يُمثّل مفهوم الإشراط المضاد إحدى الركائز الجوهرية في تاريخ علم النفس السلوكي والعيادي، حيث يُجسد القدرة البيولوجية والمعرفية للكائن الحي على تفكيك الروابط الانفعالية الراسخة واستبدالها بأنماط تكيفية جديدة. فبدلاً من الاستسلام للاستجابات التلقائية المتجذرة كالخوف أو النفور أو الإدمان، يعمل هذا النموذج كأداة تحويلية تُعيد تشكيل المسارات العصبية والسلوكية عبر استثمار مبادئ اللدونة العصبية والتعلم الترابطي. يفتح فهم هذا المفهوم آفاقاً علاجية وتطبيقية واسعة تتجاوز مجرد تعديل السلوك الظاهري لتصل إلى معالجة الجذور الانفعالية الدقيقة للاضطرابات النفسية المعقدة.
الإشراط المضاد (Counterconditioning)
1. التعريف الموجز والدقيق
الإشراط المضاد هو إجراء سلوكي علاجي ونظري مستمد من مبادئ الإشراط الكلاسيكي، يتم من خلاله ربط مثير شرطي يستدعي في الأصل استجابة غير مرغوب فيها بمثير جديد يستثير استجابة بديلة وغير متوافقة فسيولوجياً ونفسياً مع الاستجابة الأولى، مما يؤدي إلى إضعاف الاستجابة الأصلية أو القضاء عليها نهائياً وحلول الاستجابة الجديدة محلها.
يتجاوز هذا الإجراء فكرة الانطفاء البسيط القائم على تقديم المثير الشرطي بمفرده حتى تتلاشى الاستجابة؛ إذ يعتمد بصورة جوهرية على بناء رابطة ارتباطية نشطة ومنافسة تُبطل مفعول الرابطة القديمة. يتطلب هذا المسار تدخلاً فسيولوجياً ومعرفياً مباشراً يستند إلى فرضية التنافر والاستبعاد المتبادل بين المشاعر المتناقضة، مثل الاسترخاء في مواجهة القلق، أو النفور في مواجهة الاشتهاء القهري.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يتألف المصطلح في لغته الأصلية الإنجليزية من شقين: السابقة “Counter” المشتقة من اللاتينية “Contra” والتي تعني “المقابل” أو “المضاد” أو “المعاكس”، والكلمة الجذعية “Conditioning” المشتقة من اللاتينية “Condicio” والتي تشير إلى الاتفاق أو التقييد بشروط معينة، واستُخدمت في السياق النفسي للدلالة على تدريب الاستجابة وفق شروط بيئية محددة منذ ترجمة أعمال إيفان بافلوف إلى اللغات الغربية.
أما في اللغة العربية، فيتكون المصطلح من مركب إضافي: “الإشراط” وهو مصدر للفعل الرُباعي “أشرط” المشتق من الجذر الثلاثي (ش ر ط) الذي يدل على الإلزام أو التعليق على علامة أو سبب، و”المضاد” وهو اسم فاعل من الفعل “ضادّ” المشتق من الجذر (ض د د) الذي يحمل معنى المباينة التامة والمقابلة والمنافاة. وبذلك يعكس المصطلح العربي بدقة الدلالة الاصطلاحية: إحداث اشتراط جديد يضاد الاشتراط القائم وينفيه وظيفياً وسلوكياً.
3. البنية الصرفية والنحوية والاستخدام
يُعامل مصطلح “الإشراط المضاد” في اللغة العربية كمركب وصفي أو إضافي، حيث يُعرب لفظ “الإشراط” بحسب موقعه في الجملة (مبتدأ، فاعلاً، أو مفعولاً به)، في حين يُعرب لفظ “المضاد” نعتاً تابعاً له في حركته الإعرابية وتذكيره وتعريفه. يُستخدم المصطلح أيضاً بصيغ بديلة في الأدبيات العربية المترجمة مثل: “الاشتراط المعاكس”، أو “الإشراط العكسي”، أو “التكييف المضاد”، إلا أن مصطلح “الإشراط المضاد” هو الأكثر شيوعاً واعتماداً في المعاجم الأكاديمية المتخصصة الصادرة عن مجمع اللغة العربية والجمعيات النفسية المعاصرة.
