العلوم العصبيةعلم النفس السلوكيعلم النفس الفسيولوجي

المنعكس المركب: ديناميات السلوك العصبي المتكامل

استكشف المفهوم الفسيولوجي والنفسي للمنعكس المركب، وبنيته التشريحية، وأدواره الحيوية في تكامل السلوك والحركة والتطبيقات الإكلينيكية المعاصرة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل السلوك البشري والحيواني في جوهره نسيجاً بالغ التعقيد من الاستجابات الفسيولوجية المترابطة التي تتجاوز حدود ردود الفعل الفردية البسيطة. إن فهم الكيفية التي تندمج بها الاستجابات الحركية والإفرازية المتعددة لإنتاج نمط تكيفي موحد قاد علماء النفس والفسيولوجيا إلى صياغة مفهوم المنعكس المركب (Compound Reflex). يشكل هذا المفهوم حجر الزاوية في فهم الانتقال الجوهري من الفعالية العصبية الأولية ذات القوس المنعكس المنفرد إلى الأنماط السلوكية الحركية والإدراكية المعقدة التي تحافظ على بقاء الكائن الحي وتفاعله مع بيئته المتغيرة.

مفهوم المنعكس المركب: التأطير النظري والفسيولوجي

يُعرف المنعكس المركب في الأدبيات العصبية والنفسية بأنه استجابة متناسقة تتألف من تفاعل وتآزر منعكسين بسيطين أو أكثر، سواء حدثت هذه الاستجابات في آن واحد بالتوازي، أو تتابعت في تسلسل زمني حركي منتظم. على النقيض من المنعكس البسيط الذي يستند نظرياً إلى قوس انعكاسي وحيد يتضمن مستقبلاً حسياً، وعصبوناً وارداً، ومركزاً تكاملياً، وعصبوناً صادراً، وعضواً مستجيباً، فإن المنعكس المركب يستلزم تشابك مستويات متعددة من الجهاز العصبي لتنسيق عدة مجموعات عضلية أو غدية لتحقيق غاية وظيفية محددة ومتسقة.

يتجلى الطابع المركب في هذه الاستجابات من خلال قدرة الجهاز العصبي المركزي على إدارة التناغم الحركي والفسيولوجي وتجنب الفوضى العضلية. عندما يتعرض الكائن الحي لمثير يتطلب استجابة شاملة، كالانتقال المفاجئ من وضعية السكون إلى الدفاع أو الهرب، لا تعمل العضلات بصورة منعزلة، بل تتضافر آليات التيسير المشبكي والكف المتبادل لضمان عمل العضلات الباسطة والمثنية بتوافق دقيق. ومن ثم، فإن المنعكس المركب ليس مجرد تراكم ميكانيكي لردود أفعال متفرقة، بل هو وحدة وظيفية جديدة منبثقة تمتلك خصائص تكاملية تفوق مجموع أجزائها المنفردة.

في علم النفس الفسيولوجي والسلوكي، يُنظر إلى المنعكسات المركبة بوصفها الجسور الرابطة بين علم وظائف الأعضاء المحض وبين البناء السلوكي المكتسب. فالكثير من العادات الحركية المعقدة، مثل الحفاظ على توازن الجسد أثناء المشي فوق أرضية غير مستقرة، أو البلع المتتابع المصحوب بإغلاق المسالك التنفسية، تعتمد بالأساس على آليات انعكاسية مركبة تم ضبطها تطورياً وبيولوجياً عبر مسارات الدماغ البيني والجذع الدماغي والحبل الشوكي.

علاوة على ذلك، ينطوي المفهوم على تداخل عميق بين الجهازين العصبي الذاتي والجسدي. فالاستجابة لتهديد مفاجئ تستلزم منعكساً مركباً يشمل انقباض عضلات الهيكل العظمي لتبني وضعية الحماية، تزامناً مع منعكسات قلبية ووعائية ترفع من سرعة النبض وضغط الدم، مما يبرهن على أن التعقيد الانعكاسي يمتد ليشمل البيئة الداخلية والخارجية للكائن الحي في آن واحد وبمنتهى الدقة والانسجام الفسيولوجي.

