تمثل الأسرة القرابية (Consanguineous Family) ظاهرة إنسانية واجتماعية ونفسية متجذرة في البناء الحضاري للبشرية، حيث تتشكل الرابطة الزوجية والأسرية بين أفراد ينتمون إلى أرومة بيولوجية مشتركة أو تدرج جيني متقارب، مثل زواج أبناء العمومة أو الخؤولة من الدرجة الأولى أو الثانية. ولا يقتصر تحليل هذا النموذج الأسري على الجوانب الوراثية أو الأنثروبولوجية المجردة، بل يمتد بعمق إلى صميم علم النفس الاجتماعي وعلم النفس العيادي ونظريات العلاج الأسري النسقي، بوصفه بيئة فريدة تفرز ديناميات وجدانية علائقية شديدة الخصوصية. يهدف هذا المدخل الأكاديمي الموسع إلى استكشاف محددات الأسرة القرابية من منظور نفسي متعدد المستويات، مسلطاً الضوء على بنية التعلق، وتمايز الذات، وإدارة الحدود بين الأجيال، والآثار التراكمية على الصحة النفسية المعرفية والوجدانية لأفراد هذه المنظومة.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي والنفسي للأسرة القرابية
يُعرَّف مفهوم الأسرة القرابية في الأدبيات النفسية والاجتماعية بأنه النسق الأسري الناشئ عن اقتران زوجين تجمعهما رابطة دم معلنة تشترك في سلف جيني مشترك، وغالباً ما تكون تلك الصلة من الدرجة الرابعة في سلم القرابة البيولوجية أو أقرب. وفي السياق النفسي المعاصر، يتجاوز هذا التعريف المحددات البيولوجية الصرفة ليشمل المنظومة النفسية العلائقية التي تنشأ عندما تتداخل الحدود بين العائلة الممتدة والأسرة النووية، مما يخلق فضاءً علائقياً متداخلاً تتشابك فيه أدوار الأقارب التاريخية مع الأدوار الزوجية والوالدية الحديثة.
ينظر التحليل النفسي إلى الأسرة القرابية بوصفها كياناً يتميز بكثافة انفعالية عالية، حيث تسبق الرابطة الزوجية تاريخاً طويلاً من التفاعلات الطفولية والذكريات المشتركة والصور الذهنية النمطية التي تشكلت عبر سنوات التنشئة الأولى. هذه الحميمية القبلية تخلق نوعاً من الاستمرارية الوجدانية، لكنها في الوقت عينه قد تفرض أعباءً نفسية ناتجة عن التداخل بين صورة القريب وصورة الشريك الجنسي والعاطفي، وهو ما يتطلب جهداً تكيفياً لإعادة بناء المسافات البينشخصية وتوزيع الأدوار الوظيفية داخل الأسرة الوليدة.
علاوة على ذلك، يُظهر التوصيف الإكلينيكي أن الأسرة القرابية ليست مجرد خيار فردي، بل هي في جوهرها تجلٍ لآليات دفاعية جمعية تسعى للحفاظ على التماسك الجمعي، وتقليل قلق الغرباء، وضمان الأمان الاقتصادي والرمزي للجماعة. ووفقاً لمفاهيم علم النفس الاجتماعي، يعيد هذا النسق إنتاج المعايير الثقافية المتمحورة حول الألفة والانتماء المطلق، مما يجعله مدار دراسة حيوية لفهم كيفية تفاعل الذات الفردية مع المطالب الضاغطة للجماعة الأولية.
ومن منظور النظرية البنائية، فإن إضفاء المعنى على الرابط القرابي يوجه إدراك الأفراد للمسؤولية والواجب؛ فالزواج داخل نطاق القرابة يُنظر إليه في العديد من السياقات الثقافية بوصفه تعبيراً أسمى عن الوفاء والولاء الأسري، الأمر الذي يضفي طابعاً مقدساً على العقد النفسي غير المكتوب بين الشريكين وأسرتيهما الأصليتين، مع ما يرافقه من تشابك انفعالي وازن.
