الصياغة التشخيصية: جسر الفهم السريري المتكامل

استكشف الصياغة التشخيصية في علم النفس السريري: تعريفها، نماذجها مثل نموذج العوامل الخمسة، أهميتها في توجيه العلاج النفسي، وكيفية بنائها لربط التشخيص بالتدخل العلاجي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 9 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 9 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل الصياغة التشخيصية حجر الزاوية في الممارسة النفسية المعاصرة، إذ تنقل العمل العيادي من مجرد وضع تصنيفات سطحية للأعراض إلى بناء فهم تركيبي وديناميكي عميق لشخصية المريض وسياقه الحياتي. إنها الأداة التي يعتمد عليها المعالج لتحويل الفوضى الظاهرية للاضطرابات النفسية إلى سردية علمية متماسكة تشرح الأسباب وتوجه خطط العلاج بدقة متناهية.

الصياغة التشخيصية

1. التعريف الموجز والدقيق

تُعرّف الصياغة التشخيصية (Diagnostic Formulation) بأنها فرضية سريرية متكاملة وقابلة للاختبار تُفسر كيف ولماذا نشأت صعوبات المريض النفسية أو السلوكية في هذا التوقيت بالذات، وكيف تستمر هذه الصعوبات وتتفاعل ضمن سياقه الحيوي والنفسي والاجتماعي. وهي تتجاوز وضع مسمّى تشخيصي ثابت لتشمل آليات نشوء المرض ومآله المتوقع وخطة التدخل الفعالة.

تُعد الصياغة في جوهرها جسراً رابطاً بين التشخيص الوصفي التصنيفي المعتمد على الدلائل التشخيصية مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) وبين التطبيق الفعلي للعلاج؛ فهي لا تكتفي بالإجابة عن السؤال “ما هو الاضطراب؟” بل تجيب بصورة شاملة عن السؤال الجوهري “لماذا يعاني هذا الفرد تحديداً من هذه المشكلة في هذا الظرف بالتحديد؟”.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاق

تتألف التسمية في اللغة العربية من كلمتين؛ الأولى “الصياغة”، المشتقة من الجذر اللغوي (ص-و-غ)، وتدل على سبك الشيء وتهيئته وصنعه على مثال محكم وتنسيق عناصره في قالب منظم. أما الكلمة الثانية فهي “التشخيصية”، المشتقة من الجذر (ش-خ-ص)، والتي تشير إلى تعيين الشيء وتمييز ذاته وخصائصه عن غيره بدقة وتحديد كينونته المتفردة.

أما في الاصطلاح الإنجليزي المقابل (Diagnostic Formulation)، فإن كلمة (Formulation) تعود تاريخياً إلى الجذر اللاتيني (Formula) الذي يعني النمط أو القالب أو التعبير الدقيق عن مبدأ محدد. وكلمة (Diagnostic) مشتقة من اليونانية القديمة (Diagnōstikos)، المكونة من المقطع (Dia) ويعني “عبر أو من خلال”، والمقطع (Gignōskein) ويعني “يعرف أو يتعلم”، لتشير الدلالة بمجملها إلى “المعرفة التمييزية القائمة على الفحص المتعمق والتأطير المنهجي المنظم للأدلة السريرية”. دخل المصطلح حقل الطب النفسي وعلم النفس العيادي في أواسط القرن العشرين لتمييز التفسير النظري الديناميكي عن التصنيف الإحصائي البحت للأمراض.

3. البنية الصرفية والنحوية والاستخدام

تأتي “الصياغة التشخيصية” في النحو العربي كتركيب وصفي يتكون من مبتدأ موصوف (الصياغة) وهو اسم مفرد مؤنث، ونعت تابع له (التشخيصية)، وتُعرب حسب موقعها في الجملة السريرية أو الأكاديمية (مثل: “تتطلبُ الصياغةُ التشخيصيةُ دقةً عالية”، أو “قام المعالجُ ببناءِ صياغةٍ تشخيصيةٍ شاملة”). وتستخدم في الأدبيات العيادية بدائل مرادفة شائعة مثل “صياغة الحالة السريرية” (Case Formulation) أو “التركيب المفاهيمي للحالة” (Case Conceptualization).