الجذور التاريخية والتطور الفكري للمفهوم

تعود الإرهاصات الأولى لدراسة الاستجابات المنعكسة المتشابكة إلى كتابات الفسيولوجي الروسي إيفان سيتشينوف في كتابه الكلاسيكي «منعكسات الدماغ» الصادر عام 1863. جادل سيتشينوف بأن جميع مظاهر النشاط الواعي وغير الواعي في الكائن الحي يمكن إرجاعها نظرياً إلى أفعال منعكسة، مؤكداً أن العمليات النفسية الأكثر رقياً ليست سوى حلقات معقدة من المنعكسات التي تعرضت لآليات التثبيط أو الإثارة في المراكز العصبية العليا، مما فتح الباب لتجاوز النظرة الذاتية في علم النفس نحو نظرة فسيولوجية تجريبية صارمة.

تلا ذلك العمل التأسيسي الرائد الذي قاده السير تشارلز شيرينغتون في مطلع القرن العشرين، ولا سيما من خلال مؤلفه المرجعي «العمل التكاملي للجهاز العصبي» (1906). أرسى شيرينغتون المفاهيم الفيزيولوجية التي تفسر نشوء المنعكس المركب، متحدثاً عن مبدأ «السبيل المشترك النهائي» (Final Common Path) وظاهرة «التعصيب المتبادل» (Reciprocal Innervation). برهن شيرينغتون تجريبياً على أن المنعكسات البسيطة تمثل تجريداً مخبرياً نادراً ما يحدث منفرداً في الطبيعة، إذ أن النشاط الحركي الفعلي هو دوماً محصلة تكامل وانصهار لمنعكسات مركبة تتنافس أو تتآزر للسيطرة على المسارات الحركية المؤدية للعضلات.

في السياق ذاته، قام إيفان بافلوف وفلاديمير بختيريف بتوسيع نطاق هذه الأفكار لتشمل الاستجابات الشرطية والترابطية. أوضح بافلوف أن السلوك الشرطي المعقد يتأسس في كثير من الأحيان على شبكة من المنعكسات الفطرية المركبة التي يتم تعديلها عبر آليات الارتباط القشري. واستخدم بختيريف مصطلح «علم المنعكسات» (Reflexology) لتفسير الشخصية والسلوك الإنساني برمته، معتبراً أن الأنماط السلوكية الرفيعة ليست سوى منعكسات مركبة وسلاسل ترابطية من الأفعال المنعكسة التي تطورت عبر الخبرة والتعلم والتفاعل البيئي المستمر.

خلال منتصف القرن العشرين، أدى تطور علم السيبرنتيقا (Cybernetics) ونظريات التحكم العصبي إلى إعادة صياغة مفهوم المنعكس المركب ضمن إطار أنظمة التغذية الراجعة (Feedback Loops). لم يعد يُنظر إلى الاستجابة المركبة كمسار خطي مغلق يبدأ بمثير وينتهي باستجابة، بل كنظام ديناميكي ذاتي التعديل يُدمج الإشارات الحسية الجسدية والحشوية لتوجيه السلوك التكيفي بما يتوافق مع مقتضيات الموقف الحركي والنفسي الراهن.

البنية التشريحية والآليات العصبية للمنعكسات المركبة

ترتكز المنعكسات المركبة على تنظيم تشريحي فائق التنظيم يتجاوز المستويات البسيطة للحبل الشوكي ليشمل النوى تحت القشرية والمخيخ وتكوينات جذع الدماغ. يتطلب إنجاز منعكس مركب تفاعلاً بين العصبونات البينية (Interneurons) التي تعمل كمحولات إشارية تقوم بتوزيع المدخلات الحسية الوافدة من عصبون حسي واحد إلى شبكات متعددة من العصبونات الحركية. يسمح هذا التشعب، المعروف بالتباعد العصبي (Divergence)، لإشارة حسية موضعية بتوليد استجابة حركية وغدية واسعة النطاق في أنحاء متباعدة من الجسد.

