مذهب الأسباب: فهم العلية وتفسير السلوك البشري

استكشف مذهب الأسباب في علم النفس والفلسفة؛ دليلاً شاملاً يوضح مفهوم العلية، ونظريات الإسناد، وتفسير السلوك البشري بين الحتمية الميكانيكية والغائية الوجودية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 14 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 14 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يعد البحث في أصول الأفعال وتحديد مسببات الظواهر النفسية والسلوكية أحد أقدم الانشغالات المعرفية التي شكلت صلب الفلسفة وتطور علم النفس الحديث؛ إذ يسعى الإنسان بطبعه الفطري إلى إرجاع الوقائع إلى جذورها بحثاً عن المعنى والقدرة على التنبؤ. ويمثل مفهوم العلية أو مذهب الأسباب الركيزة الإبستمولوجية التي تنبني عليها النماذج التفسيرية للاضطرابات النفسية والدوافع الإنسانية والعمليات الإدراكية المعقدة. إن سبر أغوار هذا المفهوم لا يقتصر على سرد ميكانيكي للعلاقات الترابطية، بل يمتد إلى تفكيك الشبكات الديناميكية التي تجعل من السلوك الإنساني محصلة تفاعل عميق بين البيولوجيا، والبيئة، والإرادة الذاتية.

مذهب الأسباب في علم النفس والفلسفة

1. التعريف الموجز والدقيق

يُعرَّف مذهب الأسباب (Doctrine of Causes) فلسفياً ونفسياً بأنه الإطار النظري والإبستمولوجي الذي يقرر أن لكل ظاهرة أو سلوك أو حالة عقلية علة موجبة لحدوثها، وأن فهم أي كيان نفسي لا يكتمل إلا بتحديد الأسباب المباشرة وغير المباشرة الكامنة وراء نشأته واستمراره. ويرتكز هذا المبدأ على افتراض أن العمليات النفسية ليست عشوائية، بل تخضع لشبكة من العلاقات السببية المنتظمة القابلة للرصد والتحليل.

وفي السياق السيكولوجي الموسع، يمتد هذا المفهوم ليشمل كيفية إدراك الأفراد أنفسهم للعلل وتفسيرهم لأفعالهم وأفعال الآخرين، وهو ما يُعرف بنظريات الإسناد السببي. كما يعبر عن النموذج التفسيري الشامل الذي يتبناه الباحث أو المعالج النفسي لفهم مسببات الاضطراب النفسي؛ سواء كانت عللاً مادية بيولوجية، أو عللاً غائية مرتبطة بالأهداف المستقبلية والمعنى الشخصي.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي

تعود كلمة «سبب» في المعاجم العربية إلى الحبل أو كل ما يُتوصَّل به إلى غيره، وقد تطور المفهوم دلالياً ليشير إلى العلة الموجبة للشيء. وفي اللغات الغربية، يرتبط المصطلح بكلمة (Causality) المشتقة من اللاتينية causa، والتي كانت تعني في الأصل «قضية» أو «دعوى قضائية» أو «تفسير لحدث ما»، وتطورت في العصور الوسطى الفلسفية لتعبر عن المبدأ الوجودي المنتج للمعلول.

أما مصطلح «مذهب الأسباب» (Doctrine of Causes)، فقد برز تاريخياً مع ترجمة التراث الفلسفي اليوناني، وتحديداً مع تصنيف أرسطو للعلل الأربع (Aitia)، والتي لم تكن تعني مجرد التتابع الآلي، بل كانت تعني «التفسير الكامل» للشيء؛ أي تقديم الإجابة الوافية عن التساؤل المزدوج: «لماذا حدث هذا؟» و«كيف وجد على هذه الصورة؟».

3. البنية الصرفية والاستخدام اللغوي

يتركب المصطلح في اللغة العربية من كلمتين: الأولى «مذهب» (اسم مكان على وزن مَفْعَل، ويقصد به الطريقة أو المعتقد أو النظرية المصوغة فكرياً)، والثانية «الأسباب» (جمع تكسير لكلمة سَبَب). ويُستخدم المصطلح كمركب إضافي يعبر عن نسق معرفي محدد يُعنى بالتحليل السببي للظواهر.

