يمثل العقل البشري منظومة متطورة تسعى بصورة حثيثة إلى البحث عن الأمان الوجداني وإرساء مظاهر النظام في بيئة محفوفة باللايقين والمخاطر غير المتوقعة. وعندما تقع حوادث مأساوية أو أزمات مفاجئة للآخرين، لا يتعامل الإدراك البشري مع هذه الوقائع كأحداث معزولة ومجردة، بل يستنفر جدراناً دفاعية لإبعاد شبح التعرض لنفس المصير وتبرئة الذات من الهشاشة الوجودية. من هذا المنطلق، تتجلى ظاهرة العزو الدفاعي بوصفها واحدة من أبرز الآليات النفسية والاجتماعية التي تُبين كيف يُعيد الوعي تشكيل الأحكام التفسيرية والمسؤولية الأخلاقية حمايةً للتوازن النفسي الفردي.
العزو الدفاعي
1. التعريف الموجز والدقيق
العزو الدفاعي (Defensive Attribution) هو انحياز معرفي ونفسي واجتماعي يشير إلى ميل الأفراد لإصدار أحكام تفسيرية حول أسباب وقوع الأحداث السلبية أو الكوارث، بما يخدم تقليل شعورهم بالتهديد الشخصي ويحمي تقديرهم لذواتهم من فكرة أن حوادث مشابهة قد تصيبهم في ظروف مماثلة.
يقوم هذا المفهوم على فرضية جوهرية مفادها أن الحكم على مسؤولية الأطراف المشاركة في حدث مأساوي (سواء كانوا ضحايا أو متسببين) يتفاوت بتفاوت عاملين رئيسيين: درجة فداحة النتيجة (Severity of Outcome)، ومستوى التشابه الشخصي أو الموقفي الذي يربط بين الملاحظ والضحية. فكلما كانت العواقب كارثية وشعر الملاحظ بأنه يتقاطع مع الضحية في الصفات أو المواقف، سارع إلى تفعيل تحيزات تفسيرية تلغي الصدفة، لتجنب الاعتراف بأن العالم قد يكون غير عادل أو عشوائياً إلى درجة تهدد أمنه الشخصي.
وفي المستوى التفسيري الأعمق، يمثل العزو الدفاعي درعاً إدراكياً يقي الفرد من مشاعر العجز والقلق الوجودي؛ إذ يتيح للشخص الاعتقاد الزائف بأنه يمتلك سيطرة كاملة على مجريات حياته، عبر تجريم الضحية أو لوم الظروف الخارجية لضمان تماسك عالمه النفسي الداخلي.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق
يتألف المصطلح في السياق العربي من لفظين يحملان دلالات بالغة الدقة؛ فكلمة «العَزْو» مشتقة من الجذر اللغوي (ع-ز-و)، ويُقال في المعاجم «عزاه إلى فلان» أي أسنده ونسبه إليه وألحقه به، ومنها عزو القول أو عزو الحدث، وهو المصطلح المعتمد والمقابل للفظ الإنجليزي (Attribution) المستمد من اللاتينية (Attribuere)، والتي تعني الإسناد وتحديد المتسبب أو الخاصية.
أما لفظ «الدفاعي» فهو صفة منسوبة إلى الدفاع، المشتق من الجذر (د-ف-ع)، ويُقال دفعه دفعاً أي نحاه وأزاله ورده بالقوة، واستخدم في حقل التحليل النفسي والعلوم النفسية المعاصرة لترجمة المفهوم الإنجليزي (Defensive)، وهو ما يرتبط بوظائف الذات وأجهزتها في اتقاء الأخطار الوجدانية ودفع الصراعات الداخلية المقلقة.
دخل المصطلح إلى نظرية العزو في علم النفس الاجتماعي خلال ستينيات القرن العشرين، وتحديداً مع محاولات تفكيك الآليات التي تحكم تفسير الفرد للأحداث المؤلمة التي تصيب غيره، ليجمع المصطلح بين المنحى المعرفي الإسنادي والمنحى الإكلينيكي الوقائي الذاتي.
