يمثل جدول التعزيز الاقتراني (Conjunctive Reinforcement Schedule – CONJ) أحد أبرز النماذج المتقدمة في الإشراط الإجرائي وتحليل السلوك التجريبي، حيث تتجاوز متطلبات الحصول على المعزز مجرد استجابة عددية بسيطة أو مرور زمن محدد. في هذا النسق المعقد، يُشترط استيفاء متطلبين أو أكثر من جداول التعزيز المستقلة في الوقت ذاته وبشكل مقترن قبل تسليم المعزز، مما يضفي عمقاً فريداً على أنماط الاستجابة ومعدلاتها. يحلل هذا المدخل الموسوعي البنية النظرية لجدول التعزيز الاقتراني، وتطوره التاريخي، وآلياته الديناميكية وتطبيقاته التطبيقية والإكلينيكية المتعددة.
المدخل المفاهيمي: ما هو التعزيز الاقتراني؟
يُعرَّف جدول التعزيز الاقتراني في الأدبيات السلوكية بأنه جدول تعزيز مركب يتطلب إنجاز متطلبات جدولين بسيطين أو أكثر على الأقل لتسليم المعزز النهائي. في الصيغة النمطية الأكثر شيوعاً لهذا الجدول، يقترن جدول نسبة محددة (Fixed Ratio – FR) مع جدول فاصل زمني محدد (Fixed Interval – FI)، ويُرمز له اختصاراً بـ (CONJ FI FR). وبناءً على هذه البنية، لا يتحقق التعزيز لمجرد انقضاء الفاصل الزمني، كما لا يتحقق لمجرد إكمال العدد المطلوب من الاستجابات؛ بل يلزم أن ينقضي الزمن المحدد وتكتمل الاستجابات العددية معاً ليحدث التعزيز.
تكمن الأهمية المعرفية لهذا الجدول في كونه يعكس بدقة متناهية التعقيد البيئي والاجتماعي الذي يعيشه الكائن الحي في الواقع؛ فالمهام البشرية والحيوانية نادراً ما تخضع لمتطلب أحادي معزول. فعلى سبيل المثال، لا يكفي في بيئة العمل الصناعية أن يقضي العامل ثماني ساعات في خط الإنتاج (متطلب زمني) للحصول على مكافأته، بل يتعين عليه أيضاً تصنيع حصة معينة من المنتجات (متطلب نسبي)؛ كما أن إنهاء الحصة في وقت قياسي قد لا يمنحه المكافأة ما لم يستوفِ الدوام المحدد. هذا التوافق الإلزامي بين الزمن والجهد هو جوهر البنية الوظيفية لجدول التعزيز الاقتراني.
يتمايز التعزيز الاقتراني جوهرياً عن الجداول البسيطة في كونه يُلغي كفاءة الاستراتيجيات السلوكية الأحادية؛ فالاستجابة بمعدلات فائقة السرعة لا تُعجل بالتعزيز إذا لم يكتمل الفاصل الزمني، في حين أن الانتظار السلبي حتى انتهاء الزمن لا يُجدي نفعاً إذا لم يُبذل الجهد الاستجابي المطلوب. يفرض هذا التفاعل قيوداً بيئية مزدوجة تتطلب من الكائن الحي مواءمة طاقته السلوكية وتوزيع استجاباته على المدى الزمني بأسلوب يتسم بالكفاءة الاقتصادية، وهو ما يُعرف في الاقتصاد السلوكي بتوزيع الموارد السلوكية المقيدة.
السياق التاريخي وتطور أبحاث جداول التعزيز
تعود الجذور التأسيسية لمفهوم التعزيز الاقتراني إلى الأبحاث الرائدة التي قادها عالما السلوك الشهيران تشارلز فيرستر (Charles B. Ferster) وبburrhus Frederic Skinner في منتصف القرن العشرين. في مؤلفهما الكلاسيكي الضخم المنشور عام 1957 بعنوان “جداول التعزيز” (Schedules of Reinforcement)، سعى الباحثان إلى استكشاف الحدود القصوى للتحكم التجريبي في السلوك من خلال هندسة مصفوفات معقدة من الشروط البيئية، وكان التعزيز الاقتراني أحد أهم تلك الابتكارات المنهجية التي وثقها الكتاب بدقة إحصائية ورسوم بيانية تراكمية متناهية التفصيل.