يقتضي الاستخدام السريري السليم لهذا المصطلح التعامل معه كعملية ديناميكية مستمرة وليست وثيقة جامدة، حيث يتم توظيفها كفعل إجرائي ونتاج مفاهيمي في آن واحد؛ فيُقال إن العيادي “يصوغ” الحالة انطلاقاً من الملاحظات والمقابلات والفحوصات، ثم يعيد “مراجعة الصياغة” دورياً مع تكشف معلومات ومعطيات علاجية جديدة، مما يعكس مرونتها التفسيرية.

4. الشرح المفاهيمي المعمق والأبعاد السريرية

تُمثل الصياغة التشخيصية إطاراً تفسيرياً يجمع شتات المعلومات المتباينة التي يتم الحصول عليها أثناء التقييم السريري النفسي الشامل. تتضمن هذه العملية استكشاف التاريخ المرضي الشخصي والأسري، والتطور النفسي العصبي، والأنماط المعرفية، والآليات الدفاعية، فضلاً عن المحددات الاجتماعية والبيئية المحيطة، وصهرها جميعاً في بنية نظرية متماسكة ومنطقية.

يكمن العمق المفاهيمي للصياغة في قدرتها على التمييز بين “الأعراض الظاهرة” و”العمليات التحتية”. فالأعراض ليست سوى التعبير الخارجي عن صراعات أو اختلالات معرفية أو عوامل ضغط بيولوجية ونفسية أعمق بكثير. تهدف الصياغة إلى كشف هذه الشبكة المعقدة من العلاقات السببية المتداخلة، مبينة كيف تغذي العوامل الوراثية الحساسية العاطفية، وكيف تعزز صدمات الطفولة تكوين مخططات معرفية غير تكيفية تبرز عند التعرض لأحداث حياتية ضاغطة ومفجرة للأزمة.

تتسم الصياغة التشخيصية بكونها فريدة ومصممة خصيصاً لكل مريض على حدة؛ فحتى لو اشترك شخصان في نفس التشخيص الفئوي (مثل اضطراب الاكتئاب الرئيس)، فإن صياغة كل منهما ستكون مختلفة جذرياً عن الأخرى لاختلاف مسبباتهما ودينامياتهما ومواردهما النفسية ومحيطهما الأسري، مما يستوجب مسارين مختلفين تماماً في التدخل العلاجي.

تؤدي الصياغة أيضاً وظيفة تنبؤية بالغة الحساسية، إذ تتيح للمعالج استشراف العقبات المحتملة في المسار العلاجي، مثل المقاومة اللاواعية، أو صعوبات التحالف العلاجي، أو مخاطر الانتكاس، والتعامل معها استباقياً. كما أنها تمنح المريض إحساساً عميقاً بالاحتواء والفهم، مما يقلل من وصمة العار المرتبطة بالتشخيص الجامد ويعزز دافعيته للتغيير والتطوير الذاتي.

5. التطور التاريخي والمحطات التأسيسية

تعود الجذور الأولى للصياغة السريرية إلى التحليل النفسي الكلاسيكي مع مطلع القرن العشرين، حيث أسس سيغموند فرويد مبدأ دراسة الحالة الفردية المعمقة، محاولاً ربط العَرَض بالصراع اللاشعوري والمراحل النمائية المبكرة. كان المحللون الأوائل يركزون على بناء “صياغة ديناميكية” تفكك الآليات الدفاعية ومصادر القلق وعلاقات الموضوع، معتبرين أن تسمية المرض بحد ذاتها قليلة الجدوى ما لم تُفهم ديناميات اللاشعور المحركة له.

في منتصف القرن العشرين، ومع تطور المدرسة السلوكية على يد رواد مثل ب. ف. سكينر وجوزيف وولبي، ظهر ما يُعرف بـ “التحليل الوظيفي للسلوك” (Functional Behavioral Analysis). ركز هذا الاتجاه على الملاحظة الإجرائية للعلاقة بين المثيرات القبلية والسلوكيات والاستجابات البعدية، مما أضفى طابعاً تجريبياً قابلاً للقياس المباشر على بناء الفرضيات السريرية، دون اللجوء إلى التخمينات غير القابلة للتحقق.

