يُمثّل الانكفاء الحفظي (Conservation Withdrawal) إحدى أعمق الظواهر النفسية الحيوية التي طوّرتها الكائنات الحية كاستراتيجية تكيّفية متجذّرة دفاعاً ضد التهديدات الوجودية الساحقة والإنهاك الاستنزافي. تبرز هذه الاستجابة عندما تفشل آليات المواجهة النشطة مثل الكر أو الفر في تحييد الخطر أو استعادة التوازن، مما يدفع الجهاز العصبي إلى تفعيل نمط التثبيط الشامل للحفاظ على ما تبقّى من موارد حيوية وطاقة داخلية. يُعدّ فهم هذه الآلية ركيزة أساسية لتفكيك الشيفرة المعقدة لحالات الاكتئاب الشديد، والتجمد الصدمي، والإعياء المزمن، حيث يتحول الانسحاب من مجرد انطفاء سلوكي عابر إلى استجابة نكوصية بيولوجية متكاملة تهدف إلى صون الحياة في مواجهة العجز المطلق.
مقدمة وتعريف المفهوم النفسي الحيوي
يُعرَّف الانكفاء الحفظي في الأدبيات الإكلينيكية والطب النفسي الجسدي بأنه استجابة بيولوجية وسلوكية أولية تنجم عن التعرض لضغوط نفسية أو صدمات بيئية مستمرة لا يمكن درؤها أو الفرار منها. يتميز هذا النمط بحالة من التثبيط الحركي الشديد، وانخفاض اليقظة الشعورية، وتباطؤ الوظائف الاستقلابية (Metabolic slowing)، والتراجع عن التفاعل الاجتماعي والبيئي، بهدف حماية الكائن الحي من الهلاك البيولوجي الحتمي الناجم عن استنزاف الطاقة. بدلاً من المقاومة النشطة، ينطوي الكائن الحي على ذاته لتقليص الخسائر إلى أدنى حد ممكن، في محاكاة فسيولوجية لحالات السبات الشتوي التي تلجأ إليها الثدييات لحفظ البقاء في البيئات المعادية.
يرتبط المفهوم جوهرياً بحدود التحمل العصبي والنفسي لدى الإنسان، إذ يشير إلى المرحلة الحرجة التي يستسلم فيها النظام الإدراكي والعصبي لواقع العجز المكتسب. عندما يُدرك الفرد أن محاولاته المستمرة لتغيير البيئة المحيطة أو التخلص من الألم غير مجدية، يتجاوز الجهاز العصبي مرحلة التنبيه والفرط الاستثاري وينتقل تلقائياً إلى خفض الاستجابة العامة. تظهر هذه الحالة سريرياً في هيئة خمود عاطفي، وتدني استجابة الحدقة، وبرودة الأطراف، وانخفاض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، مما يعكس تحولاً استراتيجياً من توجيه الموارد نحو العالم الخارجي إلى تأمين العمليات الاستقلابية الأساسية فقط.
ولا ينبغي الخلط بين الانكفاء الحفظي والكسل أو مجرد نقص الحافز العابر؛ بل هو تدبير دفاعي لاإرادي تتحكم فيه الدوائر العصبية التطورية العتيقة. إنه تجسيد بيولوجي للشعور باليأس والعجز والانهزام الوجودي، حيث يُعلّق الكائن الحي جميع الأنشطة غير الضرورية للحياة، كالاستكشاف والتكاثر والتفاعل التواصلي، مؤثراً الانكماش الحركي كحل أخير لتفادي الدمار التام. ومن هذا المنطلق، اكتسب المفهوم وزناً علمياً كبيراً في النظريات الدينامية والنفسية الجسدية التي تبحث في جذور الوهن والاعتلال النفسي الجسدي لدى المرضى المحبطين عاطفياً أو الصدميين.
السياق التاريخي والتطور النظري: إسهامات إنجل وشمالي
تعود الجذور المعرفية لهذا المفهوم إلى الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وتحديداً من خلال الأبحاث الرائدة التي قادها الطبيبان والمحللان النفسيان جورج إنجل (George L. Engel) وآرثر شمالي (Arthur H. Schmale) في جامعة روتشستر. كان إنجل وشمالي يبحثان في الفروق الجوهرية بين الاستجابات الفسيولوجية لمشاعر الخوف والعدوان من جهة، ومشاعر اليأس وفقدان الأمل من جهة أخرى. وتوصلا إلى أن النموذج السائد حينها—نموذج الاستثارة والتوتر الذي وضعه والتر كانون وهانز سيلي—لم يكن كافياً لتفسير الاستجابات الهبوطية التي تنطوي على الانهيار الجسدي الكامل دون علامات استثارة سيمبثاوية واضحة.
