يمثل فهم البنية المكانية للدماغ البشري حجر الزاوية في فك شفرات السلوك الإنساني والوظائف المعرفية العليا، حيث لا يمكن سبر أغوار الاضطرابات النفسية والعصبية دون خريطة ملاحة ثلاثية الأبعاد تحدد بدقة متناهية تموضع المراكز الحيوية داخل الجهاز العصبي المركزي. ويعد المستوى الإكليلي ركيزة أساسية من ركائز هذا التوجيه الفضائي، إذ يتيح للباحثين والأطباء النفسيين وعلماء الأعصاب معاينة البنى الدماغية المعقدة وفصل مساراتها الوظيفية بدقة غير مسبوقة تدمج بين التشريح الصلب والسلوك النفسي المتغير.
المستوى الإكليلي (التاجي)
1. التعريف الموجز
المستوى الإكليلي (Coronal Plane)، ويُعرف أيضاً بالمستوى التاجي أو الجبهي، هو مستوى تشريحي عمودي يقطع الجسم أو العضو البشري طولياً ليقسمه إلى جزء أمامي (بطني أو جبهي) وجزء خلفي (ظهري). وفي سياق علم النفس العصبي والتشريح العصبي، يُعرَّف بأنه الشريحة المستعرضة الرأسية التي تفصل الدماغ إلى قسمين: أمامي (منقاري) وخلفي (ذيلي)، مما يوفر رؤية مقطعية كاشفة للتناظر ثنائي الجانب والتراكيب تحت القشرية العميقة.
يمتاز هذا المستوى بفرادة قدرته على إظهار نصفي الكرة المخية معاً في آن واحد وبشكل متناظر من اليمين إلى اليسار، مما يجعله المحور المفضل سريرياً وبحثياً لفحص التراكيب المسؤولة عن الذاكرة، والتنظيم الانفعالي، والتحكم الحركي، مثل الحصين واللوزة الدماغية والبطينات المخية. وبفضل هذا المنظور، يستطيع المتخصصون دراسة التغيرات الحجمية والتشريحية الدقيقة المرتبطة بالأمراض النفسية والاعتلالات السلوكية المزمنة.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق
تعود جذور مصطلح “الإكليلي” (Coronal) في اللغات اللاتينية إلى كلمة (Corona)، والتي تعني حرفياً “التاج” أو “الإكليل” المحيط بالرأس. وربط علماء التشريح القدماء بين هذا المستوى وبين خط استقرار التاج الملكي على قمة الجمجمة من الأذن إلى الأذن. ومن هنا جاءت التسمية المرادفة في اللغة العربية باسم “المستوى التاجي”.
في اللغة العربية، اشتُق اسم “الإكليلي” من مادة (أ-ك-ل)، والإكليل هو العصابة التي تزين الرأس أو التاج المكلل بالجواهر، وهو وصف بلاغي دقيق للمسار الهندسي الذي يتخذه هذا المستوى ممتداً عبر التلم الإكليلي للجمجمة. أما المصطلح البديل “المستوى الجبهي” (Frontal Plane)، فيرجع أصله اللاتيني إلى كلمة (Frons) التي تعني الجبهة، للدلالة على موازاة هذا المستوى لاتجاه عظم الجبهة. وقد استقر المصطلح في أدبيات علم النفس العصبي والطب النفسي كأداة اصطلاحية عالمية موحدة لا غنى عنها في التوثيق الطبي والبحث الأكاديمي.
3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية
يُنطق المصطلح باللغة العربية بكسر الهمزة وتسكين الكاف وكسر اللام الأولى وتشديد الياء: الإكْلِيلِيّ (al-Iklīlī)، أو التَّاجِيّ (at-Tājī) بفتح التاء المشددة وكسر الجيم وتشديد الياء. ومن الناحية الصرفية، تُعد كلمة “إكليلي” اسماً منسوباً إلى “إكليل” بصيغة المفرد المذكر، وتعمل كصفة نعتية لكلمة “مستوى”، فتكون العبارة كاملة مركباً نعتياً مجروراً أو مرفوعاً أو منصوباً بحسب موقعه في الإعراب.
