اضطرابات السيطرة على الاندفاعالطب النفسي الإكلينيكي

السرقة القهرية: دوافع السلوك وسبل العلاج

السرقة القهرية (هوس السرقة): دراسة إكلينيكية شاملة تتناول الدوافع النفسية، والخلل العصبي البيولوجي، والمعايير التشخيصية، وسبل العلاج السلوكي والدوائي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد السرقة القهرية (المعروفة إكلينيكياً باسم هوس السرقة أو الكليبتومانيا) أحد الاضطرابات النفسية المعقدة التي تقع عند تقاطع اضطرابات السيطرة على الاندفاع والاضطرابات ذات الطيف الوسواسي القهري والإدماني. يتميز هذا الاضطراب بفشل متكرر ومزمن في مقاومة الدوافع الشديدة للاستيلاء على أشياء لا يحتاجها الفرد لقيمتها المادية ولا لمنفعتها الشخصية، مما يُنتج صراعاً نفسياً حاداً يتبعه شعور بالندم والذنب والخزي الاجتماعي.

مدخل مفاهيمي: تعريف السرقة القهرية وطبيعتها الإكلينيكية

تُعرّف السرقة القهرية في الأدبيات النفسية والطبية المعاصرة بأنها اضطراب سلوكي غير تكيفي يندرج تاريخياً وتحت مظلة الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي ضمن فئة اضطرابات السيطرة على الاندفاع والسلوك التخريبي وسوء المسلك. لا تنبع هذه الظاهرة من غايات نفعية مادية أو رغبة مقصودة في الإضرار بالآخرين، بل تمثل استجابة لتوتر داخلي متصاعد لا يمكن تحمله إلا عبر ارتكاب فعل السرقة ذاته.

إن الخاصية الجوهرية التي تفصل هذا الاضطراب عن الأنماط الجنائية والاعتداءات على الممتلكات تكمن في غياب المنفعة الاقتصادية للمسروقات؛ فغالباً ما يقوم المصاب بإخفاء الأغراض المسروقة، أو إعطائها لأشخاص آخرين، أو التخلص منها خلسة، أو حتى إعادتها إلى المكان الذي أخذت منه في وقت لاحق. تعكس هذه الأنماط مفارقة سلوكية عميقة تكشف عن أن الهدف ليس الاستحواذ على الملكية بحد ذاتها، بل هو تفريغ الشحنة الانفعالية والتوتر النفسي الذاتي الذي يسبق الفعل مباشرة.

ينطوي السلوك على دورة انفعالية مميزة تبدأ بإلحاح نفسي طاغٍ وشعور متنامٍ بالقلق والاضطراب الداخلي، يليه ارتكاب الفعل الذي يُحدث نوعاً من الارتياح العابر أو النشوة السريعة، ثم تنتهي الدورة بهبوط عاطفي حاد يتسم باحتقار الذات، وتأنيب الضمير، والرعب من التداعيات الاجتماعية والقانونية المحتملة. إن هذا التكرار الحلقي يضع الفرد في معاناة صامتة ومستمرة تدفعه في كثير من الأحيان إلى العزلة والانكفاء.

تشير التقديرات الإكلينيكية إلى أن معدل انتشار الاضطراب بين عموم السكان يتراوح بين 0.3% و0.6%، إلا أن هذا الرقم قد يكون أقل بكثير من الواقع الفعلي نتيجة التكتم الشديد والخوف من الملاحقات الجنائية والوصمة الاجتماعية المحيطة بالمرض. وفي المقابل، ترتفع النسبة لتشكل ما بين 4% إلى 24% بين الأفراد المقبوض عليهم بتهم سرقة المتاجر، مما يبرز أهمية الفحص النفسي الدقيق في البيئات القضائية والتحقيقية.

