تُمثل الدوغماتية إحدى أكثر الظواهر النفسية والمعرفية تعقيداً في دراسة الشخصية والسلوك الاجتماعي؛ إذ تُجسد حالة متطرفة من التصلب الذهني والاستمساك الأعمى بالمعتقدات دون إخضاعها للمحاكمة العقلية أو النقد الموضوعي. يكشف سبر أغوار هذا المفهوم في سياق علم النفس المعاصر عن الآليات الدفاعية التي يعتمدها العقل البشري لتطويق مشاعر القلق والتهديد الوجودي عبر التمسك باليقين الزائف. نهدف من خلال هذا المدخل المعجمي الموسع إلى استعراض الدوغماتية كبناء نفسي متكامل يشمل جذورها اللغوية وتطورها التاريخي وخصائصها الإكلينيكية وقياسها السيكومتري ومآلاتها المجتمعية.
الدوغماتية (Dogmatism)
1. التعريف الموجز والدقيق
الدوغماتية (Dogmatism) هي نمط معرفي وسمة شخصية تتسم بالتمسك القاطع بمجموعة محددة من المعتقدات بوصفها حقائق مطلقة لا تقبل الدحض أو المراجعة، بالتوازي مع الرفض التام وغير المبرر للأدلة المناقضة والمعلومات البديلة. يُعرف هذا البناء السيكولوجي بأنه بنية معرفية مغلقة نسبياً تعتمد على الانقسام الصارم بين نسق المعتقدات المقبولة وتلك المرفوضة، وتستند إلى الاستسلام المفرط لسلطة فكرية معينة.
يتجاوز هذا المفهوم مجرد التمسك برأي قوي؛ فهو يعكس أسلوباً عاماً في معالجة المعلومات وتنظيم الجهاز العقلي للفرد. لا ترتبط الدوغماتية بمحتوى المعتقد بحد ذاته، سواء كان سياسياً أو دينياً أو فلسفياً أو حتى علمياً، بل تُعنى بالكيفية الهيكلية التي يُحفظ بها هذا المعتقد في الوعي. من هذا المنظور، تُعد الدوغماتية آلية وقائية تهدف إلى صيانة التماسك النفسي من خلال عزل الفرد عن التعقيد المعرفي والغموض المتأصل في العالم الخارجي.
يتميز الفرد المتسم بدرجة مرتفعة من الدوغماتية بقابلية منخفضة للتكيف التواصلي، حيث يُبدي مقاومة شرسة لتعديل خرائطه الذهنية حتى عندما يواجه براهين تجريبية دامغة. يترتب على ذلك توليد أحكام مسبقة قاسية ضد الجماعات الخارجية التي تعتنق وجهات نظر متباينة، مما يجعل من الدوغماتية ركيزة نفسية مركزية لظواهر التعصب، والاستقطاب المجتمعي، والتشدد الأيديولوجي.
2. التأثيل والاشتقاق اللغوي
تعود الجذور الاشتقاقية لمصطلح “الدوغماتية” إلى الكلمة اليونانية القديمة dogma (δόγμα)، المشتقة بدورها من الفعل dokein (δοκεῖν) الذي يعني “يبدو ملائماً” أو “يظهر بمظهر الحق” أو “يعتقد”. كان المصطلح في الفلسفة اليونانية الكلاسيكية يُشير بصورة محايدة إلى الرأي الفلسفي المستقر، أو المبدأ التوجيهي، أو القرار الذي اتخذه مجمع فكري أو سياسي، واستخدمه فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو للإشارة إلى المسلمات المعرفية.
تحول المفهوم تدريجياً خلال العصور الوسطى عبر اللاهوت الكنسي؛ حيث باتت “الدوغما” تعني العقيدة الإيمانية الملزمة التي وضعتها السلطة الدينية العليا والتي لا يجوز الشك فيها أو مناقشتها دون الوقوع في الهرطقة. هذا التحول الدلالي نقل اللفظ من حيز “الرأي المقبول عقلياً” إلى حيز “الحقيقة الموحى بها غير القابلة للنقاش”، مما أضفى عليه طابع القطعية والجزم الإلزامي.