أظهرت تجارب فيرستر وسكينر على الحمام والجرذان أن إدخال القيود المزدوجة يُحدث تحولات نوعية في “السجل التراكمي” (Cumulative Record) للاستجابة؛ حيث تراجعت الأنماط النمطية المميزة للجداول البسيطة – مثل انحدار الفاصل الزمني الثابت المعروف بنمط “الصدفة” أو “التصاعد التدريجي” (Scallop Pattern) – وظهرت بدلاً منها أنماط تكيفية هجينة تعكس حساسية الكائن للشرطين معاً. مثلت هذه النتائج ضربة قوية للآراء التي كانت تختزل السلوك الإجرائي في مجرد ارتباطات ميكانيكية بسيطة، مبرهنة على أن الكائنات الحية قادرة على دمج معلومات معقدة حول الزمن والجهد الاستجابي في آنٍ واحد.
خلال العقود اللاحقة، لا سيما في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، انتقل الاهتمام بالتعزيز الاقتراني من المختبرات الأساسية إلى دراسات علم النفس التجريبي المقارن ونظرية التعلم التحليلي. قاد باحثون مثل ويليام بوم (William Baum) وهوارد راشلين (Howard Rachlin) تحليلات رياضية متقدمة لقوانين المواءمة والتخصيص الزمني في ظل الجداول الاقترانية، مما مهد الطريق لدمج هذه الجداول ضمن أطر علم النفس المعرفي والسلوكي المعاصر ونماذج معالجة المعلومات واتخاذ القرار في ظل عدم التيقن والمحددات البيئية المعقدة.
المبادئ الأساسية والآليات الإجرائية لجدول التعزيز الاقتراني
تقوم البنية الإجرائية لجدول التعزيز الاقتراني على التزامن الرياضي والمنطقي (Logical AND)؛ فإذا رمزنا لمتطلب النسبة بالرمز (R) ولمتطلب الفاصل الزمني بالرمز (I)، فإن التعزيز (Sr) لا يتحقق إلا إذا تحققت المعادلة: Sr = R ∩ I. هذا الاقتران المنطقي يعني أن فشل أي طرف من طرفي المعادلة يُبطل استحقاق التعزيز تماماً، بصرف النظر عن مدى التقدم المحرز في الطرف الآخر.
لتوضيح ذلك بدقة، لنفترض جدول تعزيز اقتراني بصيغة (CONJ FI 3-min FR 100):
- الحالة الأولى: إذا قام الكائن الحي بإصدار 100 استجابة خلال دقيقة واحدة فقط، فلن يحصل على المعزز لأن المتطلب الزمني (3 دقائق) لم ينقضِ بعد. تظل الاستجابات الإضافية التي تصدر بعد ذلك غير معززة حتى تنتهي الدقيقة الثالثة وتصدر استجابة نهائية بعد استيفاء الزمن.
- الحالة الثانية: إذا مرت 5 دقائق دون أن يصدر الكائن سوى 90 استجابة، فلن يحصل على المعزز أيضاً على الرغم من انقضاء الزمن وزيادة، لأن متطلب العدد (100 استجابة) لم يُستوفَ.
- اللحظة الفارقة: يُسلَّم المعزز حصرياً عند أول استجابة تُحقق كلاً من اكتمال 100 استجابة ومرور 3 دقائق كاملة منذ آخر تعزيز مسجل.
يولد هذا التفاعل المعقد تأثيراً عميقاً على فترة الخمود التي تلي التعزيز، والمعروفة باسم “وقفة ما بعد التعزيز” (Post-Reinforcement Pause – PRP). ففي جداول النسبة البسيطة، تعتمد مدة الوقفة على حجم النسبة المطلوبة، بينما في جداول الفاصل الزمني، ترتبط الوقفة بطول المدة الزمنية. أما في جدول التعزيز الاقتراني، فتتشكل الوقفة وفق استراتيجية توازنية يعتمد فيها الكائن على التنبؤ بأي المتطلبين سيكون العائق الأكبر (The Limiting Factor)، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى وقفات مدروسة يتبعها تدفق استجابي مستمر ومستقر يضمن إنجاز النسبة مع اقتراب الفاصل الزمني من نهايته دون إهدار مبكر للطاقة.