ويشيع استخدامه في الكتابات الأكاديمية بصيغ متعددة مثل: «نظرية العلية النفسية»، أو «مبدأ السببية السلوكية»، أو «مذهب العلل الغائية والميكانيكية». وعند تصريفه سياقياً، يقال: «تسبيب السلوك»، و«إسناد علّي»، و«تحليل سببي»، وهي مصطلحات متداولة بكثافة في الدراسات المعرفية وعلم النفس الاجتماعي وعلم الأمراض النفسية (Psychopathology).

4. الشرح المفاهيمي الموسع والأبعاد المعرفية

ينطوي مذهب الأسباب في علم النفس على أبعاد متعددة تتجاوز النظرة الخطية التقليدية (أ يؤدي إلى ب). إن السلوك البشري ظاهرة فائقة التعقيد، تتداخل فيها العوامل الوراثية، والتكوين العصبي، والتاريخ الصدمي، والديناميات الأسرية، والمحيط الثقافي والاجتماعي. من هنا، ينظر علم النفس المعاصر إلى العلية باعتبارها شبكة تفاعلية غير خطية، حيث تتضافر أسباب متعددة لإنتاج عرض نفسي واحد، أو يؤدي سبب واحد إلى مخرجات نفسية متباينة باختلاف سياق الفرد ومرونته النفسية.

يميز مذهب الأسباب بين ثلاثة مستويات من التحليل: العلل القريبة (Proximate Causes) وهي المحفزات المباشرة مثل خلل في النواقل العصبية أو حدث ضاغط حالي؛ والعلل البعيدة أو التطورية (Ultimate Causes) التي تبحث في الوظيفة التكيفية للسلوك على مدى التاريخ التطوري للنوع البشري؛ والعلل البنائية التكوينية التي تشمل بنية الشخصية ومنظومات المعتقدات المتراكمة عبر التنشئة الاجتماعية.

كذلك ينقسم التحليل السببي إلى اتجاهين رئيسيين: السببية الميكانيكية الحتمية (Deterministic Causality) التي تفترض أن السلوك محكوم كلياً بقوانين سابقة تجعل حدوثه أمراً حتمياً لا فكاك منه، والسببية الغائية (Teleological Causality) التي ترى أن الأفعال الإنسانية مدفوعة بالمقاصد والرؤى المستقبلية والغايات الذاتية، وهو ما يمنح الفرد فاعلية أخلاقية ونفسية حقيقية.

بالإضافة إلى ذلك، يتقاطع مذهب الأسباب مع علم النفس المعرفي عبر دراسة التحيزات الإدراكية المرتبطة بالسببية. فالإنسان لا يستقبل العلاقات العلية بسلبية، بل يقوم بنشاط عقلي دائم لتأويل العالم؛ مما يوقعه أحياناً في أخطاء إدراكية مثل توهم السببية حيث يربط بين حدثين متزامنين دون وجود علاقة حقيقية، أو الاندفاع نحو التفسير التآمري لتلبية حاجته النفسية للشعور بالسيطرة واليقين.

5. التطور التاريخي للمفهوم

بدأ التأصيل المنهجي لمذهب الأسباب مع الفيلسوف الإغريقي أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، عندما صاغ نظريته الشهيرة في العلل الأربع: المادية، والصورية، والفاعلة، والغائية. وقد سادت هذه الرؤية لقرون طويلة وشكلت جوهر فلسفة العصور الوسطى والفكر الإسلامي الوسيط، حيث قام فلاسفة مثل ابن سينا والغزالي بتدقيق مفهوم السببية ومناقشة اقتران الحوادث ببعضها.

مع بزوغ الثورة العلمية في القرن السابع عشر، نحّت الفيزياء الحديثة العلة الغائية جانباً وركزت حصرياً على العلة الفاعلة الميكانيكية. ثم جاء الفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر ليوجه ضربته المعرفية الشهيرة، مؤكداً أن السببية ليست خاصية موضوعية في العالم الخارجي، بل هي عادة ذهنية واقتران متكرر ينشأ في الإدراك الحسي البشري. وردّ إيمانويل كانط بعد ذلك معتبراً السببية مقولة عقلية قبلية ضرورية لتنظيم التجربة الإنسانية.