في الكتابات الإنجليزية والألمانية والفرنسية المقارنة، يُلفظ المصطلح كالتالي: (Coronal /ˈkɒr.ə.nəl/ أو /kəˈroʊ.nəl/)، وتُستخدم صيغته الوصفية للدلالة على المقاطع الرأسية المتوازية (Coronal slices/sections)، بينما يُستخدم الظرف منه (Coronally) لوصف اتجاه القطع التشريحي أو زاوية التصوير بالرنين المغناطيسي.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
يندرج المستوى الإكليلي ضمن المنظومة الثلاثية للمستويات التشريحية الأساسية، والتي تشمل إلى جانبه المستوى السهمي (Sagittal Plane) والمستوى الأفقي أو المحوري (Axial/Horizontal Plane). وتعمل هذه المنظومة كنظام إحداثيات ديكارتي ثلاثي الأبعاد يُخضع الكيان الحيوي المعقد لتحليل هندسي متقن. وفي الدماغ البشري بوجه خاص، يتقاطع المستوى الإكليلي عمودياً مع كل من المستوى السهمي (الذي يشطر الدماغ طولياً بين النصفين) والمستوى الأفقي (الذي يفصل الجزء العلوي عن السفلي)، مسجلاً زاوية قائمة مقدارها تسعون درجة مع الخط الممتد من الأنف إلى القفا.
يتيح المقطع الإكليلي إظهار العلاقة الطبوغرافية بين القشرة المخية الخارجية والبنى تحت القشرية المركزية. فعند إجراء قطع إكليلي في منتصف الدماغ مثلاً، تتكشف بصرياً شبكة من البنى الحيوية المعقدة: الجسم الثفني الرابط بين النصفين، والبطينان الجانبيان، والمهاد، وتحت المهاد، واللوزة، والتلفيف الحزامي، والحصين. وتعد هذه البنى بمثابة المركز التشغيلي للجهاز الحوفي (Limbic System) المسؤول المباشر عن معالجة المشاعر، والتحفيز، وتشفير الذاكرة، مما يجعل المقاطع الإكليلية المعيار الذهبي للتقييم المورفومتري المعرفي.
علاوة على ذلك، يبرز النطاق المفاهيمي للمستوى الإكليلي في توضيح التباين في التماثل الوظيفي والتركيبي بين نصفي الكرة المخية (Hemispheric Asymmetry). فمن خلال شريحة إكليلية واحدة، يستطيع عالم النفس العصبي مقارنة حجم الحصين الأيمن بنظيره الأيسر، أو فحص ضمور الفص الصدغي في جهة معينة، وهو ما يخدم في تحديد بؤر النشاط الصرعي أو تتبع التدهور النسيجي في الاضطرابات المعرفية كمرض ألزهايمر والخرف الجبهي الصدغي.
5. التطور التاريخي
تدرج مفهوم المستويات التشريحية عبر قرون من البحث التشريحي والطبي؛ حيث بدأت المحاولات الأولى لتقسيم الجسد البشري وفق محاور هندسية مع أندرياس فيزاليوس في القرن السادس عشر، والذي وضع أسس التشريح الوصفي في كتابه الشهير (De humani corporis fabrica). غير أن الاهتمام بالدماغ عبر المقاطع الإكليلية المنتظمة لم يتبلور إلا في القرن التاسع عشر على يد رواد التشريح العصبي مثل فرانتس يوزف غال وبول بروكا، الذين أدركوا أن سبر غور الدوائر الوظيفية يتطلب تقطيعاً منهجياً للنسيج المخي المتجانس ظاهرياً.
شهد القرن العشرين نقلة نوعية مع ابتكار نظام التوجيه التجسيمي (Stereotactic Surgery) على يد فيكتور هورسلي وروبرت كلارك عام 1908، وتطوير أطالس الدماغ التجسيمية لاحقاً بواسطة جان تالايراخ (Jean Talairach) وبيير تورنو (Pierre Tournoux) في عام 1988. استندت هذه الأطالس الحسابية إلى إحداثيات تعتمد الخط الواصل بين الصوار الأمامي والخلفي (AC-PC Line)، مما جعل المقاطع الإكليلية وسيلة قياسية رياضية لا غنى عنها في تحديد أهداف الجراحة النفسية والتحفيز العميق للدماغ.
ومع ثورة التصوير العصبي في أواخر القرن العشرين وظهور التصوير المقطعي المحوسب (CT) ثم التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، تحول المستوى الإكليلي من تقنية تشريحية جثثية إلى أداة حية ديناميكية في علم النفس المعرفي والطب النفسي التجريبي، قادرة على كشف التغيرات العصبية الدقيقة لدى المرضى وهم على قيد الحياة أثناء ممارستهم للوظائف الذهنية.