طرح إنجل مفهوم “الانكفاء الحفظي” كنظير قطبي مكمل لاستجابة الكر والفر؛ فإذا كانت الأخيرة تمثل استجابة “القتال أو الهروب” الهادفة إلى التصرف الحركي الخارجي عبر إفراز الأدرينالين والنشاط السيمبثاوي، فإن الانكفاء الحفظي يمثل استجابة “التوقف والانغلاق”. وقد لاحظ الباحثان أن الأفراد الذين يمرون بخسائر عاطفية فادحة أو تهديدات مدمرة يختبرون ما أسمياه “مركب التخلي/الاستسلام” (Giving-up / Given-up complex)، وهو استعداد نفسي مسبق يتجلى في شعور طاغٍ بالعجز يمهد الطريق لنكوص الجهاز المناعي والفسيولوجي، ويسرّع من تدهور الحالات الطبية المزمنة وصولاً إلى الموت المفاجئ في بعض الحالات القصوى.
امتدت ملاحظات إنجل الإكلينيكية لتشمل دراسة رضع يعانون من تشوهات مريئية (مثل حالة الطفلة الشهيرة مونيكا)، حيث راقب سلوكها عند دخول غرباء إلى الغرفة؛ فبدلاً من البكاء المستمر أو محاولة الهروب، دخلت الطفلة في حالة من النوم العميق والانفصال التام والتثبيط المعدي، وهي حالة جسدية تعكس انسحاباً حفظياً لتجنب فرط التحفيز المؤلم. أثبتت هذه الدراسات التاريخية أن آلية الانكفاء ليست مجرد فكرة استبطانية عقلية، بل هي رد فعل نفسي جسدي منظم بدقة يبدأ منذ مراحل الطفولة المبكرة ويستمر طوال الحياة كمنظومة طوارئ صامتة.
الأسس البيولوجية والعصبية للانسحاب الحفظي
مع تطور علوم الأعصاب المعاصرة، وجد مفهوم الانكفاء الحفظي مرتكزاً علمياً صلباً من خلال نظرية تعدد المبهم (Polyvagal Theory) التي صاغها ستيفن بورتشيز (Stephen Porges). تُفسر هذه النظرية كيف أن الجهاز العصبي المستقل لا ينقسم فقط إلى سيمبثاوي وباراسيمبثاوي، بل ينقسم الباراسيمبثاوي ذاته إلى فرعين متمايزين وراثياً وتطورياً. الفرع الأحدث هو العصب المبهم البطني (Ventral Vagal) المسؤول عن الارتباط الاجتماعي والتنظيم الذاتي الهادئ، والفرع الأقدم هو العصب المبهم الظهري غير المياليني (Dorsal Vagal Complex)، والذي يعود تاريخه التطوري إلى الفقاريات البدائية والزواحف.
ينشط العصب المبهم الظهري تحديداً عندما يُدرك الكائن الحي تهديداً قاتلاً لا مفر منه، مما يؤدي إلى تفعيل الانكفاء الحفظي. يتسبب هذا التنشيط في تثبيط حاد للأنظمة الحركية، وتباطؤ شديد في نبضات القلب (Bradycardia)، وتدني الضغط الشرياني، وتقليل معدل التنفس وتثبيط حركة الأمعاء، مما يقود الكائن إلى حالة التجمد أو التظاهر بالموت (Thanatosis). من المنظور العصبي، فإن هذا الإخماد الباراسيمبثاوي الهائل يحمي القلب والدماغ من الانفجار الإجهادي الناجم عن التنشيط السيمبثاوي غير المجدي، ويعزل النظام العصبي عن الصدمة الشعورية عبر إفراز الاندورفينات والمواد الأفيونية الداخلية (Endogenous opioids) التي تخفف الإحساس بالألم.
