يمثل تشكل الاتجاهات النفسية وتعديلها إحدى الركائز الجوهرية في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي، حيث تسعى النظريات السلوكية والمعرفية إلى سبر أغوار الكيفية التي يكتسب بها الفرد مشاعر القبول أو الرفض إزاء موضوعات ومثيرات متباينة في بيئته. يُعد إشراط الاتجاهات (Conditioning of Attitudes)، ولا سيما عبر ما يُعرف في الأدبيات المعاصرة بـ الإشراط التقييمي (Evaluative Conditioning)، أحد المسارات المحورية التي تفسر كيف يمكن للاقتران البسيط بين مثير محايد وآخر مشحون عاطفياً أن يعيد صياغة الموقف التقييمي للإنسان بصورة آلية ودون حاجة بالغة إلى التأمل العقلاني الواعي. إن فهم هذه الظاهرة يفتح آفاقاً رحبة لفهم آليات تشكل الأحكام المسبقة، والسلوك الاستهلاكي، والانحيازات الاجتماعية، والتحولات الفكرية على مستوى الأفراد والجماعات.
التأصيل المفاهيمي والجذور النظرية لإشراط الاتجاهات
يُعرف الاتجاه النفسي تقليدياً بأنه نزعة نفسية يُعبر عنها من خلال تقييم كيان معين بدرجة ما من التفضيل أو عدم التفضيل، وينطوي هذا التقييم على مكونات معرفية ووجدانية وسلوكية متداخلة. في هذا السياق، يشير إشراط الاتجاهات إلى العملية التي يتغير من خلالها تقييم الفرد لمثير معين (المثير الشرطي – CS) نتيجة لاقترانه الزمني والمكاني المتكرر بمثير آخر ذي دلالة وجدانية مسبقة، سواء كانت إيجابية أو سلبية (المثير غير الشرطي – US). خلافاً للتعلم المعرفي القائم على البراهين المنطقية، يعتمد هذا النمط من التعلم على آليات ترابطية غريزية تنقل الشحنة الانفعالية من مثير إلى آخر بانسيابية وسرعة.
تعود الجذور الأولى لهذه الفكرة إلى أبحاث المدرسة السلوكية الكلاسيكية، وتحديداً تجارب إيفان بافلوف على الاقتران الشرطي المنعكس، والتي جرى تعميم مبادئها لاحقاً على استجابات الانفعال الإنساني بواسطة جون واطسون وروزالي راينر. ورغم أن التجارب المبكرة ركزت على ردود الفعل الفسيولوجية والسلوكية البسيطة كالخوف واللعاب، إلا أن المنعطف التاريخي الحقيقي حدث حينما تساءل علماء النفس الاجتماعي: هل يمكن للتقييمات الذاتية والقيم والاتجاهات المعقدة أن تخضع لنفس قوانين الاقتران التكراري؟ وقد قادت هذه الفرضية إلى ولادة تيار بحثي خصب أثبت أن المشاعر الإنسانية قابلة لإعادة التشكيل عبر التداعي والاقتران.
في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، قدم الزوجان آرثر وكارولين ستاتس (Arthur & Carolyn Staats) دراساتهما الرائدة التي أظهرت إمكانية إشراط الاتجاهات اللغوية والاجتماعية؛ حيث أثبتا أن إقران أسماء شعوب أو كلمات محايدة بكلمات ذات شحنة وجدانية إيجابية (مثل: سكر، هدايا، جمال) أو سلبية (مثل: ألم، مرارة، حزن) يؤدي بصورة مباشرة إلى صياغة اتجاه إيجابي أو سلبي نحو تلك الأسماء والكلمات المحايدة. أثارت هذه النتائج ثورة علمية أكدت أن اللغة والمواقف الأخلاقية والاجتماعية يمكن «إشراطها» دون حاجة الفرد إلى خوض تجربة واقعية مباشرة مع موضوع الاتجاه ذاته.
مع تطور النماذج المعرفية المعاصرة، تمايز مفهوم «الإشراط التقييمي» عن الإشراط الكلاسيكي البافلوفي الصرف؛ فبينما يركز الأخير على التعلم التنبؤي حيث يشير المثير الأول إلى حدوث وشيك للمثير الثاني مسبباً استجابة سلوكية أو حركية محددة، يركز الإشراط التقييمي على انتقال التكافؤ الوجداني (Valence Acquisition) ليصبح المثير المحايد نفسه محبوباً أو مكروهاً في حد ذاته. هذا التمايز الجوهري نقل دراسات الاتجاهات من إطار الحركات المنعكسة إلى فضاء البنى المعرفية والوجدانية متعددة الأبعاد.
