تمثل الصفيحة المصفوية ركيزة تشريحية وعصبية استثنائية تصل بين العالم البيئي الخارجي والعمق الانفعالي والمعرفي للدماغ البشري. فمن خلال ثقوبها المجهرية الدقيقة، تمر الخيوط العصبية المسؤولة عن حاسة الشم لتلتقي مباشرة بالبصلة الشمية، ما يجعلها المعبر الحصري للذكريات العاطفية والمثيرات الحسية التي تصوغ السلوك الإنساني والتوازن النفسي العصبي.
الصفيحة المصفوية
1. تعريف موجز
الصفيحة المصفوية (Cribriform Plate) هي جزء أفقي مثقوب من العظم الغربالي يقع في قاع الحفرة القحفية الأمامية، ويفصل التجويف الأنفي عن تجويف الجمجمة. تشريحياً، تُعد هذه الصفيحة الجسر الهيكلي الحاسم الذي يسمح للحزم العصبية الشمية الصادرة من الظهارة الشمية في الأنف بالعبور مباشرة إلى البصلة الشمية في الدماغ دون المرور بالمهاد كبقية الحواس.
في السياق العصبي والنفسي، لا تقتصر وظيفة الصفيحة المصفوية على كونها حاجزاً عظمياً داعماً، بل هي الممر الأساسي للمدخلات الحسية الشمية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجهاز الحوفي، وهو المسؤول الأول عن تنظيم الانفعالات، وتشكيل الذاكرة الذاتية العاطفية، والاستجابات السلوكية الفطرية. يؤدي أي خلل هيكلي أو وظيفي في هذا الموقع إلى اضطرابات حسية ومعرفية ونفسية واسعة النطاق.
2. التأصيل والاشتقاق اللغوي
يعود الأصل اللغوي للمصطلح الإنجليزي (Cribriform) إلى اللغة اللاتينية، حيث ينحدر من مقطعين: cribrum وتعني “الغربال” أو “المصفاة”، واللاحقة formis المشتقة من forma والتي تعني “شكل” أو “هيئة”، مما يعطي المعنى الدقيق “ذو الشكل الغربالي” أو “الشبيه بالمصفاة”. أما كلمة (Plate) فتعود إلى اليونانية القديمة platys عبر الفرنسية القديمة، والتي تعني السطح المستوي أو الصفيحة الرقيقة والممتدة.
في المعاجم الطبية العربية، تُرجم المصطلح إلى “الصفيحة المصفوية” أو “الصفيحة الغربالية”، وهي تسمية متطابقة دلالياً وتصويرياً مع الأصل اللاتيني؛ إذ تشير إلى صفيحة عظمية رقيقة مثقوبة بعدة ثقوب تشبه مصفاة المطبخ أو الغربال التقليدي. دخل هذا المصطلح الأدبيات الطبية والتشريحية العصبية عبر أعمال التشريح الكلاسيكية لوصف المسار الثاقب للألياف العصبية القحفية الأولى.
3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية
تُنطق باللغة العربية: الصَّفِيحَةُ المِصْفَوِيَّةُ (بفتح الصاد وكسر الفاء، وكسر الميم وسكون الصاد وفتح الفاء والواو مع تشديد الياء). ومن الناحية الصرفية، فإن كلمة “صفيحة” هي اسم مفرد مؤنث على وزن “فعيلة” المشتقة من مادة (ص ف ح)، بينما “المصفوية” هي نعت واسم منسوب مشتق من اسم الآلة “مِصفاة” من جذر (ص ف و).
إعرابياً، تأتي التسمية في الغالب كمركب وصفي؛ حيث تعرب “الصفيحةُ” بحسب موقعها في الجملة (مبتدأ، فاعل، أو اسم مجرور)، وتتبعها “المصفوية” كنعت حقيقي مرفوع أو منصوب أو مجرور بالتبعية. في الاصطلاح الأكاديمي، تُستخدم أيضاً صيغة “الصفيحة الغربالية للعظم الغربالي” (Lamina cribrosa ossis ethmoidalis) كمرادف وصفي مقنن.
4. الشرح المفاهيمي والتشريحي المفصل
تتمركز الصفيحة المصفوية في المنخفض الأوسط لقاع الجمجمة الأمامي محاطة بالسطوح المدارية للعظم الجبهي. تتميز هذه الصفيحة بوجود نتوء عمودي بارز في خط الوسط يُعرف بـ “عرف الديك” (Crista galli)، والذي يعمل كنقطة ارتكاز لمنجل المخ (Falx cerebri). على جانبي عرف الديك، توجد انخفاضات ضيقة تُعرف بالأخاديد الشمية، حيث تستقر البصلتان الشميتان مباشرة فوق الصفيحة المصفوية.