على المستوى الغدي والهرموني، يختلف الانكفاء الحفظي عن الضغط الحاد الاعتيادي؛ فعلى الرغم من أن محور الغدة النخامية-الكظرية (HPA axis) قد يشهد اضطراباً، إلا أن الحالة المزمنة منه تترافق مع هبوط في مستويات الكورتيزول الحيوية أو ضعف في حساسية مستقبلات القشرانيات السكرية، فضلاً عن تثبيط هرمونات الغدة الدرقية لإبطاء التمثيل الغذائي. تؤدي هذه الشبكة من التفاعلات البيولوجية إلى خفض استهلاك الأكسجين إلى الحد الأدنى، متيحة للكائن الحي البقاء في وضع الخمول الفسيولوجي التام، بانتظار زوال مصدر التهديد أو التلاشي البطيء في بيئة خالية من المحفزات الإيجابية.
المظاهر السلوكية والنفسية للظاهرة
تتجلى استجابة الانكفاء الحفظي على الصعيد السلوكي في صورة انسحاب غير متكلف وصامت من البيئة الخارجية. يفقد الفرد المتأثر رغبته في المبادرة بالتواصل البصري، وتصبح ملامح وجهه خالية من التعبير (Flat affect)، مع جمود في نبرة الصوت وتحولها إلى رتابة خافتة وخالية من النغمات العاطفية (Prosody). يميل الجسد إلى اتخاذ وضعيات انطوائية متكورة، وتقل الحركات التلقائية إلى أدنى درجاتها، حيث يقضي المصاب ساعات طويلة مستلقياً أو جالساً دون القيام بأي نشاط هادف، وكأنه ينفصل حركياً وإدراكياً عن المكان والزمان المحيطين به.
نفسياً وإدراكياً، يختبر الشخص نوعاً من “التخدر العاطفي” (Emotional numbing) والانفصال عن الواقع (Depersonalization/Derealization). لا يشعر الفرد بالضرورة بحزن نشط أو بكاء تراجيدي، بل يعاني بالأحرى من خواء داخلي كامل وغياب للشعور بالألم أو اللذة على حد سواء (Anhedonia). تتراجع سرعة المعالجة الفكرية، وتضعف الذاكرة العاملة، ويصبح التفكير بطيئاً وثقيلاً ومحصوراً في إدراكات قاتمة حول حتمية العجز واستحالة التغيير. هذه الحالة الذهنية تمثل آلية وقائية تخفف من المعاناة النفسية الذاتية عبر خفض مستوى الوعي التجريبي برمته.
على مستوى التفاعل البينشخصي، يقطع الفرد قنوات الاتصال بروابطه الاجتماعية الوثيقة؛ ولا ينبع هذا الانسحاب من عداء أو رغبة في الانتقام، بل من إحساس عميق بالافتقار إلى الطاقة اللازمة لإجراء أي تبادل عاطفي. يُنظر إلى المتطلبات الاجتماعية اليومية، حتى البسيطة منها كالرد على تحية أو إجراء مكالمة، على أنها مهام شاقة تتجاوز سعة النظام العصبي المستنزف. يؤدي هذا السلوك التراجعي إلى عزلة إضافية، مما يعزز حلقة التغذية الراجعة السلبية للانكفاء ويزيد من صعوبة استعادة التوازن دون تدخل خارجي مدروس وحذر.
الانسحاب الحفظي عبر مراحل النمو البشري
يمتلك الانكفاء الحفظي مظاهر فارقة في مختلف مراحل النمو، وتبدأ أولى هذه الصور في مرحلة الرضاعة المبكرة. كشفت تجربة “الوجه الساكن” (Still-Face Experiment) التي صممها إدوارد ترونيك (Edward Tronick) بوضوح كيف يتفاعل الرضيع مع الأم عندما تتوقف فجأة عن التفاعل وتظهر وجهاً خالياً من التعبيرات. في البداية، يحاول الرضيع لفت انتباهها عبر الابتسام والأصوات والإشارات الجسدية (استجابة تعبئة ونشاط)، لكن عندما تفشل كل محاولاته، ينهار نظامه الانفعالي وينزلق سريعاً إلى الانكفاء الحفظي؛ حيث يشيح بوجهه بعيداً، وتتراخى عضلاته، وينخفض معدل نبضه، ويدخل في حالة جمود نفسي حركي توقف استنزاف طاقته في تجربة علاقاتية غير مجدية.