3. النطق والبنية النحوية
يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى: «العَزْوُ الدِّفَاعِيُّ» (بتسكين الزاي وضم الواو، وكسر الدال وتشديد الفاء والياء في الشق الثاني). ومن الناحية الإعرابية والتركيبية، يمثل المصطلح مركباً وصفياً يتكون من مبتدأ أو اسم موصوف («العزو») تتبعه نعت أو صفة تخصص ماهيته («الدفاعي»).
يُستخدم المصطلح بصيغ تصريفية وسياقات وظيفية متعددة في الدراسات الإكلينيكية والاجتماعية؛ فيُقال «فرضية العزو الدفاعي» (Defensive Attribution Hypothesis)، ويُستخدم الفاعل «عازٍ دفاعي»، أو بصيغة الفعل كأن يُقال «يعزو الباحثون سلوك لوم الضحية عزوًا دفاعياً»، مما يجعله مفهوماً مرناً يتوافق مع القواعد الاشتقاقية والوظيفية في اللسانيات النفسية.
4. الشرح المفاهيمي الموسع
يمتد نطاق العزو الدفاعي عبر الحدود الفاصلة بين الإدراك الاجتماعي والدوافع اللاشعورية للحفاظ على الذات. لا يعمل العقل البشري بوصفه مسجلاً محايداً للوقائع؛ بل يخضع لمرشحات نفسية تحور الواقع المعاش بما يتوافق مع حاجة الفرد الملحة للإحساس بالأمان والقدرة على التنبؤ. عندما يرى الفرد شخصاً يتعرض لحادث سير مروع، أو مرض عضال مفاجئ، أو جريمة عنف غادرة، يواجه تهديداً مزدوجاً: تهديداً معرفياً يضرب استقرار قناعته بوجود نظام وقوانين تحكم البيئة، وتهديداً عاطفياً ينبع من الخوف من ملاقاة المصير ذاته.
لمواجهة هذا التهديد، يتدخل العزو الدفاعي عبر استراتيجيتين إدراكيتين رئيسيتين ترتبطان بمدى تماثل الملاحظ مع الفاعل أو الضحية. إذا كان الملاحظ يشعر بتشابه شخصي وثيق مع الضحية (كأن يشاركه العمر، أو المهنة، أو نمط الحياة)، فإن إلقاء اللوم على الضحية سيولد رعباً داخلياً، لأن ذلك يعني ضمناً أنه معرض لنفس المصير لكونهما يشتركان في ذات الخصائص. في هذه الحالة، يتجه العزو الدفاعي نحو تبرئة الضحية تماماً ونقل اللوم بنسب مفرطة إلى الصدفة القاسية أو تقصير الأطراف الأخرى أو المتسبب، لتثبيت الفكرة القائلة: «الضحية بريئة، والخطأ خطأ المعتدي أو ظروف استثنائية لا تخص طبيعتي الشخصية».
وعلى النقيض من ذلك، إذا افتقر الملاحظ إلى التشابه مع الضحية، أو إذا كان التشابه الموقفي يفرض نفسه دون تعاطف، فإن الآلية الدفاعية تنقلب إلى ما يُعرف بظاهرة «لوم الضحية» (Victim Blaming). هنا يقوم الملاحظ بتجريد الضحية من الحكمة والكفاءة، مفترضاً أنها تصرفت برعونة، أو أهملت، أو استحقت بطريقة ما ما حل بها. تكمن الوظيفة الدفاعية هنا في طمأنة النفس بأن «ما حدث للضحية نتج عن خطأ ارتكبته هي ولم أرتكبه أنا، وبما أنني لا أتصرف مثلها، فأنا في مأمن تام من هذه الكارثة».
تتسع حدود هذا المفهوم لتشمل القضايا القانونية والجنائية والطبية، حيث يتجلى كيف يميل المحلفون والأطباء والجمهور العام إلى توزيع المسؤوليات استناداً إلى مخاوفهم الباطنية، وليس فقط بناءً على الأدلة الموضوعية المحايدة، مما يبرز العزو الدفاعي كحاجز نفسي استباقي يقي من التهديدات الوجودية ويحفظ اتزان الأنا.