السياق التاريخي والأنثروبولوجي لتشكل النسق القرابي
يمتد التاريخ التطوري للأسرة القرابية عبر آلاف السنين، إذ شكلت القرابة العصب الأساسي للانتظام المجتمعي والسياسي في المجتمعات القديمة والصيد والجمع والزراعة البدائية. وقد أوضح علماء الأنثروبولوجيا البنيوية، مثل كلود ليفي شتراوس، أن قواعد الزواج والتحالفات القرابية كانت الآلية الجوهرية لمنع التفكك الاجتماعي وإدارة الموارد وتقنين مبدأ تبادل الهدايا والنساء، مما جعل بنية الأسرة القرابية اللبنة الأساسية للبقاء العضوي والرمزي للقبيلة أو العشيرة.
في الحواضر التاريخية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبعض مناطق جنوب آسيا، استمرت المنظومة القرابية في الهيمنة ليس فقط بوصفها ضرورة اقتصادية للحفاظ على ملكية الأراضي والميراث من التشتت، بل كدرع نفسي جمعي ضد الاضطرابات الخارجية وعدم اليقين البيئي والسياسي. هذا التراكم التاريخي رسخ شعوراً متوارثاً بالأمان النفسي داخل المحيط القرابي مقابل الارتياب أو الحذر من الأنساق الخارجية، الأمر الذي انعكس في تنشئة الأجيال على تمجيد التضامن الداخلي واعتباره الفضيلة الأخلاقية القصوى.
ومع بزوغ الحداثة والتمدن، واجهت الأسرة القرابية تحديات بنيوية كبرى تمثلت في النزوع نحو الفردانية، وتغير أنماط العمل، وبروز الدولة القومية والتعليم الحديث. ومع ذلك، لم يندثر هذا النمط تماماً، بل تكيف في أشكال جديدة؛ إذ تظهر الدراسات النفسية الثقافية أن المجتمعات الانتقالية لا تزال تجد في الزواج القرابي آلية للتخفيف من وطأة العزلة الاجتماعية والاغتراب النفسي الذي يفرضه نمط الحياة المعاصر في المدن الكبرى.
إن فهم هذا التاريخ يتيح للباحث في علم النفس تفكيك الطبقات اللاواعية للضمير الجمعي المحيط بالأسرة القرابية، حيث يدرك أن قرارات الارتباط هذه ليست خاضعة لمجرد الدوافع العاطفية الرومانسية اللحظية، بل تتحرك وفقاً لبرمجة ثقافية ولاوعي جمعي يرى في القرابة ضمانة استقرار وجودي وهوية متماسكة تقاوم التفتت.
الديناميات الوجدانية والعلاقات البينشخصية في الأسرة القرابية
تتسم العلاقات البينشخصية داخل الأسرة القرابية بخصائص وجدانية مركبة تتراوح بين الألفة العميقة والتشابك الانفعالي الحاد. فمن جهة، يوفر وجود خلفية ثقافية وأسرية متطابقة للزوجين مساحة أولية واسعة من التفاهم غير اللفظي، حيث تشترك الأطراف في نفس القيم والممارسات والتقاليد ولغة المشاعر، مما يقلل في المراحل المبكرة من حدة الصدمات الثقافية والعلائقية التي تواجه في العادة الزيجات الخارجية المتباعدة في الخلفيات.
من جهة أخرى، يبرز التحدي النفسي عندما تتعرض هذه العلاقة للأزمات الزوجية المعتادة؛ فالخلاف البسيط بين الزوجين نادراً ما يظل محصوراً داخل غرفتهما الخاصة، بل يمتد بصورة شبه حتمية ليصبح خلافاً بين فرعين من الأسرة الممتدة. هذا الامتداد التلقائي يسحب الزوجين إلى صراعات ولاء معقدة، حيث يجد الفرد نفسه ممزقاً بين الإخلاص لشريك حياته والإخلاص لوالديه وأعمامه وأخواله، وهو ما يفضي في كثير من الأحيان إلى إنهاك نفسي واضطرابات تكيف حادة.
إضافة إلى ذلك، يلعب مفهوم التوقعات المسبقة دوراً محورياً في صياغة التفاعلات اليومية؛ فالأدوار السابقة المعاشة في الطفولة، مثل دور الأخ الأكبر لابن العم أو الأخت الصغرى لابنة الخال، قد تحاول فرض نفسها على الهيكل الهرمي للزواج. ويتطلب التحول الناجح إلى علاقة زوجية ناضجة إعادة تفاوض نفسي عميق لتجاوز النماذج القديمة وبناء شراكة قائمة على الندية والاحترام المتبادل بوصفهما بالغين مستقلين، وليس مجرد امتداد لأيام اللعب الطفولي المشترك.