وفي مراحل الطفولة اللاحقة، يظهر الانكفاء الحفظي لدى الأطفال المعرضين للإهمال الحاد أو الصدمات التطورية في بيئات الرعاية المؤسسية الباردة (مثل ملاجئ الأيتام المهملة). يُظهر هؤلاء الأطفال متلازمة تراجع النمو النفسي غير العضوي (Non-organic failure to thrive)، حيث يتوقف نموهم الجسدي وإفراز هرمون النمو على الرغم من توفر الغذاء الأساسي، بسبب تعطل المحاور العصبية الهرمونية نتيجة الانسحاب الوقائي الدائم. يتجنب هؤلاء الأطفال الاستكشاف أو اللعب، ويصبحون غير مبالين بالبيئة المحيطة، محتمين بفقاعة بيولوجية تقيهم آلام الإحباط الناتج عن غياب الترابط الحميم مع بيئة الرعاية.
أما في مرحلة الشيخوخة وسنوات العمر المتأخرة، فإن الانكفاء الحفظي يمثل آلية شائعة ولكنها خطيرة جداً، وغالباً ما تتداخل مع التدهور المعرفي والوهن الجسدي. عند مواجهة المسن لفقدان الشريك، وتداعي الاستقلالية الذاتية، والانتقال إلى دور الرعاية المعزولة، قد يتراجع جهازه العصبي إلى نمط الانكفاء لحفظ الطاقة، متوقفاً تدريجياً عن الأكل والشرب والحديث. يصف الأطباء هذه الظاهرة أحياناً بـ “متلازمة الفشل في الازدهار لدى البالغين” أو الرغبة الصامتة في الرحيل، حيث تُغلق المنظومة الحيوية أبوابها طواعية أمام العالم الخارجي استجابة لفقدان المعنى والصلة الحيوية بالحياة.
التمايز التشخيصي والعلاقة مع الاضطرابات النفسية
يتقاطع الانكفاء الحفظي مع العديد من الاضطرابات النفسية المدرجة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، إلا أنه يحمل خصوصية دينامية وبيولوجية تجعل من المهم تمييزه عنها بدقة:
- اضطراب الاكتئاب الجسيم (Major Depressive Disorder): في حين يشترك الاثنان في أعراض الخمول وانعدام التلذذ، فإن الانكفاء الحفظي يُعد الأساس البيولوجي التطوري لنمط الاكتئاب التثبيطي (Melancholic/Vegetative depression)، والذي تسيطر عليه أعراض التباطؤ الحركي الشديد وانخفاض الحيوية، بدلاً من الاكتئاب الانفعالي القلق أو الهياجي.
- اضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD): يتسم الكرب الصدامي التقليدي بفرط التيقظ والاستثارة السيمبثاوية؛ إلا أن استجابة التجمد الصدمي (Freeze response) والتبدد الانفصالي في النمط الفرعي الانفصالي للصدمة هي تعبير نقي عن الانكفاء الحفظي الذي ينشط عندما يفشل الهروب من المعتدي أو الحادث الصادم.
- الاحتراق النفسي والمهني (Burnout): يمثل الاحتراق الوظيفي في مراحله النهائية المتقدمة تفعيلاً تدريجياً للانكفاء الحفظي، حيث يصل الفرد بعد شهور أو سنوات من استنزاف موارده العاطفية دون جدوى إلى مرحلة الانفصال الكامل وفقدان التعاطف، حمايةً لما تبقى من وظائفه الذهنية الأساسية.
- متلازمة الإجهاد المزمن (Chronic Fatigue Syndrome / ME): تتداخل الآليات الفسيولوجية للانكفاء الحفظي مع أمراض الإجهاد العصبي، حيث يُثبت الجهاز العصبي نفسه عند عتبة إنتاج طاقة شديدة التدني، معتبراً أي نشاط حركي إضافي تهديداً وشيكاً يجب صده عبر الإعياء المفرط.
يوضح هذا التمايز أن الانكفاء الحفظي ليس مجرد كيان تشخيصي مستقل بقدر ما هو مسار وظيفي أولي عابر للتشخيصات (Transdiagnostic pathway)، تلجأ إليه العضوية البشرية عندما تنهار الحصانة النفسية وآليات الدفاع العليا أمام تراكم الإجهاد والشعور بالعجز المزمن.