5. التطور التاريخي ومحطات التأسيس
تعود الجذور المبكرة لفهم آليات العزو إلى أعمال عالم النفس النمساوي فريتز هايدر (Fritz Heider) في كتابه التأسيسي «سيكولوجية العلاقات بين الأشخاص» الصادر عام 1958، والذي طرح فيه فكرة أن البشر يتصرفون كعلماء نفس سُذج يسعون لفهم أسباب السلوكيات إما عبر دوافع داخلية أو ضغوط بيئية خارجية. غير أن هايدر ركز على الجوانب المعرفية العامة دون الخوض عميقاً في الدوافع الدفاعية الذاتية.
شهد عام 1966 الانطلاقة الحقيقية لمفهوم العزو الدفاعي بفضل العالمة النفسية إيلين والستر (Elaine Walster)، التي صممت تجربة كلاسيكية لاختبار كيفية إسناد المسؤولية بناءً على شدة العواقب. في دراستها الشهيرة، عُرض على المشاركين سيناريو سيارة رُكنت على تل وانحدرت متسببة في أضرار؛ في الحالة الأولى كانت الأضرار طفيفة (اصطدام بشجرة فقط)، وفي الحالة الثانية كانت الأضرار كارثية (إصابة طفل بجروح بليغة). أظهرت النتائج أن الأفراد حملوا السائق مسؤولية أكبر بكثير عندما كانت النتيجة مأساوية، على الرغم من تطابق المعطيات السلوكية في الحالتين، وفسرت والستر ذلك برغبة المشاركين في إقناع أنفسهم بأن الكوارث الكبرى لا تقع صدفة بل وراءها شخص مهمل يُمكن معاقبته وتجنبه.
في عام 1970، طور عالم النفس كيلي شيفر (Kelly Shaver) هذا المفهوم وأعاد صياغته ضمن نظرية متكاملة سُميت «فرضية العزو الدفاعي». رأى شيفر أن نموذج والستر أغفل عنصراً حاسماً، وهو «التشابه الإدراكي» بين الملاحظ والفاعل أو الضحية. برهن شيفر على أن شدة النتيجة لا تؤدي دوماً إلى زيادة اللوم، بل إن التشابه الشخصي والموقفي يعيد توجيه اللوم لحماية الذات، واضعاً بذلك الأسس الرياضية والنظرية للظاهرة كما تُدرس اليوم.
توالت الدراسات اللاحقة خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، حيث تقاطع العزو الدفاعي مع نظريات الإدراك الاجتماعي المعاصرة وتطبيقات علم النفس الجنائي، ليتحول من مجرد تجربة معملية إلى إطار تفسيري شامل للسلوك البشري أمام الصدمات والمظالم الاجتماعية.
6. الأسس والأطر النظرية
يستند العزو الدفاعي إلى نسيج مترابط من النظريات النفسية الراسخة التي تفسر سعي الإنسان الدائم لتجنب التنافر المعرفي والاضطراب الوجداني:
أولاً: نظرية العالم العادل (Just-World Theory):
صاغها العالم ملفين ليرنر (Melvin Lerner)، وتنص على أن لدى الأفراد حاجة نفسية ملحة للاعتقاد بأن العالم مكان تسوده العدالة المطلقة حيث يحصل الأخيار على مكافآت والأشرار على عقوبات. يشكل العزو الدفاعي الأداة المعرفية التنفيذية لهذه النظرية؛ فعندما يشهد الفرد معاناة بريئة، يُهدد إيمانه بعدالة العالم، فيلجأ إلى لوم الضحية أو إلقاء المسؤولية عليها دفاعياً لإعادة الاتساق إلى منظومته الفكرية: «إنها تستحق ما جرى لها، وبالتالي العالم ما زال عادلاً ومستقراً».