جاءت النقلة المفصلية الكبرى في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين مع ظهور العلاج المعرفي السلوكي بقيادة آرون بيك وعدد من الباحثين مثل جاكلين بيرسونز (Jacqueline Persons)، الذين قننوا عملية الصياغة التشخيصية وجعلوها أداة قائمة على الأدلة. في الوقت ذاته، طرح جورج إنجل (George Engel) في عام 1977 نموذجه الشهير “الحيوي النفسي الاجتماعي” (Biopsychosocial Model)، الذي ألزم العياديين بتضمين البيولوجيا والجينات والبيئة الاجتماعية والثقافة كركائز لا غنى عنها في أي صياغة تشخيصية شاملة وموضوعية.

6. الأطر النظرية والمقاربات المفسرة

تتعدد الأطر النظرية الموجهة للصياغة التشخيصية تبعاً للنموذج الإرشادي المتبنى من قِبل المعالج، وتشمل أبرز هذه المقاربات:

المقاربة الحيوية النفسية الاجتماعية (Biopsychosocial Approach): ترتكز هذه المقاربة على التكامل الأفقي بين أجهزة الجسم الحيوية وتفاعلات العقل والضغوط البيئية، وتفترض أن أي ظاهرة نفسية مرضية هي نتيجة تضافر معقد بين الاستعداد الجيني، والتوازن العصبي الكيميائي، والهشاشة النفسية المكتسبة، وشبكات الدعم أو الضغوط الاجتماعية.

المقاربة المعرفية السلوكية (CBT Approach): تركز على استجلاء الروابط بين المعتقدات الجوهرية الراسخة (Core Beliefs)، والافتراضات الوسيطة المشروطة، والأفكار التلقائية السلبية، وكيف تقود جميعها إلى مشاعر وسلوكيات غير تكيفية تحافظ على استمرار المشكلة في حلقة مفرغة محكمة الإغلاق.

المقاربة الديناميكية النفسية (Psychodynamic Approach): تهتم باستكشاف البنى اللاشعورية، مثل الصراعات بين مكونات الشخصية (الهو، الأنا، الأنا الأعلى)، وأنماط التعلق المبكرة، وآليات الدفاع المشوهة للواقع، وتفسير كيفية إسقاط العلاقات السابقة على العلاقات الحاضرة بما فيها العلاقة مع المعالج.

المقاربة النسقية والنظمية (Systemic/Family Approach): ترى الفرد كجزء لا يتجزأ من شبكة علاقات أوسع، وتعتبر أن أعراض المريض قد تكون تعبيراً وظيفياً عن خلل وظيفي أو توازن غير سليم داخل المنظومة الأسرية أو السياق الاجتماعي الأوسع.

7. المكونات الأساسية، النماذج، والأنماط

يعد نموذج العوامل الأربعة أو الخمسة (The 4Ps or 5Ps Model) النموذج الهيكلي الأكثر قبولاً واستخداماً في التدريب والممارسة العيادية حول العالم، ويتضمن المكونات الآتية:

  • المشكلة الحالية وأعراض التقديم (Presenting Problem): وصف دقيق ومحدد للصعوبات الراهنة، وشدتها، وطريقة تأثيرها على الأداء اليومي للفرد وعلاقاته، متضمنة التشخيص الفئوي المعتمد وفق DSM أو ICD.
  • العوامل المهيئة (Predisposing Factors): نقاط الضعف الكامنة أو التاريخية التي جعلت الفرد أكثر عرضة لتطوير الاضطراب، مثل الوراثة والجينات، أو التعرض لصدمات وإساءات في الطفولة، أو الحرمان العاطفي والبيئات الأسرية المضطربة.
  • العوامل المفجرة / المرسبة (Precipitating Factors): الأحداث الضاغطة أو الأزمات الحادة التي وقعت قبيل ظهور الأعراض مباشرة وأطلقت شرارتها، مثل فقدان عمل، أو طلاق، أو وفاة شخص قريب، أو مرض جسدي مباغت.
  • العوامل المديمة / المسببة للاستمرار (Perpetuating Factors): العوامل والآليات التي تحول دون تعافي المريض وتساهم في تثبيت الاضطراب، مثل تجنب المواقف الضاغطة، واجترار الأفكار السلبية، والتشوهات المعرفية، والعزلة الاجتماعية، أو المكاسب الثانوية الناتجة عن المرض.
  • عوامل الحماية والمناعة النفسية (Protective Factors): الموارد ومكامن القوة الداخلية والخارجية التي يمتلكها الشخص وتساعده على الصمود والتعافي، مثل الذكاء، ومهارات حل المشكلات، والمرونة النفسية، والدعم الاجتماعي والأسري القوي، والاستجابة الإيجابية للعلاجات السابقة.

8. أمثلة وحالات سريرية تطبيقية

لتوضيح الكيفية التي تُبنى بها الصياغة التشخيصية عملياً، نتناول الحالة السريرية الافتراضية التالية لمهندس برمجيات يدعى “عمر” يبلغ من العمر 34 عاماً، تقدم للعيادة بشكوى من قلق معطل ونوبات هلع واكتئاب متوسط:

المشكلة الراهنة والتشخيص: نوبات هلع متكررة مترافقة مع رهاب الساح ونوبات هبوط مزاجي حاد تتطابق مع معايير اضطراب الهلع واضطراب الاكتئاب الجزئي. يعاني من صعوبة بالغة في مغادرة منزله أو الذهاب إلى مقر عمله.

العوامل المهيئة: تاريخ عائلي من اضطرابات القلق لدى الأم؛ نمط تعلق قلق متجنب نتج عن بيئة أسرية تتسم بالنقد الشديد والمطالبة بالكمال المطلق؛ تكوين معتقد جوهري مبكر مفاده: “أنا ضعيف، ويجب أن أكون كاملاً ومسيطراً لأستحق القبول”.

العوامل المفجرة: ترقية عمر مؤخراً لمنصب مدير قسم مع تزايد ضغوط الإشراف على فريق عمل كبير، مصحوبة بخلافات حادة مع خطيبته حول موعد الزفاف، مما فجر شعوره باقتراب الفشل وفقدان السيطرة التامة.

العوامل المديمة: سلوكيات الأمان والتجنب (رفض قيادة السيارة، طلب إجازات مرضية)، التحسس المفرط للإشارات الجسدية وتفسير تسارع ضربات القلب كارثياً كدليل على نوبة قلبية وشيكة، والانسحاب الاجتماعي الذي عزز مشاعر العجز والدونية.

عوامل الحماية: مستوى تعليمي ووعي مرتفع، دافعية قوية لاستعادة حياته المهنية، نمط حياة خالٍ من تعاطي المواد المخدرة، واستعداد تام للالتزام بالواجبات السلوكية المقترحة في الجلسات.

9. القياس، التقييم، وأدوات الصياغة

لا يتم قياس الصياغة التشخيصية بواسطة مقياس كمي منفرد، بل تتبع منهجية تقييمية نوعية وتكاملية تستند إلى التحقق من الفرضيات السريرية. يقوم المعالج خلال المقابلات السريرية الأولية المتعمقة باستكشاف تاريخ الحياة وتطبيق المقاييس السيكومترية الموثوقة لتأكيد أو نفي فرضياته.

تُستخدم استبيانات مقننة لتقييم المكونات الفردية للصياغة؛ فمثلاً يُستخدم مقياس بيك للاكتئاب (BDI) أو استبيان القلق العام (GAD-7) لقياس شدة الأعراض، بينما يُستخدم استبيان المخططات المعرفية لجيفري يونغ (Young Schema Questionnaire) لتقييم العوامل المهيئة المرتبطة بالبنى المعرفية المبكرة. وتستخدم سجلات المراقبة الذاتية السلوكية واليوميات المعرفية لرصد العوامل المديمة وتفاعلاتها اللحظية في البيئة الطبيعية للمريض.