الآثار النفسجسدية والطبية للانكفاء المديد
إذا استمر الانكفاء الحفظي لفترات زمنية طويلة دون انفراج، فإنه يتحول من استراتيجية إنقاذ مؤقتة إلى حالة تدميرية تؤثر على كافة الأنظمة العضوية. يقود الخمود الفسيولوجي المفرط والسيطرة المبهمية الظهرية المزمنة إلى هبوط ملحوظ في التروية الدموية للأعضاء الطرفية وللجلد، مع تباطؤ في الدورة الدموية الكبرى. هذا التباطؤ لا يقتصر على المظهر السطحي، بل يمتد ليؤثر سلباً على كفاءة تصفية السموم الحيوية وتجديد الخلايا التالفة، مما يجعل الجسم في حالة ركود شبيهة بحالات الاحتضار البيولوجي البطيء.
من الناحية المناعية، يتسبب الانكفاء الحفظي الممتد في كبت غير متوازن للمناعة الخلوية؛ فبينما يقل إنتاج الخلايا التائية والمناعية المدافعة عن الجسم ضد العدوى الفيروسية والأورام، قد تتصاعد الاستجابات الالتهابية منخفضة الدرجة (Low-grade systemic inflammation) نتيجة اضطراب الإشارات بين الجهاز العصبي ومحور المناعة. يفسر هذا الارتباط سبب سرعة تدهور الحالة الصحية للمرضى الذين يستسلمون نفسياً بعد تلقي تشخيصات طبية قاسية كالأورام الخبيثة، مقارنة بأولئك الذين يحتفظون بحد أدنى من المقاومة أو الأمل النشط.
كما يلعب الانكفاء دوراً جوهرياً في حوادث “الموت الوديي/المبهمي المفاجئ” (Voodoo death / Psychogenic death). فقد وثّق إنجل وأطباء القلب حالات لمرضى توقفت قلوبهم فجأة عقب التعرض لخبر صادم يتضمن فقداناً مطلقاً للسيطرة؛ حيث يتسبب التنشيط الفجائي الهائل للعصب المبهم في توجيه صدمة كبح فائقة للقلب (Cardio-inhibition)، تؤدي إلى بطء قلبي لا رجعة فيه وتوقف الانقباض البطيني دون وجود انسداد شرياني تشريحي، مما يبرهن على القوة الفتاكة للانسحاب النفسي الحيوي عند بلوغه ذروته القصوى.
استراتيجيات التدخل والتعافي الإكلينيكي
يتطلب التعامل العلاجي مع حالات الانكفاء الحفظي حساسية فائقة ونهجاً إكلينيكياً مغايراً للعلاجات النفسية التقليدية. العلاج المعرفي السلوكي المعتمد على الحوار العقلي والواجبات المنزلية غالباً ما يفشل في هذه المراحل، لأن القشرة الجبهية للمريض تكون في حالة خمول وظيفي، والنظام العصبي عاجز عن معالجة المدخلات المنطقية المعقدة. تتضمن مبادئ التدخل الفعال الخطوات التالية:
- تأسيس الأمان العصبي (Neuroception of Safety): قبل أي استكشاف فكري أو استبطاني، يجب توجيه العلاج نحو خلق بيئة حسية آمنة وغير مهددة. يتضمن ذلك استخدام النبرات الصوتية الدافئة والمتغيرة، والإيقاع البطيء المريح، وتقليل الإضاءة المبهرة، والاقتراب الجسدي الحذر، لتفعيل فرع العصب المبهم البطني وإشعار الجهاز العصبي بأن الخطر قد زال.
- التدخلات الجسدية الدقيقة (Somatic Approaches): يُعد العلاج المعتمد على الجسد، مثل التجربة الجسدية (Somatic Experiencing) والعلاج الحسي الحركي (Sensorimotor Psychotherapy)، الأنسب لإيقاظ النظام الحركي المجمد. يتم ذلك عبر تحفيز حركات دقيقة وصغيرة للغاية (Micro-movements)، كتحريك أصابع القدمين، أو توجيه الرأس ببطء لمسح الغرفة، لإعادة بناء الشعور بالقدرة على التوجيه والفعل دون إثارة الرعب أو التنبيه المفرط.