التطور التاريخي والتصنيف التشخيصي لهوس السرقة

يعود التوثيق الطبي الأولي لهذا الاضطراب إلى أوائل القرن التاسع عشر في فرنسا، حيث صاغ الطبيبان النفسيان جان إتيان إسكيرول وسيزار أندريه مارك مصطلح “الكليبتومانيا” (Kleptomania) لوصف سلوك قهري متكرر وغير مبرر يقدم عليه أشخاص يتمتعون بالسلامة العقلية في شتى مناحي الحياة الأخرى. هدفت تلك المحاولات المبكرة إلى نزع الصبغة الإجرامية الصرفة عن هذا الفعل وتأطيره كحالة مرضية تنشأ عن خلل في الإرادة وليس فساداً أخلاقياً متعمداً.

شهدت النظرة إلى هذا الاضطراب خلال القرن العشرين تحولات جذرية تبعاً لتطور المدارس النفسية؛ إذ نظرت إليه مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية باعتباره تعبيراً رمزياً عن رغبات لاواعية مكبوتة وصراعات جنسية نفسية لم تجد تصريفاً مناسباً. ومع بروز المدارس السلوكية والمعرفية والبيولوجية في العقود الأخيرة، أُعيد تقييم السلوك كاضطراب عصبي نفسي يتصل بخلل في تنظيم المكافأة ومكابح التحكم الإرادي في الفص الجبهي للدماغ.

في الطبعات المعاصرة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) الصادر عن منظمة الصحة العالمية، جرى تثبيت السرقة القهرية ككيان تشخيصي مستقل. وعلى الرغم من استمراره ضمن اضطرابات السيطرة على الاندفاع، فإن ثمة نقاشاً علمياً مستمراً حول ما إذا كان ينبغي دمجه ضمن “طيف الوسواس القهري” نظراً لعنصر الإلحاح والقهر، أو ضمن “الإدمانات السلوكية” نظراً لتشابه مسار المكافأة والنشوة المصاحبة.

لقد أسهم هذا التطور التصنيفي في تحسين جودة الأدوات السريرية المستخدمة في تقييم الحالات؛ حيث بات بالإمكان استخدام مقاييس محددة مثل مقياس ييل-براون للوسواس القهري المعدل لهوس السرقة (K-YBOCS) لتقييم شدة الأعراض ودرجة المقاومة السلوكية والوقت المهدر في التفكير في السرقة.

المعايير التشخيصية والفروق الإكلينيكية بين السرقة القهرية والسرقة الجنائية

يستلزم وضع تشخيص دقيق للسرقة القهرية استيفاء مجموعة محددة من المعايير الصارمة التي تستبعد الدوافع المادية أو السلوكية الاعتيادية. تتلخص هذه المعايير في النقاط الأساسية التالية وفق الإرشادات الإكلينيكية المعتمدة:

  • الفشل المتكرر في مقاومة الاندفاع: عجز الفرد الدائم عن كبح جماح الدافع لسرقة أغراض ليست ذات فائدة نفعية مباشرة أو قيمة مالية ذات بال بالنسبة له.
  • الشعور بتصاعد التوتر: إحساس ذاتي حاد ومزعج بالضغط النفسي والاضطراب يسبق لحظة ارتكاب فعل السرقة مباشرة.
  • الإحساس باللذة أو الراحة: تجربة مشاعر الارتياح، أو تفريغ التوتر، أو اللذة في التو واللحظة أثناء اقتراف الفعل أو فور الانتهاء منه.
  • غياب الدوافع البديلة: عدم ارتكاب السرقة بدافع الانتقام الشخصي، أو التعبير عن الغضب، أو تحت تأثير أوهام وهلاوس، أو نتيجة اضطراب مسلك، أو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

يمثل التمييز بين السرقة القهرية والسرقة العمدية (الجنائية) أحد أكثر التحديات تعقيداً في الطب النفسي الشرعي. في السرقة العادية، يكون التخطيط مسبقاً ومدروساً بهدف تحقيق مكسب مالي، أو تلبية حاجة مادية، أو الإضرار بضحية معينة، وغالباً ما يتعاون اللص مع شركاء لتقليل مخاطر الضبط، ويسعى جاهداً إلى استهلاك المسروقات أو بيعها لجني الأرباح.

