تمثل السياقية (Contextualism) نموذجاً فكرياً ونظرية معرفية ثورية أعادت تشكيل العلوم النفسية والسلوكية عبر تفكيك النظرة الميكانيكية والجوهرية للسلوك البشري. تنطلق هذه الرؤية من افتراض محوري مفاده أن الظواهر النفسية، سواء كانت أفكاراً أو مشاعر أو استجابات سلوكية، لا يمكن فصلها عن الشبكة المعقدة من الظروف البيئية والتاريخية والثقافية التي تنشأ فيها وتتفاعل معها. يرفض هذا التوجه اختزال الكائن البشري في مجرد آلة معالجة داخلية مغلقة، مؤكداً أن المعنى والوظيفة هما نتاج تفاعل ديناميكي مستمر بين الفرد ومحيطه الحيوي المتغير.
التأصيل المفاهيمي والإبستمولوجي لمفهوم السياقية
تُعرّف السياقية في الفلسفة والعلوم السلوكية بوصفها مقاربة ابستمولوجية وأنطولوجية تعتبر “الحدث الجاري في سياقه” (The ongoing act in context) الوحدة الأساسية للتحليل العلمي والبحثي. لا يُنظر إلى السلوك بموجب هذا المنظور ككيان ثابت ذي خصائص جوهرية مستقلة، بل كفعل زمكاني لا يكتسب دلالته أو غايته إلا من خلال علاقاته المتبادلة مع المحيط الحاضر والتاريخ التنموي السابق للكائن الحي. وعليه، فإن أي محاولة لتجريد الفعل البشري من بيئته تُعد اقتطاعاً تعسفياً يؤدي إلى تشويه الحقيقة النفسية وإفراغها من مضمونها الوظيفي والتفسيري الأصيل.
في مقابل المقاربات الآلية (Mechanism) التي تفترض أن السلوك نتاج لأجزاء متراكبة تعمل وفق قوانين سببية خطية ميكانيكية، ومقابل المقاربات العضوية (Organicist) التي تفترض نمواً تليولوجياً حتمياً يسعى إلى تحقيق غاية تكاملية محددة سلفاً، تبرز السياقية كنموذج مرن يتبنى الواقعية البراغماتية. إن الهدف المعرفي للسياقية ليس بالضرورة اكتشاف “حقيقة موضوعية أزلية” منفصلة عن الملاحظ، بل التوصل إلى فهم تحليلي يُمكّن الباحث أو المعالج النفسي من التنبؤ بالظواهر والتأثير فيها بدقة وشمولية وفاعلية عملية. هذا التحول من “حقيقة التطابق” إلى “حقيقة النفعية الوظيفية” يشكل جوهر الثورة السياقية في الأبحاث النفسية المتقدمة.
ترتكز البنية المعرفية للسياقية على مبدأ الترابط غير القابل للاختزال بين العناصر الفاعلة، حيث لا يمكن تمييز المنبه عن الاستجابة كعنصرين منفصلين تماماً، إذ إن تحديد ما يشكل “منبهاً” يتوقف كلياً على تاريخ الفرد واستجابته الحالية، والعكس صحيح. تؤدي هذه النظرة الدائرية التبادلية إلى إعادة صياغة منهجيات القياس والتقييم النفسي؛ إذ ينتقل التركيز من تصنيف السمات الثابتة عبر مقاييس الشخصية الجامدة إلى تحليل الأنماط السلوكية المرنة التي تتشكل استجابة لمتطلبات السياق النوعي، مما يتيح فهماً أكثر عمقاً للتباين السلوكي والتكيف النفسي.
الجذور الفلسفية ونظرية الفرضيات العالمية لستيفن بيبر
يعود الفضل في إرساء المعالم النظرية والاصطلاحية للسياقية إلى الفيلسوف الأمريكي ستيفن بيبر (Stephen Pepper) في كتابه المرجعي الصادر عام 1942 بعنوان “الفرضيات العالمية: دراسة في الأدلة” (World Hypotheses: A Study in Evidence). صنف بيبر في هذا العمل الأنظمة الفلسفية الكبرى إلى أربع فرضيات عالمية رئيسية متميزة لكل منها استعارتها الجذرية (Root Metaphor) ومعيارها الخاص للحقيقة، وهي: الشكلية (Formism)، والآلية (Mechanism)، والنزعة العضوية (Organicism)، والسياقية (Contextualism). وقد شكّل هذا التصنيف منطلقاً حاسماً للعلماء النفسيين الذين سعوا إلى تحرير علم النفس من أسر النماذج الميكانيكية المستعارة من الفيزياء الكلاسيكية.
