نظرية التقارب
تُعد ديناميكيات السلوك الجمعي وحركات الجماهير من أكثر الظواهر النفسية والاجتماعية إثارة للجدل والبحث العلمي المعمق؛ إذ تقدم نظرية التقارب إطاراً تفسيرياً يفكك شفرة انضمام الأفراد إلى الحشود الغفيرة وتصرفهم بنمط متجانس يخالف أحياناً مساراتهم الفردية المعتادة. تتجاوز هذه النظرية الفرضيات السطحية التي تدعي أن الحشود تملي إرادتها السحرية أو التنويمية على عقول المشاركين فيها، بل تؤكد أن سلوك الحشد هو نتاج التقاء أشخاص يحملون مسبقاً استعدادات ودوافع وميولاً نفسية متطابقة يبحثون عن مساحة للتعبير عنها. ومن هذا المنطلق، تصبح دراسة التقارب النفسي والاجتماعي مدخلاً جوهرياً لفهم آليات الاحتجاجات، والتعصب الرياضي، وحركات التغيير السياسي، والتطرف الفكري المعاصر.
1. التعريف الدقيق والموجز
تُعرّف نظرية التقارب (Convergence Theory) في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع بأنها أطروحة تفسيرية تقرر أن السلوك الجمعي لا ينشأ بفعل الحشد ذاته أو عبر عدوى عاطفية مجهولة المصدر، بل يحدث نتيجة تجمع أفراد ذوي ميول، ودوافع، وسمات شخصية متشابهة في مكان وزمان محددين. ووفقاً لهذا التعريف، فإن الحشد لا يولد السلوك من العدم، بل يوفر بيئة حاضنة ومحفزاً لإطلاق سلوكيات كامنة كانت موجودة سلفاً لدى المشاركين ومستعدة للظهور بمجرد التقاء النظراء.
يتوسع هذا المفهوم ليشير إلى أن التماثل الملحوظ في تصرفات الحشود ليس دليلاً على فقدان الهوية الشخصية أو الانسياق الأعمى غير العقلاني، وإنما هو تمثيل لتلاقي الإرادات الفردية المسبقة. فالأفراد الذين يمتلكون مواقف انفعالية معينة تجاه قضية ما، كالغضب من قرار سياسي أو الحماس المفرط لفريق رياضي، ينجذبون تلقائياً نحو تجمعات تعكس تلك الرغبات، مما يجعل التكتل البشري منصة تفاعلية لتضخيم المشاعر وتبرير التعبير الصريح عنها، بعيداً عن الكوابح الاجتماعية الفردية المعتادة.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يعود الأصل اللغوي لمصطلح “التقارب” في اللغة العربية إلى الجذر الثلاثي (ق ر ب)، والذي يدل على الدنو والاقتراب ونقيض البُعد، ويحمل صيغة التفاعل “تَقَارُب” دلالة واضحة على السعي المتبادل بين أطراف متعددة نحو نقطة التقاء مركزية أو تشابه في التوجهات والصفات. يُعبر اللفظ في المعاجم العربية عن وصول عناصر متفرقة إلى حالة من التماثل أو الاتفاق في وجهات النظر والمسارات بعد أن كانت متباينة أو مشتتة جغرافياً وفكرياً.
أما من الناحية الاصطلاحية في اللغات الأجنبية، فإن المصطلح مشتق من اللاتينية عبر الفعل (convergere)، المكون من السابقة (con-) بمعنى “معاً” و(vergere) بمعنى “يميل أو يتجه نحو”. دخل المصطلح حقل العلوم الإنسانية وعلم النفس في منتصف القرن العشرين، بعد استعارته من العلوم الطبيعية والبيولوجيا والرياضيات، ليعبر عن الكيفية التي تميل بها مسارات تفكير الأفراد وسلوكياتهم إلى التلاقي في بؤرة مشتركة تحت وطأة التوافق النفسي المسبق بدلاً من التفاعل العشوائي.
