يمثل مفهوم اللاتمركز (Decentration) إحدى الركائز المحورية في سيكولوجيا النمو والنظريات المعرفية المعاصرة، حيث يعبر عن الانتقال الحاسم من التقييم الذاتي الأحادي إلى منظور شمولي يتسم بالمرونة والموضوعية. يعكس هذا المفهوم قدرة العقل البشري على الانفصال عن المنظور الآني والذاتي، سواء أكان ذلك في إدراك الخصائص الفيزيائية للعالم الخارجي أم في معالجة الأفكار والمشاعر الداخلية كأحداث عقلية عابرة وليست حقائق مطلقة.
اللاتمركز
1. تعريف موجز
اللاتمركز هو عملية معرفية ونفسية تشير إلى قدرة الفرد على تحويل انتباهه وتركيزه بعيداً عن بُعد واحد وبارز من أبعاد الموقف أو المثير، وتوزيع هذا الانتباه على أبعاد متعددة ومتزامنة للوصول إلى حكم موضوعي وشامل. في سياق علم نفس النمو، يعني التحرر من النظرة الذاتية الضيقة وإدراك العالم من وجهات نظر متباينة لا تنحصر في التجربة الشخصية المباشرة.
وفي إطار العلاج النفسي المعرفي والسلوكي الحديث، يتسع المفهوم ليعبر عن مهارة ما وراء معرفية (Metacognitive) تتضمن اتخاذ مسافة نفسية آمنة بين الفرد وتدفق أفكاره ومشاعره؛ بحيث يُنظر إلى الخبرات الذاتية بوصفها أحداثاً عقلية مؤقتة وليست انعكاساً حتمياً للهوية أو حقيقة موضوعية ملزمة للواقع.
2. التأثيل والاشتقاق اللغوي
يعود الأصل اللغوي للمصطلح الإنجليزي (Decentration) أو بالفرنسية (Décentration) إلى اشتقاق لاتيني مركب؛ يتألف من السابقة النفيية والفاصلة (De-) التي تعني الإزالة أو الابتعاد، والكلمة اللاتينية (Centrum) المشتقة بدورها من الكلمة اليونانية القديمة (Kentron) التي تعني النقطة المركزية أو المحور الدوار، متبوعة باللاحقة (-ation) التي تدل على الفعل الإجرائي أو السيرورة المستمرة. يشير التركيب حرفياً إلى فعل “إزاحة المركز” أو “الخروج عن المحور الأوحد”.
أدخل عالم النفس السويسري جان بياجيه هذا المصطلح إلى المعجم النفسي الأكاديمي في أواسط القرن العشرين ليصف به التطور المعرفي لدى الطفل وانتقاله من مرحلة ما قبل العمليات (حيث يسيطر التمركز حول الذات) إلى مرحلة العمليات المادية والتجريدية. وتُرجم المصطلح إلى اللغة العربية بصيغ متعددة من أبرزها “اللاتمركز”، و”نزع التمركز”، و”فك التمحور حول الذات”.
3. النطق والصيغة الصرفية
يُنطق المصطلح في اللغة العربية بكسر اللام المشددة وفتح التاء والميم: (اللا-تَمَرْكُز)، وهو اسم مركب مسبوق بأداة نفي اتصالية (لا)، ومصدر مشتق من الفعل الخماسي المضعّف “تمركزَ / يتمركزُ / تمركُزاً”. يُستخدم في السياقات الأكاديمية اسماً مفرداً معرّفاً للدلالة على السيرورة المعرفية، ويُشتق منه نعت وصفي كقولنا “تفكير لاتمركزي”، أو صيغة الفاعل المعنوي مثل “ممارس للاتمركز”.
وفي الخطاب النفسي السريري، يُفضل بعض الباحثين استخدام صيغة المصدر القياسي المتعدي “فك التمركز” أو “إلغاء التمحور” للتأكيد على الجهد الواعي والإجرائي الذي يبذله العميل لملاحظة عملياته الذهنية، بينما يظل مصطلح “اللاتمركز” الصيغة الشائعة والأكثر دقة في الأدبيات النمائية والمعرفية العامة.
4. شرح مفهومي مفصل
يقوم مفهوم اللاتمركز في جوهره على كسر التصلب الإدراكي والانفتاح على التعددية المنظورية. فالإنسان في مراحله النمائية المبكرة أو تحت وطأة الضغوط النفسية الحادة يعاني مما يُعرف بالتمركز (Centration)، وهو الاستغراق الكامل في جانب واحد من الظاهرة مع إغفال سائر الجوانب المؤثرة. يتيح اللاتمركز للعقل بناء فضاء وسيط بين الإدراك الحسي والاستجابة العقلية، مما يمكن المنظومة الذهنية من معالجة المعطيات المتضاربة دون الوقوع في أسر التشوه الإدراكي.
