اضطرابات السيطرة على الاندفاععلم النفس الإكلينيكي

السرقة القهرية: دوافع خفية واضطراب الاندفاع

تحليل إكلينيكي شامل لاضطراب السرقة القهرية (الكلبتومانيا): استعراض للأبعاد التاريخية والمعايير التشخيصية وفق DSM-5، والآليات العصبية والمعرفية وسبل التدخل العلاجي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد السرقة القهرية، أو ما يُعرف في الأدبيات الإكلينيكية باسم هوس السرقة (Kleptomania)، واحدة من أكثر الاضطرابات النفسية إثارة للجدل والغموض في ميدان علم النفس المرضي والطب النفسي العصبي. لا يقتصر هذا الاضطراب على مجرد الاستيلاء غير المشروع على ممتلكات الغير، بل ينطوي على عجز بنيوي ونفسي عميق عن مقاومة دوافع الاستحواذ على أشياء لا يحتاجها الفرد ولا تمثل له قيمة مادية حقيقية. يهدف هذا المدخل الموسوعي إلى تفكيك الظاهرة من منظور تكاملي يستعرض أبعادها التاريخية، والتشخيصية، والعصبية، والمعرفية، فضلًا عن مسارات التدخل الإكلينيكي والأبعاد القانونية المرتبطة بها.

المفهوم النظري والتعريف الإكلينيكي

تُعرّف السرقة القهرية بوصفها نمطًا متكررًا من الفشل في كبح الاندفاعات الموجهة نحو سرقة موضوعات لا تتصل بالحاجة الشخصية أو المنفعة النقدية المباشرة. يمر الفرد المصاب بدورة انفعالية دقيقة تبدأ بشعور متصاعد بالتوتر واليقظة الفسيولوجية قبل الإقدام على الفعل، يليه إحساس عارم باللذة، أو الإشباع، أو الراحة المؤقتة لحظة تنفيذ السرقة، ثم يعقب ذلك في غالب الأحيان شعور ساحق بالذنب، وتأنيب الضمير، والاشمئزاز من الذات بمجرد زوال حالة النشوة العابرة.

يختلف هذا الاضطراب جذريًا عن أفعال السرقة الجنائية العادية؛ فالدافع هنا ليس الرغبة في التكسب أو إلحاق الضرر بالضحية أو التعبير عن الغضب والانتقام، بل هو استجابة لاضطراب حاد في ضبط النفس والتحكم في النزوات. غالبًا ما يقوم الأشخاص المشخصون بالسرقة القهرية بالتخلص من المسروقات عبر رميها، أو تخزينها سراً دون استخدام، أو التبرع بها، أو حتى إعادتها خلسة إلى مكانها الأصلي، مما يؤكد الانفصال التام بين الفعل والمنفعة المادية النفعية.

يُصنّف هذا السلوك ضمن نطاق اضطرابات السلوك واضطرابات السيطرة على الاندفاع وتشتت الانتباه في التصنيفات الحديثة، وهو يتقاطع بشكل وثيق مع طيف الوسواس القهري والاضطرابات الإدمانية السلوكية. تشير الدراسات السيكومترية إلى أن الأفراد الذين يعانون من السرقة القهرية غالبًا ما يسجلون درجات مرتفعة في مقاييس البحث عن الإثارة وتجنب الضرر، مما يعكس صراعًا داخليًا مزمنًا بين الرغبة الملحة في تخفيف التوتر والوعي بالعواقب الاجتماعية والقانونية الكارثية.

إن إدراك الطبيعة القهرية لهذا السلوك يحمل أهمية حاسمة في التشخيص الطبي؛ حيث إن الخلط بين السلوك الإجرامي والاندفاع المرضي يقود إلى وصم اجتماعي شديد يمنع الأفراد من التماس المساعدة العلاجية المتخصصة، مما يفاقم من عزلتهم النفسية ويزيد من خطر الانحدار نحو نوبات اكتئابية حادة وأفكار انتحارية.