كما أن مظاهر الغيرة والتنافس العائلي قد تندس في تفاصيل الحياة اليومية، لا سيما في حالات المقارنات المستمرة بين نجاحات الأبناء وتربيتهم ومستواهم المعيشي داخل العائلة الواحدة. هذه الضغوط الخفية تخلق بيئة من المراقبة المتبادلة والتقييم المستمر، مما قد يرفع من مستويات القلق المزمن لدى الشريكين والأطفال، ويثقل كاهل الأسرة برغبة مستمرة في إثبات الجدارة أمام الجمهور العائلي المتربص بالملاحظة والمقارنة.
التعلق وتكوين الهوية والتفرد النفسي داخل النسق القرابي
تعد نظرية التعلق التي صاغها جون بولبي وبحثتها ماري أينسورث إطاراً تفسيرياً بالغ الأهمية لفهم التطور النفسي في الأسرة القرابية. ينشأ الأطفال في هذا النسق غالباً في ظل رعاية متعددة وموزعة، حيث يشارك الأجداد والعمات والخالات في التربية والتغذية وضبط السلوك. هذه البيئة الغنية بمصادر الرعاية قد تمنح الطفل قاعدة آمنة واسعة تعزز شعوره بالثقة الأساسية بالبيئة المحيطة، وتوفر شبكة أمان عاطفية بديلة في حال غياب أحد الوالدين أو مرضه.
إلا أن الوجه الآخر لهذه الرعاية المشتركة يتمثل في إعاقة عملية التفرد والانفصال النفسي (Separation-Individuation) التي ناقشتها مارغريت ماهلر. فالحدود المائعة بين الأسرة النووية والأسرة الممتدة تجعل من الصعب على المراهق والبالغ الشاب تطوير هوية مستقلة متمايزة تماماً عن هوية الجماعة. تصبح الرغبة في التعبير عن الذات الفردية أو اتخاذ قرارات مصيرية لا تتماشى مع الإجماع الأسري مصدراً للشعور بالذنب الشديد أو الخوف من النبذ العاطفي، الأمر الذي يعزز التعلق القلق أو الاتكالي.
وفقاً لمفاهيم موراي بوين في العلاج الأسري متعدد الأجيال، تعاني الأسر ذات الكثافة القرابية العالية في كثير من الأحيان من انخفاض في مستويات تمايز الذات (Differentiation of Self). في هذا السياق، يصبح التمايز تهديداً لوحدة النسق، ويتم الخلط بين القرب العاطفي والاندماج المرضي، مما يدفع الأفراد إلى كبت مشاعرهم الفردية وطموحاتهم الخاصة إرضاءً للتوازن الأسري العام وخوفاً من تفعيل آليات النبذ أو الإشعار بالعار الجمعي.
يؤثر هذا النقص في التفرد على المرونة النفسية للأجيال اللاحقة، حيث يجد الأبناء صعوبة في بناء آليات مواجهة مستقلة عند مواجهة صدمات الحياة خارج الفضاء القرابي المحمي. وعندما يضطر الفرد إلى العيش في بيئات عمل أو دراسة تتطلب الاعتماد الكامل على الذات وتحمل المسؤولية الفردية المنفصلة، قد تظهر لديه أعراض من القلق العصابي واضطرابات التكيف الناتجة عن انعدام الحاضنة الاجتماعية الشاملة التي اعتاد عليها.
منظور العلاج الأسري النظمي والحدود النفسية
يركز العلاج الأسري البنيوي، كما أسسه سلفادور مينوشين، على أهمية وضوح الحدود النفسية بين الأنظمة الفرعية داخل الأسرة: النظام الفرعي الزوجي، والوالدي، والإخوتي. في الأسرة القرابية، غالباً ما تتسم هذه الحدود بالمسامية المفرطة (Diffused Boundaries)، مما يؤدي إلى ما يُعرف في الأدبيات النسقية بـ “التشابك الأسري” (Enmeshment). يصبح من الصعب جداً حماية خصوصية النظام الزوجي من تدخلات الحماة أو الأعمام، الذين يرون أنفسهم شركاء أصليين في اتخاذ القرار وتوجيه المسار الأسري.