6. الأسس النظرية والتطبيقية في علم النفس العصبي
يرتكز توظيف المستوى الإكليلي في علم النفس المعرفي والعصبي على نظرية التموضع الوظيفي (Functional Localization Theory)، التي تفترض أن الوظائف النفسية والعمليات المعرفية المتمايزة كالانتباه والذاكرة واللغة ترتبط بمناطق عصبية متخصصة أو شبكات ممتدة داخل تراكيب معينة. ونظراً لأن الشبكات العصبية الانفعالية والمعرفية تتمدد رأسياً وعرضياً بين التراكيب تحت القشرية والقشرة المخية، فإن المستوى الإكليلي يوفر البنية الهندسية المثلى لتصور هذا الاتصال الوظيفي الشاقولي.
كما يستند علم النفس العصبي الحديث إلى فرضية الشبكات المعقدة (Large-scale Brain Networks)، مثل شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network) وشبكة التميز والبروز (Salience Network). وعند دراسة كيفية انهيار التواصل داخل هذه الشبكات في حالات الاكتئاب السريري الحاد أو الفصام، تظهر الصور المقطعية الإكليلية مسارات المادة البيضاء، لا سيما حزم الألياف الرابطة مثل الجسم الثفني والحزيمة المقوسة، وهي تعبر بين مراكز الإحساس العاطفي ومناطق التفكير التنفيذي الجبهي.
إلى جانب ذلك، يعتمد القياس الشكلي العصبي (Voxel-Based Morphometry) في الأبحاث النفسية على مطابقة المقاطع الإكليلية للأفراد على قوالب نمطية موحدة تابعة لمعهد مونتريال للأعصاب (MNI)، بهدف اكتشاف الفروق الإحصائية في كثافة المادة الرمادية التي تميز الاضطرابات السلوكية واضطرابات الشخصية عن الأدمغة الطبيعية السوية.
7. المكونات الرئيسية والأبعاد والتقسيمات
عند فحص مقطع إكليلي نموذجي في الدماغ، يمكن تمييز مجموعة من المحاور والمناطق الحيوية البارزة التي تحظى باهتمام علماء النفس والأعصاب:
- المحور الإكليلي الأمامي (Anterior/Rostral Sections): يمر عبر الفصوص الجبهية، مسلطاً الضوء على القشرة الجبهية الأمامية الظهرانية والبطنية المسؤولة عن التخطيط، وضبط الذات، والوظائف التنفيذية العليا، واتخاذ القرار الأخلاقي والسلوكي.
- المحور الإكليلي الأوسط (Mid-Coronal Sections): يقطع العقد القاعدية (النواة المذنبة، والبطامة، والكرة الشاحبة) والمهاد ومناطق الجهاز الحوفي، وهي التراكيب المعنية بمعالجة المكافأة، وتوليد العواطف، وتنظيم مستويات الدوبامين المرتبطة بالإدمان واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.
- المحور الإكليلي الخلفي الصدغي (Posterior/Temporal Sections): يظهر مقاطع عرضية بالغة الدقة لتكوين الحصين والتلفيف المجاور للحصين، وهو الأهم على الإطلاق في أبحاث تعزيز الذاكرة والتعلم المكاني والارتباك الزماني والمكاني.
- المحور الإكليلي القذالي الخلفي (Caudal/Occipital Sections): يستعرض القشرة البصرية الأولية والترابطية، ويفيد في دراسة الإدراك الحسي البصري والهلوسات البصرية المرتبطة بالذهان.
- التراكيب التناظرية والبطينات (Symmetrical Structures & Ventricles): يُظهر المقطع الإكليلي التماثل التام بين الجانبين للقرنين الجبهيين والصدغيين للبطينات الدماغية، مما يسمح بحساب نسبة الاتساع البطيني ومؤشر الضمور الدماغي العام.
8. أمثلة وحالات توضيحية سريرية
تتضح القيمة السريرية للمستوى الإكليلي بجلاء في دراسة الحالات العصبية النفسية الشهيرة وتطبيقات الممارسة الإكلينيكية، ومنها:
حالة فقدان الذاكرة التقدمي (دراسة حالة المريض H.M): عند مراجعة الصور الإكليلية عالية الدقة لدماغ المريض الشهير هنري موليسون بعد عقود من خضوعه للجراحة، استطاع الباحثون قياس الحجم الدقيق المتبقي من الأنسجة الصدغية الباطنة والحصين على المقاطع الإكليلية بدقة بالغة، مما أثبت نهائياً أن الفقدان الانتقائي للحصين ثنائي الجانب يمنع تشفير الذكريات التقريرية الجديدة دون التأثير على الذاكرة الإجرائية.