عند استقلال علم النفس كمجال علمي في أواخر القرن التاسع عشر، تبنى الرواد الأوائل رؤى سببية مختلفة: تبنى وندت وتيتشنر النزعة الميكانيكية الأولية، بينما صاغ سيغموند فرويد مبدأ الحتمية النفسية القائم على أن كل زلة لسان أو حلم أو عرض عصابي له سبب لاشعوري محدد. تلت ذلك المدرسة السلوكية التي قصرت السببية على مثيرات البيئة المادية واستجاباتها (S-R)، لتتوج هذه المسيرة بالثورة المعرفية ونظريات الإسناد مع فريتز هايدر وهارولد كيلي في منتصف القرن العشرين، حيث تحولت دراسة العلية من مجرد وسيلة بحثية إلى موضوع سيكولوجي قائم بذاته.

6. الأسس والأطر النظرية

تتعدد الأطر النظرية التي حاولت تفسير مذهب الأسباب وتطبيقه على السلوك البشري، ومن أبرزها:

نظرية الحتمية النفسية والدينامية: أسسها سيغموند فرويد، وتقوم على فرضية أن كل مظهر من مظاهر السلوك والعاطفة له أسباب غريزية ولاواعية متجذرة في خبرات الطفولة المبكرة وكبت الرغبات، نافية وجود أي فعل يصدر بمحض المصادفة المجردة.

النموذج السلوكي الميكانيكي: تزعمه واطسون وسكينر، وينظر إلى السببية كعلاقة إجرائية وظيفية بين المثيرات البيئية والتاريخ التعزيزي للفرد؛ فالاستجابة مدفوعة بنتائجها البيئية (التعزيز والعقاب) دون حاجة لافتراض حالات عقلية وسيطة.

النموذج المعرفي ونظرية الإسناد السببي: بلورها فريتز هايدر وطورها برنارد واينر، وتدرس كيفية قيام «الإنسان كعالم ساذج» بالبحث عن أسباب النجاح والفشل، وتصنيف هذه الأسباب وفق محاور الاستقرار (ثابت/غير ثابت)، وموضع الضبط (داخلي/خارجي)، والقدرة على التحكم، وهو ما يحدد لاحقاً دافعية الفرد وتقديره لذاته.

النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial Model): صاغه جورج إنجل عام 1977، ويعد اليوم الإطار السببي الأشمل في الطب النفسي الحديث؛ حيث يفترض أن المرض والصحة النفسية لا يمكن إرجاعهما لسبب أحادي، بل ينبثقان من تفاعل ديناميكي مركب بين مسارات النواقل العصبية، والأنماط المعرفية والوجدانية، والشبكات الاجتماعية والضغوط البيئية.

7. المكونات والأنماط والأبعاد السببية

يتضمن مذهب الأسباب تصنيفاً معقداً لمستويات التأثير السببي، والتي يمكن تفصيلها ضمن الأنماط والأبعاد التالية:

  • العلل المهيئة (Predisposing Causes): العوامل التكوينية المستمرة كالجينات الوراثية وأنماط الشخصية وتجارب الطفولة الباكرة، والتي ترفع من قابلية الفرد للتأثر دون أن تُحدث العرض بذاتها.
  • العلل المعجلة أو المحفزة (Precipitating Causes): الأحداث الضاغطة المباشرة كالفقدان، أو الصدمات، أو الضغوط المهنية الشديدة، والتي تؤدي إلى إطلاق الاضطراب أو العرض النفسي المكبوت.
  • العلل المديمة أو المستدامة (Perpetuating Causes): العوامل السلوكية والمعرفية التي تمنع الشفاء وتعمل على استمرار الاضطراب، مثل التجنب السلوكي، والاجترار الفكري، والمكاسب الثانوية، وغياب شبكة الدعم.
  • العلل الوقائية (Protective Factors): الموارد النفسية والبيئية كـ المرونة النفسية، وحل المشكلات، والمساندة العائلية، والتي تعيق المسار السببي للمرض وتحد من آثاره.
  • العلة الدائرية والتفاعلية (Circular Causality): مفهوم صاغته نظرية النظم الأسرية، يفترض أن السبب والنتيجة يتبادلان المواقع باستمرار، حيث يغذي سلوك كل طرف في المنظومة استجابة الطرف الآخر في حلقة مفرغة.

