يمثل التطور الأخلاقي ركيزة جوهرية في بناء الشخصية الإنسانية وانتظام المجتمعات المتحضرة، حيث تنبثق المعايير السلوكية من تفاعل مركب بين النضج المعرفي والتنشئة الثقافية. ويحتل المستوى التقليدي (Conventional Level) مكانة محورية بوصفه المرحلة الوسيطة والأكثر انتشاراً بين المراهقين والبالغين في نظرية النمو الأخلاقي لعالم النفس الأمريكي لورانس كولبرغ. سنستعرض في هذا الدليل المعرفي تفكيكاً بنيوياً لهذا المفهوم السيكولوجي، متتبعين جذوره وتجلياته المعرفية وتطبيقاته الميدانية.
المستوى التقليدي في النمو الأخلاقي
1. التعريف الموجز والدقيق
يُعرَّف المستوى التقليدي (Conventional Level) في علم النفس التنموي بأنه المستوى الثاني في نظرية لورانس كولبرغ للنمو الأخلاقي، ويتسم بتبني الفرد الصارم للقواعد والتوقعات الاجتماعية والأعراف القانونية بوصفها معايير أساسية للحكم الأخلاقي وتحديد الصواب والخطأ، بصرف النظر عن المصالح الفردية العاجلة أو المكافآت الذاتية المباشرة.
ينتقل الفرد في هذا المستوى من التركيز الطفولي النفعي المتمحور حول الذات وعواقب العقاب أو الثواب المادي إلى استبطان رغبات الجماعة، والسعي لنيل الاستحسان الاجتماعي والتماهي مع أدوار المواطنة الصالحة. ويصبح الحفاظ على تماسك النظام الاجتماعي، واحترام السلطة المعيارية، وتجنب الفوضى أو لوم الأقران هي المحركات الرئيسة للمنظومة القيمية والتفكير السلوكي.
ينطوي هذا المستوى على رغبة راسخة في مسايرة توقعات الأسرة والجماعة والأمة، وليس فقط الانصياع السلبي خوفاً من العقاب؛ حيث ينظر الفرد إلى استقرار النظام العام والوفاء بالالتزامات التعاقدية غير المكتوبة بوصفهما فضائل وواجبات أخلاقية أصيلة وضرورية للبقاء الجمعي.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق
يستند مصطلح التقليدي في اللغة العربية إلى الجذر الثلاثي (ق-ل-د)، وتفيد صيغة التفعيل (قلّد) الإلزام والإحاطة؛ ومنه “التقليد” وهو اتباع الإنسان غيره فيما يقوله أو يفعله دون مطالبة بحجة ذاتية مستقلة، أو موافقة السنن والعادات الموروثة. أما اصطلاحاً في السياق الأخلاقي والنفسي، فهو ترجمة دقيقة للمفردة الإنجليزية (Conventional)، المشتقة بدورها من اللاتينية (conventionalis)، المتفرعة من الفعل (convenire) الذي يعني حرفياً “الالتقاء معاً” أو “الاتفاق الجمعي”.
دخل المصطلح إلى حقل العلوم النفسية عندما وضعه عالم النفس السويسري جان بياجيه أولاً ضمن دراساته حول الحكم الأخلاقي للأطفال، ثم استعاره وتبناه لورانس كولبرغ بصورة منهجية في أطروحته للدكتوراه بجامعة شيكاغو عام 1958. وظّف كولبرغ لفظة (Conventional) للتمييز بين مرحلة ما قبل الالتزام بالقواعد المجتمعية (Pre-conventional) والمرحلة المتقدمة التي تتسامى فوق المعايير الجمعية وصولاً للمبادئ الكونية المجردة (Post-conventional)، دالاً بذلك على أن السلوك الإنساني هنا ينضبط وفق التوافقات العرفية والتقاليد المشتركة التي تسند استقرار المجتمع.