حالة ضمور الحصين في الخرف الاكتئابي الكاذب مقابل ألزهايمر: يواجه الطبيب النفسي سريرياً صعوبة في التفريق بين الاكتئاب الشديد لدى كبار السن الذي يحاكي الخرف، وبين البدايات المبكرة لمرض ألزهايمر. وتعد صورة الرنين المغناطيسي الموجهة إكليلياً والعمودية على المحور الطولي للحصين الأداة الحاسمة؛ إذ يوضح المقطع الإكليلي ضموراً نوعياً واضحاً في التلفيف المسنن والقرن الأموني في ألزهايمر، بينما يبقى الحجم سليماً نسبياً في حالات الاكتئاب السريري الأحادي القطب.
حالة توسع البطينات في الفصام المزمن: تكشف المقاطع الإكليلية لمرضى الفصام طويل الأمد عن توسع ملحوظ في البطينات الجانبية مصحوباً بانخفاض في حجم الفص الصدغي الإنسي وخاصة اللوزة الدماغية، وهو ما يرتبط بالأعراض السلبية المزمنة والقصور الإدراكي الشديد المقاوم للعلاج الدوائي التقليدي.
9. القياس والتقييم وأدوات التصوير العصبي
يعتمد القياس عبر المستوى الإكليلي على بروتوكولات فنية دقيقة لضمان عدم تشويه المعالم التشريحية الناتجة عن ميلان الرأس أثناء الفحص؛ حيث يُستخدم خط التوجيه المتعامد مع المحور الطويل للحصين (Hippocampal Long Axis) كمعيار رئيسي في مسوح الرنين المغناطيسي لتقييم الذاكرة.
تشمل أهم أدوات التقييم الكمي ما يلي:
- قياس الحجم اليدوي والآلي (Volumetry): استخدام برمجيات متقدمة مثل (FreeSurfer) لتحديد حدود الحصين، واللوزة، والبطينات في المقاطع الإكليلية وحساب حجمها بالميليمتريك المكعب، وتصحيحها بناءً على الحجم الكلي داخل القحف (Intracranial Volume).
- مقياس شيلتنز للضمور الصدغي الإنسي (MTA Scale): أداة تقييم بصري نصف كمية تُطبَّق حصراً على الصور الإكليلية بالرنين المغناطيسي بوزن T1، لتقييم اتساع الشق المشيمي، وتوسع القرن الصدغي للبطين الجانبي، وفقدان ارتفاع الحصين (من الدرجة 0 الطبيعية إلى الدرجة 4 الضمور الحاد).
- التصوير الوظيفي (fMRI): يُستخدم المستوى الإكليلي لتوجيه حزم المسح الرنانة وتسجيل استجابة الأكسجين في الدم (BOLD Signal) أثناء قيام المفحوص بمهام انفعالية؛ مثل عرض وجوه غاضبة لقياس التنشيط الإكليلي للوزة الدماغية.
10. التطبيقات والأهمية العملية في علم النفس
تتعدد التطبيقات المهنية لدراسة الدماغ في مستواه الإكليلي لتشمل التخصصات النفسية والسلوكية المختلفة:
في الطب النفسي البيولوجي، توفر المقاطع الإكليلية أدلة موضوعية ترصد التغيرات العصبية العكوسة؛ فقد أظهرت الأبحاث أن العلاج الناجح بمضادات الاكتئاب أو العلاج النفسي المكثف المعرفي السلوكي (CBT) لاضطراب ما بعد الصدمة يمكن أن يرتبط بزيادة حجم الحصين أو إيقاف تراجعه، ويتم رصد هذا التحسن عبر تتبع قياسات المقاطع الإكليلية عبر الزمن.
في علم النفس الجنائي والتقييم الشرعي، تكتسب المقاطع الإكليلية الجبهية أهمية قانونية متزايدة عند فحص المتهمين بجرائم العنف غير المبرر؛ حيث يساهم تصوير الفصوص الجبهية في الكشف عن أورام أو رضوض في القشرة الجبهية الحجاجية أدت إلى فقدان الكبح السلوكي والاندفاعية العمياء.