8. أمثلة وحالات تطبيقية وتوضيحية

لتوضيح مذهب الأسباب بصورة تطبيقية، نورد الحالات التوضيحية التالية:

الحالة الأولى: تحليل نوبة الاكتئاب الجسيم
يتقدم مريض يدعى «س» يبلغ من العمر 35 عاماً يعاني من مزاج مكتئب حاد وفقدان للشغف. عند تفكيك حالته وفق النموذج السببي التكاملي، نجد: علة مهيئة تتمثل في تاريخ عائلي من الاكتئاب ونمط تعلق قلق؛ وعلة محفزة هي فقدانه لوظيفته قبل شهرين؛ وعلة مديمة تتمثل في عزلته الاجتماعية واعتقاده المعرفي الراسخ بأنه «فاشل لا أمل فيه»؛ في حين تكمن العوامل الوقائية في تمتعه بذكاء عام مرتفع واستعداده المسبق لطلب العلاج النفسي. إن محاولة حصر حالته في سبب واحد (مثل فقدان الوظيفة فقط) تُعد قصوراً تشخيصياً كبيراً.

الحالة الثانية: الإسناد السببي في الأداء الأكاديمي
رسب طالبان في الاختبار نفسه؛ قام الأول بإسناد النتيجة لسبب داخلي غير ثابت وقابل للتحكم فقال: «لم أستعد جيداً وسأضاعف جهدي في المرة القادمة»، مما حفز دافعيته للمثابرة. بينما أرجع الثاني النتيجة لسبب داخلي ثابت وغير قابل للتحكم فقال: «أنا غبي بطبعي ولا فائدة ترجى مني»، مما أدخله في حالة من العجز المتعلم واليأس الاكتئابي. تبرهن هذه الحالة على أن كيفية إدراك الأسباب تتحول بحد ذاتها إلى علة محددة للسلوك المستقبلي.

9. القياس والتقييم السيكولوجي

يتم تقييم وفحص مذهب الأسباب والعمليات التفسيرية المرتبطة به في علم النفس الإكلينيكي والبحثي من خلال أدوات مقننة ومناهج منهجية دقيقة، تشمل:

استبيان الأنماط التفسيرية (ASQ – Attributional Style Questionnaire): يقيس الطريقة التي يعزو بها الأفراد الأحداث الإيجابية والسلبية عبر محاور: داخلي/خارجي، مستقر/عابر، عام/خاص، وهو أداة جوهرية في تقييم القابلية للإصابة بالاكتئاب.

مقياس موضع الضبط للوكالة النفسية (Rotter’s Locus of Control Scale): يقيم ما إذا كان الفرد يرى مسببات حياته خاضعة لسيطرته الشخصية وسلوكه الخاص (ضبط داخلي)، أم يرجعها للحظ والصدفة والآخرين الأقوياء (ضبط خارجي).

الصياغة الإكلينيكية للحالة (Clinical Case Formulation): أسلوب تقييمي نوعي شامل يتبناه المعالج المعرفي السلوكي، يقوم برسم خارطة سببية بصرية تربط بين الخبرات المبكرة، والمخططات المعرفية، والمحفزات، وحلقات الحفاظ على الأعراض لدى المريض، مما يوجه التدخل العلاجي المستهدف.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يحظى مذهب الأسباب بحضور محوري عبر مجالات تطبيقية واسعة:

في العلاج النفسي: يُعد التدخل المعرفي السلوكي (CBT) عملية إعادة صياغة سببية بامتياز؛ حيث يُدرّب العميل على تفكيك الأفكار التلقائية وتصحيح التحيزات السببية كـ «شخصنة الأحداث»، والتحول من لوم الذات المطلق إلى فهم المتغيرات المتعددة المؤثرة في الموقف.