التطور التاريخي والمفاهيمي للاضطراب

يعود الفضل في صياغة المصطلح إلى الطب النفسي الفرنسي في أوائل القرن التاسع عشر؛ حيث ظهر مفهوم “الكلبتومانيا” لأول مرة في كتابات الطبيبين النفسيين سي إم سيموند ومارك عام 1816، وتطور لاحقًا على يد الطبيب الفرنسي الشهير جان إتيان إسكيرول. كان إسكيرول يسعى إلى تمييز الأفراد الذين يقدمون على تصرفات غير مقبولة اجتماعيًا تحت تأثير قوة قاهرة لا يمكن مقاومتها عن المجرمين المعتادين، فأدرج الحالة ضمن ما أطلق عليه اسم “الهوس الأحادي” (Monomania)، وهو خلل نفسي يصيب جانبًا واحدًا من الوظائف العقلية مع بقاء العقل والمنطق سليمين في بقية الجوانب.

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، انخرطت مدرسة التحليل النفسي في تفسير الظاهرة؛ حيث نظر سيغموند فرويد وتلاميذه إلى السرقة القهرية بوصفها تعبيرًا رمزيًا عن صراعات لاشعورية غير محلولة تعود إلى مراحل النمو النفسي الجنسي المبكرة. فُسِّر فعل السرقة على أنه محاولة غير واعية للتعويض عن حرمان عاطفي، أو صدمة مبكرة، أو كآلية دفاعية للتعامل مع قلق الخصاء والرغبة اللاشعورية في نيل العقاب لتخفيف مشاعر الذنب العميقة.

مع تطور الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) الصادر عن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، خضعت السرقة القهرية لعدة مراجعات تصنيفية. في الإصدارات الأولى، كانت تُعامل كعرض ثانوي لاضطرابات أخرى، لكن بحلول الإصدار الثالث (DSM-III) في عام 1980، تم الاعتراف بها كاضطراب مستقل تحت مظلة اضطرابات السيطرة على الاندفاع غير المصنفة في موضع آخر. استمر هذا التصنيف في التطور حتى استقر في موضعه الحالي في الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5-TR).

في العقود الأخيرة، تحول الاهتمام من التأويلات الرمزية إلى النماذج البيولوجية السلوكية؛ حيث بدأ العلماء ينظرون إلى السرقة القهرية باعتبارها نموذجًا أوليًا لـ “الإدمان السلوكي”. هذا التحول النظري استند إلى التشابه الملحوظ بين مسار نوبة السرقة ومسار تعاطي المواد المخدرة، من حيث التحمل والانسحاب والانشغال الذهني القهري، مما فتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تمامًا.

المعايير التشخيصية وفق (DSM-5-TR)

يحدد الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، الطبعة الخامسة المراجعة (DSM-5-TR)، معايير سريرية صارمة لتشخيص السرقة القهرية بهدف تمييزها عن السرقة العادية والاضطرابات الأخرى ذات الصلة. يتطلب التشخيص استيفاء المعايير التالية بوضوح:

  • المعيار أ: الفشل المتكرر في مقاومة الاندفاعات لسرقة أشياء لا يحتاجها الشخص لاستخدامه الشخصي ولا لقيمتها النقدية.
  • المعيار ب: شعور متزايد بالتوتر مباشرة قبل الإقدام على فعل السرقة.
  • المعيار ج: شعور باللذة أو الإشباع أو الارتياح والراحة أثناء اقتراف الفعل أو فور الانتهاء منه.
  • المعيار د: ألا تُرتكب السرقة تعبيرًا عن الغضب أو الانتقام، وألا تكون استجابة لـ ضلالة أو هلوسة سمعية أو بصرية.
  • المعيار هـ: ألا يُفسر سلوك السرقة بشكل أفضل بوجود اضطراب المسلك، أو نوبة هوس، أو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

تكمن الصرامة في هذه المعايير في استبعاد الجريمة المخططة؛ فالأشخاص المصابون بالسرقة القهرية نادراً ما يخططون للسرقة مسبقًا، وغالبًا ما يتصرفون باندفاع عفوي حينما تسنح الفرصة وتشتعل الرغبة القهرية. كما أنهم لا يأخذون في الحسبان في كثير من الأحيان احتمالية تعرضهم للاعتقال أو وجود كاميرات المراقبة، على الرغم من أن الخوف من الفضيحة يظل هاجسًا مرعبًا يلاحقهم باستمرار.