لقياس جودة وموثوقية الصياغة التشخيصية نفسها من الناحية المنهجية، طور الباحثون أدوات خاصة مثل “مقياس جودة صياغة الحالة السريرية” (Case Formulation Quality Rating Scale – CFQRS)، الذي يقيم وضوح الروابط السببية، والتوافق مع الأدلة السريرية، وقابلية الفرضية للتطبيق العلاجي التجريبي، ومدى شموليتها للعوامل النفسية والحيوية المختلفة.

10. التطبيقات العملية والأهمية العيادية

تعتبر الصياغة التشخيصية بوصلة العمل العيادي المعاصر، وتتجلى أهميتها في عدد من التطبيقات الرئيسية:

توجيه خطة التدخل واختيار التقنيات: تساعد الصياغة في تحديد أولويات التدخل؛ فإذا كشفت الصياغة أن العامل المديم الأساسي هو التجنب السلوكي الناجم عن أفكار كارثية، يبدأ المعالج بتقنيات التعرض وإعادة الهيكلة المعرفية فوراً بدلاً من تشتيت الجهد في تقنيات استرخاء عامة ذات فائدة محدودة في مثل هذه الحالات.

إدارة المقاومة والعثرات السريرية: عندما يتعثر تقدم العلاج أو يتخلف المريض عن الالتزام بالمهام، توفر الصياغة التشخيصية تفسيراً ديناميكياً لهذا السلوك (كأن يكون التخلف حماية غير واعية ضد مواجهة مشاعر الهجر)، مما يسمح للمعالج بمعالجة العائق بتعاطف وتفهم دون الدخول في صراع إرادات مع المريض.

التعاون وإشراك المريض (Collaborative Empiricism): إن مشاركة الصياغة مع المريض بلغة واضحة وشفافة يجعله شريكاً فعالاً في رحلة علاجه، ويزيل اللبس والغموض حول أسباب معاناته، مما يقود إلى تلاحم وتحالف علاجي قوي ومتماسك.

11. الأبحاث والبيانات التجريبية

أكدت الأبحاث الإكلينيكية الرصينة، لا سيما دراسات جاكلين بيرسونز وزملائها المنشورة في كبرى الدوريات النفسية، أن استخدام خطط علاجية مبنية على صياغة فردية مخصصة يحقق معدلات تحسن أعلى ويقلل نسب الانتكاس مقارنة بالاتباع الحرفي وغير المرن لبروتوكولات العلاج المعيارية، خاصة في الحالات التي تعاني من مراضة مشتركة (Comorbidity) أو اضطرابات في الشخصية.

من جانب آخر، أشارت أبحاث تركز على الثبات بين الفاحصين (Inter-rater reliability) إلى وجود تباين في مدى تطابق الصياغات التي يضعها معالجون مختلفون لنفس المريض. وتوصلت دراسات بيتر فوناجي ومساعديه في مجال الصياغة القائمة على التعلق والعقلنة إلى أن تدريب المعالجين على نماذج صياغة محددة ومقننة يرفع بشكل ملحوظ من دقة التنبؤ بمسار العلاج واستجابة المريض للتقنيات المختلفة.

12. الاعتبارات الثقافية والسياقية

تمثل الصياغة التشخيصية ساحة بالغة الأهمية لمراعاة الخصوصية الثقافية للمريض، إذ قد تصبح الصياغة مضللة أو مؤذية إذا تم إغفال المعايير والقيم السائدة في مجتمعه. على سبيل المثال، قد يُفسر الاعتماد الأسري الشديد في المجتمعات الجمعية خطأً على أنه اضطراب شخصية اعتمادية، في حين أنه يمثل في سياقه الثقافي معياراً طبيعياً للتكافل والترابط العائلي.

استجابة لهذه الفجوة، أدرجت الجمعية الأمريكية للطب النفسي “مقابلة الصياغة الثقافية” (Cultural Formulation Interview – CFI) كأداة شبه مقننة في DSM-5 لتقييم أثر الهوية الثقافية للمريض، والمفاهيم الثقافية للضيق النفسي (Cultural Idioms of Distress)، والدعم والضغوط الثقافية، وخلفية المعالج الثقافية وتأثيرها على العلاقة العلاجية، مما يضمن صياغة موضوعية خالية من التحيز الإثني أو الثقافي.