ثانياً: نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory):
تفسر هذه النظرية السلوك الإنساني في ضوء الخوف الغريزي من الفناء والموت والعجز المطلق. وفق هذه الرؤية، يعمل العزو الدفاعي كدرع واقٍ من القلق (Anxiety-Buffer)؛ فحينما يرى الشخص حادثاً كارثياً أودى بحياة شخص يشبهه، تنشط لديه أفكار فنائه وهشاشته. عبر العزو الدفاعي، ينفي الفرد التشابه بينه وبين الضحية، مؤكداً وجود فوارق جوهرية في السلوك أو الخيارات جعلت الضحية تهلك بينما ينجو هو، مما يهدئ من وطأة الخوف الوجودي.
ثثالثاً: نظرية تقليل التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance Theory):
تسهم نظرية ليون فستنغر في توضيح التحول في أحكام العزو؛ فالتعاطف مع الضحية مع معرفة إمكانية التعرض لنفس المصير يخلق تنافراً حاداً ومؤلماً بين الرغبة في الأمان والواقع الخطر. يُعدل الفرد أفكاره عبر العزو الدفاعي ليوفق بين الواقع المتناقض وتوقعاته الذهنية، مستخدماً أحكام المسؤولية كأدوات لتسوية الصراع العقلي الداخلي.
7. المكونات الرئيسية والأبعاد والأنماط
يتشكل العزو الدفاعي من تفاعل منظومة من الأبعاد المعرفية والوجدانية التي تُحدد طبيعة الإسناد واتجاهه:
- شدة النتيجة (Severity of Outcome): الحجم المادي أو المعنوي للضرر الناتج عن الحادث؛ فكلما كانت الإصابات وخيمة أو الخسائر فادحة، تصاعدت الحاجة الدفاعية للملاحظ لعزو المسؤولية بصورة حاسمة لإلغاء أي دور للصدفة أو العبث.
- التشابه الشخصي (Personal Similarity): درجة تطابق السمات الديموغرافية والاجتماعية والشخصية بين الملاحظ والشخص المتورط في الحادث (مثل الجنس، والعمر، والطبقة الاجتماعية، والاهتمامات). يدفع التشابه المرتفع إلى تقليل اللوم عن الطرف المشابه حمايةً للذات.
- التشابه الموقفي (Situational Similarity): احتمالية أن يجد الملاحظ نفسه في نفس السياق البيئي أو الظرفي الذي وقع فيه الحادث؛ إذا كان الملاحظ يمارس نفس النشاط (كالقيادة على نفس الطريق الوعر يومياً)، فإنه يميل إلى إلقاء اللوم على عوامل تقنية أو فاعلين آخرين لا على السائق لتجنب الاعتراف بخطورة روتينه اليومي.
- الدافع للسيطرة والتحكم (Perceived Controllability): الرغبة الدفينة في تأكيد أن الحياة قابلة للتحكم والسيطرة؛ مما يدفع الملاحظ لافتراض أن الأحداث لم تكن حتمية بل كانت نتيجة قرارات واعية كان يمكن تجنبها.
- التعاطف المشروط بالتهديد (Threat-Induced Empathy): ديناميكية وجدانية تحدد ما إذا كان الملاحظ سيتجه نحو التعاطف والدعم، أو الانسحاب ولوم الطرف الآخر بناءً على مدى خطورة التهديد المتصور على توازنه النفسي.
8. أمثلة وحالات توضيحية واقعية
الحالة الأولى: حوادث السير والإهمال المزعوم:
سائقان يشهدان حادثاً مروعاً ينجم عنه انقلاب مركبة على طريق زلق بسبب الأمطار الغزيرة وإصابة قائدها بشلل دائم. السائق الأول، وهو شاب يقود سيارة من نفس النوع ويسلك الطريق يومياً، يعلق قائلاً: «الشركة المسؤولة عن رصف الطريق لم تضع عوازل كافية للمياه، والسيارة انزلقت بشكل لا يمكن لأمهر السائقين السيطرة عليه». هنا فعل الشاب العزو الدفاعي القائم على التشابه الموقفي؛ فتبرئة السائق تعفيه شخصياً من الاعتراف بأنه يخاطر بحياته يومياً على هذا المسار. في المقابل، يعلق شخص آخر لا يمتلك سيارة ويستخدم القطارات قائلاً: «السائق كان يقود بتهور حتماً ولم ينتبه للوحات الإرشادية؛ السائقون في عصرنا لا يكترثون للسلامة». هذا الشخص غير المشابه يعزو اللوم للسائق دفاعياً ليؤكد أن مثل هذه الكوارث لا تقع إلا لمن يستحقها بفعل رعونته.