3. البنية الصرفية والنطق والاستخدام اللغوي
يُصاغ المصطلح في المعجم السيكولوجي العربي كمركب وصفي: “المُسْتَوَى التَّقْلِيدِيّ” (بالكسر والدال المشددة المكسورة والياء المشددة المنسوبة). ويُصنف صرفياً كاسم مفعول من فعل خماسي (مُستوَى) مضافاً إليه نعت نسبي (تقليدي). وتتعدد التسميات المترادفة في الأدبيات العربية بحسب المدرسة الترجمية؛ فيشار إليه أحياناً بـ “المستوى العرفي”، أو “المستوى التوافقي”، أو “مرحلة الامتثال الاجتماعي”.
يُستخدم المصطلح نحوياً كاسم مذكر معرف بالإضافة أو الوصف؛ فيُقال: “أظهرت استجابات المراهق ارتقاءً معرفياً نحو المستوى التقليدي للنمو الأخلاقي”، أو “يُعزى سلوك الامتثال الجمعي إلى سيطرة التفكير التقليدي وفق تصنيف كولبرغ”. ويُشترط في التوظيف الأكاديمي تجنب الخلط بينه وبين الدلالة الدارجة لكلمة “التقليد” التي تفيد المحاكاة السطحية أو التخلف عن الحداثة؛ إذ يحمل المصطلح في علم النفس التنموي شحنة إيجابية تدل على نضج القدرة على التعاطف والالتزام الجمعي.
4. الشرح المفاهيمي الموسع
يشكل المستوى التقليدي انعطافة جوهرية في رحلة النماء النفسي للإنسان، إذ يتجاوز فيه العقل الإنساني التمركز حول الذات الفيزيقية (Egocentrism) متجهاً نحو إدراك الذات كعضو فاعل ومسؤول داخل نسيج جمعي. في هذا المستوى، لا يُنظر إلى القواعد بوصفها قيوداً مفروضة قسرياً من قوى خارجية يُفترض التهرب منها خلسة كما في الطفولة المبكرة، بل تُفهم باعتبارها دروعاً تحمي الهوية المشتركة وتضمن العدالة والتضامن المتبادل.
يقوم التفكير الأخلاقي في هذا المستوى على فرضية محورية: “الصواب هو ما يحفظ العلاقات الاجتماعية ويدعم سيادة القانون ويثبّت أركان النظام القائم”. ويعيش الأفراد في هذه المرتبة مرحلة من النضج الاجتماعي تجعلهم يستشعرون المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخرين الذين يربطهم بهم ولاء متبادل، مثل العائلة، أو زملاء العمل، أو مجتمع المواطنة ككل. وبالتالي، يصبح الإخلاص للروابط الإنسانية، والتضحية بالرغبات الشخصية في سبيل الجماعة، واجباً ذاتياً يشعر الفرد بالذنب الشديد عند خرقه.
ومع ذلك، تكمن الحدود المفاهيمية لهذا المستوى في إضفاء طابع القداسة المطلقة على الأنظمة الاجتماعية القائمة دون إخضاعها للمساءلة الفلسفية النقدية. فالقانون في نظر الفرد التقليدي عادل بذاته لمجرد كونه قانوناً صودق عليه رسمياً، والعادات مقبولة لأنها تمثل إرادة الأغلبية وتضمن الأمان والتماسك. ومن هنا، يفتقر هذا المستوى إلى القدرة على مواجهة “الأعراف الجائرة” أو التمرد الأخلاقي الإيجابي على القوانين الاستبدادية، حيث يعتبر الخروج عن النسق الاجتماعي انحرافاً يهدد استقرار الجماعة.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تعود الجذور التأسيسية لفهم الامتثال الأخلاقي إلى مطلع القرن العشرين، ولا سيما مع أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم الذي جادل بأن الأخلاق وليدة الضمير الجمعي والانضباط الاجتماعي. بيد أن النقلة النفسية المنهجية تشكلت بفضل أعمال السويسري جان بياجيه في ثلاثينيات القرن الماضي؛ إذ أصدر عام 1932 كتابه الرائد “الحكم الأخلاقي عند الطفل”، مبيناً تحول الطفل من مرحلة “الأخلاق غير المتجانسة المعتمدة على سلطة الكبار” (Heteronomous Morality) إلى مرحلة “الأخلاق المستقلة والتعاونية” (Autonomous Morality).