أما في حالة السرقة القهرية، فإن الفعل يكون عادةً عفوياً وفردياً دون تخطيط لوجستي مسبق أو مشاركة من أطراف أخرى. كما أن الفرد يسرق أشياء زهيدة القيمة تتوفر لديه الإمكانية المادية الكاملة لشرائها دون أي عناء. يضاف إلى ذلك أن السارق الجنائي يشعر بالرضا لنجاحه في الإفلات من العقاب، بينما يعاني مريض السرقة القهرية من مشاعر جارفة من الخزي وازدراء الذات بمجرد زوال شحنة التوتر.

يجب كذلك تمييز هذا السلوك عن مظاهر السرقة العابرة التي قد ترافق النوبات الهوسية في اضطراب ثنائي القطب، أو التدهور الإدراكي المصاحب للخرف ومرض ألزهايمر، أو السلوكيات المتمردة للمراهقين الناتجة عن ضغط الأقران؛ حيث تفقد السرقة في تلك الحالات صفتها القهرية المستقلة لتكون مجرد عَرَض لاضطراب كلي أوسع نطاقاً.

النماذج البيولوجية العصبية والفسيولوجية المفسرة للاضطراب

كشفت الدراسات الحديثة في مجال علوم الأعصاب الإدراكية عن وجود اضطرابات وظيفية وتشريحية دقيقة في الدماغ ترتبط بآلية نشوء السرقة القهرية. تؤكد هذه الأبحاث أن السلوك ينجم عن خلل في دوائر المكافأة وتثبيط الاستجابة، لا سيما داخل القشرة الجبهية الأمامية والنواة المتكئة، وهي المناطق المسؤولة عن الموازنة بين العواقب المستقبلية والاندفاعات اللحظية.

يلعب الناقل العصبي الدوبامين دوراً محورياً في تعزيز هذا السلوك السلبي؛ إذ يُعتقد أن الترقب الذي يسبق السرقة يؤدي إلى تدفق سريع للدوبامين في مسار المكافأة الطرفي الأوسط، مما يولد إحساساً قوياً بالاستثارة والتأهب يشبه إلى حد كبير ما يختبره مدمنو القمار أو المواد المخدرة. هذا التعزيز الإيجابي اللحظي يرسخ السلوك ويجعل مقاومته عسيرة مع مرور الوقت.

في المقابل، يُعزى الفشل في تثبيط السلوك الاندفاعي إلى نقص في نشاط الجهاز السيروتونيني. يسهم انخفاض مستويات السيروتونين في الدماغ في زيادة الاندفاعية وضعف كبح الرغبات المباشرة، مما يفسر التشابه السريري والاستجابة العلاجية المشتركة بين السرقة القهرية والاضطرابات الأخرى ذات الصلة بالطيف الوسواسي القهري.

علاوة على ذلك، تشير أدلة مستخلصة من أبحاث التصلب اللويحي وإصابات الرأس الرضية إلى دور النظام الأفيوني الداخلي المنظم لمشاعر اللذة وتسكين الألم النفسي. تؤدي ممارسة الفعل إلى إفراز الببتيدات الأفيونية الذاتية في الجهاز العصبي، مما يمنح الفرد راحة مؤقتة من القلق، وهو ما يدعم فرضية استخدام مضادات المستقبلات الأفيونية كعلاج دوائي واعد لاستهداف متعة السرقة وإضعافها.

المقاربات النفسية والتحليلية والديناميكية لتفسير السلوك القهري

قدمت مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية تفسيرات عميقة للسرقة القهرية؛ حيث رأى سيغموند فرويد وتلاميذه أن السرقة في جوهرها ليست سوى بديل رمزي عن فقدان عاطفي مبكر أو حرمان شديد تعرض له الفرد خلال مراحل النمو النفسي الجنسي الأولى. يُنظر إلى الشيء المسروق على أنه تجسيد لحب مفقود، أو حماية منيعة ضد مشاعر النبذ والرفض العاطفي غير المحتملة.