الآليات النفسية والعمليات المعرفية الكامنة
يثور جدل أكاديمي واسع النطاق حول الآليات الدقيقة التي تحكم انتقال الشحنة الوجدانية وتشكل الاتجاهات بالاشتراط، حيث تنقسم الآراء العلمية بين النموذج الترابطي البحت والنموذج القائم على المقترحات المنطقية الواعية. يفترض النموذج الترابطي (Associative Link Model) أن الجهاز العصبي والمعرفي ينشئ رابطاً عصبياً وتداعياً مباشراً بين تمثيل المثير الشرطي وتمثيل المثير غير الشرطي في الذاكرة الدلالية، بحيث يؤدي تنشيط أحدهما تلقائياً إلى استدعاء الانفعال المرتبط بالآخر دون الحاجة إلى وعي تحليلي أو إدراك استدلالي مسبق.
في المقابل، يرى دعاة النظرية المقترحية (Propositional Model)، مثل يان دي هاور (Jan De Houwer)، أن تشكل الاتجاهات حتى في تجارب الإشراط البسيطة يتطلب تكوين قضايا منطقية ومقترحات عقلية حول طبيعة العلاقة الرابطة بين المثيرين. فالمستجيب لا يكتفي بالاقتران السطحي، بل يكوّن افتراضاً ذهنياً واعياً بأن المثير (أ) يرتبط بالمثير (ب) أو يسببه أو يشاركه خصائصه. هذا التباين يمثل نقاشاً عميقاً حول طبيعة العقل البشري: هل هو نظام تداعٍ ثنائي آلي، أم شبكة معالجة استدلالية متكاملة؟
تعتمد فعالية إشراط الاتجاهات بصورة جوهرية على ما يُسمى «وعي المصاحبة» (Contingency Awareness)، وهو مدى إدراك الفرد لحقيقة أن المثير المحايد يتكرر بالتزامن مع المثير الوجداني. أظهرت مجموعة واسعة من الدراسات التجريبية أن إدراك هذا التزامن يعزز بشكل ملحوظ حجم التغير في الاتجاه، غير أن دراسات أخرى باستخدام تقنيات التحفيز تحت عتبة الوعي (Subliminal Conditioning) برهنت على أن تغيراً طفيفاً وملموساً في التقييم يمكن أن يقع حتى دون قدرة المفحوص على التقرير اللفظي عن وجود الاقتران، مما يدعم وجود مسار معالجة لاواعٍ مستقل.
إلى جانب ذلك، تلعب العمليات الانتباهية دوراً وسيطاً في تثبيت الاتجاهات المشروطة؛ فالمثيرات التي تحظى بمعالجة انتباهية أعمق تُظهر قدرة أعلى على اكتساب المعاني الوجدانية ونقلها. يتداخل هذا مع سعة الذاكرة العاملة ومستوى التشتيت الذهني؛ حيث تبين أن إشراط الاتجاهات يتسم بمقاومة نسبية للمهام المعرفية الثانوية المرهقة، مما يعزز فرضية أنه يعتمد جزئياً على معالجات ضمنية سريعة وموفرة للجهد الإدراكي مقارنة بأنماط الإقناع العقلاني المعقدة.
الخصائص المميزة لإشراط الاتجاهات مقارنة بالإشراط السلوكي
يمتلك إشراط الاتجاهات خصائص فريدة تميزه جذرياً عن الإشراط الاستجابي التقليدي المعروف في فسيولوجيا التعلم، وتأتي في مقدمة هذه الخصائص «مقاومة الانطفاء» (Resistance to Extinction). في الإشراط البافلوفي الكلاسيكي، يؤدي تقديم المثير الشرطي بمفرده وبشكل متكرر دون المثير غير الشرطي إلى تلاشي الاستجابة تدريجياً حتى تنطفئ تماماً. أما في إشراط الاتجاهات، فإن المثير الذي اكتسب كراهية أو حباً يميل إلى الاحتفاظ بتلك المشاعر التقييمية لفترات طويلة حتى بعد زوال الاقتران الأصلي، مما يفسر صعوبة تفكيك بعض القناعات العاطفية المترسخة.