3. البنية النحوية والصيغ الصرفية
يُصنف مصطلح “نَظَرِيَّةُ التَّقَارُبِ” في اللغة العربية كمركب إضافي؛ حيث تقع كلمة “نظرية” اسماً مؤنثاً مفرداً مبتدأً أو خبراً بحسب السياق الإعرابي، وهي منسوبة إلى النظر العقلي والتأمل الفلسفي، وتأتي كلمة “التَّقَارُبِ” مضافاً إليه مجروراً وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. ويُستخدم المصطلح بصيغة المصدر للدلالة على الصيرورة والحدث المستمر، فيقال “تقارب الأفراد تقارباً” للدلالة على تشابه منطلقاتهم النفسية وتوحد مقاصدهم السلوكية في المواقف الجمعية المعقدة.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
تقوم نظرية التقارب على ركيزة جوهرية تفصل بين منشأ السلوك ووسيط التعبير عنه؛ فالإنسان داخل الحشد لا يفقد قدراته الإدراكية أو رشده العقلي كما كانت تفترض النظريات الكلاسيكية، بل هو فاعل عقلاني نسبي يبحث عن سياق آمن يعبر فيه عما يضمره. ترى هذه النظرية أن سلوك الجمع هو الحاصل الجمعي لميول فردية كانت مكبوتة أو غير مفعلة بسبب المعايير والضوابط الاجتماعية، وحينما يلتقي هؤلاء الأفراد، تذوب مشاعر العزلة والتردد، وتتحول النوايا الفردية إلى فعل حركي جماهيري صاخب وموحد.
تفترض النظرية عملية فرز واختيار مسبقة (Pre-existing disposition) تسبق التجمع المادي الفعلي، فالأشخاص ذوو الاستعداد للعنف، على سبيل المثال، هم الذين ينجذبون إلى تظاهرات الشغب أو مدرجات المشجعين المتعصبين، وليس أن الحدث نفسه هو من حول مسالمين إلى مخربين. وعليه، فإن الحشد يعمل بمثابة مغناطيس يستقطب الفئات المتشابهة في التكوين المزاجي والموقفي، متيحاً لكل فرد منهم الشعور بأن قناعاته الفردية ليست شاذة، بل تمثل تياراً واسعاً يشاركه إياه آخرون يتطابقون معه في الرؤى والمظالم والتطلعات.
من هنا، توضح النظرية حدود المسؤولية الأخلاقية والنفسية، حيث تنزع عن الحشود أسطورة “العقل الجمعي الخارق” الذي يسلب الإرادة الفردية. إن الأفراد داخل التجمع يظلون مسؤولين عن سلوكياتهم؛ لأن مشاركتهم كانت قائمة على تطابق قبلي بين رغباتهم الداخلية وأهداف التجمع المعلنة أو الضمنية. وتتيح هذه الرؤية للباحثين دراسة الأنماط الشخصية الدقيقة المكونة للجماعات المتطرفة أو الاحتجاجية بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى التظاهرة ككيان موحد غير قابل للتحليل الجزئي.
5. التطور التاريخي والمحطات المفصلية
نشأت نظرية التقارب كرد فعل نقدي صارم على أطروحات مدرسة غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) التي هيمنت في أواخر القرن التاسع عشر عبر كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”. كان لوبون وتياره يرون أن الحشد يمتلك تأثيراً شبيهاً بالتنويم المغناطيسي يجرد الإنسان العاقل من تحضره، محولاً إياه إلى كائن همجي يقاد بعدوى عاطفية عمياء. رفض علماء النفس الاجتماعي اللاحقون هذا التفسير التعميمي الذي ينفي الوكالة الفردية ويجعل من الجماهير مجرد كائنات مسلوبة الإرادة تابعة لـ “روح جمعية” غامضة تسيطر عليها بصورة مطلقة.
شهدت فترة ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تطوراً نوعياً مع أبحاث عالم النفس الاجتماعي فلويد ألبورت (Floyd Allport)، الذي أعلن صراحة أن “الحشد ليس شيئاً سوى مجموعة من الأفراد يتصرفون في وقت واحد بطرق تتطابق مع استجاباتهم الفردية السابقة”. رأى ألبورت أن مفهوم العقل الجمعي هو مجرد وهم معرفي، وأن مفتاح فهم السلوك الجماعي يكمن في سيكولوجية الفرد واستعداداته المشروطة مسبقاً، وهو ما مهد الطريق لظهور نظرية التقارب كنظرية متماسكة تتحدى الرؤى الاستعلائية تجاه الحركات الشعبية.
