهمية تتجاوز حدود الواقع الإنساني وتتحدى إمكاناته الفطرية.

الانتقادات والحدود الإبستيمولوجية لمفهوم مستوى المقارنة

على الرغم من النجاح الواسع والقبول العلمي الكبير الذي حظي به مفهوم مستوى المقارنة ونظرية التبادل الاجتماعي بوجه عام، إلا أنه واجه العديد من الانتقادات المنهجية والنظرية من قبل مدارس نفسية واجتماعية متعددة. من أبرز هذه الانتقادات ما وجهه علماء النفس الإنسانيون والظاهراتيون الذين رأوا أن النموذج يحمل طابعاً نفعياً مفرطاً؛ إذ يُشبه النفس البشرية بشركة استثمارية تزن المحبة والعاطفة بميزان الأرباح والخسائر والمعايير التقديرية، متجاهلاً أبعاداً إنسانية أعمق وأسمى مثل الإيثار الخالص، والتضحية غير المشروطة، والارتباط العاطفي الروحي والوجودي.

كما يعيب بعض نقاد النظرية صعوبة القياس الموضوعي الدقيق لمستوى المقارنة تجريبياً وعملياً في المختبر النفسي؛ فلكونه مفهوماً شديد الذاتية، وسريع التغير، وممتزجاً بالانفعالات اللحظية والذاكرة الانتقائية، يصعب عزل تأثيره عن المتغيرات النفسية الأخرى كسمات الشخصية (مثل العصابية أو الانبساطية). فالشخص العُصابي قد يشتكي دائماً ليس لارتفاع مستوى مقارنته الحقيقي، بل لأن بنيته النفسية مهيأة للتركيز الحصري على السلبيات وإهمال المكاسب.

بالإضافة إلى ذلك، وجهت الدراسات الثقافية المقارنة نقداً للمفهوم بوصفه يعكس في المقام الأول ثقافة غربية فردانية تقدس المنفعة الفردية والاستحقاق الذاتي. ففي الثقافات الجمعية (Collectivist Cultures)، كالمجتمعات الشرقية والآسيوية، يميل الأفراد غالباً إلى تقديم الالتزام بالواجب الأخلاقي، والتماسك الأسري، والتناغم الجمعي على مجرد حسابات المقارنة والرضا الشخصي؛ حيث يبقى الفرد في علاقة أو وظيفة بدافع التكليف الاجتماعي والشرف العائلي حتى لو هبطت مخرجاتها دون مستوى مقارنته الذاتية الفردية بمراحل طويلة.

خاتمة وتوليف معرفي

في الختام، يظل مستوى المقارنة حجراً زاوية لا غنى عنه لفهم آليات النفس البشرية وطرق استجابتها للبيئات العاطفية والاجتماعية والمهنية. يكشف هذا المفهوم ببراعة أن مشاعر السعادة، والرضا، وخيبة الأمل ليست خصائص متأصلة في الأشياء والمخرجات ذاتها، بل هي وليدة التفاعل الديناميكي بين الواقع الموضوعي والمعايير الذاتية الراسخة في أعماقنا. إن إدراك الفرد لمستوى مقارنته الذاتي، والعمل الواعي على ترشيده وموازنته ليكون معياراً واقعياً ومنصفاً، هو خطوة جوهرية لتحقيق السلام النفسي، وحماية العلاقات الإنسانية من الانهيار تحت وطأة التوقعات الخيالية، وبناء روابط اجتماعية تتسم بالنضج، والاستقرار، والتوازن المستدام.

المراجع

  • Kelley, H. H., & Thibaut, J. W. (1978). Interpersonal relations: A theory of interdependence. John Wiley & Sons.
  • Rusbult, C. E. (1980). Commitment and satisfaction in romantic associations: A test of the investment model. Journal of Experimental Social Psychology, 16(2), 172-186.
  • Rusbult, C. E., Martz, J. M., & Agnew, C. R. (1998). The Investment Model Scale: Measuring commitment level, satisfaction level, quality of alternatives, and investment size. Personal Relationships, 5(4), 357-387.
  • Thibaut, J. W., & Kelley, H. H. (1959). The social psychology of groups. John Wiley & Sons.
  • Vogel, E. A., Rose, J. P., Roberts, L. R., & Eckles, K. (2014). Social comparison, social media, and self-esteem. Psychology of Popular Media Culture, 3(4), 206-222.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). مستوى المقارنة: معيار الرضا في العلاقات الإنسانية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/comparison-level-cl-2/
looti, Mohammed. “مستوى المقارنة: معيار الرضا في العلاقات الإنسانية.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/comparison-level-cl-2/.
looti, Mohammed. “مستوى المقارنة: معيار الرضا في العلاقات الإنسانية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/comparison-level-cl-2/.