يواجه المعالجون النفسيون تحديات جمة في تطبيق هذه المعايير، نظرًا لأن العديد من المرضى يخفون سلوكهم لسنوات طويلة بدافع الخجل الشديد والوصمة الاجتماعية. في كثير من الحالات، لا يتم التقييم السريري إلا بعد تعرض الشخص للاعتقال القانوني وإحالته من قبل المحكمة لإجراء تقييم نفسي شرعي، مما يجعل البيانات الوبائية الدقيقة صعبة التحصيل ومتحيزة في الغالب نحو الحالات المكتشفة قانونيًا.

الأسس العصبية الحيوية ومسارات الدماغ

كشفت أبحاث التصوير العصبي والطب النفسي البيولوجي عن اضطرابات وظيفية وهيكلية ملحوظة في الدوائر الدماغية المسؤولة عن المكافأة وتثبيط السلوك لدى المصابين بالسرقة القهرية. تتركز هذه الاضطرابات في الشبكة الجبهية المخططية (Frontostriatal Network)، وهي الدائرة المسؤولة عن تقييم المخاطر، وتنظيم الاستجابات الاندفاعية، وتعديل السلوك القائم على المكافأة.

يلعب الناقل العصبي الدوبامين دورًا محوريًا في هذه الدينامية؛ حيث يُعتقد أن نوبة السرقة تحفز إطلاقًا مفاجئًا للدوبامين في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens)، مما يولد شعورًا قويًا بالنشوة والمكافأة الفورية. مع تكرار الفعل، يحدث نوع من “التعزيز السلوكي الإيجابي” الذي يرسخ الرغبة القهرية كآلية آلية لتوليد المكافأة أو التخلص من الحالات المزاجية السلبية، وهو ما يشبه بدقة التغيرات العصبية المشاهدة في حالات الإدمان على الميسر أو المواد المخدرة.

إلى جانب مسارات الدوبامين، تشير الأدلة إلى وجود خلل في نظام السيروتونين (Serotonergic System) في الدماغ. يُعرف السيروتونين بدوره الأساسي في تعديل السلوك وتثبيط الاستجابات الاندفاعية في القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex). يؤدي انخفاض النقل السيروتونيني إلى ضعف “المكابح المعرفية”، مما يجعل الفرد عاجزًا عن كبح جماح الفكرة الاندفاعية عند ظهورها، حتى مع إدراكه العقلاني التام لخطورتها وعواقبها الوخيمة.

كما بينت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وجود انخفاض في حجم المادة الرمادية وخلل في سلامة المادة البيضاء في المناطق الجبهية البطنية الإنسية لدى هؤلاء المرضى. تقترن هذه التغيرات الهيكلية بخلل في نظام المواد الأفيونية الداخلية (Endogenous Opioid System)، الذي ينظم مشاعر اللذة والراحة بعد زوال التوتر، مما يفسر التأثير العلاجي الإيجابي لبعض مضادات الأفيون مثل النالتريكسون في تقليل نوبات السرقة القهرية.