دخل المصطلح ميدان العلوم الإنسانية الحديثة وعلم النفس خلال القرن العشرين، ولا سيما عبر أعمال ميلتون روكيتش (Milton Rokeach)، حيث جُرّد من حمولته الدينية حصراً ليُعاد تشكيله كنمط نفسي عام يصف انغلاق العقل الفردي أو الجماعي (Closed-Mindedness). في المعاجم العربية الحديثة، تُترجم الدوغماتية بمصطلحات مثل “الجزمية” أو “الإيقانية” أو “المذهبية المتعنتة”، وهي تشير جميعها إلى الإصرار على إصدار الأحكام القاطعة بلا سند علمي فاحص.
3. الصيغة النحوية والاستخدام الصرفي
تُعد كلمة “الدوغماتية” اسماً منسوباً مؤنثاً مُعرَّباً، يُعامل في النحو العربي كاسم مجرد يدل على المصدر الصناعي (الدوغماتية = الدوغما + ية المصدرية). يُصاغ منها الاسم الدال على الموصوف المذكر فيُقال: “شخصٌ دوغماتيّ”، وللمؤنث: “شخصية دوغماتية”. كما يشيع في الاستعمال الأكاديمي استخدام اللفظ المقابل العربي وهو “الجزمية” المستمد من الفعل الثلاثي “جَزَمَ”، الذي يفيد القطع والبت في الأمر دون تردد.
من حيث الموقع الإعرابي، تقع اللفظة في سياقات لغوية متنوعة؛ فقد تأتي مبتدأ أو خبراً أو مضافاً إليه، مثل: “تُقوضُ الدوغماتيةُ أسسَ الحوار العقلاني” (فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة). يُشتق منها أيضاً الفعل المولد المجازي “تدغمتَ / يتدغمتُ / تدغمتاً”، وإن كان استعمال صيغة التعبير التركيبي (مثل: اتسم بالدوغماتية، أو تبنى موقفاً جزمياً) هو الأكثر فصاحة وشيوعاً في الأدبيات السيكولوجية واللغوية العربية الرصينة.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
تُمثل الدوغماتية في جوهرها النفسي أسلوباً معرفياً عاماً غير قائم على محتوى المعتقدات بل على أسلوب تنظيمها الداخلي. افترض الباحثون أن الجهاز العقلي للإنسان يشتمل على بعدين متصلين: بعد “الانفتاح المعرفي” وبعد “الانغلاق المعرفي”. تتوضع الدوغماتية في الطرف المتطرف من الانغلاق، حيث يتسم النسق المعرفي بصعوبة بالغة في إدخال بيانات جديدة تتعارض مع النواة الصلبة للمعتقدات، وبميل منهجي لفلترة وتشويه المدخلات الحسية والمعلوماتية لتتطابق مع التصورات المسبقة.
يتسم النسق الدوغماتي بوجود فجوة إدراكية هائلة بين منظومة المعتقدات التي يعتنقها الشخص ومنظومة المعتقدات التي يرفضها. في هذا النسق، يُنظر إلى المنظومة المقبولة بوصفها كلية الصحة والخير والملاءمة، بينما تُصنف المنظومة المرفوضة على أنها باطلة ومضللة وشريرة. يعجز الفرد الدوغماتي عن التمييز الدقيق بين التباينات الفرعية داخل المعتقدات المرفوضة؛ فهو يختزل كافة الآراء المخالفة في قالب واحد عدائي ومرفوض، وهو ما يعرف بظاهرة “التمايز المعرفي المنخفض” للأفكار البديلة.
يرتبط بهذا العجز المعرفي مفهوم الاعتماد المطلق على السلطة، حيث يُستمد صدق القضية في المنظور الدوغماتي ليس من اتساقها المنطقي الداخلي أو من فحصها التجريبي، بل من المصدر الذي أطلقها. إذا أصدرت السلطة الموثوقة (سواء كانت زعيماً سياسياً، أو مرجعاً دينياً، أو نصاً مقدساً، أو حتى اتجاهاً فكرياً حزبياً) حكماً معيناً، يُقبل تلقائياً بوصفه حقيقة مطلقة، في حين يُرفض أي حكم يصدر عن سلطة أخرى غير معترف بها بصرف النظر عن وجاهته الموضوعية وسلامة أدلته.