4. الشرح المفاهيمي المعمق
يرتكز الإشراط المضاد على آليات التعلم الترابطي؛ حيث يكتسب الكائن الحي في البداية استجابة شرطية (مثل الخوف) عند تعرضه لمثير كان محايداً في الأصل، وذلك نتيجة اقترانه بمثير غير شرطي مؤلم أو مهدد. وفي الإشراط المضاد، لا يُترك هذا الرابط للتلاشي التدريجي عبر الزمن، بل يتم تعريض الكائن الحي للمثير الشرطي المولد للخوف مقترناً بشكل متزامن أو متتابع مع مثير غير شرطي جديد يستدعي استجابة إيجابية قوية مثل تناول طعام مفضل، أو الوصول إلى استرخاء عضلي عميق، أو تجربة مداعبة لطيفة.
تكمن الآلية العميقة للعملية في عجز الجهاز العصبي المستقل عن تنشيط الجهاز العصبي الودي (المسؤول عن استجابة الكر أو الفر) والجهاز العصبي نظير الودي (المسؤول عن الراحة والهضم وخفض ضربات القلب) في اللحظة الزمنية ذاتها بالشدة نفسها. يُطلق على هذه الظاهرة في علم وظائف الأعضاء وعلم النفس اسم مبدأ الكف المتبادل (Reciprocal Inhibition)، حيث تقوم الاستجابة الفسيولوجية الأكثر رسوخاً وإيجابية بإخماد النشاط العصبي المرتبط بالقلق بصورة قسرية داخل الجهاز العصبي المركزي.
لا يقتصر الإشراط المضاد على تحويل الاستجابات السلبية إلى إيجابية (الإشراط المضاد الرغبوي Appetitive Counterconditioning)، بل يمتد ليشمل الاتجاه المعاكس تماماً، والمعروف باسم الإشراط المضاد التنفيري (Aversive Counterconditioning). في هذا النموذج الأخير، يرتبط المثير الشرطي الذي كان يبعث على المتعة غير التكيفية (مثل تعاطي مادة إدمانية أو سلوك قهري مؤذٍ) بمثير غير شرطي منفر (كالشعور بالغثيان أو صدمة كهربائية خفيفة)، ليصبح المثير المحبب سابقاً مصدراً للاشمئزاز والابتعاد السلوكي.
وعلى المستوى العصبي المعرفي، لا يمحو الإشراط المضاد الأثر الذاكري الأصلي محواً فيزيائياً تاماً، بل يُنشئ بنية ذاكرية مثبطة جديدة تتنافس مع الذاكرة القديمة وتتفوق عليها في قيادة الاستجابة السلوكية للمثير، مما يتطلب تكراراً تدريبياً مستمراً لضمان بقاء الأثر العصبي الجديد مهيمناً على السلوك.
5. التطور التاريخي والمسار الزمني
تعود الجذور الأولى للإشراط المضاد إلى الأبحاث الرائدة التي أجراها عالم الفسيولوجيا الروسي إيفان بافلوف في أوائل القرن العشرين، حيث لاحظ إمكانية تحويل الاستجابات الدفاعية الناتجة عن المثيرات المؤلمة إلى استجابات لعابية مرحبة إذا اقترنت بانتظام بتقديم الطعام للكائن الحي. ومع ذلك، لم يدخل المفهوم ميدان علم النفس التطبيقي إلا على يد عالمة النفس الأمريكية ماري كفر جونز في عام 1924.
أجرت جونز، بتوجيه من جون واطسون، تجربتها التاريخية الشهيرة على الطفل “بيتر” الذي كان يعاني من خوف شديد من الأرانب البيضاء والأشياء ذات الفرو. استخدمت جونز أسلوباً يعتمد على تقديم طعام بيتر المفضل (مثير ممتع) بينما كان الأرنب موجوداً على مسافة بعيدة وآمنة في الغرفة. تم تقريب الأرنب تدريجياً خطوة بخطوة عبر جلسات متعددة تزامناً مع استمرار تناول الطعام، حتى استطاع بيتر في نهاية المطاف لمس الأرنب ومداعبته دون إبداء أي خوف، مما جعل جونز تُلقب بحق بـ “أم العلاج السلوكي”.