يتجلى اللاتمركز في بعدين رئيسيين: البعد المكاني الفيزيائي، والبعد الاجتماعي البينشخصي. في البعد الفيزيائي، يستطيع الكائن إدراك ثبات الخصائص المادية للأشياء بالرغم من تغير مظهرها الخارجي الخادع، من خلال موازنة أبعاد مثل الطول والعرض والحجم في وقت واحد. أما في البعد الاجتماعي، فيُمثل اللاتمركز النواة التأسيسية لفهم عقول الآخرين؛ حيث يدرك الفرد أن مشاعره وتفضيلاته ومعارفه ليست المعيار الكوني الوحيد، وأن الآخرين يمتلكون تمثيلات داخلية مستقلة تمليها سياقاتهم الذاتية الخاصة.
وفي مسارات العلاج النفسي المعاصر، يتخذ اللاتمركز بعداً باطنياً غاية في الأهمية، يتجاوز التفاعل مع البيئة الخارجية ليركز على التفاعل مع التدفق الذهني الذاتي. يتوقف العقل هنا عن التماهي التام مع الأفكار المؤلمة، متجاوزاً اعتبار الفكرة كحقيقة مطلقة (مثل فكرة: “أنا فاشل”)، ليعاينها بوصفها نتاجاً عصبياً وعقلياً عابراً في سياق لحظي (مثل: “ألاحظ أن لديّ الآن فكرة تراودني بأنني فاشل”). هذا التحول المنظوري يحرر الفرد من ردود الأفعال الاندفاعية ويمنحه فاعلية نفسية حقيقية.
5. التطور التاريخي
تبلورت النواة التأسيسية للاتمركز في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ضمن أعمال بياجيه الرائدة في جامعة جنيف، حيث كشف من خلال دراساته لنمو التفكير المنطقي عند الأطفال عن عجز الطفل قبل سن السابعة عن موازنة الخصائص الرياضية والهندسية المتزامنة، مبرزاً الانتقال من “التمركز حول الذات” (Egocentrism) إلى “اللاتمركز” كعلامة فارقة على التحول نحو مرحلة العمليات المادية العيانية (Concrete Operations Stage).
وفي ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، نقل باحثون من أمثال جون فلافيل (John Flavell) المفهوم إلى مجال التفاعل الاجتماعي من خلال دراسة تطور الأدوار الاجتماعية (Role-Taking)، مبيّنين أن نضج العلاقات الإنسانية يرتبط بقدرة الطفل المتقدمة على تخيل ما يراه ويشعر به شخص آخر من زاوية جغرافية ونفسية مختلفة تماماً.
شهدت تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحادي والعشرين تحولاً جذرياً في توظيف المفهوم على يد رواد الموجة الثالثة من العلاج المعرفي السلوكي، لا سيما جون تيزديل (John Teasdale) وزيدل سيغال (Zindel Segal) وديفيد فريسكو (David Fresco). حيث انتُزع اللاتمركز من إطاره النمائي البحت ليصبح آلية علاجية جوهرية تُفسر كيف تمنع اليقظة الذهنية والتبصر المعرفي انتكاسات الاكتئاب واضطرابات القلق من خلال تغيير علاقة الشخص بأفكاره بدلاً من محاولة تعديل محتوى الأفكار ذاتها.
6. الأسس النظرية
تستند أطر اللاتمركز إلى نظرية النمو المعرفي البنائية، التي ترى أن المعرفة لا تُلقن بصورة سلبية بل تُبنى بنشاط عبر عمليتي الاستيعاب والمواءمة (Assimilation and Accommodation). يمثل اللاتمركز هنا قمة عمليات المواءمة؛ إذ يضطر النظام الإدراكي لتوسيع أطره لاستيعاب التناقضات الظاهرة بين أبعاد الموقف الواحد، متجاوزاً الخداع الإدراكي الذي تفرضه المظاهر الحسية السطحية.
كذلك، يستقي المفهوم أسسه من نظرية العقل (Theory of Mind)، حيث يتطلب إدراك مقاصد ومعتقدات الآخرين تعليقاً مؤقتاً للمعتقدات الذاتية، وهو جوهر الممارسة اللاتمركزية. تتيح هذه الركيزة الفلسفية والمعرفية تجاوز الانغلاق المعرفي والانفتاح على التعددية التأويلية لمجريات الحياة اليومية.