13. الانتقادات، الجدليات، والحدود المنهجية

على الرغم من قيمتها السريرية المركزية، تواجه الصياغة التشخيصية عدة انتقادات وتحديات منهجية مطروحة للنقاش في الأوساط الأكاديمية:

تتعلق الانتقادات الأساسية بمسألة الذاتية (Subjectivity)؛ إذ يميل المعالج في كثير من الأحيان إلى فرض انحيازاته النظرية المسبقة على بيانات المريض، فيرى المعالج الديناميكي صراعات طفولية غير محلولة بينما يرى المعالج المعرفي تشوهات معرفية لنفس الحالة، مما يضعف أحياناً الصدق التجريبي للصياغة.

كما يُجادل بعض الباحثين بأن عملية الصياغة قد تستهلك وقتاً وجهداً مفرطين في البيئات الطبية المزدحمة التي تتطلب تدخلاً سريعاً ومختصراً. وثمة جدل مستمر حول ما إذا كانت خطط العلاج القائمة على الصياغات الفردية تتفوق بشكل حاسم في نتائجها على البروتوكولات العلاجية المقننة والمبنية على تشخيصات DSM في الاضطرابات البسيطة غير المعقدة مثل الفوبيا المحددة.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة

  • التشخيص الفئوي (Categorical Diagnosis): تصنيف وصفي يعتمد على مطابقة أعراض المريض لقوائم محددة سلفاً في أدلة التشخيص (مثل الاكتئاب، الفصام). الصياغة التشخيصية تختلف عنه بأنها سردية تفسيرية ديناميكية توضح أسباب الأعراض وآليات استمرارها بدلاً من الاكتفاء بتسميتها.
  • التحليل الوظيفي (Functional Analysis): أسلوب سلوكي دقيق يحلل المثيرات السابقة والنتائج اللاحقة لسلوك معين محدد. يُعد جزءاً ومكوناً تقنياً داخل الصياغة التشخيصية الأوسع، التي تشمل تاريخ الحياة والعوامل المعرفية والبيولوجية الأعمق.
  • التصور النظري للحالة (Case Conceptualization): مصطلح يُستخدم غالباً بالتبادل وبشكل مترادف مع الصياغة التشخيصية، مع ميل طفيف في الأدبيات المعرفية السلوكية لاستخدام “التصور النظري” للتأكيد على الجانب المعرفي البنائي، بينما تستخدم الصياغة التشخيصية في السياقات الطبية والنفسية العامة للدلالة على الشمول الحيوي النفسي.
  • التقييم النفسي (Psychological Assessment): عملية جمع المعلومات والبيانات السريرية عبر المقابلات والاختبارات والمقاييس. يمثل التقييم المدخلات الخام الأساسية التي تُبنى منها الصياغة التشخيصية لاحقاً.

15. خلاصة واستنتاجات ختامية

تظل الصياغة التشخيصية هي جوهر الفن السريري والعلم النفسي المتكامل؛ فهي تمنع اختزال المعاناة الإنسانية في بطاقة تصنيفية صماء، وتعيد الاعتبار للسياق الفردي والتاريخي الفريد لكل مريض. ومن خلال الربط المنهجي بين العوامل المهيئة، والمفجرة، والمديمة، وعوامل الحماية، ترسم الصياغة خارطة طريق واضحة تقود العمل العلاجي من مرحلة التشخيص الأولي وحتى بلوغ التعافي الكامل والمستدام.

المراجع

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 9). الصياغة التشخيصية: جسر الفهم السريري المتكامل. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/diagnostic-formulation/
looti, Mohammed. “الصياغة التشخيصية: جسر الفهم السريري المتكامل.” عرب سايكلوجي, 9 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/diagnostic-formulation/.
looti, Mohammed. “الصياغة التشخيصية: جسر الفهم السريري المتكامل.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 9, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/diagnostic-formulation/.