في خمسينيات القرن العشرين، أحدث الطبيب النفسي الجنوب أفريقي جوزيف وولبي ثورة كبرى بنشره لكتابه التأسيسي “العلاج النفسي بالكف المتبادل” (1958). طوّر وولبي تقنية “إزالة التحسس المنهجي” (Systematic Desensitization)، التي تعد أوسع التطبيقات السريرية للإشراط المضاد انتشاراً، حيث استبدل المثيرات المادية (كالطعام) بتقنيات الاسترخاء العضلي التدريجي المستمدة من أسلوب إدموند جاكوبسون لمواجهة مدرج تصاعدي من المثيرات المخيفة تخيلياً وواقعياً.
ومع صعود الثورة المعرفية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، دُمجت تقنيات الإشراط المضاد في إطار العلاج السلوكي المعرفي؛ حيث أُعيد تفسير الاستجابات غير المتوافقة لتشمل ليس فقط الاسترخاء الفسيولوجي، بل وإعادة البناء المعرفي للأفكار التلقائية المقلقة، مما منح المفهوم قوة مرنة وملاءمة للبروتوكولات الإكلينيكية المعاصرة.
6. الأسس والأطر النظرية
يقوم الإشراط المضاد على مصفوفة متكاملة من الأطر النظرية المتقاطعة:
أولاً: نظرية التعلم السلوكي الكلاسيكي: تفترض أن العواطف الإنسانية كالقلق والاشمئزاز والرغبة ليست سوى استجابات شرطية متعلمة يمكن إعادة برمجتها عبر تغيير الاقترانات الزمانية والمكانية بين المثيرات، مع التركيز على مبدأ التعزيز التفاضلي والاقتران التكراري المستمر.
ثانياً: نظرية الكف المتبادل لوولبي: تؤكد هذه الفرضية الفسيولوجية أن تنشيط استجابة كابحة للقلق (كالاسترخاء، أو التأكيدية، أو الاستثارة الجنسية) في وجود المثيرات المنتجة للقلق يؤدي حتماً إلى إضعاف قوة الرابطة العصبية التي تفرز استجابة القلق، مستندة إلى مبادئ التثبيط العصبي المشبكي المتبادل (Reciprocal Inhibition) التي وضعها السير تشارلز شيرينغتون في وظائف الأعصاب الحركية.
ثانياً: الأنموذج البيولوجي العصبي الحديث: تدعم أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) هذا الإطار، موضحة أن الإشراط المضاد يُحدث تغييراً في مسارات اللوزة الدماغية (Amygdala) المسؤولة عن معالجة التهديد، عبر تعزيز سيطرة القشرة الجبهية الحجاجية (OFC) والقشرة أمام الجبهية بطنية الإنسية (vmPFC) التي تُصدر إشارات تثبيطية لإعادة تقييم القيمة الانفعالية التكيفية للمثير الشرطي.
7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية
ينقسم الإشراط المضاد من الناحية البنيوية والتطبيقية إلى عدة أبعاد وأنواع متمايزة تشمل ما يلي:
- الإشراط المضاد الرغبوي (Appetitive Counterconditioning): يهدف إلى تحويل المشاعر السلبية المقلقة والمنفرة إلى مشاعر مقبولة ومرغوبة عبر إقران المثير المخيف بمكافآت مجزية مثل الطعام أو الاسترخاء أو الأمان الاجتماعي.
- الإشراط المضاد التنفيري (Aversive Counterconditioning): يهدف إلى كبح الرغبات الإدمانية أو السلوكيات المنحرفة عبر إقران المثيرات الجذابة للمريض بمثيرات منفرة كالعقاقير المسببة للقيء أو الروائح الكريهة أو الصدمات الكهربائية الخفيفة.
- إزالة التحسس المنهجي (Systematic Desensitization): تطبيق منظم للإشراط المضاد يجمع بين تدريب الاسترخاء العضلي والتدرج في مواجهة هرم المثيرات المخيفة سواء بالتخيل المعرفي أو في الواقع العيني المباشر.
- العلاج بالتنفير الخيالي (Covert Sensitization): استخدام الإشراط المضاد على مستوى التخيل العقلي البحت، حيث يتخيل المريض المثير المسبب للإدمان متبوعاً فوراً بمشهد شديد الاشمئزاز، مما يبني ارتباطاً سلبياً دون استخدام مثيرات فيزيائية مباشرة.