التحليل السيكودينامي والمعرفي السلوكي

من منظور العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، تُفهم السرقة القهرية بوصفها حلقة مفرغة تتكون من محفزات بيئية وانفعالية، وأفكار آلية مشوهة، واستجابة سلوكية قهرية يعقبها تعزيز سلبي. غالبًا ما يعاني المريض من مخططات معرفية مختلة تتعلق بالعجز، والفراغ العاطفي، والتعويض الرمزي. تنشأ الفكرة التلقائية (“يجب أن آخذ هذا الشيء الآن”)، متبوعة بتشوهات معرفية تقلل من شأن المخاطر وتضخم الحاجة الفورية لتفريغ التوتر.

يمثل الفعل نفسه في هذا الإطار آلية “تنظيم انفعالي غير تكيفية”؛ حيث يلجأ الفرد إلى السرقة ليس رغبة في التملك، بل للهروب من مشاعر مؤلمة ومكبوتة كالقلق الشديد، أو الاكتئاب، أو الوحدة، أو الغضب المكتوم. بمجرد تنفيذ الفعل، يزول التوتر مؤقتًا، مما يؤدي إلى “تعزيز سلبي” يرسخ هذا السلوك كاستجابة مفضلة للدماغ للتعامل مع أي كرب نفسي مستقبلي، على الرغم من عواقب المشاعر اللاحقة المتمثلة في احتقار الذات والخزي.

أما المنظور السيكودينامي المعاصر، فيركز على الرمزية اللاشعورية للموضوع المسروق وللفعل ذاته. يرى المحللون النفسيون أن المسروقات تمثل في كثير من الأحيان “بدائل رمزية” للحب، أو الرعاية، أو الاهتمام المفقود في الطفولة المبكرة. وفقًا لنظريات العلاقات بالموضوع (Object Relations Theory)، قد تكون السرقة محاولة غير واعية لاستعادة السيطرة والشعور بالقوة في مواجهة مشاعر متجذرة بالعجز والضعف الداخلي.

علاوة على ذلك، يفسر المنظور الدينامي تكرار الفعل رغم التهديد بالعقاب بأنه تعبير عن “الحاجة اللاشعورية للعقاب”. يشعر الفرد بذنب مزمن ناجم عن صراعات داخلية ورغبات عدوانية مكبوتة، وتصبح السرقة وما يتبعها من خطر الفضيحة أو العقوبة القانونية وسيلة لاواعية لتبرير ذلك الذنب وتلقي العقاب الخارجي لتخفيف الصراع الأوديبي أو التوترات البنيوية بين الأنا والأنا العليا.

التشخيص الفارقي والاعتلال المشترك

يمثل التشخيص الفارقي للسرقة القهرية تحديًا سريريًا معقدًا يستلزم دقة متناهية؛ إذ يجب تمييزها أولاً عن السرقة بهدف الربح أو السرقة الجنائية العادية التي يخطط لها الفرد بدافع الحاجة المادية أو المكسب المالي. في السرقة الجنائية، يتميز الفعل بالقصدية، والتخطيط، ووجود استخدام أو قيمة بيعية للمسروقات، مع غياب الدورة الانفعالية القهرية المتمثلة في التوتر والارتياح والندم.

يجب كذلك تفريق السرقة القهرية عن اضطراب الوسواس القهري (OCD). ورغم التشابه في مصطلح “القهري”، فإن الأفعال القهرية في الوسواس القهري تكون استجابة لأفكار وسواسية تطفلية مخيفة تهدف إلى تجنب كارثة معينة (مثل غسل اليدين تجنبًا للعدوى)، ولا تترافق مع أي شعور باللذة أثناء الأداء، بل مجرد انخفاض طفيف في القلق، في حين تنطوي السرقة القهرية على لذة وإشباع حقيقيين لحظة ارتكاب الفعل.

كما يتعين تمييزها عن السلوكيات المصاحبة لنوبات الهوس في الاضطراب الوجداني ثنائي القطب؛ حيث قد يُقدم المريض أثناء نوبة الهوس على الاستيلاء على أشياء باندفاعية مفرطة نتيجة تضخم الذات والحكم المختل، دون أن يكون هذا النمط مستمرًا خارج أوقات النوبة. وينطبق الأمر ذاته على اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder) واضطراب المسلك، حيث تكون السرقة جزءًا من نمط عام وشامل لانتهاك حقوق الآخرين دون أي شعور بالندم أو تأنيب الضمير.