توالت بعد ذلك الإسهامات في منتصف القرن العشرين من خلال أعمال علماء مثل هيربرت بلومر ورالف تيرنر، الذين دمجوا بين التفسيرات السلوكية والبنائية الاجتماعية. ومع صعود الحركات الحقوقية والعمالية في الولايات المتحدة وأوروبا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أعيدت صياغة النظرية لتبرز أن المشاركين في الاعتصامات والاحتجاجات ليسوا غوغاء مصابين بعدوى نفسية، بل هم مواطنون يمتلكون مظالم حقيقية مشتركة، تقاطعت رؤاهم وتجمعت إراداتهم لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية واضحة المعالم ومحددة البنية.
6. الأسس والأطر النظرية
تستند نظرية التقارب إلى عدة ركائز نفسية ومعرفية، في مقدمتها نظرية السمات الشخصية ونظرية الدافعية في علم النفس الاجتماعي. تنص هذه الأسس على أن السلوك البشري هو دالة للتفاعل بين سمات الفرد الثابتة نسبياً والبيئة المحيطة به؛ فالأفراد لا يدخلون المواقف الاجتماعية كصفحات بيضاء، بل يحملون معهم منظومات قيمية، وتجارب صادمة، وميولاً عدوانية أو إيثارية تبحث عن منفذ للتجلي المادي بمجرد توفر الظرف المواتي، وهو ما يفسر انتقائية الأفراد في الانضمام إلى جماعات معينة وتجنب جماعات أخرى تماماً.
ترتبط النظرية أيضاً بمفهوم “التعزيز الاجتماعي المتبادل” (Social Reinforcement)؛ فعندما يجد الفرد نفسه محاطاً بأشخاص يشاركونه نفس المشاعر الساخطة أو الحماسية، يتلقى إشارات تطبيع تؤكد صحة انفعالاته، مما يؤدي إلى خفض مستويات القلق والرقابة الذاتية. إن اجتماع الأفراد ذوي التفكير المتماثل يعزز لديهم الوهم بصحة مواقفهم، ويخلق شعوراً بالشرعية الجماعية التي تجعل السلوكيات غير المألوفة أو الراديكالية تبدو مقبولة ومبررة تماماً في تلك اللحظة الزمكانية المحددة.
علاوة على ذلك، تستفيد النظرية من أطر علم النفس المعرفي، لاسيما ما يتعلق بـ الانحياز التأكيدي والتنافر المعرفي؛ فالأفراد يتقاربون لأنهم يميلون إلى التواجد في بيئات تؤكد افتراضاتهم السابقة وتجنبهم التنافر المؤلم مع وجهات النظر المعارضة. يتيح الحشد بيئة مثالية للانغلاق المعرفي والتعاضد الوجداني، حيث تسود حالة من التماثل الذهني تلغي الحاجة إلى الشك أو المراجعة النقدية للذات، محولة الدوافع الفردية المبعثرة إلى قوة جمعية هادرة متماسكة الأركان.
7. المكونات والأبعاد والأنماط الرئيسية
تتضمن نظرية التقارب عناصر هيكلية وأبعاداً متعددة تتفاعل لتوليد الظاهرة الجمعية، وتتلخص أبرز هذه الأبعاد فيما يلي:
- الاستعداد المسبق (Predisposition): السمات الفردية، والقيم، والمظالم الكامنة، أو الرغبات غير المعبر عنها التي يحملها الفرد قبل التواجد في أي تكتل بشري.
- الانجذاب الانتقائي (Selective Attraction): الميل الطبيعي للأفراد ذوي الاهتمامات أو النزعات المتطابقة نحو التوجه إلى مواقع أو فعاليات مشتركة تجمعهم بنظرائهم الفكريين أو الانفعاليين.
- التيسير الاجتماعي والتحفيز (Social Facilitation): الأثر الإيجابي لتواجد الآخرين المتشابهين في تسريع خروج السلوكيات الكامنة، وتفكيك موانع التردد والخوف الفردي.
- إسقاط المسؤولية الشخصية وتوزيعها: إحساس الفرد بأن الممارسة الجمعية هي نتاج رغبة عامة مشتركة وليست نزوة شخصية منعزلة، مما يخفف عبء الشعور بالذنب حيال الأفعال المتطرفة.
- أنماط التقارب العاطفي: التجمعات القائمة على مشاعر مشتركة جياشة كالحداد العام، أو الاحتفالات الوطنية، أو الفرح الرياضي العارم.
- أنماط التقارب الأيديولوجي: الحشود المنظمة التي تلتقي حول قضايا عقائدية، أو سياسية، أو ثورية واضحة المعالم، وتستهدف إحداث تغيير هيكلي في المجتمع.