تكمن الأهمية الفيزيولوجية الكبرى للصفيحة في احتوائها على عدد كبير من الثقوب المجهرية (تتراوح عادة بين 15 إلى 20 ثقباً على كل جانب). تمر عبر هذه الثقوب الخيوط العصبية غير المغمدة بالميالين للعصب الشمي (العصب القحفي الأول)، الناشئة من المستقبلات الكيميائية في الغشاء المخاطي الشمي الأنفي. هذه الألياف تنقل الإشارات الكهربائية الكيميائية مباشرة إلى البصلة الشمية، متجاوزة التنظيم المهادي التقليدي الذي تخضع له حواس الرؤية والسمع واللمس.
من الناحية العصبية النفسية، تُعد هذه البنية نقطة البداية للمسار الحسي الوحيد الذي يملك اتصالاً أحادي المشبك ومباشراً مع البنى الحوفية وشبه الحوفية، وتحديداً اللوزة الدماغية والحصين والقشرة الشمية الداخلية. هذا الاتصال التشريحي يمنح الإشارات الشمية المارة عبر الصفيحة المصفوية قوة استثنائية في إثارة الاستجابات العاطفية الغريزية (كالخوف، والاشمئزاز، والجاذبية) واستحضار الذكريات السيرة-ذاتية البعيدة بدرجة عالية من الحيوية والتأثير النفسي.
علاوة على ذلك، تُعد الصفيحة المصفوية حاجزاً فاصلاً شديد الحساسية والهشاشة؛ فهي أرق عظام قاع القحف، مما يجعلها عرضة للكسور الناجمة عن الرضوح المباشرة للوجه والرأس. يؤدي تمزق هذا الحاجز إلى عواقب طبية ونفسية متعددة تشمل سيلان السائل الدماغي الشوكي عبر الأنف، وزيادة خطر العدوى داخل القحف، فضلاً عن فقدان الشم الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظهور أعراض الاكتئاب وتدهور جودة الحياة الإدراكية.
5. التطور التاريخي والاكتشاف العلمي
يرجع التعرف على البنية العظمية المثقوبة للجمجمة إلى العصور الكلاسيكية القديمة؛ حيث لاحظ أطباء الإغريق مثل جالينوس وجود هذه العظام المثقوبة، واعتقدوا بطريقة خاطئة أن دورها يقتصر على تصفية الإفرازات والنفايات والبلغم من الدماغ وتفريغها في تجويف الأنف لحماية التفكير العقلي من الركود والسموم.
في العصر الإسلامي، ساهم علماء مثل ابن سينا وعلي بن العباس المجوسي في تدقيق أوصاف عظام القحف وتصحيح بعض الرؤى الغالينية، معتبرين أن العظم الغربالي يعمل كمصفاة حامية وممر للرائحة. استمر هذا الفهم البدائي حتى عصر النهضة الأوروبية، حين قدم أندرياس فيزاليوس (Andreas Vesalius) في كتابه الشهير De humani corporis fabrica عام 1543 رسومات تشريحية بالغة الدقة للمنطقة المصفوية وعرف الديك، نافياً النظرية الإفرازية الخاطئة.
في القرنين التاسع عشر والعشرين، شهد البحث العصبي قفزة كبرى مع أعمال سانتياغو رامون إي كاخال (Santiago Ramón y Cajal)، الذي استطاع عبر صبغات غولجي توضيح كيفية اختراق محاور الخلايا الشمية لثقوب الصفيحة المصفوية وتشابكها مع الخلايا التاجية في كبيبات البصلة الشمية. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، أثبتت الدراسات العصبية والنفسية الحديثة دور هذه الوصلة التشريحية في النفاذية الدوائية، والتهابات الجملة العصبية، والتغيرات البنيوية المرافقة للاضطرابات النفسية التنكسية.