في المقاربة الديناميكية الحديثة، يُفسر السلوك القهري كوسيلة دفاعية لاواعية تهدف إلى استعادة السيطرة والشعور بالكفاءة والقدرة لدى أفراد يعانون من تدني احترام الذات والعجز الوجودي. تمثل اللحظة التي يتجاوز فيها الفرد الحظر الاجتماعي والقانوني محاولة يائسة للشعور بالقوة والتفوق المؤقت على بيئة قاهرة أو بيئة أسرية لم توفر له الرعاية والأمان النفسي الكافيين.

أما من منظور النظرية المعرفية السلوكية، فيُنظر إلى السرقة القهرية كنتيجة لاقتران شرطي معقد؛ حيث ترتبط مواقف التوتر والضغط النفسي بإلحاح داخلي لا يجد الفرد أداة لتنظيمه سوى هذا السلوك. تتشكل لدى المريض مخططات معرفية غير عقلانية، مثل الاعتقاد بأن “التوتر لن يزول أبداً ما لم أقم بأخذ هذا الغرض”، مما يعزز حلقة التجنب والهروب من الانفعالات السلبية عبر الفعل القهري.

تسلط نظريات التنظيم الانفعالي الضوء أيضاً على ما يُسمى “خلل التكيف الوجداني”؛ حيث يفتقر الأفراد الذين يعانون من السرقة القهرية إلى مهارات متقدمة لإدارة المشاعر السلبية كالحزن والوحدة والغضب المكبوت. يتحول السلوك القهري في هذه الحالة إلى شكل من أشكال “التطبيب الذاتي السلوكي” الذي يصرف الانتباه مؤقتاً عن الألم الداخلي الأصلي.

المآلات النفسية والاضطرابات المصاحبة (المراضة المشتركة)

نادراً ما تظهر السرقة القهرية كاضطراب معزول تماماً؛ إذ تشير السجلات السريرية إلى معدلات مرتفعة للغاية من المراضة المشتركة مع مجموعة من الاضطرابات النفسية المزمنة. هذا التداخل يعقد التشخيص ويزيد من الأعباء النفسية والوظيفية الواقعة على كاهل المريض وأسرته.

تتصدر اضطرابات المزاج قائمة الأمراض المصاحبة، حيث يعاني ما يقرب من 50% إلى 80% من مرضى السرقة القهرية من نوبات اكتئابية كبرى في مراحل مختلفة من حياتهم. غالباً ما يكون الاكتئاب نتيجة مباشرة لليأس والعزلة وتآكل احترام الذات الناجم عن الاستسلام المتكرر للدافع القهري وما يتبعه من شعور بالاغتراب الأخلاقي.

تأتي اضطرابات القلق في المرتبة الثانية من حيث الانتشار، لا سيما اضطراب القلق العام واضطراب الرهاب الاجتماعي ونوبات الهلع. كما ترتفع نسبة الإصابة باضطرابات الأكل بشكل ملحوظ، وخاصة الشره العصبي (Bulimia Nervosa) واضطراب نهم الطعام، مما يعزز فرضية وجود أرضية مشتركة تتمثل في اضطراب كبح الدوافع واختلال القدرة على التحكم في الشهيات والنزوات.

إضافة إلى ذلك، تتقاطع السرقة القهرية بنسب دالة مع اضطرابات تعاطي المواد والإدمانات السلوكية الأخرى مثل الشراء القهري والقمار المرضي. يتقاسم هؤلاء المرضى سمة شخصية مشتركة تتمثل في “البحث عن الإثارة” (Sensation Seeking) المصحوبة بانخفاض القدرة على تحمل الضجر، مما يجعلهم عرضة لسلوكيات متهورة متكررة لكسر الجمود الانفعالي.

الاستراتيجيات العلاجية: التدخلات النفسية والسلوكية المعرفية

يمثل العلاج النفسي حجر الزاوية في التعامل مع السرقة القهرية، وتحديداً العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، الذي أثبتت الدراسات التجريبية فاعليته العالية في تفكيك الاستجابات التلقائية وإعادة هيكلة المعتقدات المشوهة المصاحبة للسلوك.