ومن منظور النظرية المعرفية السريرية وما وراء المعرفة (Metacognitive Theory)، يستند اللاتمركز إلى فرضية أن المعاناة النفسية تنشأ من التماهي المفرط والاندماج المعرفي (Cognitive Fusion) مع المحتويات العقلية السلبية. يوفر اللاتمركز الآلية المضادة التي ترتكز على مراقبة الذات من منظور الملاحظ الخارجي الحيادي، مما يعطل دوائر الاجترار الفكري والتضخيم الوجداني التلقائي.
7. المكونات الأساسية والأبعاد
- الوعي بما وراء المعرفة (Metacognitive Awareness): إدراك الأفكار والمشاعر بوصفها أحداثاً عقلية عابرة وكيانات داخلية ذاتية، وليست تمثيلات حتمية وصادقة للواقع المادي الخارجي.
- الانفصال عن التماهي الذاتي (Disidentification from Internal Experience): القدرة على التمييز بين “الذات العارفة/المراقبة” و”المحتوى المعرفي/الوجداني”، بحيث لا يعرّف الفرد كينونته من خلال فكرة عابرة أو شعور مؤقت.
- تقليل التفاعلية الانفعالية (Reduced Reactivity to Mental Events): خفض الاستجابات الفسيولوجية والاندفاعية التلقائية للأفكار المشحونة بالتوتر، مما يخلق مسافة تأملية تتيح اتخاذ قرارات متزنة.
- اللاتمركز المكاني والفيزيائي (Spatial-Physical Decentration): القدرة النمائية على تصور توزيع العناصر في الفضاء ثلاثي الأبعاد من موقع جغرافي مختلف عن موقع الراصد الحالي.
- اللاتمركز المنظوري والاجتماعي (Perspective-Taking Decentration): إدراك وقبول تباين الدوافع والمشاعر والرؤى بين الأفراد، وفهم الظواهر الاجتماعية من منظور الأطراف المشاركة كافة.
8. أمثلة ونماذج توضيحية
تتضح ممارسة اللاتمركز الكلاسيكية في تجربة بياجيه الشهيرة المعنية باختبار حفظ السوائل (Conservation of Liquid). عندما يُسكب الماء من إناء عريض وقصير إلى إناء ضيق وطويل، يصر الطفل المتمركز على أن كمية الماء زادت لأن مستوى الماء أصبح أعلى (تمركز على بُعد الارتفاع فقط). في المقابل، يظهر الطفل الذي طور اللاتمركز قدرة على موازنة الارتفاع مع الضيق، مستنتجاً أن الكمية ظلت ثابتة لأن الزيادة في الارتفاع عُوّضت بالنقصان في العرض.
وفي الحالة السريرية، لنفترض موظفاً يُدعى “أحمد” ارتكب خطأً غير مقصود في تقرير مالي. في حالة غياب اللاتمركز، يتماهى أحمد كلياً مع الفكرة التلقائية: “أنا شخص عاجز ومصيري الطرد الحتمي”، مما يثير لديه نوبة هلع وجنون اكتئابي. أما إذا فعّل مهارة اللاتمركز، فإنه يخاطب نفسه قائلاً: “أرى أن ذهني ينتج الآن سيناريوهات كارثية مدفوعة بالخوف؛ هذه مجرد أفكار مرتبطة بلحظة توتر وليست دليلاً على كفاءتي المهنية العامة”.
9. القياس والتقييم النفسي
طوّر علماء النفس مقاييس متعددة لتقييم مستويات اللاتمركز عبر التاريخ. في الإطار النمائي، اعتمد بياجيه وباحثو ما بعد بياجيه على المقابلات العيادية والمهام العملية، مثل “مهمة الجبال الثلاثة” (Three Mountains Task)، التي تتطلب من الطفل تحديد المنظر الذي تراه دمية تجلس في موقع معاكس له تماماً.
أما في علم النفس السريري المعاصر، فقد صمم ديفيد فريسكو وزملاؤه استبيان التجارب (Experiences Questionnaire – EQ)، وهو أداة تقرير ذاتي مُحكمة تقيس قدرة الفرد على فك الارتباط المعرفي وتبني منظور اللاتمركز تجاه الضغوط، محتويةً على مقاييس فرعية مثل “اللاتمركز” و”الاجترار”.