فيما يتعلق بالاعتلال المشترك (Comorbidity)، فإن السرقة القهرية نادراً ما توجد في معزل عن اضطرابات أخرى. تشير الدراسات السريرية إلى أن معدلات التواكب مع اضطرابات المزاج (خاصة الاضطراب الاكتئابي الجسيم) تتجاوز 60%، كما ترتفع نسبة الإصابة باضطرابات القلق، واضطرابات الأكل (خاصة الشره العصبي – Bulimia Nervosa)، واضطرابات تعاطي المواد المخدرة، واضطرابات تشويه صورة الجسد، مما يعزز الفرضية القائلة بأنها جزء من متلازمة أوسع من عدم الاستقرار الانفعالي وضعف الضبط الإرادي.

المقاربات العلاجية الحديثة

يتطلب علاج السرقة القهرية تدخلاً تكاملياً يجمع بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي المكثف، نظرًا لتعقيد البنية النفسية للمرض وخطورة تداعياته الاجتماعية والقانونية. لا يوجد دواء محدد معتمد رسميًا من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) حصريًا للسرقة القهرية، لكن الممارسات القائمة على الدليل تستخدم بروتوكولات دوائية نوعية تستهدف الأنظمة العصبية المتضررة.

أظهرت مضادات الأفيون، وتحديدًا النالتريكسون (Naltrexone)، فعالية ملحوظة في الدراسات مزدوجة التعمية؛ حيث يعمل الدواء على حجب مستقبلات الأفيون في الدماغ، مما يقلل من “نشوة السرقة” ويضعف الرغبة القهرية العارمة. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) مثل الفلوكسيتين والإسيتالوبرام لمعالجة المكون الاندفاعي والاضطرابات الوجدانية والاكتئابية المصاحبة، على الرغم من تباين نتائج الاستجابة بين المرضى.

على صعيد التدخلات السيكولوجية، يحتل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) الصدارة بوصفه التدخل الأكثر رسوخًا. تتضمن التقنيات المعرفية السلوكية استخدام “التنفير التخيلي” (Covert Sensitization)، حيث يتدرب المريض على تخيل الشروع في السرقة يليه مباشرة تخيل عواقب مروعة مثل التعرض للقبض والإذلال وفقدان الاحترام الاجتماعي، مما يربط الفكرة القهرية بمشاعر نفور حادة بدلًا من اللذة.

كما تشمل الاستراتيجيات الأخرى أسلوب “منع الاستجابة والتعرض” (ERP)، وتطوير مهارات تنظيم المشاعر المستمدة من العلاج الجدلي السلوكي (DBT)، فضلًا عن مساعدة المريض في التعرف على المحفزات الموقفية والوجدانية التي تسبق النوبة، وتطوير بدائل سلوكية تكيفية لتفريغ التوتر. تلعب مجموعات الدعم النفسي القائمة على نموذج الخطوات الاثنتين المخصص لمدمني السرقة دورًا إضافيًا هامًا في كسر جدار الصمت والعزلة الذي يحيط بهؤلاء الأفراد.

الأبعاد القانونية والطب النفسي الشرعي

تثير السرقة القهرية إشكالات قانونية وأخلاقية شائكة في قاعات المحاكم والطب النفسي الشرعي؛ إذ تقف العدالة الجنائية في حيرة بين معاقبة السلوك غير القانوني وبين الاعتراف بالطبيعة المرضية للاندفاع. في معظم الأنظمة القانونية الدولية، لا يُعفى المصاب بالسرقة القهرية تلقائيًا من المسؤولية الجنائية؛ لأن المريض يدرك عادة أن ما يفعله هو تصرف خاطئ ومخالف للقانون من الناحية المعرفية البحتة.