في عام 1958، وسّع لورانس كولبرغ نموذج بياجيه بصورة جذرية؛ حيث أجرى دراسته الطولية الشهيرة على 72 صبياً من شيكاغو تتراوح أعمارهم بين 10 و16 عاماً، مستخدماً معضلات افتراضية معقدة أبرزها “معضلة هاينز” (Heinz Dilemma). لاحظ كولبرغ أن الفتيان في مرحلة المراهقة المبكرة يتخلون تدريجياً عن تبريرات النفعية الفردية (المستوى قبل التقليدي) ويصيغون أحكامهم بناءً على مفاهيم الوفاء، والواجب، والسمعة الطيبة، وصيانة النظام القضائي العام. فنشر نموذجه السداسي الموزع على ثلاثة مستويات في ورقته التاريخية عام 1969، واضعاً المستوى التقليدي في القلب من البناء النمائي للبشر.
شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين جهوداً مكثفة لإعادة صياغة أدوات قياس هذا المستوى وتطوير تطبيقاته في المدارس. فقد قاد كولبرغ وفريقه في جامعة هارفارد مشروع “المجتمعات العادلة” (Just Communities)، محاولين رفع الوعي الأخلاقي للطلاب من المستوى التقليدي السلبي المعتمد على الامتثال الأعمى إلى مستوى تقليدي تشاركي قائم على الحوار الديمقراطي وصياغة العقود الاجتماعية داخل البيئات التعليمية.
6. الأسس والأطر النظرية
يستند المستوى التقليدي إلى أطر نظرية متينة مستمدة من المدرسة المعرفية البنائية (Cognitive-Constructivist Framework) التي تعتبر التفكير الأخلاقي نتاجاً مباشراً لنمو القدرات المعرفية وعمليات الاستدلال العقلي، وليس مجرد استجابة شرطية للثواب والعقاب كما تدعي المدرسة السلوكية، ولا صراعاً لاواعياً بين الهو والأنا الأعلى كما تفترض التحليلية الفرويدية.
يرتبط الارتقاء إلى المستوى التقليدي ارتباطاً وثيقاً بنظرية جان بياجيه في النمو المعرفي؛ حيث يستلزم هذا المستوى بلوغ مرحلة العمليات المادية المتقدمة (Concrete Operations) أو بواكير مرحلة العمليات الشكلية المجردة (Formal Operations). يحتاج الفرد هنا إلى القدرة المعرفية على “تبادل الأدوار الاجتماعية” (Role-Taking Theory) كما طورها روبرت سيلمان، مما يتيح له التماهي الوجداني مع مشاعر الآخرين وفهم وجهات نظر متعددة في آن واحد، واستيعاب المفاهيم المجردة كالعقد الاجتماعي، والمؤسسات، والواجب العام.
كما يتكئ هذا المستوى على نظرية التفاعل الرمزي؛ فالذات الأخلاقية تتشكل عبر مرآة التقييمات الاجتماعية المتبادلة. إن الفرد يتصرف بأخلاقية تقليدية لحماية صورته الإيجابية في أعين مجتمعه ولتجنب وصمة “العضو غير الموثوق به”. وتلتقي هذه الرؤية مع مفهوم “الضمير الاجتماعي الجمعي”، حيث تغدو القواعد الموضوعية للمجتمع جزءاً لا يتجزأ من الهوية الذاتية للشخص، فيعمل الضمير حارساً داخلياً يحرس النظام الخارجي.