تُستخدم كذلك في القياس مقاييس ذات صلة تتقاطع مع المفهوم تقاطعاً وثيقاً، مثل مقياس اليقظة الذهنية متعدد الأبعاد (FFMQ)، ومقاييس التمايز الذاتي، إضافة إلى التجارب المعملية المعتمدة على زمن الرجع (Reaction Time) وقياس النشاط الكهربائي للدماغ، لا سيما تغيرات إشارات تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) عند التعرض لمثيرات ضاغطة.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحظى اللاتمركز بتطبيقات واسعة النطاق في الميدان التعليمي والتربوي، حيث يُستخدم في بناء مناهج الرياضيات والعلوم التي تدعم التفكير العلمي وحل المشكلات المعقدة. إن تدريب التلاميذ على تفكيك المشكلة وتناولها من زوايا متباينة يمنع النمطية ويعزز المرونة الإدراكية والتفكير الناقد.
وفي الإرشاد الأسري والعلاقات الزوجية، يمثل تنمية اللاتمركز حجر الزاوية لتسوية النزاعات المزمنة؛ حيث يتيح للشركاء الخروج من تمترسهم الدفاعي وإدراك المشاعر الدفينة للطرف الآخر دون إطلاق أحكام مسبقة، مما يفسح المجال لبناء التعاطف الصادق وحل النزاعات بطرق تكاملية بناءة.
أما في العيادات النفسية، فيمثل ركيزة برنامج العلاج المعرفي القائم على اليقظة الذهنية (MBCT) وعلاج القبول والالتزام (ACT). يتم تدريب المرضى على استخدام تقنيات الاسترخاء والملاحظة الواعية لتحقيق الانفصال المعرفي، مما يساعد المصابين بالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة على نزع فتيل الأفكار التلقائية المؤلمة.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أثبتت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي قادها باحثون مثل فاركاس وزملائه أن ممارسة اللاتمركز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بانخفاض نشاط “شبكة الوضع الافتراضي” (Default Mode Network – DMN)، وهي الشبكة الدماغية المسؤولة عن التفكير المفرط المتمحور حول الذات والاجترار الاكتئابي.
كما أظهرت دراسات تيزديل (Teasdale et al.) أن المرضى المتعافين من الاكتئاب الذين يتمتعون بقدرة عالية على اللاتمركز تنخفض لديهم احتمالية الانتكاس بنسبة تقارب 50% مقارنة بأقرانهم؛ إذ يحول هذا الموقف العقلي دون تفعيل الدوائر العصبية التي تربط بين تعكر المزاج العابر واستدعاء الذكريات السلبية المتراكمة.
وفي حقل علم النفس الاجتماعي، أظهرت أبحاث إيثان كروس (Ethan Kross) حول “المحادثة الذاتية المتباعدة” (Distanced Self-Talk) أن مخاطبة الفرد لنفسه بصيغة الغائب أو باستخدام اسمه الشخصي تعزز اللاتمركز الفوري وتقلل بشكل دال إحصائياً من مستويات الكورتيزول والاستجابات الفسيولوجية للتوتر أثناء المواقف الضاغطة.
12. الاعتبارات الثقافية
تتباين مظاهر ومفاهيم اللاتمركز بصورة ملحوظة بين الثقافات الفردانية والثقافات الجمعية. ففي المجتمعات الشرقية والجمعية، يتم غرس نوع من اللاتمركز الاجتماعي المنظوري منذ الطفولة المبكرة لتشجيع التوافق الجماعي وتقدير مشاعر المجموعة على حساب النزعات الفردية، مما يجعل فك الارتباط عن النظرة الذاتية سلوكاً ثقافياً تلقائياً.
على النقيض من ذلك، تركز الثقافات الفردانية الغربية على التعبير عن الذات وتأكيد استقلاليتها، مما قد يجعل اكتساب اللاتمركز بحاجة إلى تدريب واعٍ ومقصود لمنع التمركز المفرط حول التجربة الذاتية الشخصية. ومع ذلك، فإن الفلسفات الشرقية القديمة كالبوذية والتاوية اعتبرت اللاتمركز وتجاوز الوهم بالذات الثابتة غاية روحية قصوى.
لذلك، يتعين على المعالجين النفسيين والباحثين مراعاة السياق الثقافي عند قياس وتطبيق اللاتمركز؛ إذ إن تفسير الانفصال عن الذات في بعض الثقافات قد يُساء فهمه على أنه عزلة أو انفصال غير صحي عن الواقع (Dissociation) إذا لم يُوضع ضمن إطاره المعرفي والاجتماعي السليم.