يؤدي هذا التشابك إلى ظهور ظاهرة “التثليث” (Triangulation)، حيث يتم إقحام طرف ثالث (مثل الجدة أو العم) لامتصاص التوتر الناشئ بين الزوجين أو بين الوالدين وأحد الأبناء. ورغم أن التثليث قد يخفف من حدة النزاع مؤقتاً، إلا أنه يجمد المشكلة الأساسية ويمنع الحل المباشر، مما يراكم الإحباطات المكبوتة ويقود إلى ديناميات علائقية مشوهة يسودها التلاعب غير المباشر والتواطؤ الصامت والعدوان السلبي.
يمكن تلخيص الخصائص النظمية البارزة للأسرة القرابية المشتبكة في النقاط التالية:
- سيولة الحدود بين الأجيال: تداخل سلطة الأجداد مع سلطة الوالدين المباشرة في تربية الأبناء واتخاذ القرارات اليومية والتربوية.
- صعوبة الخصوصية الزوجية: اعتبار الأسرار والمشكلات الزوجية شأناً عائلياً عاماً يخضع للمساءلة والمناقشة غير الرسمية من قبل الأسرة الكبيرة.
- ولاءات متعددة ومتضاربة: صراع دائم لدى الشريكين بين متطلبات إرضاء شريك الحياة واسترضاء الأسرة الأصلية الممتدة.
- الجمود النسقي: مقاومة التغيير الخارجي ورفض الأفكار الجديدة التي تهدد التقاليد والقيم الراسخة في النسق القرابي المغلق.
يتطلب العمل العيادي مع هذه الأسر مساعدة أفرادها على ترسيم حدود صحية ومرنة دون قطع الروابط الوجدانية الأصيلة. يركز المعالج النسقي على تمكين الزوجين من تأسيس نواة زوجية صلبة قادرة على التفاوض مع المحيط القرابي، بحيث يتم الانتقال من التشابك المرهق إلى ترابط متوازن يحترم استقلالية كل طرف ويحافظ في الوقت نفسه على شبكة الدعم العاطفي الإيجابية للأسرة الممتدة.
الأبعاد الجينية العصبية والانعكاسات على النمو المعرفي
لا يمكن فصل التحليل النفسي للأسرة القرابية عن دراسة التقاطعات البيولوجية والنفسية-العصبية الناتجة عن زواج الأقارب. تؤكد الدراسات الوراثية أن ارتفاع معدل القرابة يزيد من احتمالية التماثل الزيجوتي (Homozygosity)، مما يرفع نسب ظهور الأمراض الوراثية المتنحية، والتشوهات الخلقية، واعتلالات الجهاز العصبي المركزي، والإعاقات العقلية ومتلازمات النمو المعرفي الحركي في ذرية هذه الزيجات مقارنة بغيرها.
ينعكس هذا العبء البيولوجي بصورة مباشرة على علم النفس المعرفي والتطور النمائي للأطفال؛ إذ تظهر بعض المسوح الإكلينيكية ارتفاعاً نسبياً في قابلية التعرض لاضطرابات طيف التوحد، والتأخر اللغوي، وصعوبات التعلم، والاعتلالات الاستقلابية العصبية التي تؤثر سلباً على الوظائف التنفيذية والقدرات المعرفية العليا، مثل الانتباه الانتقائي والذاكرة العاملة والقدرة على حل المشكلات المعقدة والتكيف الحركي.
تولد ولادة طفل يعاني من إعاقة عصبية أو نمائية ضغوطاً نفسية استثنائية على كاهل الأسرة القرابية، حيث تتداخل الصدمة الوالدية مع مشاعر الذنب القاتلة الناتجة عن إدراك أن صلة الدم المشتركة كانت عاملاً مساهماً في حدوث الإعاقة. وفي كثير من الحالات، يسعى الوالدان إلى إنكار المشكلة أو إسقاط اللوم المتبادل بين عائلتي الزوجين، مما يهدد استقرار البنية الأسرية ويفجر صراعات كامنة بين الفروع القرابية كانت مستترة في السابق.