7. المكونات والمراحل والأبعاد الرئيسة
ينقسم المستوى التقليدي في نموذج كولبرغ إلى مرحلتين نمائيتين متمايزتين في العمق والاستدلال المعرفي:
- المرحلة الثالثة: التوافق بين الأشخاص وتوجه “الولد اللطيف/البنت اللطيفة” (Interpersonal Accord and Conformity):
ينصب التركيز في هذه المرحلة على كسب مودة واستحسان الأفراد المحيطين (الأسرة، والأصدقاء، والمعلمون). يتحدد الصواب الأخلاقي هنا بامتلاك نوايا طيبة، والتعاطف، والاهتمام بالآخرين، وإرضاء التوقعات المباشرة. يتبنى الفرد في هذه المرحلة ما يُعرف بـ “القاعدة الذهبية” في العلاقات الإنسانية: “عامل الناس كما تحب أن يعاملوك”. وتعتبر الخيانة والخذلان الشخصي أسوأ الجرائم الأخلاقية وفق هذا المنظور.
- المرحلة الرابعة: حفظ النظام الاجتماعي والالتزام بالقانون والواجب (Authority and Social-Order Maintaining Orientation):
يتسع المنظور الأخلاقي في هذه المرحلة من العلاقات الشخصية الضيقة إلى الأفق المجتمعي والمؤسسي العام. يصبح المعيار الأخلاقي الحاسم هو احترام السلطة الشرعية، وأداء الواجب المنوط بالفرد، والامتثال المطلق للقوانين واللوائح المنظمة للمجتمع. يؤمن صاحب هذا التفكير بأنه إذا اخترق شخص واحد القانون لمصلحته، فسينهار البناء الاجتماعي وتعم الفوضى؛ لذا يجب أن تطبق القوانين بصرامة وحزم ودون استثناء على الجميع صيانةً للمصلحة العامة.
8. الأمثلة الواقعية ودراسات الحالة
تتضح ملامح التفكير الأخلاقي التقليدي بجلاء عند تفكيك استجابات الأفراد على معضلة “هاينز”؛ وهي المعضلة الشهيرة التي تدور حول رجل فقير يُدعى هاينز يحتضر زوجته بسبب مرض عضال، ويوجد دواء مبتكر يبيعه صيدلاني بسعر باهظ للغاية يعجز هاينز عن دفعه، وبعد رفض الصيدلاني تخفيض السعر، يقرر هاينز اقتحام الصيدلية وسرقة العقار لإنقاذ زوجته.
في المرحلة الثالثة، ينظر المستجيب إلى الموقف من زاوية النوايا والعلاقات العاطفية؛ فقد يبرر تصرف هاينز بالقول: “كان على هاينز سرقة الدواء لأنه زوج مخلص يحب زوجته ولا يريدها أن تموت، وسوف يصفه الجميع بالرجل القاسي إذا تركها ترحل”. أو في المقابل يعارض السرقة بالقول: “لا ينبغي لهاينز أن يسرق لأن أسرته وجيرانه سيعتبرونه مجرماً ومحط عار، وهذا يدمر سمعة عائلته الحسنة”. في كلتا الحالتين، يستند الحكم إلى مشاعر العطف، والسمعة، والصورة الاجتماعية.
أما في المرحلة الرابعة، يتغير الاستدلال ليعكس هيبة القانون والنظام الكلي؛ فالمعارض للسرقة يجادل بشكل قاطع: “لا يحق لهاينز سرقة الدواء مطلقاً، بغض النظر عن مدى حبه لزوجته؛ لأن السرقة جريمة يحرمها القانون. لو سمحنا لكل من لديه حاجة ملحة بخرق القانون لغرقت الدولة في الفوضى وفقدت المؤسسات استقرارها”. وحتى إن وجد مبرراً، فسيكون من منطلق قانوني صرف كأن يقترح محاكمة الصيدلاني بتهمة الاحتكار غير المشروع.
في الحياة المعاصرة، يتجلى هذا التفكير في الالتزام الصارم بقوانين المرور في منتصف الليل حتى مع خلو الشارع التام من المارة، أو الإبلاغ عن فساد إداري التزاماً باللائحة الوظيفية العامة للشركة، أو مقاطعة منتج معين لمجرد أن التقاليد المحلية تستهجن استهلاكه.