الخاصية الثانية البارزة هي عدم الحساسية لتعديل قيمة المثير غير الشرطي (Insensitivity to US-Revaluation) في كثير من النماذج؛ فبمجرد أن يُقرن منتج ما بصورة شخص محبوب، ثم تتغير مكانة ذلك الشخص لاحقاً لتصبح سلبية، فإن الموقف تجاه المنتج قد يظل متسماً بالإيجابية لردح من الزمن، لأن الانفعال قد تم إسقاطه ودمجه في البنية المعرفية للمنتج نفسه بدلاً من أن يظل مرهوناً بمصدره الخارجي، وهو ما يعكس استقلالية الاتجاه الوليد عن أصوله التكوينية.
علاوة على ذلك، لا يتطلب إشراط الاتجاهات بالضرورة ترتيباً زمنياً صارماً من نوع «المثير الشرطي يسبق المثير غير الشرطي»، بل يعمل بفعالية ملموسة حتى في حالات التقديم المتزامن (Simultaneous Pairing) أو الإشراط الرجعي (Backward Conditioning)، حيث يظهر المثير الوجداني أولاً يليه المثير المحايد. يتناقض هذا النمط بوضوح مع قواعد التعلم التنبؤي، ويثبت أن الإشراط هنا ليس أداة لاستشراف المستقبل بقدر ما هو عملية اندماج دلالي ونقل وجداني بين كينونتين في الحيز الإدراكي للمستقبل.
تتميز الاتجاهات المتشكلة بالإشراط أيضاً بقدرتها العالية على التعميم (Generalization)؛ فالتقييم الإيجابي أو السلبي لا يقف عند حدود المثير الدقيق المستخدم في التجربة، بل يفيض تلقائياً ليشمل الفئات التصنيفية الأوسع التي ينتمي إليها ذلك المثير، والموضوعات المشابهة له بنيوياً أو دلالياً. هذا التدفق التقييمي يفسر الكيفية التي يمكن بها لحادثة منفردة مقترنة بمشاعر حادة أن تصبغ نظرة الفرد تجاه جماعة إنسانية كاملة أو منظومة فكرية واسعة.
النماذج النظرية المعاصرة في تفسير تشكل الاتجاهات
قدمت مدرسة علم النفس الاجتماعي المعرفي نماذج نظرية متعددة لتفسير الكيفية التي يندمج بها الإشراط مع بنية الاتجاهات، ويبرز في هذا الصدد «نموذج التقييم الترابطي والمقترحي» (Associative-Propositional Evaluation Model – APE) الذي طوره بيرترام جاورونسكي وفريتز ستراك. يميز هذا النموذج بين مسارين متمايزين لكنهما متفاعلان: مسار التقييم التلقائي المبني على التداعيات المشروطة الضمنية، ومسار التقييم التحليلي المبني على أحكام الحقيقة المنطقية الصريحة. يرى النموذج أن الإشراط يؤثر مباشرة في الشبكة الترابطية، لكن هذه التداعيات قد تصطدم لاحقاً بالمقترحات المنطقية التي يتبناها الفرد، مما ينتج صراعاً وجدانياً معرفياً.
من النماذج الرائدة أيضاً نموذج «الاحتمالية المرجحة للإتقان» (Elaboration Likelihood Model – ELM) لبتر كاسيوبو وريتشارد بيتي، والذي يضع إشراط الاتجاهات ضمن «المسار المحيطي» (Peripheral Route) للإقناع. وفقاً لهذا الطرح، يلجأ العقل البشري إلى إشراط الاتجاهات بالاقتران البسيط عندما تنخفض دوافع الفرد للتحليل المنطقي أو تقل قدرته المعرفية على معالجة الحجج والبراهين، كحالات الإرهاق الذهني أو قلة الاهتمام بالموضوع. ورغم ذلك، أظهرت الدراسات اللاحقة أن الاقتران الوجداني قد يتدخل أيضاً في «المسار المركزي» بتوجيهه لنوعية الأفكار النقدية المتولدة حول الموضوع.