- البعد التزامني مقابل البعد التتابعي (Temporal Dynamics): يتضمن دراسة الفاصل الزمني بين تقديم المثيرين لضمان عدم حدوث إشراط تنفيري عكسي غير مقصود للمثير المرغوب فيه.
8. النماذج التطبيقية والحالات التوضيحية
تتعدد الأمثلة العيادية والميدانية التي توضح ديناميكيات الإشراط المضاد:
الحالة الأولى: علاج فوبيا الكلاب: طفل يُبدي هلعاً وبكاءً شديداً عند رؤية الكلاب. يقوم المعالج السلوكي بتعليم الطفل الاسترخاء والتنفس البطني واستخدام الحلوى أو لعبته الإلكترونية المفضلة أثناء عرض صور كلاب كرتونية صغيرة على مسافة بعيدة. مع استقرار الهدوء، يتم الانتقال إلى صور حقيقية، ثم رؤية كلب هادئ من وراء زجاج عازل مع الاستمرار في التغذية الإيجابية، حتى يُستبدل الخوف بالألفة والفضول.
الحالة الثانية: الإقلاع عن التدخين بالتنفير الكيميائي: مدخن شره يخضع لبروتوكول علاجي يتناول فيه مادة مسببة للغثيان (مثل الأبومورفين) ثم يُطلب منه إشعال سيجارة واستنشاق دخانها في اللحظة الدقيقة التي يبدأ فيها شعور الغثيان بالظهور. بعد جلسات متتالية من الاقتران الزمني الدقيق، تتلاشى الرغبة التلقائية في التدخين ويصبح استنشاق الدخان مثيراً شرطياً للشعور بالاشمئزاز والقيء.
الحالة الثالثة: تدريب الحيوانات وتعديل السلوك: كلب يُبدي عدوانية شديدة ونباحاً هستيرياً عند زيارة الغرباء للمنزل. بدلاً من عقابه، يُدرَّب الكلب على الربط بين جرس الباب وظهور الغريب وبين حصوله الفوري على لحوم طازجة وأمر الجلوس الهادئ، مما يحول الاستجابة الدفاعية إلى استجابة ترقب لطيف ومكافأة.
9. القياس والتقييم السريري والتجريبي
يخضع الإشراط المضاد لبروتوكولات قياس صارمة لتقييم مدى نجاح الاستجابة البديلة في تثبيط الاستجابة الأصلية:
يُستخدم سريرياً “مقياس وحدات الضيق الذاتي” (Subjective Units of Distress Scale – SUDS)، وهو مقياس ترتيبي يتراوح من 0 (استرخاء تام) إلى 100 (أقصى درجات الهلع الممكنة)، حيث يقيس المعالج هذا المؤشر قبل وأثناء وبعد كل مرحلة من مراحل التدريب على المثير الشرطي للتأكد من انخفاضه التدريجي.
كما يعتمد الباحثون في المعامل السلوكية على القياسات الفسيولوجية النفسية الموضوعية لتفادي الانحيازات الذاتية، بما في ذلك قياس المقاومة الكهربائية للجلد (GSR) التي تدل على نشاط الجهاز العصبي الودي، ومعدل ضربات القلب وتقلب معدل ضربات القلب (HRV)، بالإضافة إلى متابعة توسع حدقة العين وتخطيط كهربية العضلات (EMG) لتقييم التوتر العضلي اللاإرادي للمفحوص بدقة فائقة.
10. التطبيقات العملية والأهمية الميدانية
يمتلك الإشراط المضاد تطبيقات واسعة تتجاوز جدران العيادات النفسية:
في الميدان العيادي: يُعد الأساس المعياري لعلاج اضطرابات الرهاب المحدد (Phobias)، واضطراب القلق الاجتماعي، واضطراب الهلع، والوسواس القهري، واضطرابات الأكل عبر إزالة الرابطة المرضية مع المثيرات المحفزة.
في الطب السلوكي: يُستخدم للتغلب على الغثيان الاستباقي (Anticipatory Nausea) الذي يُصيب مرضى السرطان قبل جلسات العلاج الكيميائي، حيث يتم إقران بيئة المشفى بمثيرات استرخائية وإيجابية تمنع ردة الفعل العضوية المنعكسة.