حدد بيبر الاستعارة الجذرية للسياقية بـ “الحدث التاريخي الحاضر” (Historic event)، حيث يُقصد بـ “التاريخي” هنا الفعل الواقعي الحقيقي الذي يحدث في اللحظة الراهنة بما يحمله من صيرورة وتدفق وتبدل مستمر. وبناءً على هذه الاستعارة، لا يمثل الماضي سلسلة متراصة من الصدمات المحفورة التي تدفع الحاضر جبرياً، بل هو مورد تاريخي متجدد يُعاد تشكيله واستحضاره وظيفياً في ضوء المتغيرات الآنية. المعيار الحقيقي للسياقية وفق بيبر هو “التحقق العملي الناجح” (Successful working)، مما يعني أن صحة أي افتراض أو نموذج علمي تُقاس بمدى قدرته على تحقيق أهدافه التحليلية والتطبيقية في الميدان الواقعي.
تأثرت السياقية الفلسفية بعمق بتيارات الفلسفة البراغماتية الأمريكية التي قادها فلاسفة كبار من طراز وليام جيمس وجون ديوي، حيث تم استبدال الثنائيات الميتافيزيقية الكلاسيكية (مثل ثنائية العقل والجسد، أو الذات والموضوع) بمنظور تفاعلي متكامل. اعتبر ديوي أن الخبرة الإنسانية عبارة عن وحدة تفاعلية لا تنفصم، تتدفق عبر أحداث سياقية تتطلب دائماً التكيف المستمر وإعادة التنظيم. لقد وفرت هذه الأسس الفلسفية للباحثين النفسيين لاحقاً، لاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين، منصة صلبة لتطوير نظريات تفسر التعلم والتفكير والانفعال خارج أطر الحتميات البيولوجية الصارمة أو الارتباطات الخطية المبسطة.
السياقية الوظيفية في علم النفس السلوكي المعاصر
شهد العقد الأخير من القرن العشرين ولادة فرع تطبيقي بالغ التأثير يُعرف باسم السياقية الوظيفية (Functional Contextualism)، والذي ارتبط اسمه بشكل وثيق بعالم النفس ستيفن هايز (Steven C. Hayes) وزملائه ضمن إطار الموجة الثالثة من العلاج السلوكي المعرفي. تُمثل السياقية الوظيفية فلسفة علمية مكرسة لدراسة السلوك، تتبنى هدفاً صريحاً لا لبس فيه وهو: التنبؤ بالأحداث النفسية والتأثير فيها بدقة ونطاق وعمق متكاملين (Precision, Scope, and Depth). ويكمن التمييز الجوهري هنا في كلمة “التأثير”، إذ ترفض السياقية الوظيفية الاكتفاء بالتنبؤ السلبي أو الوصف الظاهري، بل تشترط إيجاد متغيرات بيئية قابلة للتعديل عملياً لتحقيق التغيير السلوكي المنشود.
تنطلق السياقية الوظيفية من انتقاد حاد للنماذج المعرفية التقليدية التي تعامل الأفكار والمعتقدات كـ “أسباب داخلية مستقلة” للسلوك، وتعتبر بدلاً من ذلك أن التفكير نفسه هو سلوك خفي يخضع لنفس القوانين الوظيفية التي تحكم السلوك الظاهر. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الفكرة الاكتئابية أو القلقة كخلل في بنية الدماغ يستوجب الاستئصال أو التصحيح المنطقي المباشر، بل كاستجابة لفظية ظهرت ضمن سياق بيئي معين وتؤدي وظيفة تكيفية أو تجنبية محددة. وبالتالي، فإن الهدف لا يعود تغيير محتوى الفكرة (Content)، بل تعديل السياق الذي تتفاعل فيه هذه الفكرة مع سلوك الفرد وعلاقته بها (Context and Function).