الحالة الثانية: اللوم في البيئات الطبية والتشخيصات الحرجة:
عندما يُصاب شخص رياضي لا يدخن بأزمة قلبية مفاجئة أو ورم سرطاني، قد يميل زملاؤه غير الرياضيين أو حتى أقرانه إلى التدقيق المفرط في نظامه الغذائي بنوع من التشكيك: «لابد أنه كان يتناول مكملات مجهولة المصدر، أو كان يتدرب بطريقة غير صحية». هذا السلوك يمثل عزوًا دفاعياً كلاسيكياً؛ إذ إن فكرة أن المرض المميت قد يضرب شخصاً صحياً وملتزماً تعني أن الجميع في خطر داهم، وبالتالي فإن اختلاق أخطاء سلوكية ارتكبها المريض يمنح المحيطين وهم الحصانة ما داموا لا يتناولون تلك المكملات الافتراضية.
الحالة الثالثة: حوادث العمل والقطاع الصناعي:
في مصنع للبتروكيماويات، يقع انفجار في وحدة تقطير نتيجة خلل ميكانيكي مفاجئ في صمام أمان لم يسبق تسجيل عطل فيه، مما يؤدي إلى إصابة مهندس ذي خبرة طويلة. يميل المشرفون والمدراء الإداريون إلى التركيز في تحقيقاتهم على إمكانية وقوع خطأ بشري من المهندس (مثل تأخره في الضغط على زر الطوارئ)، محملين إياه المسؤولية. هذا الإسناد يحمل صبغة دفاعية مؤسسية وفردية؛ فالاعتراف بأن الآلات الحديثة قد تنفجر دون سابق إنذار يهدد استقرار الإدارة وثقتهم في بيئة العمل بأكملها، في حين أن تحميل المهندس المسؤولية يختزل المشكلة في عامل فردي يسهل استبداله وتفاديه مستقبلاً.
9. القياس والتقييم النفسي
لا يُقاس العزو الدفاعي عادةً باختبار نفسي إسقاطي مباشر أو مقياس سمة شخصية دائم، بل يُقاس تجريبياً وإكلينيكياً من خلال تصاميم بحثية تعتمد على دراسة الحالة والسيناريوهات المكتوبة أو المرئية المصممة بعناية (Vignette Studies):
1. دراسة السيناريوهات التجريبية المعدلة (Vignette Methodology):
يُعرض على المشاركين سيناريو سردي لحادث ما، حيث يتلاعب الباحثون بمتغيرين مستقلين: فداحة النتيجة (بسيطة مقابل كارثية)، ومستوى التشابه بين المفحوص وبطل السيناريو (عالٍ مقابل منخفض). ثم يُطلب من المفحوصين الإجابة عن استبيانات متدرجة لتقييم مقدار اللوم الأخلاقي، والمسؤولية القانونية، والإهمال المسند لكل طرف، باستخدام مقاييس ليكرت (Likert Scales).
2. مقاييس عزو المسؤولية (Attribution of Responsibility Measures):
أدوات طُورت لقياس درجة تحميل المسؤولية (من 0 إلى 100%) موزعة بين العوامل الشخصية للضحية، والعوامل الشخصية للجاني، والظروف البيئية العشوائية. من أبرز هذه المقاييس ما ابتكره شيفر وشرويدر في السبعينيات لتفكيك مركبات الإسناد السببي.