- أنماط التقارب العدواني أو التخريبي: تكتلات الشغب والعنف التي تجمع أفراداً يملكون نزعات سيكولوجية سابقة نحو تفريغ الكبت والعدوان وتحدي سلطة القانون.
8. الأمثلة التطبيقية والحالات الواقعية
تتجلى نظرية التقارب بوضوح في ظاهرة شغب الملاعب وجماعات المشجعين المتعصبين (الألتراس). فالأشخاص الذين يمارسون التخريب بعد انتهاء مباراة كرة قدم لا يفعلون ذلك لمجرد أنهم جلسوا في مدرج مزدحم، بل لأن الأفراد الذين انضموا إلى تلك الرابطة بالذات يمتلكون في الغالب ميولاً مسبقة نحو الاندفاعية، والولاء القبلي المتطرف، والاستعداد للعنف ضد الخصوم. إن المباراة والاستاد لم يخلقا العنف، بل جمعا حشداً متقارباً في سماته العدوانية وفر لهم الحماية العددية والبيئة المحفزة لتفجير طاقتهم المكبوتة.
تظهر النظرية أيضاً في سياق الثورات والانتفاضات الجماهيرية؛ فعندما يخرج مئات الآلاف في تظاهرات سلمية ضد الفساد الاقتصادي أو القمع السياسي، فإن هذا الخروج ليس عدوى نفسية طارئة اجتاحت الشارع فجأة، بل هو نتاج تقارب ملايين المواطنين الذين تجرعوا نفس المعاناة، ولديهم قناعة مشتركة ومستقرة بضرورة التغيير. إن اللقاء الميداني كان بمثابة الشرارة التي وحدت تلك الإرادات الفردية المتقاطعة وحولتها إلى حراك تاريخي متماسك ذي مطالب عقلانية وسياسية صريحة.
في العصر الحديث، يقدم الفضاء الرقمي نموذجاً ساطعاً لنظرية التقارب؛ حيث تُظهر مجتمعات وسائل التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة المتطرفة كيف يتقارب أفراد منعزلون جغرافياً، لكنهم يحملون نفس الأفكار الراديكالية أو نظريات المؤامرة. يلتقي هؤلاء عبر الإنترنت ليؤسسوا حشوداً افتراضية تعزز تطرفهم الذاتي، وهو ما يؤكد أن التقارب نفسي بالأساس ولا يشترط دائماً التواجد الفيزيائي في ميدان جغرافي واحد.
9. القياس والأدوات المنهجية
يواجه علماء النفس الاجتماعي تحديات منهجية معقدة في قياس السلوك الجمعي واختبار نظرية التقارب تجريبياً؛ نظراً لصعوبة إخضاع الحشود الكبرى لظروف المختبر المعقمة. ومع ذلك، طوّر الباحثون استراتيجيات دقيقة تعتمد على المقابلات الميدانية المعمقة والاستبيانات التي تُجرى مع المشاركين قبل وبعد انخراطهم في التجمعات والمسيرات. تهدف هذه الأدوات إلى استكشاف المتغيرات النفسية المسبقة، مثل مستوى الاغتراب الاجتماعي، والعدوانية الكامنة، ومستويات الدوغمائية والالتزام الأيديولوجي، لإثبات ما إذا كانت هذه السمات متوفرة قبل الانضمام للحشد أم لا.
تُستخدم أيضاً أدوات التحليل النفسي القياسي ومقاييس السمات الشخصية الخمس الكبرى (Big Five)، بالإضافة إلى مقاييس الهوية الاجتماعية والاستقطاب الجماعي، لتحديد الفروق الفردية بين من يقررون التظاهر ومن يفضلون البقاء في منازلهم في نفس الظروف المعيشية. وتلجأ الأبحاث المعاصرة إلى تحليل البيانات الضخمة (Big Data) وسجلات منصات التواصل الاجتماعي، لتتبع المسارات اللغوية والانفعالية للمغردين والناشطين قبيل انخراطهم في أفعال احتجاجية ميدانية، مما يوفر أدلة إمبريقية قاطعة على وجود تقارب فكري ونفسي سابق على الفعل الحركي الجماعي.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تحظى نظرية التقارب بأهمية قصوى في تخطيط السياسات الأمنية وإدارة التجمعات العامة وإدارة الحشود الجماهيرية. فبدلاً من التعامل مع الحشود ككتلة عشوائية صامتة يُخشى منها على قدم المساواة، تتيح النظرية للأجهزة الأمنية والمنظمين تحليل التركيبة السكانية والملفات النفسية للجماعات المشاركة؛ مما يساعد في التنبؤ المسبق باحتمالات الشغب والتعامل مع الفئات الأكثر ميلاً للاستفزاز دون اللجوء إلى قمع الحشد بأكمله، وهو ما يسهم في تقليل الاحتكاك وسقوط الضحايا.