قادت السياقية الوظيفية إلى صياغة واحدة من أعقد النظريات اللغوية والمعرفية في العصر الحديث، وهي نظرية أطر العلاقات (Relational Frame Theory – RFT). تقدم هذه النظرية تفسيراً سياقياً دقيقاً لكيفية اكتساب البشر للقدرة على الربط الاعتباطي بين المثيرات والرموز اللفظية دون الحاجة إلى تدريب مباشر، وهو ما يفسر الكيفية التي يمكن بها لكلمة بسيطة أن تثير استجابات فسيولوجية وعاطفية عنيفة من خلال انتقال الوظائف التحفيزية عبر الشبكات العلائقية. أثبتت هذه النظرية أن الإدراك البشري واللغة ظاهرتان سياقيتان بالكامل، تعتمدان على سياقات علائقية وسياقات وظيفية تتغير بتغير الموقف الحياتي.
السياقية التنموية ونموذج برونفنبرنر للأنظمة البيئية
لم يقتصر امتداد السياقية على علم النفس السلوكي والتحليلي، بل تغلغل بعمق في علم نفس النمو عبر ما يُعرف بـ السياقية التنموية (Developmental Contextualism)، التي صاغها ونظر لها باحثون بارزون مثل ريتشارد ليرنر (Richard M. Lerner). تؤكد هذه المقاربة أن نمو الإنسان لا يُقاد ببرامج جينية حتمية مشفرة سلفاً، ولا يُصاغ عبر تأثيرات بيئية سلبية أحادية الاتجاه، بل هو محصلة تفاعلات تبادلية ديناميكية مستمرة (Dynamic Bi-directional Interactions) بين الفرد النامي ومستويات متعددة ومتداخلة من السياق الحياتي عبر مسار الزمن والمدى العمري بأكمله.
يتجلى النموذج الأكثر شمولية وتطبيقاً للسياقية التنموية في نظرية الأنظمة البيئية التي طورها عالم النفس الشهير يوري برونفنبرنر (Urie Bronfenbrenner). يطرح برونفنبرنر تصوراً للبيئة النامية بوصفها مجموعة من الهياكل المتداخلة تشبه الدمى الروسية، وتنتظم في خمسة مستويات سياقية مترابطة:
- النظام الميكروي (Microsystem): وهو السياق المباشر الذي يتفاعل معه الفرد وجهاً لوجه وبشكل يومي، مثل الأسرة، والمدرسة، ومجموعة الأقران، وبيئة العمل المباشرة.
- النظام المتوسط (Mesosystem): ويتألف من الروابط والعلاقات المتبادلة القائمة بين اثنين أو أكثر من الأنظمة الميكروية، مثل طبيعة العلاقة والتعاون بين الوالدين ومعلمي المدرسة.
- النظام الخارجي (Exosystem): ويشمل البيئات والسياسات التي لا يشارك فيها الفرد النامي بشكل مباشر، ولكن تؤثر قراراتها وأحداثها في واقعه الحياتي، كبيئة عمل الوالدين والسياسات المجتمعية المحلية.
- النظام الماكروي (Macrosystem): ويمثل الإطار الثقافي والاجتماعي الأوسع، بما يحتويه من قيم حضارية، ومعتقدات أيديولوجية، وأنظمة اقتصادية، وأعراف جمعية سائدة تحكم المجتمع ككل.
- النظام الزمني (Chronosystem): ويتضمن البُعد التاريخي والزمني، بما يشمل التحولات الحياتية الفردية (كالطلاق أو التقاعد) والأحداث التاريخية الكبرى (كالأوبئة، والحروب، والتحولات التكنولوجية).
تكشف السياقية التنموية أن المرونة النفسية (Resilience) والهشاشة النفسية ليستا خصالاً فطرية ثابتة يولد بها الإنسان، بل هما نتاج “الملاءمة التكيفية” أو التطابق (Goodness of fit) بين خصائص الفرد الفسيولوجية والمزاجية من جهة، ومطالب السياقات المحيطة به وإمكاناتها الداعمة من جهة أخرى. هذا المنظور ألغى الفواصل الوهمية بين الطبيعة والتنشئة (Nature vs. Nurture)، مبرهناً على أن التعبير الجيني ذاته (Epigenetics) هو عملية سياقية تتأثر بصورة جذرية بنوعية التغذية والضغوط النفسية والدعم الاجتماعي المتاح في البيئة الحيوية.