تعتمد معايير الدفاع بالجنون أو انعدام الأهلية (مثل قواعد منوتن – M’Naghten Rules) تاريخيًا على معرفة المتهم بطبيعة الفعل وكونه خاطئًا. وبما أن مرضى السرقة القهرية يمتلكون هذه المعرفة المعرفية السليمة، فإن الدفوع ترتكز بدلاً من ذلك على مبدأ “الدافع الذي لا يقاوم” (Irresistible Impulse)، وهو معيار قانوني يقر بأن الاضطراب العقلي قد يسلب الشخص القدرة على التحكم في إرادته حتى لو كان مدركًا للخطأ والنتيجة.

يتطلب تقييم الطب النفسي الشرعي في هذه الحالات فحصًا دقيقًا لسجل المتهم، وتاريخه الطبي، والظروف المحيطة بارتكاب الجريمة. تتضمن الأدلة المرجحة للدافع المرضي: عدم وجود قيمة مادية أو شخصية للمسروقات، وامتلاك الشخص للمال الكافي لشرائها، وغياب التخطيط المسبق المعقد، وعدم وجود شركاء، والتخلص من الأشياء المسروقة أو الاحتفاظ بها دون انتفاع، ووجود تاريخ سريري طويل من الاضطرابات النفسية الموثقة.

تتجه الأنظمة القضائية التقدمية الحديثة إلى توفير بدائل للعقوبات الجنائية التقليدية، مثل إحالة المتهمين إلى برامج علاجية وإشراف قضائي نفسي ملزم كبديل عن أحكام السجن؛ إذ أثبتت الدراسات أن العقوبات السالبة للحرية لا تسهم في علاج الخلل العصبي والسلوكي الكامن، بل قد تؤدي إلى تفاقم الاضطراب وزيادة احتمالية الانتكاس بعد الإفراج.

خاتمة

تظل السرقة القهرية اضطرابًا نفسيًا وسلوكيًا بالغ التعقيد يقع في نقطة التقاطع الحساسة بين علم الأعصاب، وعلم النفس الإكلينيكي، والعدالة الجنائية. تقتضي المقاربة الإنسانية والعلمية لهذا الاضطراب تجريده من الأحكام الأخلاقية التبسيطية، والتعامل معه بوصفه اعتلالاً وظيفيًا حقيقيًا في آليات التحكم العصبي والتنظيم الانفعالي يتطلب تشخيصًا دقيقًا وبرامج علاجية متكاملة تمنع التدهور النفسي والاجتماعي للفرد المصاب.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787
  • Grant, J. E. (2006). Understanding and treating kleptomania: New models and treatment approaches. Journal of Clinical Psychiatry, 67(7), 11-17.
  • Grant, J. E., & Odlaug, B. L. (2012). Kleptomania: Clinical characteristics and treatment. Revista Brasileira de Psiquiatria, 34(1), S92-S100. https://doi.org/10.1016/S1516-4446(12)70058-6
  • Grant, J. E., Potenza, M. N., & Odlaug, B. L. (2009). The neurobiology of impulse control disorders. Current Psychiatry Reports, 11(5), 369-375. https://doi.org/10.1007/s11920-009-0056-8
  • McElroy, S. L., Pope, H. G., Hudson, J. I., Keck, P. E., & White, K. L. (1991). Kleptomania: A report of 20 cases. The American Journal of Psychiatry, 148(5), 652-657. https://doi.org/10.1176/ajp.148.5.652

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). السرقة القهرية: دوافع خفية واضطراب الاندفاع. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/compulsive-stealing-psychology-and-treatment/
looti, Mohammed. “السرقة القهرية: دوافع خفية واضطراب الاندفاع.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/compulsive-stealing-psychology-and-treatment/.
looti, Mohammed. “السرقة القهرية: دوافع خفية واضطراب الاندفاع.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/compulsive-stealing-psychology-and-treatment/.