مقارنة تحليلية: الاقتراني مقابل الجداول المركبة الأخرى
لإدراك الخصوصية الوظيفية للتعزيز الاقتراني، يتعين وضعه في مقارنة تصنيفية دقيقة مع جداول التعزيز المركبة الأخرى الشائعة في تحليل السلوك التطبيقي والمختبري:
1. التعزيز الاقتراني مقابل الجدول البديل (Alternative Schedule – ALT)
يمثل الجدول البديل النقيض المنطقي المباشر للجدول الاقتراني. فبينما يعمل الاقتراني وفق بوابة الجمع المنطقي (AND)، يعمل الجدول البديل وفق بوابة الاختيار المنطقي (OR). في جدول (ALT FI 3-min FR 100)، يُسلَّم المعزز بمجرد تحقق أيٍّ من الشرطين؛ فإذا اكتملت الـ 100 استجابة أولاً نال الكائن التعزيز، وإذا مرت الـ 3 دقائق وصدرت استجابة واحدة نال التعزيز أيضاً. يترتب على ذلك أن الجداول البديلة تتسم بمرونة تكيفية سريعة ومعدلات إحباط منخفضة، بينما يفرض الاقتراني صرامة سلوكية ترفع متطلبات التحمل وتزيد من احتمالية حدوث ظاهرة الانطفاء إذا كانت المتطلبات مفرطة الارتفاع.
2. التعزيز الاقتراني مقابل الجدول المتزامن (Concurrent Schedule – CONC)
في الجداول المتزامنة، تتوافر استجابتان أو أكثر في الوقت نفسه، وتعمل آليات التعزيز لكل استجابة بشكل مستقل ومنفصل (مثل رافعتين في قفص سكينر، لكل منهما جدول خاص). يختار الكائن هنا أين وكيف يوزع جهده بين مسارين سلوكيين متباينين. أما في التعزيز الاقتراني، فلا توجد خيارات متعددة؛ بل هناك استجابة مستهدفة واحدة يجب أن تستوفي معيارين مزدوجين في المسار البيئي نفسه، مما يجعله جدولاً تجميعياً إلزامياً لا يتيح المفاضلة التوزيعية المباشرة المعهودة في الجداول المتزامنة.
3. التعزيز الاقتراني مقابل الجداول المتسلسلة والمترادفة (Chained and Tandem Schedules)
تتطلب الجداول المتسلسلة (Chained) والمترادفة (Tandem) تتابعاً خطياً؛ حيث يجب إكمال المتطلب الأول أولاً (مثلاً: إنهاء الفاصل الزمني)، وفور اكتماله يبدأ سريان المتطلب الثاني (مثلاً: إنجاز النسبة). أما في جدول التعزيز الاقتراني، فلا يوجد هذا التتابع المرحلي المنفصل؛ فالمتطلبان يسيران بالتوازي التام ويتراكمان معاً منذ بداية الدورة الاستجابية. يعمل المؤقت الزمني وعداد الاستجابات في وقت واحد منذ اللحظة التي تلي تسليم المعزز السابق، ولا يتوقف أحدهما في انتظار الآخر.
الخصائص الديناميكية والأنماط الاستجابية للتعزيز الاقتراني
تتميز السجلات التراكمية الناتجة عن جدول التعزيز الاقتراني بخصائص طوبوغرافية لافتة تعكس صراعاً وتوافقاً بين ديناميكيات التحكم الزمني والتحكم النسبي. عندما يكون متطلب النسبة منخفضاً نسبياً والمتطلب الزمني طويلاً (مثلاً: CONJ FI 10-min FR 20)، يميل الكائن الحي إلى إظهار نمط سلوكي يحاكي جداول الفاصل الزمني النمطية؛ حيث يُلاحظ خمود مطول في الاستجابة خلال الدقائق الأولى، يليه تصاعد استجابي تدريجي ينتهي بإنجاز الاستجابات العشرين بسهولة قبل أو فور انقضاء الدقائق العشر.