السياقية المعرفية ونظرية المعرفة السياقية
في فضاء علم النفس المعرفي وفلسفة الإدراك، برزت السياقية المعرفية لتتحدى التصورات الكلاسيكية التي صورت العقل البشري كحاسوب يعالج المدخلات المجردة عبر خوارزميات محايدة لا تتأثر بالظروف المحيطة. تشير الأبحاث المعرفية السياقية إلى أن الإدراك، والانتباه، والتذكر، واتخاذ القرار هي عمليات “متموضعة” (Situated) و”متجسدة” (Embodied) وموزعة عبر الأدوات والبيئات الثقافية والاجتماعية التي تحدث ضمنها، مما يعني أن الاستدلال العقلي يستحيل فصله عن وسطه الفعلي والموقفي.
تؤكد نظرية المعرفة السياقية (Epistemic Contextualism) أن معايير إصدار الأحكام، ونسب المعرفة أو اليقين، تتبدل بصورة جوهرية بناءً على سياق الشخص الملاحظ أو الفاعل، وطبيعة المخاطر المترتبة على القرار. ففي المواقف ذات المخاطر المنخفضة، قد يعتبر الفرد معلومة ما كافية لاتخاذ سلوك معين، في حين ترتفع المعايير التقييمية تلقائياً في السياقات ذات المخاطر العالية؛ الأمر الذي يبرهن على أن العمليات المعرفية البشرية ليست مقيدة بقواعد منطقية صورية صلبة، بل تتسم بمرونة تكيفية استراتيجية تستجيب للأولويات والمقاصد الميدانية المتغيرة.
على مستوى الذاكرة، أثبتت الدراسات الكلاسيكية والحديثة في علم النفس المعرفي ظاهرة “الذاكرة المعتمدة على السياق” (Context-dependent memory)، حيث يتيسر استرجاع المعلومات واستدعاؤها بصورة أكثر كفاءة ودقة عندما يتطابق السياق البيئي والفسيولوجي والعاطفي لعملية الاسترجاع مع سياق التشفير والتخزين الأصلي. يُظهر هذا المبدأ أن الآثار التذكارية ليست مخزنة كملفات ميتة في زوايا الدماغ، بل هي عمليات إعادة بناء ديناميكية تتأثر بالحوافز والقرائن المحيطة بالفرد في لحظة التذكر ذاتها، مما يبرز الدور التأسيسي للمحددات السياقية في تشكيل الواقع الذهني الداخلي.
التطبيقات الإكلينيكية والعلاجية: العلاج بالقبول والالتزام
يعد العلاج بالقبول والالتزام (Acceptance and Commitment Therapy – ACT)، الذي ابتكره ستيفن هايز وكيرك ستروسال وكيلي ويلسون، التجلي الإكلينيكي والعيادي الأبرز لفلسفة السياقية الوظيفية. يرفض هذا النموذج العلاجي التصنيف الطبي النفسي التقليدي الذي يتعامل مع الأعراض كعلامات لأمراض كامنة تتطلب القمع أو السيطرة، ويركز بدلاً من ذلك على تعزيز ما يُعرف بـ المرونة النفسية (Psychological Flexibility)، وهي القدرة على التواصل الكامل مع اللحظة الحاضرة ككائن بشري واعٍ، وتغيير السلوك أو الاستمرار فيه بما يخدم القيم الحياتية الشخصية العميقة.
ينظر نموذج ACT إلى المعاناة النفسية كظاهرة ناتجة عن “عدم المرونة النفسية”، والتي تتغذى بدورها على عاملين سياقيين رئيسيين: الاندماج المعرفي (Cognitive Fusion)؛ حيث يتعامل الفرد مع أفكاره ومشاعره كحقائق موضوعية مطلقة وخطيرة، والتجنب التجريبي (Experiential Avoidance)؛ وهو المحاولة المستميتة لتعديل أو الهروب من المشاعر والأحاسيس والذكريات المؤلمة. تتدخل السياقية الإكلينيكية هنا لتغيير سياق التفاعل مع الألم الداخلي من خلال ست عمليات علاجية أساسية تُعرف بنموذج الهيكسافليكس (Hexaflex):
- القبول (Acceptance): فتح المجال الطوعي للأحاسيس والمشاعر المؤلمة دون مقاومتها أو الهروب منها، والاعتراف بوجودها كأحداث سياقية طبيعية في التجربة البشرية.