3. مقياس الإيمان بالعالم العادل (Belief in a Just World Scale – BJW):
يُستخدم مقياس روبين وبيلفو (Rubin & Peplau) أو مقياس دالبيرت (Dalbert) الحديث كمتغير تنبؤي أو وسيط لقياس القابلية للعزو الدفاعي؛ إذ يُظهر الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة على هذا المقياس ميلاً مضاعفاً لتفعيل العزو الدفاعي ولوم الضحايا مقارنة بغيرهم.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يمتد تأثير العزو الدفاعي إلى العديد من الميادين الحياتية التطبيقية والحيوية، وتبرز أهميته في المجالات التالية:
المنظومة القضائية وهيئات المحلفين:
يؤثر العزو الدفاعي بعمق على سير العدالة في المحاكمات الجنائية والمدنية. المحلفون ليسوا آلات منطقية محايدة؛ إذ يتأثر حكمهم على الجاني أو الضحية بمدى تشابههم الشخصي مع أحدهما وبحجم الضرر الواقع. في قضايا التعويضات المدنية عن حوادث الإهمال الطبي أو حوادث السير، تزداد أحكام التعويض المالي والإدانة بصورة غير متناسبة إذا كانت الإصابة مأساوية وتسببت في عجز كلي، حيث يدفع العزو الدفاعي المحلفين لمعاقبة الفاعل بقسوة استثنائية لردع هذا الخطر النفسي التهديدي.
الصحة العامة والطب النفسي:
في ميدان الرعاية الصحية، قد يُبدي الممارسون الصحيون أحياناً عزوًا دفاعياً غير واعٍ تجاه المرضى ذوي الأمراض المستعصية أو المزمنة، كعزو تفاقم المرض لعدم انضباط المريض بتناول العلاج أو لإهماله في نمط حياته. يخدم هذا السلوك حماية الطبيب من مشاعر العجز المهني والإحباط الإكلينيكي أمام أمراض لا يمتلك الطب علاجاً ناجعاً لها، ولكنه يؤدي في المقابل إلى تدهور العلاقة العلاجية وتفاقم معاناة المريض النفسية.
إدارة السلامة والصحة المهنية (HSE):
تواجه فرق التحقيق في حوادث الطيران والمنشآت النووية والصناعية تحدي التحييد ضد العزو الدفاعي؛ فالنزوع الغريزي لفرق التحقيق يميل دائماً إلى اختزال الحوادث الكبرى في خطأ المشغل البشري (Pilot Error أو Operator Error)، وإغفال العيوب الهندسية والتنظيمية في بيئة العمل، لأن الاعتراف بفشل المنظومة ككل يولد شعوراً بالتهديد الوجودي لاستقرار المؤسسة وموثوقيتها.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أثبتت عقود من البحث التجريبي صلابة فرضية العزو الدفاعي رغم التعقيدات التفسيرية التي شابت بعض التطبيقات. في دراسة فارقة أجراها برغر (Burger, 1981)، أجرى تحليلاً جامعاً (Meta-Analysis) للدراسات المنشورة حول نموذج والستر، وتوصل إلى أن التباين في النتائج التي حيرت الباحثين لسنوات كان مردّه الأساسي إلى إغفال التمييز الدقيق بين نوعي التشابه: التشابه الموقفي والتشابه الشخصي. وأكد برغر أن زيادة فداحة الحادث تقود دائماً إلى زيادة إسناد المسؤولية لأحد الأطراف الفاعلة لطرد العشوائية، ولكن هوية هذا الطرف تُحسم ببوصلة التشابه.