يقترح نموذج آخر، يُعرف بنموذج نقل الخصائص (Feature Transfer Model)، أن ما يحدث أثناء إشراط الاتجاهات ليس مجرد انتقال لشحنة عاطفية مبهمة (سار / غير سار)، بل هو انتقال منظم لسمات محددة وحقائق وصفية دقيقة من المثير غير الشرطي إلى المثير الشرطي. فإقران علامة تجارية برياضي مفعم بالحيوية لا يولد اتجاهاً إيجابياً عاماً فحسب، بل يغرس في العقل الباطن للمتلقي انطباعاً بأن العلامة التجارية تتسم بالسرعة والقوة والصلابة، مما يوضح العمق الدلالي للإشراط التقييمي.
تؤكد هذه النماذج في مجملها أن إشراط الاتجاهات ليس عملية سلوكية آلية مصمتة، بل هو تفاعل معقد يتداخل مع منظومة المعتقدات الذاتية، ومشاعر التنافر المعرفي، والرغبة في الحفاظ على اتساق الذات. إن إدماج المفاهيم الترابطية مع التحليل المنطقي مكن الباحثين من التنبؤ بدقة أكبر بدرجة ثبات الاتجاه المشروط وقابليته للتنبؤ بالسلوك الحقيقي والفعلي للأفراد في مواقف الحياة اليومية.
المحددات والعوامل الوسيطة لفعالية الإشراط
لا تتشكل الاتجاهات بالاشتراط بطريقة ميكانيكية حتمية في جميع الظروف؛ إذ تتوسط هذه العملية سلسلة من المتغيرات النفسية والبيئية والموضوعية التي تحدد قوتها واستمراريتها. تأتي «الألفة المسبقة بموضوع الاتجاه» في طليعة هذه المحددات؛ حيث تنص الأدبيات على أن إشراط المثيرات الجديدة كلياً (Novel Stimuli) أسهل بكثير وأسرع حدوثاً من تعديل اتجاهات الأفراد نحو مثيرات مألوفة لديهم بالفعل ولديهم نحوها تاريخ سابق من الخبرات المباشرة، وهي الظاهرة المعروفة في أدبيات التعلم بـ «التثبيط الكامن» (Latent Inhibition).
يلعب التكافؤ الوجداني وشدة المثير غير الشرطي دوراً حاسماً؛ فالمثيرات التي تحمل شحنات انفعالية جارفة (مثل مشاهد العنف الصريحة أو المشاهد شديدة الإثارة والبهجة) تولد إشراطاً أعمق أثراً وأسرع تشكلاً مقارنة بالمثيرات ذات الشحنات الفاترة. فضلاً عن ذلك، تؤثر الفروق الفردية في البنية الشخصية تأثيراً مباشراً؛ إذ يُظهر الأشخاص الذين يمتلكون حاجة مرتفعة للاتساق الوجداني أو من يتصفون بحساسية انفعالية عالية استجابة أكبر لإشراط الاتجاهات مقارنة بمن يمتلكون «حاجة معرفية مرتفعة» (Need for Cognition) ممن يميلون إلى تمحيص المثيرات وفحص مسوغاتها العقلية بموضوعية وتجرد.
تتحدد فعالية الإشراط كذلك بمدى التوافق الإدراكي والصلة المعنوية (Perceived Fit) بين المثيرين؛ حيث يسهل نقل الاتجاهات بين عناصر تشترك في مجال دلالي متقارب مقارنة بعناصر متنافرة منطقياً. وتلعب البيئة السياقية الحاضنة لعملية الاقتران دور الإطار الموجه؛ فالإشراط الذي يتم داخل مناخ مريح ومحفز اجتماعياً يتجذر بصورة أعمق، بينما قد يؤدي الاقتران الحادث في سياق يثير الشك والريبة إلى رد فعل دفاعي عكسي (Psychological Reactance) يقود إلى تكوين اتجاه مناهض للمقصد الأصلي.
من بين العوامل المهمة أيضاً عدد مرات التكرار ونمط الجدولة الزمنية للمثيرات؛ فالاقتران الموزع على فترات زمنية متقطعة يؤدي في الغالب إلى اتجاهات أكثر ثباتاً ورسوخاً في الذاكرة طويلة المدى مقارنة بالتكرار المكثف المتتالي في جلسة تجريبية واحدة، والذي قد يصيب المتلقي بحالة من التشبع الإدراكي والتراجع الحسي، مما يضعف كفاءة الرابطة الوجدانية الناشئة بين المثيرين.