- فك الاندماج المعرفي (Defusion): تعلم مراقبة الأفكار كأحداث لغوية عابرة وأصوات ذهنية متدفقة بدلاً من الانغماس فيها كأوامر قاطعة وحقائق لا مفر منها.
- التواصل مع اللحظة الحاضرة (Present Moment): ممارسة الحضور الذهني الواعي مع ما يحدث “هنا والآن” بمرونة وانفتاح وفضول بعيداً عن التشويش الذهني.
- الذات كسياق (Self-as-Context): إدراك الذات بوصفها الميدان الواسع والمراقب الواعي الثابت الذي تحدث فيه كافة التجارب والخبرات المتغيرة، وليست المحتوى المتغير لتلك الخبرات.
- القيم (Values): تحديد الاتجاهات المعنوية الحياتية التي تمنح وجود الفرد المعنى والأهمية، وتعمل كبوصلة توجه اختياراته في الحياة اليومية.
- الفعل الملتزم (Committed Action): اتخاذ خطوات عملية وسلوكية ملموسة وفعالة تتوافق باستمرار مع تلك القيم الشخصية حتى في وجود الألم النفسي والمصاعب.
يبرز التمايز السياقي في ACT عبر استخدام الاستعارات المجازية والتمارين التجريبية بدلاً من المجادلات المنطقية التحليلية؛ حيث لا يُطلب من العميل إثبات خطأ فكرته المشوهة، بل يُسأل: “هل يساعدك التمسك بهذه الفكرة والتحرك وفقاً لها في بناء حياة ثرية وذات معنى؟”. هذا التحول من تقييم الصواب والخطأ إلى تقييم الجدوى الوظيفية (Workability) يعكس تماماً البراغماتية السياقية، مما جعل هذا التدخل يثبت فاعلية متفوقة في علاج اضطرابات القلق، والاكتئاب المزمن، والآلام الجسدية المزمنة، وصدمات ما بعد الكوارث عبر مئات التجارب العشوائية المحكمة عالمياً.
الانتقادات المنهجية والتحديات الإبستمولوجية
على الرغم من النجاحات الباهرة التي حققتها النظريات السياقية في شتى الميادين السلوكية، إلا أنها واجهت انتقادات فلسفية ومنهجية لا يستهان بها من جانب المدارس الوضعية والواقعية التقليدية. يتمثل النقد الأول في خطر الانزلاق نحو النسبية المفرطة (Extreme Relativism)؛ إذ يرى بعض الفلاسفة المعرفيين أن التمسك بكون كل ظاهرة محكومة بسياقها الخاص يقوض إمكانية صياغة قوانين علمية عالمية عامة وتراكمية، مما قد يهدد بتحويل البحث النفسي إلى مجرد دراسات حالة تاريخية منفصلة تفتقر إلى القدرة على التعميم عبر الثقافات والأزمنة.
النقد الثاني يتعلق بـ صعوبة التحديد الإجرائي للسياق؛ فمن الناحية النظرية، يتسع السياق ليشمل الكون بأكمله وتاريخه التاريخي والثقافي التراكمي. يفرض هذا الاتساع تحدياً كبيراً أمام الباحث التجريبي: أين يبدأ السياق وأين ينتهي؟ وكيف يمكن عزل المتغيرات وتحديد الحدود الفاصلة للظاهرة دون التورط في التفكيك الميكانيكي الذي تحاربه السياقية ذاتها؟ يرى المعارضون أن الباحث السياقي قد يقع في معضلة منهجية دائرية عبر تفسير كل سلوك استناداً إلى سياقه المخصص، مما قد يجعل بعض النظريات عصية على الدحض التجريبي (Unfalsifiable) بالمعايير البوبرية الصارمة.
أما من منظور علم الأعصاب الإدراكي، فقد وُجهت انتقادات للسياقية الوظيفية لإفراطها أحياناً في تقليل أهمية البنى العصبية البيولوجية واعتبارها مجرد وسيط خاضع للتأثيرات السياقية؛ إذ يرى علماء البيولوجيا العصبية أن الدماغ يمتلك هياكل ودوائر عصبية وراثية ثابتة تفرض قيوداً داخلية صارمة ومسبقة على الاستجابة للمؤثرات البيئية، وأن تجاوز هذه البنى البيولوجية الصلبة لصالح التفسيرات البيئية والوظيفية يمثل قصوراً في استيعاب الطبيعة المادية المحددة للسلوك الإنساني.