تعمل الدوغماتية على المستوى الديناميكي كحصن سيكولوجي منيع لحماية الأنا من التهديدات الداخلية والخارجية. يكشف التحليل النفسي أن وراء القناع الصلب للثقة المطلقة واليقين الجازم تكمن بنية هشة تعاني من مستويات دفينة من القلق الوجودي وتدني تحمل الغموض والتنافر المعرفي. بالتالي، يُشكل اليقين الدوغماتي بديلاً نفسياً تعويضياً يُوفر إحساساً بالأمان والاستقرار في عالم معقد ومربك.
5. التطور التاريخي للمفهوم
مرت دراسة الدوغماتية كمتغير سيكولوجي بمحطات مفصلية على مدى العقود السابقة، محكومة بالسياقات السياسية والاجتماعية العالمية:
انبثق الاهتمام السيكولوجي الأولي بهذه الظاهرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية والفظائع التي ارتكبتها الأنظمة الشمولية الفاشية والنازية. قاد باحثو مدرسة فرانكفورت، وفي مقدمتهم ثيودور أدورنو وزملاؤه، مشروعاً بحثياً رائداً في عام 1950 أسفر عن نشر كتابهم الكلاسيكي “الشخصية التسلطية” (The Authoritarian Personality). على الرغم من الأثر العميق لهذا العمل، إلا أنه واجه انتقادات منهجية ونظرية لاذعة؛ حيث حصر أدورنو ورفاقه التعصب والتسلطية في أيديولوجيات الجناح السياسي اليميني، مهملاً الأشكال المماثلة من التصلب التي تظهر في أقصى اليسار أو في سياقات غير سياسية.
استجابة لهذه الثغرة، نشر ميلتون روكيتش في عام 1960 كتابه التأسيسي الفارغ في علم النفس: “العقل المفتوح والمغلق” (The Open and Closed Mind). نجح روكيتش في نزع الصبغة السياسية والمحتوائية عن المفهوم، مقدماً “الدوغماتية” كبديل شمولي محايد أيديولوجياً لمفهوم التسلطية السلطوية. أوضح روكيتش أن الدوغماتية تمثل نمطاً صورياً في التفكير يمكن رصده لدى الشيوعي المتعصب، والرأسمالي المتطرف، والناشط البيئي الراديكالي، ورجل الدين الأصولي، وحتى العالم الأكاديمي المتحجر.
مع بزوغ الثورة المعرفية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أُعيد فحص الدوغماتية في ضوء نظريات معالجة المعلومات، والتحيزات المعرفية، ونظرية التنافر المعرفي لليون فيستينغر. درس علماء النفس المعرفيون كيف يقود التفكير الدوغماتي إلى انتقاء الانتباه والذاكرة لتأكيد الفرضيات السابقة (الانحياز التأكيدي). وفي العقود الأخيرة، تداخلت دراسة الدوغماتية مع مفاهيم علم النفس العصبي الحديث، وبحثت دراسات التصوير الدماغي في مسارات المرونة العصبية ومعالجة الخطأ لدى الأفراد ذوي التفكير الدوغماتي المتصلب.
6. الأسس والأطر النظرية
تستند دراسة الدوغماتية في العلوم السلوكية إلى أطر نظرية متكاملة تشرح آلياتها وأسباب نشوئها:
أولاً، النظرية البنائية لروكيتش (Rokeach’s Structural Theory): تفترض هذه النظرية أن النظم العقائدية تتألف من شبكة مترابطة من المعتقدات تنتظم وفق أبعاد مركزية وهامشية. تشكل المعتقدات المركزية جوهر الهوية الفردية وتتعلق بالطبيعة الأساسية للواقع والذات والآخرين؛ بينما تمثل المعتقدات الهامشية الآراء الثانوية المستمدة من السلطات الموثوقة. في النسق الدوغماتي، تكون الروابط بين المعتقدات المركزية والهامشية شديدة التماسك والجمود، وتكون المعتقدات معزولة منطقياً لمنع التناقضات الداخلية من الظهور إلى الوعي.