9. القياس والتقييم السيكولوجي
طوّر لورانس كولبرغ وزملاؤه أداة متخصصة لتقييم النمو الأخلاقي تُعرف بـ مقابلة الحكم الأخلاقي (Moral Judgment Interview – MJI). وهي مقابلة نصف مهيكلة يُعرض فيها على المفحوص معضلات افتراضية معقدة، ويطلب منه الإجابة عن أسئلة تتبعية تستكشف “كيفية” تبريره للقرار، وليس مجرد خياره المجرد. يتم تصنيف الإجابات بناءً على دليل معياري دقيق للغاية من خلال مقارنتها بنماذج استدلالية نمطية لتحديد الدرجة والمرحلة.
نظراً لتعقيد مقابلة كولبرغ وتكلفتها الزمنية العالية، صمم الباحث جيمس ريست (James Rest) في جامعة مينيسوتا عام 1974 اختبار تحديد القضايا (Defining Issues Test – DIT)، وهو اختبار موضوعي يعتمد على مقياس ليكرت المغلق. يقرأ المشاركون معضلات كولبرغ، ثم يقيّمون مجموعة من العبارات التي تمثل مراحل التفكير الأخلاقي المختلفة. يقيس اختبار DIT مؤشراً يسمى (P-score) لقياس التفكير ما بعد التقليدي، وفي المقابل يقيس درجات الامتثال التقليدي وسيطرة الأفكار المحافظة على الأحكام الأخلاقية بدقة إحصائية وبمعاملات ثبات وصدق مرتفعة.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحظى فهم المستوى التقليدي بتطبيقات عملية بالغة الأهمية في ميادين التنشئة، والتعليم، والإدارة، والتأهيل الجنائي:
- البيئة المدرسية والتعليمية: يساعد فهم هذا المستوى المعلمين في بناء بيئات صفية قائمة على احترام القواعد الجماعية؛ فطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية الذين يقعون غالباً في هذا المستوى يستجيبون بقوة للتكليفات التعاونية والأنشطة التي تنمي روح الفريق والمواطنة، وتدريبهم على مهارات الحوار لحل النزاعات الصفية من خلال التوافق المعياري.
- التشريع والعدالة الجنائية: يعتمد النظام القانوني الوضعي بشكل شبه كامل على استدلالات المرحلة الرابعة. ويفيد فهم هذا المستوى في تأهيل النزلاء والمذنبين جنائياً؛ حيث يُصمم الدعم النفسي السلوكي لنقل المنحرفين من التفكير النفعي الفردي والتهرب من العقاب (المستوى قبل التقليدي) إلى استيعاب الأثر المجتمعي لسلوكهم والإيمان بأهمية القانون والمسؤولية المدنية.
- الإدارة وثقافة المؤسسات: تُبنى مدونات السلوك المهني (Codes of Ethics) داخل الشركات وفق معايير المستوى التقليدي، محفزةً روح الولاء المؤسسي، والامتثال لسياسات العمل، والحرص على سمعة المنظمة، والنزاهة المهنية القائمة على المسؤولية التعاقدية.
11. البحوث والدلائل التجريبية
أكدت الدراسات الطولية الواسعة، وأبرزها دراسة آن كولبي وكولبرغ (Colby et al., 1983) التي امتدت لأكثر من عشرين عاماً على نفس العينة، أن الغالبية الساحقة من المراهقين والبالغين في المجتمعات الحديثة يستقرون نمائياً في المستوى التقليدي، وتحديداً في المرحلة الرابعة، ونادراً ما يتجاوز أكثر من 10-15% من السكان هذا المستوى لبلوغ التفكير ما بعد التقليدي.