يقود هذا العبء المزمن إلى متلازمة الاحتراق النفسي الوالدي، وزيادة معدلات الإصابة بـ الاكتئاب النفسي الجسيم واضطرابات القلق لدى الأمهات بصفة خاصة، اللواتي يتحملن القسط الأكبر من الرعاية اليومية للطفل المصاب. ويبرز هنا دور الاستشارة الجينية والنفسية قبل الزواج بوصفها تدخلاً حاسماً يهدف إلى توعية الأفراد بالمخاطر المحتملة، مع توفير الدعم النفسي للتكيف مع النتائج واتخاذ قرارات إنجابية مستنيرة ومسؤولة تحفظ كرامة الفرد وصحة النسل القادم.
التكيف الاجتماعي الثقافي والتحولات المعاصرة والوصمة
تواجه الأسرة القرابية في العصر الحاضر ضغوطاً مجتمعية وإعلامية متصاعدة، مدفوعة بانتشار الخطاب الطبي والوعي الجيني الحديث الذي ينظر إلى زواج الأقارب بعين النقد والتحذير المستمر. وقد أدى هذا التحول إلى ظهور شكل جديد من أشكال الوصمة الاجتماعية في الأوساط الحضرية والمتعلمة، حيث يجد أفراد هذه الأسر أنفسهم في موقف الدفاع عن خياراتهم، والشعور بالدونية أو التخلف عن ركاب الحداثة، مما ينعكس سلباً على مفهوم الذات وتقدير الذات الجماعي لديهم.
في المقابل، تظهر دراسات التكيف الثقافي أن الأسرة القرابية تمتلك مرونة اجتماعية عالية في البيئات غير المستقرة أو المهمشة؛ إذ تتيح الشبكات القرابية المتماسكة تبادل المساعدات المالية، ورعاية الأطفال التبادلية، والدعم أثناء الأزمات المرضية والبطالة، مما يخلق عازلاً وقائياً فعالاً ضد الإجهاد النفسي الحاد والتشرد الاقتصادي. إن هذا الرصيد الاجتماعي المتين يعزز المناعة النفسية الجماعية ويقلل من نسب الطلاق في كثير من المجتمعات بفضل وجود وساطات أسرية نشطة تعمل على تسوية الخلافات قبل استفحالها.
ومع ذلك، فإن هذا الاستقرار الظاهري قد يخفي وراءه ثمناً نفسياً باهظاً يُدفع في شكل الاستكانة القسرية والرضوخ للضغوط العائلية. قد يضطر أحد الشريكين (غالباً المرأة) إلى الاستمرار في علاقة زوجية غير مرضية أو مؤذية انفعالياً لتجنب تمزيق النسيج القرابي وتفادي إغضاب الوالدين أو إثارة الشقاق بين الأقارب. وبالتالي، يصبح الاستقرار الأسري المحسوب إحصائياً غير متطابق مع الصحة النفسية الحقيقية وجودة الحياة الزوجية المنشودة.
تسهم التغيرات الديموغرافية والتعليمية الراهنة، مثل خروج المرأة للعمل وتأخر سن الزواج وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، في تحول تدريجي نحو الزواج المفتوح القائم على الاختيار الفردي والاستقلال السكني. هذا التحول يدفع الأسرة القرابية نحو إعادة صياغة عقودها الاجتماعية، متحولة من نموذج الهيمنة المطلقة للقبيلة إلى نموذج أكثر مرونة يدمج بين الدعم القرابي الدافئ واحترام المساحة الشخصية الفردية للشريكين وأبنائهما.
التدخلات الإكلينيكية والإرشاد النفسي والزواجي
يتطلب العمل العيادي مع الأسرة القرابية حساسية ثقافية فائقة وتدريباً متخصصاً من المعالج النفسي والمرشد الأسري. لا يمكن تطبيق النظريات النفسية الغربية المتمركزة حول الفردانية الصارمة بحذافيرها على هذا النسق، إذ إن محاولة المعالج دفع الفرد نحو الانفصال التام عن عائلته قد يُدرك بوصفه اعتداءً على القيم الثقافية والواجب الأخلاقي، مما يؤدي إلى مقاومة علاجية شرسة أو انقطاع مبكر عن الجلسات الإرشادية.