ثانياً، نظرية الحاجة إلى الإغلاق المعرفي (Need for Cognitive Closure) التي طورها أري كروغلانسكي (Arie Kruglanski): تذهب هذه النظرية إلى أن الدوغماتية هي تجلٍ عملي للرغبة النفسية الملحة في الوصول إلى إجابة حاسمة ونهائية حول مسألة معينة، والتخلص من حالة الحيرة والغموض المؤلمة. تتكون هذه العملية من مرحلتين: “الاستعجال” في تبني المعتقد الأولي، يليه “التجميد” المعرفي عليه وحمايته من التغيير، مما يؤدي مباشرة إلى الجمود الدوغماتي دفاعاً عن هذا الإغلاق المحقق.
ثالثاً، نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory): ترى هذه المقاربة الوجودية-السيكولوجية أن تمسك الإنسان الدوغماتي برؤيته للعالم نابع من وظيفتها الأساسية في تخفيف الرعب من الفناء والموت والعبثية. توفر المنظومات العقائدية المطلقة شعوراً بالمعنى والخلود الرمزي، ولذلك فإن أي نقد أو تهديد يمس هذه العقائد يُستشعر على المستوى اللاشعوري كتهديد مباشر للوجود والبقاء النفسي، مما يستدعي استجابة دوغماتية دفاعية عنيفة لتأكيد الذات وتماسكها.
7. المكونات والأبعاد والأنماط
تتضمن الدوغماتية، وفق النماذج المعرفية المعاصرة، حزمة من الأبعاد النفسية والوظيفية التي تتمايز في البنية السلوكية للفرد:
- البعد الهيكلي (عزل المعتقدات): الاحتفاظ بمعتقدات متناقضة داخل نفس النسق دون دمجها، مما يمنع حدوث التنافر المعرفي؛ كأن ينادي الفرد بحرية التعبير المطلقة ولكنه يطالب في الآن ذاته بقمع كافة المخالفين له فكرياً.
- الميل التمييزي الحاد بين الداخلي والخارجي: رؤية العالم وفق ثنائية مانوية تبسيطية تقسم البشر إلى جماعة داخلية (تمتلك الحق المطلق والفضيلة) وجماعات خارجية (غارقة في الباطل والفساد والعداء).
- التبعية المطلقة للسلطة المعرفية: تقييم صحة الأفكار والأطروحات بناءً على المصدر الحاكم أو الرمزي الذي صدرت عنه، وليس بالنظر إلى الفحوى الذاتي والبرهان المنطقي لتلك الأفكار.
- التصلب والجمود السلوكي (Rigidity): عدم القدرة على تعديل السلوك أو الاستراتيجية الذهنية عند تغير متطلبات البيئة أو الشروط التجريبية للمهمة.
- تدني تحمل الغموض (Low Tolerance of Ambiguity): العجز عن التعايش مع المواقف المعقدة أو الاحتمالية، وتفضيل اليقين السيئ والمطلق على الاحتمال الإيجابي المشوب بالشك.
- التوجه الزمني المتمركز حول المستقبل: التضحية بالحاضر وإلغاء استحقاقاته الحالية في سبيل رؤية مثالية مطلقة وموعودة في المستقبل تصوغها الأيديولوجيا المغلقة.