التطبيقات المعاصرة في علم النفس التطبيقي
تعد التطبيقات الميدانية لإشراط الاتجاهات من أكثر المجالات حضوراً وتأثيراً في حياتنا المعاصرة، وتبرز بوضوح فاقع في ميدان التسويق والإعلانات التجارية؛ حيث تعتمد الشركات الكبرى بصورة شبه كاملة على إقران علاماتها ومنتجاتها بمثيرات وجدانية سارة كالموسيقى الجذابة، والمناظر الطبيعية الخلابة، والمشاهير المحبوبين، والرموز التي تدل على النجاح والمكانة الاجتماعية. الهدف النهائي ليس إقناع المستهلك منطقياً بجودة السلعة، بل زرع ميل وجداني تلقائي يوجه اختياره الشرائي لحظة وقوفه أمام رفوف المتاجر دون تفكير استدلالي مدقق.
يمتد التطبيق إلى عالم الاتصال السياسي وصناعة الرأي العام، حيث تلجأ الحملات الانتخابية والإعلامية إلى أساليب «التأطير المشروط» من خلال إقران الخصوم السياسيين بصور قاتمة وموسيقى تنذر بالخطر ومصطلحات مقيتة لتوليد اتجاه شعبي نافِر ومضاد، بينما يُقرن المرشح المفضل برموز الاستقرار والازدهار والابتسامات المشرقة. إن هذه التقنيات تصوغ الوجدان الجمعي بطرق غير مرئية تؤثر في نتائج صناديق الاقتراع وتوجه الرأي العام حيال قضايا السلم والحرب والاقتصاد.
في ميدان علم النفس العيادي والعلاج النفسي، يُوظف إشراط الاتجاهات بصورة علاجية عبر تقنيات «إعادة الإشراط التقييمي» لتعديل السلوكيات الإدمانية والاضطرابات النفسية؛ حيث يجري إقران المثيرات الضارة كالكحول والتدخين بمثيرات منفرة لتوليد كراهية غير واعية نحوها، أو إقران المثيرات المخيفة بمشاعر الأمان والاسترخاء لتبديد الرهاب الاجتماعي ومشاعر القلق المرضي وتفكيك منظومات الأفكار غير العقلانية.
تسهم هذه الآلية بفعالية في معالجة القضايا الاجتماعية الكبرى المتمثلة في مكافحة الصور النمطية، والتعصب العرقي، ووصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي؛ حيث أثبتت برامج التدخل القائمة على إقران الفئات المهمشة بمثيرات ومشاعر دافئة وإنسانية إيجابية قدرتها على تقليل الانحيازات الضمنية (Implicit Biases) لدى الأفراد، مما يجعل الإشراط أداة فعالة في تعزيز الاندماج الاجتماعي وإشاعة قيم التسامح والقبول المتبادل.
الانتقادات المنهجية والتحديات الأخلاقية
رغم التراكم المعرفي المعتبر في دراسة إشراط الاتجاهات، تواجه هذه الظاهرة جملة من الانتقادات والتحفظات المنهجية الجادة؛ حيث يشكك بعض الباحثين في أصالة النتائج المعملية متهمين إياها بأنها نتاج لـ «خصائص الطلب التجريبي» (Demand Characteristics). وفقاً لهذا النقد، فإن المشاركين في التجارب غالباً ما يستشعرون بذكاء رغبة الفاحص ويتكهنون بالفرضية المختبرة، فيستجيبون عمداً على النحو الذي يُرضي الباحث بدلاً من أن يعكس استجابتهم العفوية الخالصة.
تتعلق المشكلة المنهجية الأخرى بقياس الاتجاه المشروط؛ فالاعتماد على استبانات التقرير الذاتي الصريحة يعاني من تحيزات الرغبة الاجتماعية وتدخل الضبط المعرفي الواعي، بينما تشوب مقاييس الاتجاهات الضمنية (مثل اختبار التداعي الضمني – IAT) تساؤلات إحصائية حول ثبات إعادة الاختبار وصدقها التنبؤي في مواقف الحياة اليومية المعقدة خارج جدران المختبر، مما يلقي بظلال من الشك حول المدى الحقيقي لرسوخ هذا التغيير عبر الزمن.