في التعليم ورعاية الأطفال: يُوظف لتبديد قلق الاختبارات أو الخوف من المدرسة، بربط المواقف الأكاديمية باللعب التعاوني والمكافآت التعبيرية المعززة لشعور الإنجاز والأمان.
في التسويق والإعلان التجاري: تستخدم الشركات مبادئ الإشراط المضاد لتحسين الصورة الذهنية لعلامة تجارية اكتسبت سمعة سيئة، من خلال دمجها المكثف في حملات إعلانية مع رموز مبهجة وموسيقى دافئة لتعديل الاستجابة الانفعالية للمستهلكين.
11. الأدلة التجريبية والبحوث العلمية
تثبت العقود المتتالية من البحث التجريبي الفعالية المتفوقة للإشراط المضاد مقارنة بالانطفاء التقليدي البسيط. أظهرت دراسات مارك بوتون (Mark Bouton) في جامعة فيرمونت أن التعلم بالإشراط المضاد يتميز بمقاومة أعلى لظاهرة “التجدد التلقائي” (Spontaneous Recovery) وتجدد الخوف في بيئات مختلفة (Context Renewal) مقارنة بالانطفاء الخالص؛ نظراً لأن الإشراط المضاد يخلق أثراً تنافسياً مدعوماً بروابط فسيولوجية حقيقية وليس مجرد تراخٍ تدريجي للرابطة السابقة.
وفي دراسات حديثة تعتمد على الرنين المغناطيسي الوظيفي، أثبت الباحثون أن المرضى الذين خضعوا للإشراط المضاد أظهروا انخفاضاً معنوياً مستداماً في تنشيط اللوزة الدماغية عند تعرضهم للمثيرات المهددة، مصحوباً بزيادة واضحة في الترابط الوظيفي بين القشرة الدماغية الجبهية والجهاز الحوفي، مما يوفر برهاناً عصبياً على إعادة التقييم الانفعالي الجذري للأثر الذاكري المستهدف.
12. الاعتبارات الثقافية والسياقية
تؤثر العوامل الثقافية والسياقية بشكل حاسم على تطبيق آليات الإشراط المضاد؛ فما يُعد مثيراً محبباً أو مجزياً في ثقافة معينة قد يمثل إهانة أو مصدراً للنفور في ثقافة أخرى. على سبيل المثال، قد لا يتناسب استخدام تقنيات الاسترخاء المرتكزة على التأملات الفلسفية الشرقية مع أفراد ينتمون لخلفيات ثقافية تفضل التمارين البدنية الحركية أو الممارسات الدينية التعبدية التقليدية.
علاوة على ذلك، تختلف المظاهر الجسدية والمعرفية للقلق باختلاف الثقافات؛ حيث يميل الأفراد في المجتمعات الشرقية والنامية إلى التعبير عن القلق والضيق بصورة أعراض جسدية بدنية (Somatization)، في حين يعبر عنها الغربيون غالباً بأعراض نفسية ومعرفية. يفرض هذا التباين على المعالج تكييف المثيرات المضادة لتلائم التعبير الجسدي أو النفسي المحدد لكل سياق ثقافي دون إسقاطات مسبقة.
13. الانتقادات والجدل العلمي والمحددات
واجه الإشراط المضاد مجموعة من الانتقادات والمحاذير الأخلاقية والمنهجية على مدار تاريخه:
الانتقادات الأخلاقية: استهدفت الانتقادات بصورة خاصة الإشراط المضاد التنفيري المستخدم تاريخياً في علاج الإدمان والميول الجنسية، حيث اعتبر العديد من الباحثين ومنظمات حقوق الإنسان أن استخدام الألم الجسدي أو إحداث الغثيان القسري ينتهك الكرامة الإنسانية ويحمل مخاطر إيذاء نفسي وجسدي لا يمكن تبريرها إكلينيكياً.
محدودية الاستدامة: تشير بعض الدراسات إلى أن الروابط المشروطة المضادة قد تنهار إذا تعرض الفرد لضغوط حادة غير متوقعة (Stress-induced relapse)، مما يعيد الاستجابة القديمة البدائية إلى الظهور، وهو ما يُعرف في الأدبيات بنكسة الإشراط (Relapse phenomenon).