8. أمثلة وحالات توضيحية
لتوضيح تجليات الدوغماتية في الواقع العملي، يمكن استعراض السيناريوهات المعبرة الآتية:
الحالة الأولى: الدوغماتية في المجال الأكاديمي والبحث العلمي
البروفيسور (س) عالم بيولوجيا قضى أربعة عقود في ترسيخ فرضية بيولوجية محددة. مع التقدم التقني في تسلسل الحمض النووي (DNA)، أظهرت عشرات الدراسات المعملية الموثقة أن فرضيته تشوبها أخطاء جوهرية. بدلاً من إعادة تقييم نموذجه وفق المنهج العلمي، يرفض البروفيسور رفضاً قاطعاً قراءة النتائج الحديثة، واصفاً الباحثين الجدد بأنهم “مفتقرون للكفاءة العلمية ويتآمرون لهدم الإرث البحثي الرصين”. هنا يتجلى التفكير الدوغماتي من خلال الانغلاق أمام البيانات التجريبية والتخندق حول السلطة المعرفية القديمة للذات.
الحالة الثانية: الدوغماتية في البيئة التنظيمية والمؤسسية
يقود (م) شركة اتصالات كبرى وفق استراتيجية تسويقية صاغها عام 2010. على الرغم من تغير السوق السريع والتحول الرقمي وصعود المنصات التفاعلية، يرفض رئيس مجلس الإدارة الاستماع لتقارير فريق التطوير الشاب التي تشير إلى تراجع الحصة السوقية. يكرر عبارته الشهيرة: “خطتنا مثبتة تاريخياً وهي الحقيقة الوحيدة للنجاح؛ المشكلة في تراخي الموظفين لا في الرؤية”. هذا التصلب هو انعكاس لدوغماتية القيادة التي تقود المنظمة نحو التدهور الحتمي لعجزها عن التكيف الإدراكي.
9. القياس والتقييم السيكومتري
طوّر علماء النفس عدة أدوات لقياس بناء الدوغماتية بصورة كمية وموضوعية:
يظل مقياس روكيتش للدوغماتية (Rokeach’s Dogmatism Scale – Form E) الأداة التاريخية الأكثر شهرة. يتألف هذا المقياس من 40 إلى 66 فقرة (حسب النسخة) مصممة لقياس الانفتاح مقابل الانغلاق المعرفي بمعزل عن الانتماء السياسي أو الديني للفرد. يقيس المقياس أبعاداً متعددة، منها: رفض الآخر، وعبادة السلطة، والبارانويا واليقين المطلق بالمستقبل. على الرغم من استخدامه الواسع، واجه مقياس روكيتش انتقادات متعلقة بتركيب عباراته وتعدد أبعاده بصورة قد تؤثر على ثباته الداخلي.
لتجاوز عيوب مقياس روكيتش، طوّر بوب ألتماير (Bob Altemeyer) في عام 1996 مقياس الدوغماتية المعاصر (Altemeyer’s DOG Scale). يتميز هذا المقياس بخصائص سيكومترية فائقة، وثبات داخلي مرتفع، حيث يركز حصراً على التمسك غير القابل للتبرير باليقين المطلق والاستعداد للدفاع عنه بغض النظر عن الأدلة المتوفرة. يتكون المقياس من 20 فقرة موزونة الصياغة تتجنب الانحياز في الإجابة، مثل: “إن معتقداتي حول أهم قضايا الحياة هي الصحيحة تماماً، ولن يستطيع أي دليل في العالم إثبات خطئي”.
بالإضافة إلى المقاييس التقريرية المباشرة، تُستخدم في الأبحاث الحديثة المهام السلوكية والمعرفية لتقييم الدوغماتية غير الواعية؛ مثل قياس أوقات الاستجابة في التعرف على المحفزات المتباينة، واختبارات فرز البطاقات (مثل اختبار ويسكونسن لفرز البطاقات – WCST) الذي يقيس مقدار الجمود المعرفي وعجز الدماغ عن تغيير الاستراتيجية عند تبدل القواعد البيئية.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تكتسب دراسة الدوغماتية أهمية تطبيقية بالغة في ميادين متعددة:
في العلاج النفسي والعيادي، يرتبط التفكير الدوغماتي بخلل التكيف النفسي والإصابة بالاضطرابات الوجدانية مثل الاكتئاب واضطرابات القلق. يعتمد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وعلاج السلوك العقلاني الانفعالي (REBT) لألبرت إليس على استهداف المعتقدات الدوغماتية غير العقلانية التي تتسم بالـ “يجبية المطلقة” والتفكير الكارثي القاطع. يساعد المعالج العيادي المريض على تفكيك التصلب المعرفي وإحلاله ببدائل مرنة تسمح بالتعامل مع خيبات الأمل الحياتية بواقعية وموضوعية.