بالإضافة إلى التباعد، تؤدي آلية التقارب العصبي (Convergence) دوراً حاسماً في تنظيم المنعكس المركب، حيث تتلقى العصبونات الحركية النهائية مدخلات متزامنة من مصادر حسية متعددة، مثل المستقبلات الميكانيكية في العضلات، والمستقبلات الدهليزية في الأذن الداخلية، والمستقبلات البصرية في شبكية العين. يسمح هذا التقارب للدماغ بتقييم البيئة المادية بدقة مذهلة، ومن ثم تعديل قوة وسرعة الاستجابة المنعكسة المركبة لتتناسب مع متطلبات التوازن والحركة في الفضاء ثلاثي الأبعاد.

تلعب النواة الحمراء، والتكوين الشبكي (Reticular Formation)، ونوى الدهليز في جذع الدماغ، دور المشرف المركزي على تنظيم هذه المسارات الانعكاسية المعقدة. فبينما يمكن للحبل الشوكي إدارة بعض المنعكسات التبادلية مثل منعكس السحب المتصالب (Crossed-Extensor Reflex)، فإن الحفاظ على تماسك المنعكسات المركبة أثناء تغير مستويات التيقظ والانفعال يتطلب تدخلاً مستمراً من التكوين الشبكي الذي يعدل استثارة المشابك العصبية عبر نواقل كيميائية متخصصة، كالسيروتونين والنورأدرينالين والأسيتيل كولين.

من الناحية المشبكية، تخضع المنعكسات المركبة لعمليات التجميع الزماني والمكاني (Spatial and Temporal Summation). تعتمد كفاءة المنعكس المركب على تراكم الإشارات الكهربائية المثبطة والمثيرة عبر المشابك العصبية، مما يمنع حدوث الاستجابات العشوائية ويضمن عدم تفعيل السلوك الحركي إلا عند وصول التحفيز التراكمي إلى عتبة الإثارة المطلوبة، وهو ما يعكس الطابع الاقتصادي والدقيق للعمل الفسيولوجي العصبي.

الأنماط والتصنيفات الوظيفية للمنعكسات المركبة

يمكن تصنيف المنعكسات المركبة إلى عدة أنماط رئيسية بناءً على طبيعة التنسيق الزمني والوظيفي بين مكوناتها الانعكاسية. يبرز أولاً نمط المنعكسات المتزامنة (Simultaneous Compound Reflexes)، وفيه يتم تفعيل عدة استجابات في نفس اللحظة عبر مثير واحد أو مجموعة مثيرات مقترنة. من الأمثلة الكلاسيكية على ذلك منعكس السقوط، حيث يؤدي فقدان التوازن المفاجئ إلى تمدد الأطراف العلوية لحماية الرأس، وانقباض عضلات الرقبة لتثبيتها، واتساع حدقة العين لجمع أكبر قدر من المعلومات البصرية، إلى جانب تسارع آني في ضربات القلب.

النمط الثاني هو المنعكسات المتسلسلة أو التعاقبية (Sequential or Chained Reflexes)، حيث تشكل نهاية الاستجابة الأولى مثيراً حسياً يطلق المنعكس التالي في السلسلة. تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في عملية البلع المعقدة؛ إذ تبدأ بالدفع الإرادي للقمة نحو البلعوم، مما يحفز منعكساً لاإرادياً يرفع الحنك الرخو لإغلاق تجويف الأنف، ويعقبه مباشرة منعكس يغلق لسان المزمار لحماية القصبة الهوائية، ثم منعكس تمعجي يدفع الطعام عبر المريء، مشكلاً سلسلة منسقة بدقة متناهية لا يمكن لأي حلقة منها أن تبدأ قبل اكتمال الحلقة التي سبقتها.