الاختزالية السلوكية: ينتقد المنظرون الإنسانيون والتحليليون الإشراط المضاد بوصفه إجراءً آلياً سطحياً يركز على الأعراض دون البحث في الأسباب الدينامية العميقة أو الصراعات اللاشعورية التي أدت إلى نشوء الاضطراب، مما قد يقود إلى ظاهرة “إبدال العَرَض” (Symptom Substitution).
14. المفاهيم المقارنة والتمايزات الدقيقة
لتوضيح البنية المعرفية للمفهوم، ينبغي التمييز بينه وبين المصطلحات السلوكية المقاربة:
- الإشراط المضاد مقابل الانطفاء (Extinction): يعتمد الانطفاء على تقديم المثير الشرطي بمفرده مراراً وتكراراً دون تعزيز حتى تتلاشى الاستجابة سلبياً، في حين يتطلب الإشراط المضاد تقديماً إيجابياً متزامناً لمثير بديل غير متوافق لبناء رابطة نشطة ومنافسة.
- الإشراط المضاد مقابل الغمر (Flooding): يعتمد الغمر على تعريض المريض للمثير المسبب لأقصى درجات الخوف دفعة واحدة ودون تدرج مع منعه من الهروب حتى ينهك الجهاز العصبي وينطفئ القلق، بينما يعتمد الإشراط المضاد على منع ظهور القلق أصلاً عبر تصعيد مدروس واستجابة مضادة مريحة.
- الإشراط المضاد مقابل التشكيل (Shaping): التشكيل هو تقنية إجرائية تقوم على تعزيز التقاربات المتتالية نحو سلوك مرغوب نهائي غير موجود أصلاً في ذخيرة الفرد، في حين يركز الإشراط المضاد على تغيير استجابة انفعالية شرطية قائمة بالفعل تجاه مثير محدد.
- الإشراط المضاد مقابل التعزيز التفاضلي للسلوكيات الأخرى (DRA): يُطبق التعزيز التفاضلي في إطار الإشراط الإجرائي عبر مكافأة سلوك بديل وظيفياً وإهمال السلوك الإشكالي، بينما ينتمي الإشراط المضاد بصورة نقية إلى الإشراط الكلاسيكي الاستجابي المعتمد على المثيرات المنعكسة والانفعالات.
15. الخلاصة والاستنتاجات الجوهرية
يُعد الإشراط المضاد نموذجاً فريداً يوضح كيف يمكن لنظريات التعلم الأساسية أن تتحول إلى أدوات علاجية دقيقة قادرة على تغيير حياة الإنسان. من خلال استبدال الخوف بالسكينة، والاشتهاء الإدماني بالنفور التكيفي، يثبت هذا الإجراء السلوكي أن الدماغ البشري يتمتع بمرونة استثنائية تؤهله لإعادة تشكيل بنيته الانفعالية عبر تجارب تعلم ممنهجة ومضبوطة بدقة علمية.
ومع تطور العلوم العصبية المعاصرة وتكاملها مع العلاجات السلوكية المعرفية وتقنيات الواقع الافتراضي، يظل الإشراط المضاد حجر زاوية لا غنى عنه في تطوير بروتوكولات التدخل العلاجي، مؤكداً الحقيقة العلمية القائلة بأن ما يمكن اكتسابه وتعلّمه من استجابات معوقة، يمكن تفكيكه وإعادة بنائه بصورة تحقق التكيف الإنساني الأمثل.
المراجع
- Bouton, M. E. (2004). Context and behavioral processes in extinction. Learning & Memory, 11(5), 485–494. https://doi.org/10.1101/lm.78804
- Jones, M. C. (1924). The elimination of children’s fears. Journal of Experimental Psychology, 7(5), 382–390. https://doi.org/10.1037/h0072283
- Keller, N. E., Hennings, A. C., & Dunsmoor, J. E. (2020). Behavioral and neural mechanisms of counterconditioning: Past and future directions. Behaviour Research and Therapy, 134, 103732. https://doi.org/10.1016/j.brat.2020.103732
- Pavlov, I. P. (1927). Conditioned Reflexes: An Investigation of the Physiological Activity of the Cerebral Cortex. Oxford University Press.
- Wolpe, J. (1958). Psychotherapy by Reciprocal Inhibition. Stanford University Press.