وفي أبحاث معاصرة ربطت بين علم الأعصاب المعرفي وعلم النفس الاجتماعي، كشفت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن تعريض المشاركين لقصص عن حوادث مؤلمة لأشخاص يشبهونهم يثير نشاطاً مكثفاً في اللوزة الدماغية (Amygdala) ومناطق شبكة الألم العصبي، مما يشير إلى استجابة تهديد وجداني فورية. وعندما يُتاح للمشاركين بعد ذلك لوم الضحية أو إيجاد تبرير سببي دفاعي، يلاحظ الباحثون تراجعاً ملموساً في استثارة اللوزة ونشاطاً تعويضياً في قشرة الفص الجبهي البطنية الأنسية (VMPFC)، وهي المنطقة المرتبطة بإعادة التقييم المعرفي وتنظيم المشاعر، ما يقدم دليلاً بيولوجياً عصبياً على أن العزو الدفاعي يعمل فعلياً كمهدئ للألم النفسي العصبي.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافات
تتأثر آليات العزو الدفاعي بشكل جوهري بالخلفية الثقافية للملاحظ، ولا سيما الفروق القائمة بين الثقافات الفردانية (Individualistic) والثقافات الجمعية (Collectivistic):
في المجتمعات الفردانية الغربية (مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية)، يُنظر إلى الفرد بوصفه مسؤولاً مستقلاً عن قراراته ومصيره، وتترسخ لديهم النظرة الفردية للعالم العادل. نتيجة لذلك، يكون العزو الدفاعي في هذه المجتمعات حاداً ويتجه بسهولة نحو لوم الضحية وافتراض أنها كانت تملك القدرة على تغيير النتيجة لو اتخذت قرارات أفضل، تبرئةً للمجتمع وإبعاداً للخوف الشخصي من العجز.
أما في المجتمعات الجمعية (كالشرق الأوسط، ودول شرق آسيا)، حيث تكون الهوية الفردية منسوجة ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية والتضامن الجمعي، تتخذ الآلية مساراً مغايراً. يميل الأفراد في هذه البيئات إلى عزو الكوارث لعوامل سياقية خارجية، مثل تقلبات القدر، أو الاختبارات الابتلائية، أو التدخلات الاجتماعية المحيطة. في مثل هذه الثقافات، قد يتحول اللوم الدفاعي من الفرد إلى قوى خارجية أو جماعات مضادة، لحماية التماسك الاجتماعي الداخلي للجماعة وتجنيب أفرادها وصمة التقصير، إلا إذا اعتُبر سلوك الضحية خروجاً عن القواعد الأخلاقية للجماعة، فحينئذ قد يُمارس لوم دفاعي مضاعف لتأكيد حرمة المعايير الجمعية.
13. الانتقادات والجدل العلمي والحدود
على الرغم من القوة التفسيرية الواسعة للفرضية، واجه مفهوم العزو الدفاعي انتقادات منهجية ومفاهيمية من قبل علماء النفس الاجتماعي:
أول هذه الانتقادات يتعلق بصعوبة الضبط التجريبي للتكرار المنهجي؛ فقد أظهرت عدة تجارب مختبرية فشلاً في رصد زيادة اللوم مع زيادة شدة الحادث، حيث عزا نقاد مثل فيشر (Fischer) ذلك إلى أن السيناريوهات الورقية المصطنعة تفتقر إلى الصدق الإيكولوجي (Ecological Validity)؛ إذ لا يشعر المشارك في المختبر بتهديد حقيقي لحياته يدفعه لتفعيل دفاعات نفسية عميقة كما يحدث في مواقف الحياة الواقعية الصادمة.
ثاني الانتقادات يتناول الجدل الدائر حول التفسير المعرفي المحض مقابل التفسير الدافعي العاطفي. يرى بعض الباحثين المعرفيين (مثل أنصار نموذج المعالجة المعلوماتية) أن إسناد اللوم للضحية أو الفاعل عند تفاقم النتائج لا ينبع بالضرورة من رغبة في الدفاع عن الذات وحمايتها من القلق، بل هو نتيجة معالجة معلوماتية باردة تفترض منطقياً أن الحوادث ذات العواقب التدميرية الهائلة تتطلب عادةً مقدمات وأخطاء أكبر لتحدث مقارنة بالحوادث الطفيفة (Heuristic of Proportionality)، دون حاجة لافتراض صراعات لاواعية ودفاعات نفسية.
أخيراً، أثير جدل أخلاقي واجتماعي حول سوء استخدام المفهوم، حيث يُخشى أن يؤدي التعميم المفرط لفكرة العزو الدفاعي إلى وصم كل تقييم واقعي لمسؤولية الأشخاص عن أفعالهم بأنه مجرد «انحياز ولوم دفاعي للضحية»، مما يعقد التقييم القانوني المحايد في المحاكم ويفكك المسؤولية الجنائية المستحقة للأفراد.