6. الأسس النظرية والبيولوجية العصبية
تستند دراسة الصفيحة المصفوية إلى عدة أطر ونظريات عصبية ومعرفية تؤكد الترابط الوثيق بين المدخلات الحسية والوظائف النفسية العليا:
نظرية التجسير الحسي-الحوفي (Sensory-Limbic Bridging): تفترض هذه النظرية أن الصفيحة المصفوية هي البوابة التشريحية الفيزيائية لمنظومة الشم القديمة تطورياً (Paleocortex). وبما أن المعالجة الشمية تتخطى محطة الترحيل المهادية (Thalamic Gating)، فإن المعلومات المارة عبر الصفيحة المصفوية تصل دون فلترة إدراكية مسبقة إلى مراكز الانفعال، وهو ما يفسر حدوث الاستجابات العاطفية غير المشروطة بصورة فورية قبل الوعي العقلاني بالمثير الشمي.
مفهوم نفاذية الحاجز الدموي الدماغي والمسار الأنفي الدماغي: تشير النظريات البيولوجية العصبية الحديثة إلى أن المنطقة المحيطة بثقوب الصفيحة المصفوية تمثل ثغرة طبيعية في التحصين المناعي العصبي؛ حيث تتصل الأغماد الحول-عصبية (Perineural spaces) للسائل الدماغي الشوكي بالأنسجة اللمفاوية المخاطية الأنفية. هذه الميزة التشريحية تجعل الصفيحة محوراً لدراسة النظريات الإمراضية للأمراض النفسية الناتجة عن الالتهابات المناعية، ومساراً واعداً لتوصيل العقاقير النفسية والمهدئات مباشرة إلى الدماغ عبر الأنف متجاوزة الحاجز الدموي الدماغي.
فرضية التدهور الشمي المبكر في الاضطرابات العصبية والنفسية: ترتكز هذه الفرضية على أن الضمور الذي يصيب مسار البصلة الشمية والصفيحة المصفوية يمثل مؤشراً حيوياً مبكراً لخلل الخلايا العصبية الدوبامينية والكولينية في أمراض مثل باركنسون، والزهايمر، ومرض الفصام، مما يعزز النظرية القائلة بأن صحة التراكيب الشمية ترتبط بسلامة الشبكات الدماغية الشاملة.
7. المكونات البنيوية والأبعاد التشريحية
تتألف المنطقة الوظيفية للصفيحة المصفوية من عناصر متداخلة تشكل منظومة متكاملة:
- الصفيحة الأفقية المثقوبة: صفيحة عظمية إسفنجية رقيقة للغاية، تحتوي على ثقوب متعددة تمر عبرها المحاور الأسطوانية غير الميالينية للخلايا العصبية المستقبلة للشم.
- عرف الديك (Crista Galli): نتوء عظمي رأسي مثلثي الشكل ينبثق من الخط الناصف للصفيحة المصفوية، ويوفر نقطة ارتكاز صلبة لصفاق منجل المخ، مساهماً في الثبات الميكانيكي للبنية الدماغية الأمامية.
- الثقوب المصفوية (Cribriform Foramina): قنوات أسطوانية مجهرية تكسوها استطالات سحائية، تؤمن المرور الآمن للخيوط العصبية وأوعية دموية صغيرة مسؤولة عن تروية الظهارة الأنفية والبصلة.
- الحفرة الشمية (Olfactory Fossa): التجويف المنخفض الذي تحتله الصفيحة المصفوية، وتُصنف سريرياً حسب عمقها بناءً على تصنيف كيروس (Keros classification) إلى ثلاثة أنماط تحدد مدى خطورة التداخلات الجراحية وإصابات قاع القحف.
- المسافات الحول-عصبية والغلاف السحائي: امتدادات للأم الجافية والعنكبوتية ترافق الألياف العصبية أثناء عبورها الثقوب، وتشكل مساراً فسيولوجياً لتصريف جزء من السائل الدماغي الشوكي نحو الأوعية اللمفاوية في الغشاء المخاطي للأنف.
8. أمثلة وحالات توضيحية وسريرية
الحالة الأولى: متلازمة بروست وتداعيات الفقدان الشمي: تعرض مريض يبلغ من العمر 34 عاماً لارتطام قوي في الوجه أثناء حادث مروري، أسفر عن كسر شعري دقيق في الصفيحة المصفوية دون نزيف داخلي كبير. أدى الحادث إلى بتر ألياف العصب الشمي العابرة للثقوب، مما قاد إلى فقد الشم الحسي الدائم (Anosmia). بعد بضعة أشهر، أظهر المريض أعراض نوبة اكتئاب جسيمة وفقداناً تاماً للتلذذ (Anhedonia) مصحوباً بانفصال عاطفي عن ذكريات طفولته المرتبطة بالأطعمة والروائح العائلية المألوفة (ظاهرة بروست المعكوسة)، مما يبرز كيف يؤدي تدمير هذا المسار العظمي المجهري إلى تصدع البناء النفسي المرتبط بالذاكرة الحسية.