13. الانتقادات والنقاشات النقدية
واجهت نظرية بياجيه الكلاسيكية في اللاتمركز انتقادات لاذعة من علماء النفس المعاصرين، مثل هيلين بوردن (Helen Borke) ومارجريت دونالدسون (Margaret Donaldson)، اللتين أثبتتا أن الأطفال الصغار قادرون على ممارسة اللاتمركز المنظوري في أعمار أبكر بكثير مما زعم بياجيه، إذا صُممت الاختبارات بأسلوب مألوف ومحبب للطفل بدلاً من المهام المجردة والمعقدة كاقتبار الجبال.
أما على الصعيد السريري، فيدور جدل أكاديمي مستمر حول التداخل النظري بين مصطلح اللاتمركز ومصطلحات مجاورة مثل “الانفصال المعرفي” (Defusion) و”اليقظة الذهنية” (Mindfulness). يرى بعض النقاد أن استخدام مصطلحات متعددة لنفس الظاهرة السيكولوجية يخلق ارتباكاً مفاهيمياً غير مبرر في الأدبيات العلمية.
علاوة على ذلك، يُحذر بعض السريريين من الإفراط في تطبيق اللاتمركز لدى المرضى الذين يعانون من اضطرابات الفصام أو اضطرابات الانشقاق الحاد؛ حيث قد يؤدي الانفصال غير المدروس عن المشاعر إلى تفاقم مشاعر الاغتراب عن الذات (Depersonalization) أو تبدد الواقع (Derealization) بدلاً من تحقيق التوازن النفسي المنشود.
14. المفاهيم المقترنة والفروق الدقيقة
- التمركز حول الذات (Egocentrism): هو النقيض المباشر للاتمركز؛ ويعني عدم القدرة على رؤية الموقف إلا من خلال التجربة الشخصية الخاصة مع افتراض أن الجميع يشاركون الفرد نفس الإدراك.
- الانفصال المعرفي (Cognitive Defusion): مصطلح من علاج القبول والالتزام يعبر عن تقنية تحرير الأفكار من قوتها القهرية، وهو تطبيق إجرائي مباشر لعملية اللاتمركز الواسعة.
- الوعي التأملي (Mindfulness): الانتباه المتعمد للّحظة الراهنة دون إصدار أحكام، ويمثل اللاتمركز النتيجة المعرفية التلقائية والمهارة ما وراء المعرفية التي تنشأ عن هذه الممارسة.
- التبدد الذاتي (Depersonalization): حالة مرضية ينفصل فيها الفرد قسرياً ومؤلماً عن جسده وعواطفه، بينما اللاتمركز هو مهارة إرادية مرنة تعزز السيطرة العقلية وتعمق الاتصال بالواقع.
- أخذ المنظور (Perspective-Taking): المهارة الاجتماعية المعنية بتبني رؤية الآخر عقلياً، وهي تمثل الشق الاجتماعي الخارجي المنبثق عن القدرة العامة على اللاتمركز.
15. خلاصة ختامية
يعد اللاتمركز حجر الزاوية في تطور الذكاء البشري والمرونة النفسية على حد سواء؛ فهو المسار الذي يتحول الفرد من خلاله من كائن خاضع للانطباعات الحسية المباشرة والمشاعر الاندفاعية إلى مفكر متزن وقادر على فهم تنوع العالم الخارجي والتعامل الرشيد مع العالم الداخلي. إن امتلاك القدرة على التراجع خطوة إلى الوراء ومراقبة الذات كجزء من سياق أوسع يظل أحد أعظم إنجازات النضج الإنساني، وهو ما يجعل اللاتمركز مفهوماً لا غنى عنه في التربية وعلم النفس والعلاج المعرفي المعاصر.
المراجع
- Piaget, J. (1950). The Psychology of Intelligence. Routledge & Kegan Paul.
- Teasdale, J. D., Moore, R. G., Hayhurst, H., Pope, M., Williams, S., & Segal, Z. V. (2002). Metacognitive awareness and prevention of relapse in depression: Empirical evidence. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 70(2), 275–287.
- Fresco, D. M., Moore, M. T., van Dulmen, M. H., Segal, Z. V., Ma, S. H., Teasdale, J. D., & Williams, J. M. G. (2007). Initial psychometric evaluation of the Experiences Questionnaire: Validation of a self-report measure of decentering. Behavior Therapy, 38(3), 234–246.
- Flavell, J. H. (1977). Cognitive Development. Prentice-Hall.
- Bernstein, A., Hadash, Y., Lichtash, Y., Tanay, G., Shepherd, K., & Fresco, D. M. (2015). Decentering and related constructs: A critical review and metacognitive processes model. Perspectives on Psychological Science, 10(5), 599–617.