يتمثل الهدف الإكلينيكي الأول في مساعدة الأسرة على رسم خريطة الجينوغرام (Genogram) التفصيلية، ليس فقط لتتبع السلالة البيولوجية والأمراض الجسدية، بل لرسم خريطة التحالفات والقطيعات الانفعالية والأنماط التكرارية للصدمات عبر الأجيال. يتيح الجينوغرام للزوجين رؤية موقعهما الحقيقي داخل هذه المنظومة المعقدة، والوعي بالمسؤوليات غير المعلنة الملقاة على عاتقهما، مما يشكل خطوة أولى نحو التحرر الواعي من الولاءات الخفية المدمرة والتواطؤ غير المفيد.
تشمل استراتيجيات التدخل الإكلينيكي المتبعة في هذا السياق مجموعة من الخطوات المنهجية، من أبرزها:
- بناء التحالف العلاجي متعدد الأبعاد: كسب ثقة الأسرة الممتدة والأفراد المؤثرين دون الانحياز لطرف على حساب آخر، والاعتراف الصادق بأهمية الروابط القرابية.
- إعادة صياغة الحدود النفسية: مساعدة الزوجين على وضع حدود واقية ومحترمة تحمي أسرارهما وقراراتهما دون خلق قطيعة عدائية مع الأهل والأقارب.
- إزالة التثليث المرضي: تدريب الشريكين على مهارات التواصل المباشر لحل النزاعات وجهاً لوجه دون اللجوء المستمر لطلب تدخل الأطراف العائلية الخارجية.
- الدعم النفسي للمخاطر الوراثية: تقديم إرشاد نفسي داعم للأسر التي تواجه احتمالات أو واقع إنجاب أطفال مصابين باعتلالات وراثية ناتجة عن القرابة البيولوجية.
- تعزيز مهارات التفاوض والتأكيد الذاتي: تدريب أفراد الأسرة على التعبير الحازم عن احتياجاتهم ورغباتهم الخاصة دون اللجوء إلى آليات الدفاع السلبية أو الشعور بالذنب المفرط.
ينبغي للمعالج أيضاً التركيز على تعزيز المرونة المعرفية لدى الأبوين لتجاوز ثقافة اللوم في حال ولادة طفل مصاب بمرض وراثي، وتوجيه الطاقة النفسية نحو التكيف والتأهيل المبكر وبناء بيئة داعمة تلبي احتياجات الطفل النمائية، مع الحفاظ على التوازن النفسي للأسرة كنظام حي ومتجدد يستحق الحياة الكريمة.
خاتمة
في الختام، تتجلى الأسرة القرابية بوصفها بنية اجتماعية ونفسية شديدة التعقيد والتنوع، تتداخل فيها الروابط البيولوجية الوثيقة مع الديناميات الوجدانية العميقة وشبكات الدعم والتكافل المتوارثة. ورغم ما تحمله هذه البنية من مزايا واضحة تتمثل في الألفة الوجدانية، والأمان الاجتماعي، والمناعة الجمعية ضد الاغتراب والتفكك، إلا أنها تنطوي في الوقت نفسه على تحديات نفسية حقيقية تتصل بصعوبة تمايز الذات، وسيولة الحدود البينشخصية، والعبء الوراثي المحتمل على النمو المعرفي والعصبي للنسل. إن المقاربة النفسية الرشيدة لهذه المنظومة تقتضي التخلي عن النظرة الاختزالية التي تقتصر على التحذير الطبي أو التبجيل الثقافي، والتحرك نحو فهم إكلينيكي ونمائي متكامل يحترم الخصوصية الثقافية، ويدعم استقلالية الأفراد، ويعزز الصحة النفسية الشاملة للأسرة كخلية أساسية في بناء المجتمع الإنساني واستقراره المستدام.
المراجع
- Bittles, A. H. (2012). Consanguinity in context. Cambridge University Press.
- Bowen, M. (1978). Family therapy in clinical practice. Jason Aronson.
- Bowlby, J. (1982). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment (2nd ed.). Basic Books.
- Hamamy, H. (2012). Consanguineous marriages: Preconception consultation in primary health care settings. Journal of Community Genetics, 3(3), 185–192.
- Lévi-Strauss, C. (1969). The elementary structures of kinship. Beacon Press.
- Minuchin, S. (1974). Families and family therapy. Harvard University Press.
- Tadmouri, G. O., Nair, P., Obeid, T., Al Ali, M. T., Al Khaja, N., & Hamamy, H. A. (2009). Consanguinity and reproductive health among Arabs. Diversity and Health Care, 6(1), 29–46.