- المعايرة والتقطير (Titration and Pendulation): تجنب محاولة نقل الفرد مباشرة من حالة الخمود إلى النشاط التام؛ إذ قد يقود ذلك إلى نوبة هلع أو ارتداد أعمق إلى الانكفاء. بدلاً من ذلك، يتم الانتقال التدريجي المتبادل بين مشاعر الخمول ومشاعر الطاقة الطفيفة لتعليم الجهاز العصبي مرونة الانتقال بين الحالات الفسيولوجية.
- التنظيم المشترك عبر العلاقة العلاجية (Co-regulation): يعتمد المريض المنسحب على الجهاز العصبي المستقر للمعالج كمصدر خارجي للاستقرار والأمان. الحضور الصامت الحاضن والتعاطف غير المشروط يسمحان للشخص المنهك ببدء استعادة الاتصال بالعالم دون ضغط لتقديم أداء معرفي أو سلوكي محدد.
إلى جانب العلاج النفسي الموجه، تبرز أهمية الدعم الفسيولوجي المباشر؛ والذي يشمل تنظيم النوم، وتوفير التغذية الداعمة الخفيفة وسهلة الهضم لتنشيط الأمعاء الخاملة، والمساج اللطيف أو التحفيز الكهربائي غير الغازي للعصب المبهم، واستخدام مضادات الاكتئاب بحذر إذا اقتضت الضرورة، شريطة التركيز على استعادة الطاقة الحيوية التدرجية ومنع استمرار دوامة التثبيط العصبي.
خاتمة وتوجهات بحثية مستقبلية
يظل الانكفاء الحفظي دليلاً ساطعاً على الترابط الوثيق والتكاملي بين العقل والجسد، حيث تتحد الاستجابات النفسية والفسيولوجية في منظومة دفاعية موحدة لحماية الحياة عندما تنعدم الخيارات الأخرى. إنه ليس دليلاً على الضعف أو العطب الوظيفي، بل هو استجابة تكيّفية تطورية غاية في الذكاء لظروف غير محتملة. تكمن المأساة عندما تستمر هذه الاستجابة بعد زوال التهديد الفعلي، حابسة الكائن الحي في سجن من العزلة والجمود الحيوي الذي يستنزف فرص استعادة النمو والازدهار.
تتجه الأبحاث المعاصرة نحو فك شفرات الروابط الجزيئية بين هذا النمط السلوكي والمسارات الالتهابية والتغيرات فوق الجينية (Epigenetics)، واستكشاف كيف تؤثر الصدمات المتوارثة عبر الأجيال على عتبة تنشيط الانكفاء الحفظي لدى النسل. كما تفتح التطبيقات التكنولوجية الحديثة في التغذية الراجعة الحيوية والتحفيز العصبي آفاقاً واعدة لتمكين المعالجين من اكتشاف بدايات هذا الانسحاب والتدخل المبكر لتحويل مسار الجهاز العصبي من نمط التجمد والانكفاء إلى مسارات الأمان والارتباط الحيوي المتجدد.
المراجع
- Engel, G. L. (1962). Psychological development in health and disease. W.B. Saunders.
- Engel, G. L., & Schmale, A. H. (1967). A psychoanalytic framework for clinical research in psychosomatic illness. Journal of the American Psychoanalytic Association, 15(2), 344–365. https://doi.org/10.1177/000306516701500206
- Engel, G. L. (1977). The need for a new medical model: A challenge for biomedicine. Science, 196(4286), 129–136. https://doi.org/10.1126/science.847460
- Porges, S. W. (2001). The polyvagal theory: Phylogenetic substrates of a social nervous system. International Journal of Psychophysiology, 42(2), 123–146. https://doi.org/10.1016/S0167-8760(01)00162-3
- Porges, S. W. (2011). The polyvagal theory: Neurophysiological foundations of emotions, attachment, communication, and self-regulation. W. W. Norton & Company.
- Schmale, A. H., & Engel, G. L. (1975). The role of depression in biological vulnerability. In Depression and human survival (pp. 96–112). Springer.
- Tronick, E. Z. (1989). Emotions and emotional communication in infants. American Psychologist, 44(2), 112–119. https://doi.org/10.1037/0003-066X.44.2.112
- van der Kolk, B. A. (2014). The body keeps the score: Brain, mind, and body in the healing of trauma. Viking.