وينقسم التصنيف الوظيفي كذلك إلى المنعكسات التآزرية (Synergistic Reflexes) والمنعكسات التضادية (Antagonistic Reflexes):

  • المنعكسات التآزرية: تعمل فيها جميع ردود الفعل المكونة للمركب في اتجاه وظيفي واحد، مثلما يحدث في المنعكس الدهليزي العيني (VOR) المتكامل مع حركات عضلات الرقبة لتثبيت الصورة البصرية أثناء حركة الرأس والجذع.
  • المنعكسات التضادية: يقتضي الموقف كبح منعكس لصالح آخر؛ حيث يقوم الجهاز العصبي بتثبيط المنعكسات التناسلية أو الهضمية كلياً عند تفعيل المنعكسات المركبة المرتبطة بالاستجابة للضغط الحاد وحالات الطوارئ (الكر والفر).
  • المنعكسات الإحشائية-الجسدية المركبة: تتضمن تنسيقاً مشتركاً بين الأعضاء الحشوية والعضلات الهيكلية، مثل منعكس السعال أو التقيؤ، حيث تنقبض عضلات البطن والحجاب الحاجز بتناغم تام مع انفتاح أو انغلاق الصمامات العضلية الداخلية.

يعكس هذا التنوع الوظيفي الثراء الحيوي للجهاز العصبي، فبدلاً من الاعتماد على بنى دماغية عليا لتوجيه كل تفصيلة حركية، تم إيكال هذه الأنماط التركيبية إلى دارات عصبية تحت قشرية ذاتية التشغيل، مما يحرر الطاقة الإدراكية للدماغ الأعلى للتركيز على المهام الاستراتيجية وصنع القرارات المعقدة في البيئة المحيطة.

التفاعل بين المنعكسات المركبة والعمليات المعرفية والسلوكية

على الرغم من الطبيعة الآلية والوراثية في الغالب للمنعكسات المركبة، إلا أنها لا تعمل بمعزل عن العمليات النفسية والمعرفية العليا. تمارس القشرة المخية، ولا سيما القشرة أمام الجبهية والقشرة الحركية الإضافية، تحكماً هابطاً (Top-Down Modulation) مستمراً على هذه المنعكسات. يتيح هذا التحكم الواعي للإنسان، على سبيل المثال، كبت المنعكس المركب لإسقاط إناء ساخن جداً إذا أدرك أن الإناء يحتوي على مادة ثمينة أو خطيرة، مما يوضح قدرة الإرادة والتقييم المعرفي على تعديل الاستجابات الفسيولوجية الأكثر رسوخاً.

في ميدان التعلم واكتساب المهارات الحركية، يُعد دمج المنعكسات البسيطة في أطر مركبة الآلية الأساسية للأتمتة (Automatization). عندما يتعلم الإنسان مهارة معقدة مثل قيادة السيارة أو العزف على آلة موسيقية، تتطلب كل حركة في البداية انتباهاً معرفياً مركزاً. ومع التكرار والممارسة، يتم تشفير هذه الحركات في دوائر عصبية قاعدية ومخيخية تشبه المنعكسات المركبة، حيث يصبح استشعار ضغط الفرامل أو لمس المفاتيح الموسيقية كافياً لإطلاق متتالية حركية بالغة التعقيد والدقة دون حاجة إلى تفكير واعي ومطول.

يمتد هذا التفاعل ليشمل الحالات الانفعالية والوجدانية؛ فالخوف والتوتر يمارسان تأثيراً مباشراً على حساسية وعتبة استثارة المنعكسات المركبة. يُظهر الأفراد الذين يعانون من القلق المزمن تضخيماً واضحاً في «منعكس الإجفال المركب» (Compound Startle Reflex)، حيث لا يقتصر رد فعلهم على رمشة العين البسيطة استجابة لصوت مفاجئ، بل يمتد ليشمل انقباضاً دفاعياً في عضلات الكتفين والرقبة وانحباساً مؤقتاً في الأنفاس، مما يوضح أن الحالة النفسية تعيد ضبط المعايير التشغيلية للمنظومة الانعكاسية برمتها.

يتضح من ذلك أن المنعكس المركب ليس مجرد آلية بيولوجية صلبة غير قابلة للتغيير، بل هو بنية ديناميكية مرنة تتأثر بالخبرة السابقة، والحالة المزاجية، والمخططات المعرفية، مما يجعله موضوعاً مركزياً للبحث في حقول علم النفس العصبي المعرفي وعلم السلوك المقارن.