تتضمن التقنيات السلوكية تدريباً مكثفاً على أسلوب “إزالة الحساسية الخفية” (Covert Sensitization)، حيث يطلب المعالج من المريض تخيل سيناريو الإقدام على السرقة مع ربطه ذهنياً بتخيل عواقب كارثية ومنفرة للغاية في اللحظة ذاتها، مثل تعرضه للضبط العلني، وافتضاح أمره أمام أسرته، ووضع الأصفاد في يديه. يؤدي هذا الاقتران التخيلي المتكرر إلى إطفاء اللذة المتوقعة وربط السلوك بمشاعر القلق والتنفير.

تشمل التدخلات الإضافية استخدام أسلوب “منع الاستجابة والتعرض”؛ وفيه يُعرض المريض لمحفزات حقيقية أو متخيلة (كالذهاب إلى متجر كبير بمرافقة المعالج أو شريك داعم) دون الانصياع لدافع السرقة، مما يسمح للتوتر الداخلي بالوصول إلى ذروته ثم التلاشي التدريجي تلقائياً دون الحاجة إلى تفريغه بالفعل القهري.

يركز الشق المعرفي على تصحيح التبريرات المشوهة والأفكار الآلية التي تسبق السلوك، مثل التهوين من خطورة الفعل أو لوم البيئة. يتم تدريب المريض على استبدال هذه الأفكار بأنماط تفكير تكيفية، وتعلم استراتيجيات بديلة لتنظيم الانفعالات مثل تقنيات الاسترخاء العضلي العميق، واليقظة الذهنية (Mindfulness)، والتدريب على مهارات حل المشكلات للتعامل مع ضغوط الحياة دون اللجوء إلى الهروب السلوكي.

العلاج الدوائي والبروتوكولات الطبية الحديثة

على الرغم من عدم وجود دواء معتمد بشكل حصري من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) مخصص لعلاج السرقة القهرية، فإن الممارسة السريرية المستندة إلى الأدلة توظف عدة فئات دوائية أظهرت قدرة ملحوظة على كبح الدوافع وتعديل مسارات النواقل العصبية المعنية.

تأتي مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، مثل الفلوكسيتين والإسيتالوبرام والسيرترالين، في مقدمة الأدوية الموصوفة، خاصة عند وجود اضطرابات اكتئابية أو قلق متزامن. تهدف هذه الأدوية إلى تعزيز النقل السيروتونيني في القشرة الجبهية، مما يمنح الفرد قدرة أكبر على كبح السلوكيات المندفعة والسيطرة على الأفكار الوسواسية الملحة المتعلقة بالسرقة.

أظهرت التجارب السريرية المنضبطة نتائج واعدة للغاية عند استخدام مضادات المستقبلات الأفيونية، وبشكل خاص عقار النالتريكسون (Naltrexone). يعمل هذا الدواء على حجب إفراز الدوبامين في مراكز المكافأة الدماغية المرتبط بتجربة السرقة، مما يؤدي إلى تجريد الفعل من النشوة والراحة التي اعتاد المريض الشعور بها، وبالتالي تسهيل كسر الحلقة الإدمانية للسلوك.

في بعض الحالات المعقدة التي تتسم بتقلبات مزاجية حادة أو مقاومة للعلاجات التقليدية، قد يلجأ الأطباء إلى استخدام مثبتات المزاج مثل كربونات الليثيوم أو مضادات التشنج كالتوبيرامات، بهدف استقرار النشاط القشري والحد من التذبذبات الاندفاعية الشديدة. يتم تحديد البروتوكول الدوائي الأمثل بعد تقييم دقيق للملف البيولوجي والنفسي لكل حالة على حدة.