في البيئات التنظيمية والمؤسسية، تُستخدم مبادئ التقارب لبناء فرق عمل عالية الكفاءة والتناغم الفكري، حيث يتم اختيار موظفين يتقاربون في القيم المهنية، وأخلاقيات العمل، والشغف بالإنجاز؛ مما يخلق ديناميكية جمعية إيجابية تدفع نحو الابتكار وتحقيق الأهداف الاستراتيجية. كما تُوظف النظرية في الحملات التسويقية وحملات التوعية الصحية، عبر استهداف الشرائح المجتمعية التي تمتلك استعدادات إيجابية مسبقة تجاه قضية معينة لتكوين حركات دعم مجتمعي مستدامة تتوسع تدريجياً بالتأثير على المترددين.
11. الأدلة التجريبية والبحوث الراهنة
أكدت دراسات رائدة في سيكولوجية الحشود صحة الفرضيات المركزية لنظرية التقارب؛ إذ أظهرت دراسات مكماهون (McMahon) وزملائه حول شغب التظاهرات أن المعتقلين في وقائع العنف يمتلكون في الغالب سجلات سلوكية سابقة تشير إلى انخفاض ضبط الذات والنزوع نحو العنف، مقارنة بالمشاركين السلميين في نفس التظاهرة، مما يثبت أن السلوك التخريبي لم يكن نتاج “عدوى فورية”، بل جاء نتيجة استقطاب الحشد لأفراد يحملون هذا الاستعداد المسبق.
كما أجرى باحثون مثل نوريس (Norris) وإنجلهارت (Inglehart) أبحاثاً موسعة على الحركات الاحتجاجية المناهضة للعولمة، حيث كشفت المسوح الإحصائية أن المتظاهرين يمتلكون خلفيات تعليمية، وقيمية، وتوجهات أيديولوجية متجانسة بدرجة تفوق بكثير المتوسط العام للمجتمع، مما يبرهن على أن تقارب الرؤى والمصالح هو القوة الدافعة المركزية التي حشدت هؤلاء الأفراد في نقطة مكانية واحدة لممارسة الضغط السياسي.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للمجتمعات
تختلف آليات ومظاهر التقارب النفسي باختلاف الأنساق الثقافية والقيمية بين المجتمعات الفردانية وتلك الجمعية. ففي المجتمعات الفردانية الغربية، يميل التقارب إلى التمحور حول قضايا الهوية الفردية، وحقوق الأقليات، والمواقف السياسية الاختيارية المستقلة، حيث يختار الفرد بوعي الانضمام إلى حشد يعبر عن قناعاته الشخصية المكتسبة دون ضغوط عائلية أو عشائرية مباشرة.
في المقابل، يتأثر التقارب في المجتمعات الجمعية بالانتماءات الأولية مثل القبيلة، أو الطائفة، أو العائلة الممتدة؛ حيث يكون الاستعداد النفسي المسبق مشكلاً عبر التنشئة الاجتماعية الصارمة والولاء التقليدي للجماعة الأم. وهنا يتداخل التقارب الفكري مع الواجب الاجتماعي، مما يجعل الحشود الجمعية تبدو أسرع في التشكل وأكثر تماسكاً واستجابة لنداءات قادة المجتمع المحلي، نظراً لوجود أرضية نفسية مشتركة مسبقة متجذرة في التاريخ والموروث الثقافي للمشاركين.
13. الانتقادات والجدل العلمي
على الرغم من القيمة التفسيرية العالية لنظرية التقارب، إلا أنها واجهت انتقادات جوهرية من قِبل علماء الاجتماع وعلم النفس المعرفي. يتمثل النقد الأول في نزوع النظرية نحو “الحتمية الفردية الاختزالية”؛ إذ يرى منتقدوها أنها تبالغ في رد السلوك الجمعي المعقد إلى مجموع السمات الفردية للداخلين فيه، متجاهلة تماماً التفاعلات الديناميكية اللحظية والتحولات المفاجئة التي قد تطرأ على سلوك الشخص العادي السوي عندما يجد نفسه محاصراً بضغوط الموقف الميداني أو عنف أجهزة الأمن غير المبرر.