الاتجاهات المستقبلية والبحث العلمي المعاصر
تشهد المرحلة الراهنة تقارباً مذهلاً بين السياقية والعلوم المعاصرة عبر تبني أطر علم التعقيد (Complexity Science) ونظرية النظم الديناميكية اللاخطية (Nonlinear Dynamical Systems). يقود هذا التقارب علماء وباحثون يسعون إلى تطوير ما يُعرف بـ “علم النفس الشبكي” (Network Approach to Psychopathology)، حيث لا تُفسر الاضطرابات النفسية كأمراض داخلية ولا كاستجابات خطية بسيطة، بل كحالات استقرار غير تكيفية تنشأ من تفاعلات شبكية معقدة بين الأعراض النفسية والظروف الحياتية الميدانية في الوقت الفعلي.
يدعم هذا التحول التكنولوجي التطور الهائل في تقنيات التقييم اللحظي البيئي (Ecological Momentary Assessment – EMA) والتدخلات اللحظية الموجهة عبر الهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء. تتيح هذه الأدوات الرقمية الحديثة للباحثين والإكلينيكيين رصد السلوك والمشاعر والأفكار في سياقاتها الطبيعية الحقيقية بدلاً من الاعتماد على التقارير الذاتية الاسترجاعية في العيادات أو المعامل المغلقة، مما يعيد الاعتبار للتفاصيل السياقية الفريدة لكل مريض ويسمح ببناء تدخلات علاجية مخصصة وموجهة لحظة بلحظة بحسب طبيعة السياق الراهن.
علاوة على ذلك، بدأت السياقية تفرض هيمنتها بقوة على ميادين علم النفس التنظيمي وتصميم السياسات العامة عبر حركة “العلم السلوكي التطبيقي السياقي”، مستفيدة من مبادئ الهندسة السلوكية لدراسة كيف يمكن لتغيير المعطيات البيئية المباشرة والمحفزات السياقية الصغرى (Nudges) أن يحدث تحولات جماعية كبرى في السلوكيات الصحية والبيئية والمجتمعية، مما يبرهن على أن السياقية لم تعد مجرد ترف فلسفي نظري، بل غدت محركاً استراتيجياً للتغيير الإنساني المستدام في القرن الحادي والعشرين.
خاتمة
تثبت السياقية أنها واحدة من أعمق الرؤى وأكثرها شمولية في تاريخ علم النفس المعاصر؛ إذ نجحت في إعادة توطين الكائن البشري داخل بيئته الحية وتاريخه التفاعلي، متجاوزة الاختزالات الآلية التي حولت الإنسان إلى مجرد تروس ميكانيكية أو برمجيات خوارزمية صماء. من خلال إصرارها على أن المعنى والوظيفة هما وجهان لعملة التفاعل البيئي، وفرت السياقية أرضية صلبة لتطوير نظريات معرفية تنموية وتطبيقات إكلينيكية بالغة التأثير تهدف إلى تحرير الإمكانات الإنسانية عبر تعزيز المرونة النفسية والتكيف الفعال. إن استيعاب السلوك في سياقه ليس مجرد خيار منهجي، بل هو شرط لا غنى عنه لأي علم نفسي يسعى إلى فهم حقيقة التجربة البشرية بتعقيداتها وثرائها وواقعها الحي.
المراجع
- Bronfenbrenner, U. (1979). The ecology of human development: Experiments by nature and design. Harvard University Press.
- Hayes, S. C., Barnes-Holmes, D., & Roche, B. (Eds.). (2001). Relational Frame Theory: A post-Skinnerian account of human language and cognition. Kluwer Academic/Plenum Publishers.
- Hayes, S. C., Strosahl, K. D., & Wilson, K. G. (2012). Acceptance and Commitment Therapy: The process and practice of mindful change (2nd ed.). Guilford Press.
- Lerner, R. M. (2002). Concepts and theories of human development (3rd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
- Pepper, S. C. (1942). World hypotheses: A study in evidence. University of California Press.
- Roche, B., & Dymond, S. (Eds.). (2013). Advances in Relational Frame Theory: Research and application. New Harbinger Publications.