الأبعاد القانونية والأخلاقية والطب النفسي الشرعي

تثير السرقة القهرية معضلات قضائية وأخلاقية شائكة في قاعات المحاكم وأنظمة العدالة الجنائية حول العالم؛ إذ يتطلب مبدأ المسؤولية الجنائية توافر كل من الفعل المادي (Actus Reus) والقصد الجنائي (Mens Rea). وفي حالة هوس السرقة، يقع الفعل المادي دون وجود نية جنائية كلاسيكية للتربح أو الإضرار، إلا أن إثبات تجريد الإرادة يظل موضع نقاش قانوني عسير.

تختلف الأنظمة القانونية في تعاملها مع هذا الاضطراب؛ ففي حين ترفض بعض التشريعات اعتباره سبباً للبراءة التامة خوفاً من استغلاله كذريعة للإفلات من العقاب من قبل اللصوص المحترفين، تميل أنظمة أخرى إلى اعتباره ظرفاً مخففاً يقلل من الأهلية الجنائية ويستوجب توجيه المدان إلى مسارات العلاج النفسي الإلزامي والرقابة القضائية بدلاً من السجن التقليدي.

يقع عبء كبير على عاتق خبراء الطب النفسي الشرعي للتحقق من مصداقية التشخيص ونفي التمارض (Malingering). يتطلب ذلك إجراء مقابلات إكلينيكية متعمقة، ومراجعة السجلات الطبية والسلوكية السابقة، والاستعانة باختبارات الشخصية الموضوعية، فضلاً عن فحص مسرح الواقعة والتأكد من توافر الخصائص الإكلينيكية المميزة للسرقة القهرية، كقيمة المسروقات وطريقة التعامل معها بعد الاستيلاء عليها.

تتطلب العدالة المعاصرة تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق المجتمع وأصحاب المتاجر من الخسائر المادية من جهة، والتعامل الإنساني المستنير مع مريض يعاني من اضطراب سلوكي قهري يسلب منه القدرة على الاختيار الحر من جهة أخرى؛ وهو ما يحتم تدريب القضاة ورجال إنفاذ القانون على استيعاب الفروق النفسية الدقيقة الفاصلة بين الجريمة والمرض.

خاتمة وتطلعات مستقبلية

تظل السرقة القهرية اضطراباً نفسياً حقيقياً ومؤلماً يقع ضحيته الفرد قبل أي شخص آخر، متحملاً عواقب وخيمة تمس كرامته واستقراره الأسري والمهني والقانوني. يتطلب تجاوز هذا الاضطراب تفكيك الوصمة الاجتماعية التي تحول دون طلب المساعدة، وتطوير نماذج تقييم شرعية ونفسية دقيقة تفرق بين الإجرام المتعمد والعجز الإرادي الناجم عن خلل عصبي ونفسي. ومن خلال الدمج بين التدخلات السلوكية المعرفية والعلاجات الدوائية الحديثة المتصلة بمسارات المكافأة الدماغية، يمكن تحقيق نسب تعافٍ مستدامة تعيد دمج الأفراد في محيطهم الاجتماعي بصورة صحية وبناءة.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
  • Grant, J. E. (2006). Understanding and treating kleptomania: New models and emerging therapies. American Journal of Psychiatry, 163(6), 973–977. https://doi.org/10.1176/ajp.2006.163.6.973
  • Grant, J. E., Odlaug, B. L., & Schreiber, L. R. (2011). Pharmacological treatments in kleptomania: A critical review. Pharmacopsychiatry, 44(04), 123–128. https://doi.org/10.1055/s-0031-1277156
  • World Health Organization. (2019). International statistical classification of diseases and related health problems (11th ed.). World Health Organization. https://icd.who.int/
  • Shulman, K. R. (2014). Impulse control disorders and the law: A review of legal and clinical issues. Behavioral Sciences & the Law, 32(4), 485–499. https://doi.org/10.1002/bsl.2125

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). السرقة القهرية: دوافع السلوك وسبل العلاج. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/compulsive-stealing-psychological-guide/
looti, Mohammed. “السرقة القهرية: دوافع السلوك وسبل العلاج.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/compulsive-stealing-psychological-guide/.
looti, Mohammed. “السرقة القهرية: دوافع السلوك وسبل العلاج.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/compulsive-stealing-psychological-guide/.