في البيئات التربوية والتعليمية: يسهم فهم المعلمين للعلية في تعديل تغذيتهم الراجعة؛ فالتركيز على مدح الجهد والمثابرة (سبب غير ثابت وقابل للتحكم) يعزز عقلية النمو (Growth Mindset)، بخلاف مدح الذكاء الفطري المجرد (سبب ثابت) الذي يكرس الهشاشة النفسية أمام الفشل.

في علم النفس التنظيمي والإداري: يوجه مذهب الأسباب أساليب تقييم الأداء وإدارة الأزمات، إذ يتيح للقادة التمييز بين الأسباب البيئية والنسقية التي تؤثر على إنتاجية الموظف وبين الأسباب الشخصية والمهارية، مما يمنع الوقوع في «خطأ العزو الأساسي» وتوجيه لوم جائر للأفراد.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية

أكدت عقود من الأبحاث التجريبية مركزية الفهم السببي في بناء الصحة النفسية؛ فقد أثبتت أبحاث مارتن سيليغمان حول العجز المتعلم أن الأشخاص الذين يتبنون نمطاً تفسيرياً تشاؤمياً (يعزون الفشل لأسباب داخلية، مستقرة، وشاملة) هم الأكثر عرضة للإصابة بنوبات الاكتئاب السريري وتدهور وظائف المناعة الجسدية.

وفي مجال الطب النفسي وعلم الأعصاب، كشفت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي قام بها باحثون معاصرون أن القشرة الجبهية الظهرية الجانبية وقشرة الفص الجداري تتفاعلان بنشاط مكثف عند محاولة استنتاج العلاقات السببية بين المثيرات، مما يشير إلى وجود ركيزة عصبية متخصصة في الدماغ البشري مكرسة لمعالجة العلية وفرض الترتيب السببي على المعطيات الحسية العشوائية.

12. الاعتبارات الثقافية والعبر-ثقافية

تتباين طرق صياغة الأسباب وإدراك العلية بشكل جذري باختلاف السياق الثقافي؛ فبينما تميل الثقافات الغربية الفردية إلى تفضيل الأسباب الداخلية والشخصية لتفسير السلوك (تحيز الفاعلية الفردية)، تميل الثقافات الشرقية والجمعية إلى التركيز على الأسباب الخارجية والسياقية والمجتمعية كأطر حاكمة للفعل.

علاوة على ذلك، تتداخل التفسيرات الميتافيزيقية والروحية في العديد من المجتمعات التقليدية مع التفسير العلمي للسببية النفسية؛ حيث يُعزى المرض النفسي في سياقات معينة إلى العين، أو الحسد، أو المس، أو اضطراب التناغم الطاقي. يفرض هذا التنوع على الممارس الإكلينيكي أن يتبنى كفاءة ثقافية تتيح له فهم «النموذج التفسيري» الخاص بالمرجعية الثقافية للعميل دون إطلاق أحكام مسبقة تعرقل التحالف العلاجي.

13. الانتقادات والجدالات والحدود المعرفية

رغم الرسوخ النظري لمذهب الأسباب، إلا أنه يواجه انتقادات حادة وجدالات فلسفية وعلمية مستمرة:

إشكالية الحتمية وحرية الإرادة: يرى الفلاسفة الوجوديون أن الإغراق في التفسير السببي الحتمي للسلوك البشري يحول الإنسان إلى مجرد «آلة بيولوجية أو اجتماعية»، مجرداً إياه من مسؤوليته الأخلاقية، وقدرته الأصيلة على الاختيار والتجاوز.