المنعكسات المركبة في السياق الإكلينيكي والاضطرابات العصبية والنفسية

يعد الفحص الدقيق للمنعكسات المركبة أداة تشخيصية لا غنى عنها في طب الأعصاب والطب النفسي الفسيولوجي. يشير اختلال التنسيق في هذه المنعكسات في كثير من الأحيان إلى وجود آفات في المسارات القشرية النخاعية (Corticospinal Tracts) أو اعتلالات في النوى القاعدية وجذع الدماغ. على سبيل المثال، يؤدي تلف المسارات الهابطة المثبطة إلى ظهور منعكسات بدائية مركبة غابت منذ مرحلة الطفولة، مثل منعكس الإمساك الراحي أو منعكس المص التلقائي، وهي علامات تشير بوضوح إلى تراجع السيطرة القشرية وظهور النشاط الانعكاسي التلقائي المنفلت.

في سياق الاضطرابات الحركية المعقدة مثل مرض باركنسون، تتأثر المنعكسات المركبة المسؤولة عن تصحيح الوضعية (Postural Reflexes) بشدة. يعجز المريض المصاب بباركنسون عن تفعيل التوليفة المنعكسة المتزامنة اللازمة لاستعادة التوازن عند دفعه برفق، مما يجعله عرضة للسقوط المتكرر. لا يعود هذا الخلل إلى ضعف في قوة العضلات بحد ذاتها، بل إلى فشل الجهاز العصبي المركزي في دمج واستدعاء المنعكس المركب المتناسق في التوقيت الفسيولوجي الصحيح.

من المنظور النفسي والطبنفسي، يظهر اضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD) تشوهاً عميقاً في المنعكسات المركبة الدفاعية. يُبدي المصابون بهذا الاضطراب استجابات انعكاسية دفاعية مفرطة وشاملة حتى في مواجهة مثيرات محايدة لا تشكل أي خطر حقيقي. يقترن هذا النشاط المفرط بفرط استثارة اللوزة الدماغية وعجز القشرة الجبهية الحجاجية عن ممارسة وظيفتها الكابحة، مما يؤدي إلى انطلاق المنعكسات الحركية والحشوية المركبة بصورة غير تكيفية تستنزف الطاقة النفسية والجسدية للمريض.

كذلك تقدم دراسة المنعكسات المركبة في حالات السكتة الدماغية مؤشرات حيوية حاسمة لعملية إعادة التأهيل العصبي. يهدف العلاج الطبيعي العصبي الحديث إلى إعادة تدريب الدماغ على إعادة بناء المسارات البديلة وتوليف المنعكسات المركبة الضرورية للمشي واستخدام الأطراف، مستفيداً من خاصية المرونة العصبية (Neuroplasticity) لإعادة ربط الحلقات الانعكاسية المنقطعة ضمن أنساق وظيفية متجددة.

الآفاق المعاصرة وأبحاث العلوم العصبية الحديثة

تشهد دراسة المنعكسات المركبة في عصرنا الحالي تحولاً ثورياً بفضل التقنيات العصبية المتقدمة مثل علم البصريات الوراثي (Optogenetics)، والتسجيل متعدد القنوات للنشاط العصبوني، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي عالي الدقة (fMRI). تتيح هذه الأدوات للعلماء تتبع الدوائر العصبية الدقيقة المسؤولة عن المنعكسات المركبة على مستوى الخلايا الفردية، وتحديد كيف يمكن لومضة ضوء موجهة نحو مجموعة محددة من العصبونات البينية أن تشعل أو توقف سلسلة انعكاسية حركية كاملة في نماذج التجارب الحيوية.

علاوة على ذلك، استلهمت حقول الروبوتات والذكاء الاصطناعي الحيوي البنية التكيفية للمنعكسات المركبة لتصميم نظم تحكم آلي فائقة الكفاءة. بدلاً من تزويد الروبوتات بمعالجات مركزية تدير كل حركة مفصلية على حدة، يعتمد المهندسون على بنى تحكم هرمية تحاكي الدوائر الانعكاسية المركبة في الحبل الشوكي وجذع الدماغ؛ مما يمنح الروبوتات القدرة على التكيف الفوري مع التضاريس الوعرة والمفاجآت البيئية بسرعة تفوق قدرة خوارزميات الحوسبة السحابية التقليدية.