في علم نفس النمو والطفولة، تُستخدم التحليلات الإكليلية لدراسة تباين تطور النضج النسيجي بين نصفي الدماغ وتأخر نمو الجسم الثفني في حالات اضطراب طيف التوحد وعسر القراءة النمائي، مما يساعد في تصميم برامج التدخل المبكر القائمة على أدلة عصبية.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أكدت دراسات رائدة في العلوم العصبية القيمة المحورية للرؤية الإكليلية في تفسير التنوع السلوكي البشري. ففي دراسة كلاسيكية أجراها إلينور ماغواير وزملاؤها (Maguire et al., 2000) على سائقي سيارات الأجرة في لندن، استخدم الباحثون تحليلات إكليلية لحساب حجم الحصين، ووجدوا زيادة ذات دلالة إحصائية في حجم الجزء الخلفي من الحصين في المقاطع الإكليلية لدى السائقين مقارنة بغيرهم، متناسبة طردياً مع سنوات الخبرة في الملاحة الفضائية داخل المدينة، مما قدم دليلاً تجريبياً قاطعاً على اللدونة العصبية لدى البالغين.
وفي دراسة أخرى بارزة قادها بريمر (Bremner et al., 2003) حول آثار الصدمات النفسية الشديدة، كشفت المقاطع الإكليلية عن انخفاض ملحوظ في حجم الحصين لدى النساء اللاتي عانين من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) نتيجة اعتداءات في مرحلة الطفولة، مما برهن على التأثير السام العصبي لمستويات الكورتيزول المرتفعة المزمنة على الخلايا العصبية.
كما بينت دراسات التحليل التلوي المنشورة في دوريات علم الأعصاب والطب النفسي أن قياس سمك القشرة الحزامية الأمامية في المقاطع الإكليلية يعد مؤشراً حيوياً واعداً للتنبؤ بمدى الاستجابة لـ التحفيز العميق للدماغ في حالات الاكتئاب المستعصي والوسواس القهري الشديد.
12. الاعتبارات الثقافية والسياقية في التقييم العصبي
على الرغم من أن المستوى الإكليلي حقيقة تشريحية وفيزيائية موضوعية تتجاوز الحدود الثقافية، إلا أن تفسير البيانات الناتجة عن مسوحه يتطلب مراعاة السياق العرقي والبيولوجي والثقافي. تختلف معايير القياس الحجمي الطبيعي للدماغ والجمجمة (Cranial Morphology) بين المجموعات السكانية ذات الأصول الجغرافية المتنوعة؛ فالاعتماد على أطالس موحدة مأخوذة من عينات غربية حصرية (مثل قوالب MNI المبنية أساساً على أدمغة شابة قوقازية) قد يؤدي إلى أخطاء في التقييم المورفومتري الإكليلي عند تطبيقه على شعوب آسيوية أو أفريقية.
كما تلعب الخلفية التعليمية ونمط التغذية والتعرض البيئي للإجهاد دوراً ملحوظاً في حجم الأنسجة المخية المرصودة؛ مما يتطلب من المختص النفسي عدم القفز إلى استنتاجات مرضية قطعية بالاعتماد فقط على وجود اختلافات مظهرية في المقاطع الإكليلية دون معايرة تلك النتائج بالواقع النفسي والاجتماعي والثقافي للفرد الخاضع للتقييم.
13. الانتقادات والنقاشات الأكاديمية والحدود المنهجية
على الرغم من الفائدة الفائقة للمستوى الإكليلي، يثير اعتماده المنفرد عدداً من التحفظات المنهجية والنقاشات بين علماء الأعصاب:
أولاً، تبرز مشكلة “تأثير الحجم الجزئي” (Partial Volume Effect)؛ فحين تكون الشريحة الإكليلية سميكة للغاية (مثلاً أكثر من 2 إلى 3 ملم)، قد يمتزج نسيج الحصين بسائل البطين الجانبي ضمن فوكسل واحد، مما يعطي انطباعاً خادعاً بوجود ضمور غير حقيقي، وهو ما يستلزم تقنيات مسح فائقة الدقة وثلاثية الأبعاد.
ثانياً، يحذر أنصار المنحى التكاملي الشبكي من الوقوع في فخ “التشريح العصبي الجديد لنظرية فراسة الدماغ” (Neo-phrenology)؛ إذ إن التركيز المفرط على اختلال حجم تركيب معين كما يظهر في مقطع إكليلي قد يغفل حقيقة أن السلوك النفسي نتاج تفاعل شبكي ديناميكي موزع، وليس نتاج كتلة معزولة يمكن تقييم وظيفتها بمجرد قياس مساحتها المقطعية.