الحالة الثانية: ناسور السائل الدماغي الشوكي وأعراض القلق: عانت سيدة في منتصف الأربعينات من صداع نصفي متكرر ونوبات هلع مجهولة المصدر، ترافقت مع إفراز سائل شفاف ومائي مستمر من إحدى فتحتي الأنف. كشفت الفحوصات الإشعاعية المتقدمة عن وجود عيب خلقي تآكلي في الجانب الأيسر من الصفيحة المصفوية أدى إلى تسرب السائل الدماغي الشوكي (CSF rhinorrhea). أدت هذه الحالة إلى التهابات سحائية متكررة محدودة، مما تسبب في استثارة مزمنة للجهاز العصبي الذاتي وتولد مستويات مرتفعة من القلق العام والاضطراب الإدراكي الذي تلاشى عقب التدخل الجراحي الترميمي لقاع الجمجمة.
9. القياس والتقييم السريري والتشخيصي
يتطلب فحص سلامة الصفيحة المصفوية والتراكيب المارة عبرها تكاملاً بين أدوات الفحص الشعاعي التخصصي والاختبارات النفسية العصبية للوظيفة الشمية:
التصوير المقطعي المحوسب عالي الدقة (HRCT): يُعد المعيار الذهبي لتصوير عظام قاع الجمجمة بدقة تقل عن مليمتر واحد؛ حيث يتيح التقييم المباشر لثخانة الصفيحة المصفوية، ورصد الشقوق والكسور الدقيقة، وتحديد عمق الحفرة الشمية بناءً على تصنيف كيروس لتجنب إصابات العمليات الجراحية التنظيرية.
التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): يُستخدم البروتوكول الشمي المتخصص لتصوير البصلة الشمية المستقرة فوق الصفيحة المصفوية، وقياس حجمها وحجم الثلم الشمي، وفحص الأنسجة السحائية والتحقق من وجود فتق دماغي سحائي (Meningoencephalocele) عبر ثقوب الصفيحة.
الاختبارات السيكوفيزيائية للشم: يتم قياس النفاذية الوظيفية العصبية المارة عبر الصفيحة بواسطة مقاييس معيارية نفسية متقدمة، أبرزها “اختبار بنسلفانيا لتحديد الرائحة” (UPSIT) ومجموعة أقواس “سنيفين ستيكس” (Sniffin’ Sticks)، التي تقيم عتبة الشم، والتمييز، والتعرف، وتوفر مؤشرات دقيقة حول سلامة المسار العصبي قبل وبعد التدخلات السريرية.
10. التطبيقات والأهمية السريرية والنفسية
تحظى الصفيحة المصفوية بأهمية طبية متعددة التخصصات تجمع بين جراحة الأعصاب، وطب الأنف والأذن والحنجرة، والطب النفسي الحديث:
العلاج النفسي وتوصيل الأدوية عبر الأنف للدماغ: نظراً لأن الصفيحة المصفوية تشكل نافذة استثنائية تؤمن اتصالاً نسيجياً مباشراً بالدماغ، تُجرى حالياً أبحاث متطورة لاستخدام بخاخات أنفية دقيقة تعتمد على الجسيمات النانوية لنقل الهرمونات العصبية مثل الأوكسيتوسين (لعلاج اضطرابات طيف التوحد والرهاب الاجتماعي)، والإسكيتامين (لعلاج الاكتئاب المقاوم للأدوية)، وتوصيل مضادات الذهان مباشرة للدماغ متجاوزة الاستقلاب الكبدي الأولي وعوائق الدوران الجهازي.
التشخيص المبكر للتنكس العصبي والاعتلالات النفسية: إن الفقدان التدريجي للمسارات العصبية في منطقة الصفيحة المصفوية والبصلة الشمية يُعتبر اليوم من أكثر العلامات غير الحركية حساسية في التنبؤ بمرض باركنسون والتدهور المعرفي الخفيف قبل ظهور الأعراض السريرية الكلاسيكية بسنوات، مما يمنح الفريق الطبي فرصة حاسمة للتدخل الوقائي والدعم النفسي المبكر.