أما النقد الثاني فيركز على عجز النظرية عن تفسير التحولات الدراماتيكية في مسار الحشود؛ فإذا كان السلوك الجمعي مجرد انعكاس لسمات مسبقة ثابتة، فكيف يمكن تفسير تحول تظاهرة مسالمة بالكامل إلى أعمال عنف مفاجئة دون تغير في تركيبة الأفراد المشاركين؟ يشير أصحاب هذا الانتقاد إلى أن نظرية التقارب تفشل في قراءة السياق الموقفي (Situational context) وتأثير الاستفزازات الخارجية، مما يجعلها أداة لتبرير شيطنة المتظاهرين أحياناً عبر الادعاء بأنهم “مجرمون بالفطرة اجتمعوا لإحداث الفوضى”، وهو ما يفرغ الحركات المطلبية من شرعيتها الحقوقية والأخلاقية.
14. المصطلحات المقارنة والفروق الدقيقة
لتجنب اللبس المفاهيمي، من الضروري التمييز بين نظرية التقارب والنظريات الكلاسيكية والبديلة الأخرى التي تناولت السلوك الجمعي وحركات الحشود:
- نظرية العدوى (Contagion Theory): تفترض أن المشاعر والأفعال تنتقل بين أفراد الحشد كفيروس معدٍ لا يمكن مقاومته بفعل التنويم الإيحائي؛ بينما تؤكد نظرية التقارب أن الأفراد لا يكتسبون أفكاراً غريبة عنهم، بل يجمعهم تشابههم المسبق فقط.
- نظرية المعيار الطارئ (Emergent Norm Theory): ترى أن الحشود تطور معايير وقواعد سلوكية جديدة أثناء تفاعلها في الموقف الغامض بدلاً من اتباع دوافع مسبقة؛ بينما تركز نظرية التقارب على أن المعايير كانت موجودة بالفعل في بنية الأفراد ونفوسهم قبل بدء التجمع.
- التيسير الاجتماعي (Social Facilitation): تحسن أداء الفرد في المهام البسيطة بحضور الآخرين؛ بينما تمثل نظرية التقارب إطاراً عاماً يفسر ميل المشابهين للانخراط معاً في سلوكيات جمعية كبرى.
- فقدان الهوية الفردية (Deindividuation): حالة يتلاشى فيها إحساس الفرد بذاته وبالمسؤولية الأخلاقية داخل الحشد العارم؛ في حين تفترض نظرية التقارب بقاء الدوافع الذاتية واعية وحاضرة كسبب أصيل للمشاركة والتصرف الجمعي.
15. الخاتمة والنقاط الجوهرية
في الختام، تمثل نظرية التقارب حجر زاوية في تفكيك سيكولوجية الحشود، حيث تنتزع هالة الغموض والسحر عن السلوك الجمعي، لتؤكد أن الجموع ليست كتلًا فوضوية تقاد بالعدوى العمياء، بل هي تجمعات بشرية تشكلت بفعل الجذب الانتقائي لأفراد يشتركون في الميول، والمظالم، والسمات النفسية. إن قوة الحشد وفق هذه الرؤية تنبع من قدرته على منح الشرعية والأمان للنزعات الفردية المسبقة كي تعبر عن ذاتها بحرية وجرأة، مما يجعل فهم الفرد وسماته المدخل الحقيقي والوحيد لفهم الحشود وتحولاتها الكبرى في العالم المعاصر.
المراجع
- Allport, F. H. (1924). Social psychology. Houghton Mifflin. https://archive.org/details/socialpsychology00allp
- Blumer, H. (1951). Collective behavior. In A. M. Lee (Ed.), New outline of the principles of sociology (pp. 167–222). Barnes & Noble.
- Le Bon, G. (1895). Psychologie des foules [The crowd: A study of the popular mind]. Alcan. https://www.gutenberg.org/ebooks/445
- McPhail, C. (1991). The myth of the madding crowd. Aldine de Gruyter.
- Turner, R. H., & Killian, L. M. (1987). Collective behavior (3rd ed.). Prentice-Hall.