تطفو على السطح قضايا أخلاقية بالغة الحساسية ترتبط بإساءة استخدام هذه الآليات في التلاعب بالجماهير، وغسيل الأدمغة الأيديولوجي، والاستغلال التجاري الجشع عبر تقنيات التسويق العصبي الحديثة واستغلال نقاط الضعف النفسية للأفراد. يرى نقاد هذا التوجه أن تعديل مشاعر الإنسان وتوجيه قراراته دون دراية واعية أو موافقة متبصرة منه يمثل انتهاكاً فجاً للاستقلالية الإرادية وحرية الإرادة الإنسانية، ويحول العقل البشري إلى جهاز استقبال سلبي يتلقى ما تمليه عليه بيئته الخارجية.
يثير التطور التقني والذكاء الاصطناعي مخاوف إضافية بشأن «الإشراط الحسابي المخصص»؛ حيث أصبحت المنصات الرقمية قادرة على دراسة ردود الأفعال العاطفية لكل مستخدم وإقران الرسائل الموجهة بأكثر المثيرات تأثيراً في تركيبته النفسية الخاصة، وهو ما يحول إشراط الاتجاهات من تجربة مختبرية منضبطة إلى منظومة رقابة وتحكم وتوجيه سلوكي واسعة النطاق في الفضاء الرقمي العالمي.
خاتمة تركيبية وآفاق مستقبلية
يبرهن استعراض إشراط الاتجاهات على أن الوجدان الإنساني ليس قالباً مصمتاً ثابتاً، بل هو بناء مرن يتأثر بالاقترانات العاطفية التي تحيط به في البيئة اليومية. لقد نجح هذا المفهوم في الجمع بين صرامة المدرسة السلوكية في تتبع المثير والاستجابة وعمق المدرسة المعرفية في تحليل المعنى والترابط، مقدماً نموذجاً متكاملاً لكيفية تحول الانفعالات الأولية إلى اتجاهات نفسية مستقرة ترسم اختياراتنا الفردية والجماعية.
تتجه الأبحاث المعاصرة نحو فك شفرة الآليات العصبية لإشراط الاتجاهات باستخدام أدوات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، بهدف استكشاف دور اللوزة الدماغية (Amygdala) ومناطق القشرة الجبهية الحجاجية في تثبيت الارتباطات التقييمية ومساراتها العصبية الدقيقة. إن هذا الفهم البيولوجي النفسي سيفتح بلا شك آفاقاً غير مسبوقة لتطوير علاجات نفسية موجهة بدقة وتصميم استراتيجيات توعية مجتمعية تعزز المناعة الفكرية لدى الأفراد، مما يمكنهم من الحفاظ على سيادتهم العقلية في عالم مشبع بالمثيرات ومحاولات الاستمالة المتواصلة.
المراجع
- De Houwer, J., Thomas, S., & Baeyens, F. (2001). Associative learning of likes and dislikes: A review of 25 years of research on human evaluative conditioning. Psychological Bulletin, 127(6), 853–869. https://doi.org/10.1037/0033-2909.127.6.853
- Gawronski, B., & Bodenhausen, G. V. (2006). Associative and propositional processes in evaluation: An integrative review of implicit and explicit attitude change. Psychological Bulletin, 132(5), 692–731. https://doi.org/10.1037/0033-2909.132.5.692
- Hofmann, W., De Houwer, J., Perugini, M., Baeyens, F., & Crombez, G. (2010). Evaluative conditioning in humans: A meta-analysis. Psychological Bulletin, 136(3), 390–421. https://doi.org/10.1037/a0018916
- Jones, C. R., Olson, M. A., & Fazio, R. H. (2010). Evaluative conditioning: The “how” question. Advances in Experimental Social Psychology, 43, 205–255. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(10)43005-1
- Petty, R. E., & Cacioppo, J. T. (1986). The Elaboration Likelihood Model of persuasion. Advances in Experimental Social Psychology, 19, 123–205. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60214-2
- Staats, A. W., & Staats, C. K. (1958). Attitudes established by classical conditioning. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 57(1), 37–40. https://doi.org/10.1037/h0042734
- Walther, E., Weil, R., & Düsing, J. (2011). The role of evaluative conditioning in attitude formation and change. Social and Personality Psychology Compass, 5(7), 458–473. https://doi.org/10.1111/j.1751-9004.2011.00364.x