على النقيض من ذلك، عندما يكون متطلب النسبة مرتفعاً والفاصل الزمني قصيراً أو معتدلاً (مثلاً: CONJ FI 2-min FR 300)، تكتسب الطوبوغرافيا السلوكية ملامح جداول النسبة الثابتة. يضطر الكائن هنا إلى الحفاظ على معدل استجابة مرتفع وثابت طوال الفاصل الزمني، لأن التكاسل أو تأجيل الاستجابة حتى نهاية الزمن سيؤدي إلى فشل حتمي في تحقيق المعيار العددي الضخم، مما يُطيل فترة الحرمان دون مبرر. تبرز هذه الديناميكية قدرة الجداول الاقترانية على دمج السلوك وضبطه بدقة متناهية تحت طائلة القيود البيئية الصارمة.
فيما يتعلق بمقاومة الانطفاء (Resistance to Extinction)، يُظهر الكائن الخاضع لجدول تعزيز اقتراني ثباتاً استجابياً ملحوظاً يفوق في كثير من الأحيان ما تظهره الجداول البسيطة المكونة له. نظراً لتعقيد الشروط التي اعتاد الكائن على استيفائها، يصعب عليه التمييز الفوري بين بداية مرحلة الانطفاء (توقف التعزيز كلياً) وبين مجرد تأخر عارض في استيفاء التوافق المزدوج بين الزمن والعدد. يؤدي هذا الغموض التمييزي إلى استمرار الانبعاث السلوكي لفترات أطول وحدوث نوبات غضب انطفائي (Extinction Bursts) تتسم بمعدلات استجابة فائقة السرعة سعياً لتجاوز التعثر المفترض في المعايير.
التطبيقات الإكلينيكية وفي تحليل السلوك التطبيقي (ABA)
يحظى جدول التعزيز الاقتراني بمكانة بالغة الأهمية في التدخلات السلوكية الإكلينيكية، وتحديداً في برامج تحليل السلوك التطبيقي الموجهة للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد وذوي الإعاقات النمائية، بالإضافة إلى برامج تعديل السلوك الصفي والأكاديمي. تتجلى القوة العلاجية لهذا الجدول في قدرته على معالجة المشكلات السلوكية المعقدة التي تفشل الجداول البسيطة في ضبطها بمفردها.
من أبرز هذه التطبيقات علاج سلوكيات الاندفاعية وضعف التركيز الأكاديمي؛ ففي البيئات الصفية، قد يميل بعض الطلاب إلى إنهاء أوراق العمل والواجبات بسرعة فائقة وعشوائية (اندفاع حركي) للحصول على المعزز المتاح لجداول النسبة، مما ينعكس سلباً على جودة الأداء والدقة الأكاديمية. من خلال توظيف جدول تعزيز اقتراني (مثلاً: حل 20 مسألة رياضية بدقة مع قضاء ما لا يقل عن 15 دقيقة في المراجعة والتدقيق والعمل المتأني)، يتعلم الطالب كبح الاندفاع وتوزيع جهده المعرفي بصبر وتأنٍ دون تعجل غير بناء.
كما يُستخدم الجدول بنجاح في بناء “التحمل السلوكي” (Behavioral Fluency and Endurance) والتدريب على مهارات الاستقلالية الحياتية. في مهام مثل تنظيف الغرفة أو العمل في ورش التأهيل المهني، يُصمم المعالج جدولاً اقترانياً يربط بين بقاء الفرد منخرطاً في المهمة لمدة محددة (مثل 30 دقيقة) وإنجاز حد أدنى من الإنتاجية الحركية (مثل تجميع 50 وحدة). يحول هذا الإجراء دون لجوء المتدرب إلى الجلوس السلبي حتى انتهاء الوقت، كما يمنعه من العمل المتقطع المتسرع الذي يعقبه انسحاب طويل من البيئة التدريبية.
التطبيقات في السلوك التنظيمي والاقتصاد السلوكي
يمتد النفوذ المفاهيمي للتعزيز الاقتراني عميقاً داخل مجالات إدارة السلوك التنظيمي (Organizational Behavior Management – OBM) وتصميم نظم الحوافز المؤسسية. تُبنى معظم الهياكل المهنية المعاصرة – سواء بوعي إداري مباشر أو غير مباشر – على مبادئ الجداول الاقترانية الدقيقة:
- نظم تقييم الأداء والمكافآت السنوية: لا تمنح الشركات الكبرى مكافآت التميز لمجرد بقاء الموظف في الخدمة لمدة عام كامل (متطلب زمني)، ولا لمجرد إغلاق عدد ضخم من الصفقات في شهرين مع التغيب باقي العام؛ بل تشترط قضاء السنة المالية كاملة مع تحقيق المستهدفات الرقمية المتفق عليها (CONJ FI 1-year FR Quota).