الجراحة التنظيرية لقاع الجمجمة: يمثل فهم العلاقات الطبوغرافية للصفيحة المصفوية حجر الزاوية لجراحي الجيوب الأنفية وقاع القحف، لتفادي إحداث تلف غير مقصود في الألياف العصبية الشمية أو إحداث نواسير سحائية خطيرة أثناء إزالة الزوائد اللحمية أو أورام الحفرة القحفية الأمامية.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أكدت دراسات التصوير العصبي السريري على مدار العقدين الأخيرين الارتباط الوثيق بين سلامة تراكيب الصفيحة المصفوية والصحة النفسية؛ حيث أظهرت دراسات الباحث ريتشارد دوتي (Doty, 2012) أن ضمور الخيوط العصبية العابرة لقاع الجمجمة يرافقه انخفاض ملحوظ في المادة الرمادية داخل القشرة الجبهية الحجاجية واللوزة الدماغية، مما يؤثر سلباً على التوازن الوجداني للأفراد.
وفي دراسة محورية قادها توماس هوميل (Hummel et al., 2017) حول آليات المرونة العصبية التجددية، تبين أن الخلايا العصبية الشمية التي تجتاز الصفيحة المصفوية تحتفظ بقدرة نادرة على التجدد مدى الحياة انطلاقاً من الخلايا القاعدية في الظهارة الشمية. أثبتت التجارب أن تدريب حاسة الشم المكثف لدى مرضى الاكتئاب المصحوب بخلل شمي لم يحسن القدرة الشمية فحسب، بل أدى أيضاً إلى تحفيز التخلق العصبي وتخفيف حدة الأعراض الاكتئابية بدرجة ذات دلالة إحصائية.
كما بينت أبحاث توري (Torrey et al., 2005) حول الفصام وجود شذوذات بنيوية دقيقة وتغيرات في نفاذية وتطور العظم الغربالي والصفيحة المصفوية لدى نسبة من مرضى الفصام مقارنة بالأصحاء، مما يدعم فرضيات اضطراب النمو العصبي الجنيني المبكر وتأثيره على صياغة التراكيب القحفية والدوائر العاطفية في آن واحد.
12. الاعتبارات الثقافية والسياقية لحاسة الشم
تختلف القيمة النفسية والاجتماعية الممنوحة للوظيفة الشمية المارة عبر الصفيحة المصفوية باختلاف الثقافات والمجتمعات الإنسانية. في المجتمعات الغربية الحضرية المعاصرة، كان يُنظر تاريخياً إلى حاسة الشم على أنها “حاسة ثانوية” مقارنة بالبصر والسمع، وهو ما انعكس على قلة الاهتمام بالصدمات النفسية الناتجة عن تضرر الصفيحة المصفوية وفقدان الشم حتى تفشي جائحة كوفيد-19 التي سلطت الضوء مجدداً على هذه الأزمة.
في المقابل، تولي العديد من الثقافات الشرقية، والإفريقية، وشعوب الأمازون الأصيلة أهمية بالغة للروائح في بناء العلاقات الاجتماعية، والطقوس الدينية، والطب التقليدي، واكتشاف الأخطار البيئية. في هذه البيئات، لا يُعد فقدان وظيفة هذا الممر الحسي عائقاً فيزيولوجياً فحسب، بل يمثل عزلة ثقافية واجتماعية تفصل الفرد عن لغة التفاعل الجمعي وتزيد من وصمة الاغتراب النفسي.
13. الجدل العلمي والحدود المعرفية
يثور في الأوساط الأكاديمية والطبية جدل مستمر حول دور الصفيحة المصفوية كمدخل للأمراض الوبائية والسموم البيئية إلى الجهاز العصبي المركزي؛ حيث يقترح بعض الباحثين أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والفيروسات التنفسية تستغل الثقوب المصفوية للتسلل عبر محاور العصب الشمي مباشرة إلى الدماغ دون تنقية دموية، متسببة في التهابات عصبية مزمنة، بينما يرى تيار آخر أن الأغلفة السحائية المحيطة بالألياف توفر حماية مناعية كافية تمنع هذا الاختراق في الظروف الطبيعية.