أظهرت بحوث جيمس ريست المتأخرة والتحليلات البعدية (Meta-analyses) التي أُجريت على اختبار (DIT) في أكثر من أربعين دولة، ثبات تسلسل المراحل النمائية الأخلاقية عبر الزمن، مؤكدةً أن استدلالات المرحلة الثالثة تبلغ ذروتها في سنوات المراهقة المتوسطة (13-16 عاماً)، لتتحول تدريجياً إلى استدلالات المرحلة الرابعة مع دخول مرحلة الرشد وتحمل المسؤوليات الوظيفية والأسرية والمدنية المباشرة.
كما بينت دراسات علم النفس العصبي الحديثة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أثناء حل المعضلات الأخلاقية، أن الاستدلال الأخلاقي التقليدي يُنشط شبكات عصبية متباينة؛ فبينما تحفز معضلات المرحلة الثالثة مناطق المعالجة الانفعالية والوجدانية (مثل اللوزة الدماغية والقشرة الجبهية الحجاجية)، تحفز معضلات المرحلة الرابعة مناطق الضبط المعرفي والتحكم التنفيذي المجرد (مثل القشرة الجبهية الأمامية الظهرية)، مما يمنح نظرية كولبرغ أساساً حيوياً تجريبياً معاصراً.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافات
يواجه تعميم نموذج كولبرغ تحديات معقدة عند نقله عبر سياقات جغرافية وثقافية مغايرة للغرب؛ ففي المجتمعات الجمعية (Collectivist Cultures) مثل المجتمعات الشرق آسيوية أو البيئات العربية والإسلامية، لا يُنظر إلى الانتماء للجماعة وطاعة الوالدين أو شيوخ القبيلة على أنه مجرد مرحلة متوسطة تنتظر التجاوز نحو الليبرالية الفردية، بل يمثل قمة النضج والكمال القيمي.
وقد كشفت دراسات عالم النفس ريتشارد شويدر (Richard Shweder) أن الأخلاق في الثقافات المتنوعة تنقسم إلى ثلاثة خطابات كبرى: أخلاق الاستقلالية (Autonomy)، وأخلاق الجماعة (Community)، وأخلاق القداسة (Divinity). ويستوعب المستوى التقليدي في نظرية كولبرغ في الغالب شريحة “أخلاق الجماعة”، مما يجعل الأفراد في الثقافات التقليدية يظهرون زائفاً في اختبارات كولبرغ وكأنهم متوقفون في مراحل نمائية وسيطة، بينما هم في الواقع يعبرون عن فلسفة وجودية مكتملة تُعلي من فضائل التراحم وصلة الرحم والواجب الجمعي.
13. الانتقادات والنقاشات الأكاديمية
أثارت أطروحة المستوى التقليدي عواصف نقدية في الدوائر الفلسفية والسيكولوجية، كان من أبرزها:
- نقد كارول غيليغان والتحيز الجندري: وجهت عالمة النفس كارول غيليغان في كتابها ذائع الصيت “بصوت مختلف” (In a Different Voice, 1982) نقداً لاذعاً لكولبرغ؛ إذ بينت أن نموذجه يعاني من تحيز ذكوري واضح. فالإناث كن يُصنفن غالباً في المرحلة الثالثة بسبب تركيزهن على العلاقات والرعاية والتعاطف، بينما صُنف الذكور في المرحلة الرابعة أو أعلى لتركيزهم على العدالة والقوانين المجردة. وجادلت غيليغان بأن صوت “أخلاق الرعاية” (Ethics of Care) بديل متكافئ ومكتمل لأخلاق العدالة وليس مرحلة نمائية أدنى.
- المفارقة السلوكية (الفجوة بين الحكم والفعل الأخلاقي): يركز المستوى التقليدي حصرياً على منطق التبرير اللفظي والمعرفي، متجاهلاً الفجوة الكبيرة بين ما يعلنه الفرد وما يمارسه سلوكياً؛ إذ أثبتت تجارب ستانلي ميلغرام الشهيرة حول إطاعة السلطة كيف أن أفراداً يتبنون التفكير التقليدي في الحفاظ على النظام، قد يرتكبون فظائع غير إنسانية بمجرد تلقيهم أوامر من سلطة مقبولة لديهم.