حدود ميكانيكا الكم ونظرية التعقيد: شككت الفيزياء الحديثة في مبدأ الحتمية الصارمة عبر ميكانيكا الكم ونظرية الفوضى (Chaos Theory)؛ حيث تبين أن بعض الأنظمة الحيوية والديناميكية تتسم بالاحتمالية وعدم القابلية للتنبؤ الخطي، مما يجعل اختزال الظواهر النفسية في معادلات سببية مبسطة ادعاءً ينقصه الإثبات التجريبي الكامل.

مخاطر الاختزالية الطبية: ينتقد العديد من علماء النفس المعاصرين النزعة البيولوجية المفرطة التي تختزل الاضطرابات الوجدانية المعقدة في مجرد «خلل في كيمياء الدماغ»، متجاهلة العوامل الوجودية، والاجتماعية، والسياسية التي قد تكون هي العلة الجذرية الحقيقية لمعاناة الإنسان.

14. المصطلحات المقترنة والفروق الدلالية

تتداخل مع مذهب الأسباب مفاهيم متقاربة يجب التمييز بينها بدقة تجنباً للخلط المعرفي:

  • الارتباط (Correlation): يشير إلى وجود علاقة إحصائية أو تلازم وتزامن في الحدوث بين متغيرين دون أن يكون أحدهما بالضرورة سبباً للآخر؛ فالارتباط لا يعني العلية بأي حال.
  • الحتمية (Determinism): مذهب فلسفي ينص على أن جميع الأحداث محددة مسبقاً وبشكل لا مفر منه بفعل علل سابقة، وهو صورة متطرفة وقاطعة من التفسير السببي تنفي حرية الإرادة.
  • التسلسل الغائي (Teleology): تفسير السلوك بالنظر إلى الأهداف والمآلات المستقبلية وليس عبر الدوافع والعلل الميكانيكية السابقة زمنياً، وهو مكمل لمذهب الأسباب وليس نقيضاً تاماً له.
  • الإسناد (Attribution): العملية السيكولوجية الذاتية التي يقوم الفرد من خلالها بتخمين أسباب الأحداث وسلوكيات الآخرين، وهو يدرس تمثّل السببية وليس السببية الموضوعية ذاتها.

15. خلاصة ونتائج جوهرية

يمثل مذهب الأسباب حجر الزاوية في بناء الفهم السيكولوجي؛ فهو البوصلة التي تنقل الملاحظة من التوصيف السطحي إلى التفسير المعمق والتنبؤ العلمي والتدخل العلاجي الفعال. إن استيعاب السلوك البشري يقتضي تجاوز النماذج الأحادية البسيطة والتبني الحاسم للعلية التفاعلية المتعددة الأبعاد، والتي تعترف بتشابك العوامل البيولوجية، والنفسية، والاجتماعية، والوجودية. كما يكشف المفهوم أن الإنسان ليس مجرد كائن يتأثر بالأسباب الموضوعية في بيئته، بل هو ذات واعية تشكل قراءتها وتفسيراتها لتلك الأسباب مسار حياتها ومستقبلها السلوكي والمعرفي.

المراجع

  • Aristotle. (1984). The complete works of Aristotle: The revised Oxford translation (J. Barnes, Ed.). Princeton University Press.
  • Engel, G. L. (1977). The need for a new medical model: A challenge for biomedicine. Science, 196(4286), 129–136. https://doi.org/10.1126/science.847460
  • Heider, F. (1958). The psychology of interpersonal relations. John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1037/10628-000
  • Hume, D. (1739/2000). A treatise of human nature (D. F. Norton & M. J. Norton, Eds.). Oxford University Press.
  • Weiner, B. (1985). An attributional theory of achievement motivation and emotion. Psychological Review, 92(4), 548–573. https://doi.org/10.1037/0033-295X.92.4.548

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 14). مذهب الأسباب: فهم العلية وتفسير السلوك البشري. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/doctrine-of-causes-psychology-attribution/
looti, Mohammed. “مذهب الأسباب: فهم العلية وتفسير السلوك البشري.” عرب سايكلوجي, 14 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/doctrine-of-causes-psychology-attribution/.
looti, Mohammed. “مذهب الأسباب: فهم العلية وتفسير السلوك البشري.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 14, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/doctrine-of-causes-psychology-attribution/.