هناك أيضاً جدل متعلق بحدود التجدد العصبي؛ فرغم ثبوت قدرة الألياف الشمية على التجدد، إلا أن تندب الصفيحة المصفوية بعد الكسور الرضحية غالباً ما يسد الثقوب المجهرية بنسيج ليفي وعظمي كثيف يمنع المحاور النامية من العبور مجدداً إلى البصلة الشمية، مما يثير تساؤلات حول فعالية التدخلات العلاجية الحالية وحدود التدخل الجراحي والبيولوجي لاستعادة هذه المسارات الحيوية.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
لتجنب اللبس المفاهيمي والتشريحي، يتعين التمييز بين الصفيحة المصفوية ومجموعة من البنى العصبية والهيكلية القريبة:
- العظم الغربالي (Ethmoid Bone): هو العظم الكامل الإسفنجي غير المنتظم الذي يشكل جزءاً من قاع الجمجمة والأنف، وتعتبر الصفيحة المصفوية مجرد جزء أفقي واحد ضمن مكوناته الهيكلية المتعددة.
- البصلة الشمية (Olfactory Bulb): البنية العصبية المركزية التابعة للدماغ الأمامي والتي تستقر فوق الصفيحة المصفوية وتستقبل النهايات المشبكية للألياف؛ فالصفيحة عظم واقٍ، بينما البصلة نسيج عصبي معالج.
- الصفيحة العمودية للعظم الغربالي (Perpendicular Plate): الجزء الرأسي النازل من العظم الغربالي الذي يساهم في تشكيل الحاجز الأنفي العظمي، ويختلف تماماً عن الصفيحة المصفوية الأفقية المثقوبة.
- الصفيحة المصفوية للعين (Lamina Cribrosa Sclerae): بنية عظمية/ليفية مثقوبة أخرى في صلبة مقلة العين يمر عبرها العصب البصري، وتشترك مع صفيحة الأنف في الاسم اللاتيني والشكل الغربالي فقط دون أي اتصال وظيفي شمي.
- عرف الديك (Crista Galli): الحدبة العظمية التي تعلو الصفيحة المصفوية في منتصفها وتعمل كنقطة تثبيت لسحايا المخ وليست مساراً للألياف العصبية.
15. الخلاصة والنقاط الجوهرية
تمثل الصفيحة المصفوية نقطة التقاء فريدة بين الهندسة العظمية الهيكلية الدقيقة والوظائف الحركية-الحسية والنفسية المعقدة. إنها ليست مجرد عظم يملأ قاع الجمجمة، بل هي الحاضن والممر الحصري للأسلاك العصبية التي تغذي عواطفنا وذكرياتنا الأكثر عمقاً، وتوفر نافذة حيوية محتملة لتوصيل العلاجات المنقذة للصحة النفسية عبر تجاوز حصون الحاجز الدموي الدماغي.
وفي الختام، يبرز الحفاظ على سلامة الصفيحة المصفوية ضرورة طبية ونفسية شاملة تتجاوز معالجة الكسور الجسدية؛ فكل ألياف تمر عبر هذا الغربال العظمي تحمل جزءاً من هوية الإنسان العاطفية وإدراكه لنكهة الحياة. يستدعي هذا الترابط تكامل الأبحاث المستقبلية في مجالات التشريح، والطب النفسي، وتوصيل الأدوية العصبية، لفتح آفاق غير مسبوقة لفهم وعلاج الاضطرابات النفسية المعقدة.
المراجع
- Doty, R. L. (2012). Olfaction in Parkinson’s disease and related disorders. Neurobiology of Disease, 46(3), 527-552. https://doi.org/10.1016/j.nbd.2011.10.026
- Hummel, T., Whitcroft, K. L., Andrews, P., Altundag, A., Cinghi, C., Costanzo, R. M., … & Welge-Lüssen, A. (2017). Position paper on olfactory dysfunction. Rhinology Supplement, 54(26), 1-30. https://doi.org/10.4193/Rhino16.248
- Keros, P. (1962). On the practical value of differences in the level of the lamina cribrosa of the ethmoid. Zeitschrift fur Laryngologie, Rhinologie, Otologie und ihre Grenzgebiete, 41, 809-813.
- Rombaux, P., Duprez, T., & Hummel, T. (2009). Olfactory bulb volume in the clinical assessment of olfactory dysfunction. Rhinology, 47(1), 3-9.
- Torrey, E. F., Bowler, A. E., & Clark, K. (2005). Craniofacial anomalies in schizophrenia: An investigation of the lamina cribrosa. Schizophrenia Research, 74(1), 67-72. https://doi.org/10.1016/j.schres.2004.08.012