- الجمود المعياري وتبرير الوضع الراهن: يعيب بعض الفلاسفة الراديكاليين على المرحلة الرابعة تكريسها للامتثال السلبي، إذ يمكن استخدام منطق “حفظ النظام الاجتماعي” لتبرير أنظمة التمييز العنصري أو الاستبداد، باعتبار أن أي عصيان مدني أو تمرد أخلاقي هو انتهاك مرفوض للقانون القائم.
14. المفاهيم المرتبطة وأوجه التمايز
لتحديد معالم المفهوم بدقة علمية، تجب مقارنته مع البنى المجاورة له في أدبيات علم النفس الاجتماعي والتنموي:
- المستوى قبل التقليدي (Pre-conventional Level): يتمحور التفكير هنا حول العواقب الفيزيقية المباشرة (الخوف من العقاب، أو الحصول على اللذة والمكافأة الذاتية) دون أي اعتبار لقيمة النظام الاجتماعي بذاته. الفرق الجوهري يكمن في دافع الامتثال؛ فالفرد قبل التقليدي يطيع القانون فقط لكي لا يُسجن، بينما الفرد التقليدي يطيعه لأن احترام القانون قيمة أخلاقية وواجب مدني.
- المستوى ما بعد التقليدي (Post-conventional Level): يستند التفكير هنا إلى مبادئ العدالة الكونية وحقوق الإنسان الأساسية التي تتسامى فوق القوانين المكتوبة. يدرك الفرد في هذا المستوى أن القوانين هي عقود اجتماعية قابلة للتغيير إذا تعارضت مع كرامة الإنسان وحريته، بينما يرى الفرد التقليدي في نصوص القوانين سلطة عليا غير قابلة للمساس.
- الامتثال الاجتماعي (Social Conformity): الامتثال مصطلح سوسيولوجي يشير إلى الميل السلوكي الظاهري لمطابقة آراء الأغلبية تجنباً للنبذ. أما المستوى التقليدي فهو بنية معرفية داخلية واستدلال فلسفي استبطنه الفرد وأصبح يشكل منطقه العقلي وضميره الذاتي.
15. الخلاصة والاستنتاجات الجوهرية
يمثل المستوى التقليدي في نظرية لورانس كولبرغ مرحلة الارتقاء الاجتماعي للفكر الأخلاقي الإنساني، حيث يغادر المرء شرنقة الذاتية النفعية ليلتزم بمتطلبات العقد المجتمعي. يتدرج هذا المستوى من الرغبة في التوافق الوجداني ونيل القبول بين الأقران في المرحلة الثالثة، إلى استيعاب قدسية المؤسسات وصيانة الواجب والقانون في المرحلة الرابعة. ورغم الانتقادات التي وجهت له على خلفية افتقاره للحس النقدي تجاه القوانين الجائرة وتأثره بالأنماط الثقافية السائدة، يظل هذا المستوى الأساس السيكولوجي الأهم لاستقرار الدول، وتماسك المؤسسات، وتحقيق المواطنة الإيجابية والتعايش السلمي في المجتمعات البشرية المعاصرة.
المراجع
- Colby, A., Kohlberg, L., Gibbs, J., & Lieberman, M. (1983). A longitudinal study of moral judgment. Monographs of the Society for Research in Child Development, 48(1-2), 1–124. https://doi.org/10.2307/1165935
- Gilligan, C. (1982). In a different voice: Psychological theory and women’s development. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674445444
- Kohlberg, L. (1969). Stage and sequence: The cognitive-developmental approach to socialization. In D. A. Goslin (Ed.), Handbook of socialization theory and research (pp. 347–480). Rand McNally.
- Kohlberg, L. (1984). The psychology of moral development: The nature and validity of moral stages. Harper & Row.
- Rest, J. R. (1979). Development in judging moral issues. University of Minnesota Press. https://www.upress.umn.edu/book-division/books/development-in-judging-moral-issues