14. المفاهيم المرتبطة والفروق الدقيقة
يتقاطع العزو الدفاعي مع عدة انحيازات ومفاهيم في علم النفس الاجتماعي، مما يستوجب تفكيك التداخل بينها وتوضيح الحدود الفاصلة:
- فرضية العالم العادل (Just-World Hypothesis): تمثل النظرة الفلسفية المعرفية الكلية القائلة بأن الناس ينالون ما يستحقونه، بينما العزو الدفاعي هو السلوك التفسيري المحدد والآلية الإجرائية التي يستخدمها الفرد عند الاصطدام بحدث بعينه لحماية هذه النظرة وحماية ذاته من التهديد.
- الانحياز لخدمة الذات (Self-Serving Bias): ميل الفرد لنسب نجاحاته إلى قدراته الذاتية (عزو داخلي) وفشله إلى الظروف الخارجية (عزو خارجي). الفارق الجوهري أن الانحياز لخدمة الذات يتعلق بتفسير الشخص لأفعاله ومخرجاته هو، في حين يركز العزو الدفاعي في المقام الأول على تفسير الفرد لأحداث تصيب أشخاصاً آخرين للوقاية الاستباقية من التهديد.
- خطأ العزو الأساسي (Fundamental Attribution Error): ميل الملاحظين إلى المبالغة في تقدير دور السمات الشخصية للفاعل وإهمال العوامل الموقفية لتفسير سلوكه في الظروف العادية. العزو الدفاعي ليس انحيازاً عاماً ومحايداً بل هو انحياز مشروط بالتهديد وشدة الخطر؛ فهو يتغير ويتعدل وفقاً لدرجة التعاطف والتشابه والمصلحة الوجدانية للملاحظ.
- لوم الضحية (Victim Blaming): هو النتيجة السلوكية أو التعبير الظاهري الذي قد ينتج عن العزو الدفاعي عندما يفتقر الملاحظ إلى التشابه مع الضحية؛ فالأول ميكانيزم نفسي ودافع، بينما الثاني مظهر اجتماعي وموقف تقييمي معلن.
15. الخلاصة والاستنتاجات الأساسية
يكشف العزو الدفاعي عن هشاشة الحياد الإنساني أمام الصدمات؛ فالأحكام التي نطلقها على حوادث الآخرين ومصائبهم نادراً ما تكون استنتاجات منطقية خالصة، بل هي في جوهرها انعكاس لمخاوفنا الباطنية ورغبتنا في صون سلامتنا النفسية. إن تحميل الضحية اللوم أو المبالغة في تجريم الفاعل يعمل كمسكن معرفي يمنحنا الوهم المطمئن بأن العالم يسير بنظام محكم نملك السيطرة عليه، وأننا محصنون من غدر الأقدار ما دمنا نحافظ على مسافة إدراكية تفصلنا عن المنكوبين.
يسهم الوعي بالعزو الدفاعي في تعزيز التفكير النقدي والإنصاف المجتمعي؛ فإدراك هذا التحيز يمكن القضاة والمحلفين وصناع القرار والممارسين الصحيين من تنحية مخاوفهم الوجودية جانباً، والتعامل مع الوقائع المأساوية بموضوعية وعدالة وتعاطف إنساني أصيل، بعيداً عن وهم الحصانة الزائفة.
المراجع
- Burger, J. M. (1981). Motivational biases in the attribution of responsibility for an accident: A meta-analysis of the defensive-attribution hypothesis. Psychological Bulletin, 90(3), 496–512. https://doi.org/10.1037/0033-2909.90.3.496
- Lerner, M. J. (1980). The Belief in a Just World: A Fundamental Delusion. Plenum Press. https://doi.org/10.1007/978-1-4684-3629-7
- Shaver, K. G. (1970). Defensive attribution: Effects of severity and relevance on the responsibility assigned for an accident. Journal of Personality and Social Psychology, 14(2), 101–113. https://doi.org/10.1037/h0028777
- Walster, E. (1966). Assignment of responsibility for an accident. Journal of Personality and Social Psychology, 3(1), 73–79. https://doi.org/10.1037/h0022733