ثالثاً، تتأثر زاوية القطع الإكليلي بشدة بوضعية رأس المريض داخل جهاز الفحص؛ فأي ميلان بسيط يؤدي إلى تقطيع مائل غير متناظر بين النصفين، مما قد يدفع الفاحص قليل الخبرة إلى تشخيص غير دقيق بوجود عدم تماثل مرضي في حين أنه مجرد خطأ فني في التوجيه.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتكامل وتتقاطع مع المستوى الإكليلي عدة مفاهيم تشريحية ومكانية يلزم التمييز بينها بدقة:
- المستوى السهمي (Sagittal Plane): مستوى عمودي يقسم الدماغ إلى نصفين، أيمن وأيسر. على عكس المستوى الإكليلي الذي يظهر النصفين معاً للمقارنة، يركز المستوى السهمي على إبراز التراكيب الإنسية الواقعة في الخط الناصف (مثل الجسم الثفني وجذع الدماغ والمخيخ) ورؤية التراكيب من الجانب من الأمام إلى الخلف.
- المستوى الأفقي أو المحوري (Axial / Horizontal Plane): مستوى مستعرض يقطع الدماغ موازياً للأرض، فاصلاً الأجزاء العلوية (الظهرية) عن السفلية (البطنية). يفيد في استعراض امتداد القشرة الدماغية أفقياً وعلاقتها بالمادة البيضاء المركزية، بينما يتفوق الإكليلي في توضيح الامتداد الشاقولي الرأسي وتدرج البنى تحت القشرية.
- المقطع المائل (Oblique Plane): أي مقطع يتخذ زاوية لا تطابق المستويات المعيارية الثلاثة. يُستخدم خصيصاً في تصوير الحصين كـ “مقطع إكليلي مائل” يتعامد مباشرة على المحور الطولي للحصين لتحقيق أعلى دقة تصويرية تشريحية ممكنة.
- المنقاري (Rostral) الذيلي (Caudal): مصطلحات اتجاهية لوصف القرب من الأنف أو مؤخرة الرأس؛ حيث يتحرك المستوى الإكليلي تدريجياً عبر متسلسلة تبدأ من الموقع الأكثر منقارياً في الفص الجبهي وتنتهي بالموقع الأكثر ذيلياً في الفص القذالي.
15. ملخص وخلاصة ختامية
يعد المستوى الإكليلي بوصلة أساسية في الجغرافيا التشريحية للدماغ البشري، إذ يوفر رؤية مقطعية رأسية متفردة تمكن العلماء والسريريين من استكشاف التماثل ثنائي الجانب والتراكيب تحت القشرية المرتبطة بأعقد العمليات النفسية والمعرفية كالانفعال والذاكرة والوعي. وبفضل دمجه الممنهج في أدوات التصوير العصبي الوظيفي والتركيبي، تحول هذا المستوى من مجرد وسيلة قطاعية في التشريح الجاف إلى نافذة ديناميكية تساعد في تشخيص الاضطرابات النفسية المزمنة ومتابعة تأثير العلاجات السلوكية والدوائية. ويبقى فهم خصائصه وتطبيقاته وحدوده المنهجية ركيزة لا غنى عنها لكل ممارس وباحث في ميدان علم النفس العصبي والعلوم السلوكية الحديثة.
المراجع
- Bremner, J. D., Vythilingam, M., Vermetten, E., Southwick, S. M., McGlashan, T., Nazeer, A., … & Charney, D. S. (2003). MRI measurement of hippocampal volume in patients with posttraumatic stress disorder. American Journal of Psychiatry, 160(5), 924-932. https://doi.org/10.1176/appi.ajp.160.5.924
- Maguire, E. A., Gadian, D. G., Johnsrude, I. S., Good, C. D., Ashburner, J., Frackowiak, R. S., & Frith, C. D. (2000). Navigation-related structural change in the hippocampi of taxi drivers. Proceedings of the National Academy of Sciences, 97(8), 4398-4403. https://doi.org/10.1073/pnas.070039597
- Scheltens, P., Leys, D., Barkhof, F., Huglo, D., Weinstein, H. C., Vermersch, P., … & Valk, J. (1992). Atrophy of medial temporal lobes on MRI in “probable” Alzheimer’s disease and normal ageing: diagnostic value and neuropsychological correlates. Journal of Neurology, Neurosurgery & Psychiatry, 55(10), 967-972. https://doi.org/10.1136/jnnp.55.10.967
- Talairach, J., & Tournoux, P. (1988). Co-planar stereotaxic atlas of the human brain: 3-dimensional proportional system: an approach to cerebral imaging. Thieme.