- ممارسات السلامة المهنية: في بيئات العمل الخطرة (كالمصانع والمناجم)، يُشترط لصرف بدلات السلامة عدم وقوع حوادث طوال فترة زمنية محددة (مثلاً: ربع سنوي) مع إجراء عدد إلزامي من جولات التفتيش الوقائي وتعبئة التقارير التفصيلية، مما يضمن ألا يكون الحصول على الحافز نتيجة حظ عشوائي خامل.
- التسويق وسلوك المستهلك: تطبق برامج الولاء الرقمية جداول اقترانية دقيقة؛ فالحصول على ترقية الفئة (كالفئة الذهبية) يتطلب عادةً الحفاظ على الاشتراك لمدة سنة مستمرة وإجراء عدد محدد من عمليات الشراء المؤهلة في آن واحد، مما يضمن تدفقاً مالياً وتفاعلياً مستداماً لصالح المؤسسة.
يقدم التحليل التنظيمي المستند إلى الجداول الاقترانية تفسيرات واضحة لظواهر مثل “احتراق الموظفين” (Burnout) أو التراخي الإداري. فعندما تُصمم الجداول الاقترانية بمتطلبات نسبة بالغة الصعوبة ضمن أطر زمنية ضيقة جداً، يدخل الموظفون في حالة إجهاد مزمن تشبه ما ترصده أبحاث الانطفاء القسري في المختبر، مما يؤكد أهمية المعايرة الدقيقة للشروط لتفادي الانهيار الوظيفي والانخفاض الحاد في الدافعية الذاتية.
الأبحاث العصبية والدوائية السلوكية
أتاحت التطورات الحديثة في تقنيات علم الأعصاب السلوكي استكشاف الركائز الدماغية الحيوية المسؤولة عن معالجة شروط التعزيز الاقتراني. تُظهر الدراسات التي تستخدم التصوير العصبي وتخطيط النشاط العصبي أحادي الخلية أن الأداء في الجداول الاقترانية يتطلب تجنيداً متزامناً لشبكات عصبية متباينة تشمل القشرة الجبهية الأمامية (التي تتولى مهام التقدير الزمني والتخطيط التنفيذي) والمناطق المخططة في العقد القاعدية (المسؤولة عن حساب نفقات الجهد الحركي وعدد الاستجابات).
يلعب الناقل العصبي الدوبامين، وتحديداً في المسار الدوباميني الحوفي المتوسط (Mesolimbic Dopamine Pathway)، دوراً حاسماً في نمذجة إشارات الخطأ في التنبؤ بالتعزيز (Reward Prediction Error) تحت ظروف الاقتران. عندما يُحرم الحيوان جزئياً من الدوبامين عبر مضادات مستقبلات D1 أو D2، ينهار الأداء التفاضلي في جداول التعزيز الاقتراني؛ حيث يعجز الكائن عن دمج التكلفة الحركية مع الانتظار الزمني، مما يدفعه إلى التخلي المبكر عن السلوك بمعدلات تفوق بكثير ما يحدث في الجداول البسيطة المماثلة.
في مجال علم الأدوية النفسية (Psychopharmacology)، تُستخدم الجداول الاقترانية كأدوات غربلة فائقة الحساسية لاختبار الآثار الجانبية للعقاقير المؤثرة على العمليات النفسية، بما في ذلك المنبهات المعالجة لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والأدوية المضادة للقلق؛ حيث تتيح هذه الجداول تقييم ما إذا كان العقار يؤثر تحديداً على تقدير الكائن للزمن، أم على طاقته الحركية وقدرته على بذل الجهد، أم على الوظائف التكاملية التي توفق بينهما، وهو ما لا تستطيع الجداول المنفردة البسيطة كشفه بتلك الدرجة من الدقة والنقاء التجريبي.