في مجال الواجهات الدماغية الحاسوبية (BCI)، يساعد الفهم العميق لكيفية اندماج الأوامر القشرية مع المنعكسات المركبة تحت القشرية في تطوير أطراف اصطناعية ذكية تتجاوب بسلاسة تحاكي الأطراف الحقيقية. هذه الأطراف الاصطناعية لا تنتظر أمراً إرادياً لكل حركة جزئية، بل تُبرمج لاحتواء «منعكسات مركبة محلية» تتولى ضبط الضغط وقوة الإمساك تلقائياً بمجرد استشعار ملامسة الجسم، مما يخفف العبء الإدراكي عن المستخدم ويقترب بالوظيفة الصناعية من التكامل البيولوجي الطبيعي.

تفتح هذه التطورات آفاقاً واعدة لعلاج الشلل النصفي والرباعي عبر أجهزة التحفيز الكهربائي فوق الجافية (Epidural Electrical Stimulation)، حيث يُعاد تنشيط الدوائر الانعكاسية المركبة الكامنة في الحبل الشوكي للمصابين، مما يمكنهم من استعادة أنماط المشي المعقدة تدريجياً، ويؤكد أن المنعكس المركب يظل مفهوماً حيوياً متجدداً يقع في قلب جهود إعادة بناء الوظائف السلوكية والحركية للإنسان.

خاتمة

يبرهن استعراض مفهوم المنعكس المركب على أنه يمثل حلقة الوصل المحورية التي لا غنى عنها لفهم الانتقال الفسيولوجي والسلوكي من النشاط العصبي الابتدائي إلى التكيف العضوي الكامل والوظائف النفسية الراقية. فمن خلال دمج المنعكسات المفردة ضمن شبكات متزامنة ومتعاقبة تخضع لضوابط الكف والتيسير، استطاع الجهاز العصبي عبر مساره التطوري صياغة حلول فائقة الكفاءة لإدارة التفاعل المستمر مع التحديات البيئية. إن استمرار الأبحاث في هذا الحقل، وتكامله مع علوم الروبوتات والطب العصبي الإكلينيكي والذكاء الاصطناعي، يجدد التأكيد على أن الآليات الانعكاسية، في تركيبها وتضافرها، ليست مجرد ردود أفعال آلية جامدة، بل هي الأساس الحيوي والدعامة الراسخة التي يقوم عليها صرح السلوك البشري المعقد.

المراجع

  • سيتشينوف، إ. (1863). منعكسات الدماغ (ترجمة طبية متخصصة). موسكو: دار النشر الأكاديمية.
  • شيرينغتون، تش. س. (1906). العمل التكاملي للجهاز العصبي. مطبعة جامعة ييل، نيو هيفن.
  • بافلوف، إ. ب. (1927). المنعكسات الشرطية: استقصاء عن النشاط الفسيولوجي للقشرة المخية. مطبعة جامعة أكسفورد، لندن.
  • كاندل، إ. ر.، شوارتز، ج. هـ.، وجيسيل، ت. م. (2013). مبادئ العلوم العصبية (الطبعة الخامسة). ماكغرو هيل، نيويورك.
  • بيرن، ج. هـ.، وشولتز، د. ج. (2014). مقدمة في علم الأعصاب الإدراكي والحركي. مطبعة المعهد الأكاديمي، بوسطن.
  • لوريا، أ. ر. (1973). الدماغ العامل: مقدمة في علم النفس العصبي. كتب بنجوين، لندن.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). المنعكس المركب: ديناميات السلوك العصبي المتكامل. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/compound-reflex-integrated-neural-behavior/
looti, Mohammed. “المنعكس المركب: ديناميات السلوك العصبي المتكامل.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/compound-reflex-integrated-neural-behavior/.
looti, Mohammed. “المنعكس المركب: ديناميات السلوك العصبي المتكامل.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/compound-reflex-integrated-neural-behavior/.