التحديات المنهجية والنقد المعرفي للنموذج
على الرغم من النجاح التجريبي الهائل لجداول التعزيز الاقتراني، إلا أنها واجهت انتقادات نظرية ومنهجية من قِبل علماء النفس المعرفي والمنظرين البيئيين. يتمحور أحد الانتقادات الأساسية حول ما يُعرف بـ “الجمود البيئي المختبري”؛ حيث يُجادل النقاد بأن تصاميم صناديق التجارب التقليدية تفرض قيوداً تعسفية لا تمثل بصدق البيئات الطبيعية التي تتسم بتدفقات استجابية حرة وفرص بحث مستمرة عن الغذاء لا تخضع لمنطق المحابس الإلكترونية الصلبة.
من الناحية المعرفية، ينتقد علماء النفس المعرفي اختزال التوافق المزدوج في مجرد تراكم استجابي عشوائي مشروط، مؤكدين أن الأداء المتميز للكائنات الراقية في الجداول الاقترانية يشير إلى وجود “تمثيلات عقلية داخلية” (Mental Representations) وخرائط معرفية تدمج التقدير الزمني والعددي في نسق إدراكي واحد، وليس مجرد خضوع فسيولوجي ميكانيكي لآليات التثبيط والاستثارة البيئية. كما تشير بعض الدراسات إلى صعوبة عزل الآثار التفاعلية المستقلة لكل جدول داخل البنية الاقترانية بدقة، نظراً لأن التعزيز الناتج يُعزى دائماً إلى الدورة السلوكية ككل وليس إلى عنصر منفصل منها.
علاوة على ذلك، تواجه التطبيقات السريرية تحدياً يرتبط بخطر “النفور السلوكي” (Behavioral Aversion)؛ فالإفراط في تعقيد الشروط ورفع متطلبات النسبة والزمن معاً قد يؤدي إلى استجابات إحباط شديدة مصحوبة بسلوكيات تجنب وعدوان، ما يستلزم من المعالجين والمشرفين استخدام إجراءات التشكيل التدريجي (Shaping) والتلاشي الحذر (Fading) لضمان بقاء العميل منخرطاً داخل المنظومة التعزيزية دون استثارة ردود فعل ارتدادية سلبية.
خاتمة واستشراف مستقبلي
يقف جدول التعزيز الاقتراني (CONJ) كشاهد بارز على تطور الفكر السلوكي وقدرته على نمذجة السلوكيات الحيوية الشديدة التعقيد ضمن أطر تجريبية بالغة الإحكام. من خلال الجمع الإلزامي بين المتطلبات الزمنية والاستجابية، يكشف هذا الجدول عن قدرات مذهلة لدى الكائنات الحية في تحسين استهلاك الطاقة، وإدارة الجهد الحركي، وضبط الإيقاع الزمني التكيفي في مواجهة شروط بيئية صارمة وغير متسامحة.
مع استمرار تقدم علم النفس السلوكي والتطبيقي وتداخله مع علوم الأعصاب الحسابية والذكاء الاصطناعي، يفتح التعزيز الاقتراني آفاقاً جديدة في تصميم خوارزميات التعلم المعزز (Reinforcement Learning Agents)، التي تتطلب موازنة مستمرة بين متطلبات الزمن والموارد المحسوبة. يظل هذا البناء النظري ركيزة أساسية لكل من يسعى إلى فهم السلوك البشري والحيواني في أصدق تجلياته؛ حيث تلتقي التكلفة بالصبر، ويتكامل الجهد مع التوقيت لتحقيق المعززات الحيوية المنشودة.
المراجع
- Catania, A. C. (2013). Learning (5th ed.). Sloan Publishing.
- Cooper, J. O., Heron, T. E., & Heward, W. L. (2020). Applied behavior analysis (3rd ed.). Pearson.
- Ferster, C. B., & Skinner, B. F. (1957). Schedules of reinforcement. Appleton-Century-Crofts. https://doi.org/10.1037/10627-000
- Madden, G. J., Hackenberg, T. D., & Lattal, K. A. (Eds.). (2013). APA handbook of behavior analysis: Vol. 1. Methods and principles. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/13937-000
- Rachlin, H. (1989). Judgment, decision, and choice: A cognitive/behavioral synthesis. W. H. Freeman and Company.
- Zeiler, M. D. (1977). Schedules of reinforcement: The control of behavior. In W. K. Honig & J. E. R. Staddon (Eds.), Handbook of operant behavior (pp. 201–232). Prentice-Hall.