في المجال التعليمي والتربوي، تُعد مواجهة الدوغماتية الهدف الأسمى لبرامج تعليم التفكير النقدي. تسعى المناهج الحديثة إلى تدريب الطلاب على الشك المنهجي، وتقييم جودة المصادر، والتفريق بين الحقيقة والرأي، وتطوير التواضع الفكري (Intellectual Humility). إن كسر التفكير الدوغماتي في سن مبكرة يُمكّن المتعلمين من الانفتاح على وجهات النظر التعددية وحل المعضلات المعقدة.
في البيئة التنظيمية والسياسية، يساعد فهم الدوغماتية على تفسير أسباب الفشل في اتخاذ القرارات الاستراتيجية ومقاومة التغيير في الشركات. وعلى المستوى السياسي، يُعد قياس النزعات الدوغماتية لدى القادة والجماهير أداة حيوية للتنبؤ باحتمالات تصاعد النزاعات المسلحة والجمود الدبلوماسي؛ حيث يؤدي التفكير الدوغماتي إلى تجريد الخصوم من الإنسانية وتقليص فرص التوصل إلى تسويات توافقية وسلمية.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
تزخر الأدبيات النفسية بمئات الدراسات التجريبية التي تناولت الدوغماتية بالتحليل والتقصي الدقيق:
أظهرت دراسات رائدة أجراها علماء النفس المعرفي، مثل أري كروغلانسكي ودونا ويبستر (Webster & Kruglanski, 1994)، أن الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة على مقاييس الدوغماتية يميلون بدرجة دالة إحصائياً إلى التوقف المبكر عن جمع الأدلة عند مواجهة مشكلات جديدة، ويبدون ثقة مفرطة ومضللة في قراراتهم الأولى مقارنة بالأفراد ذوي المستويات المنخفضة من الدوغماتية.
وفي دراسة محورية قادها رولاند فريش وزملاؤه (Fisch et al.) حول المرونة المعرفية، تبيّن أن الدوغماتية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بظاهرة “العمى المعرفي للتراجع”؛ حيث يواجه الفرد الدوغماتي صعوبة بالغة في إدراك وتصحيح أخطائه في المهام الإدراكية حتى عندما يُكافأ مالياً على دقة التصحيح، مما يشير إلى أن الحفاظ على ثبات المعتقد مقدم لديه على المنفعة البراغماتية المادية.
على صعيد علم النفس العصبي، كشفت أبحاث حديثة قادها كريس ستيت وباحثون من جامعة كاليفورنيا (Zmigrod et al., 2019-2021) حول الأساس العصبي العقائدي، أن النزعة إلى الدوغماتية والأيديولوجيات المتطرفة ترتبط بانخفاض مستويات مرونة المعالجة الإدراكية (Perceptual Flexibility) في المخ، ووجود تباين في وظائف قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن الوظائف التنفيذية وضبط الاستجابة وفق المعطيات المستجدة.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
تتأثر مظاهر الدوغماتية ومعدلات انتشارها بالسياقات الثقافية والاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد:
في الثقافات الجمعية (Collectivist Cultures)، التي تولي قيمة عليا لتماسك الجماعة والامتثال للتقاليد واحترام التراتبية الهرمية، قد تتخذ الدوغماتية طابعاً توافقياً معيارياً. في مثل هذه البيئات، لا يُنظر دائماً إلى التمسك الحاسم بالمعتقدات التقليدية وسلطة الأجداد على أنه انغلاق سلبي، بل قد يُفسر سيكولوجياً كدليل على الولاء والفضيلة الأخلاقية والالتزام المجتمعي.
على النقيض من ذلك، في الثقافات الفردانية (Individualist Cultures)، يُنظر إلى الانفتاح الفكري والمرونة المعرفية بوصفهما قيمتين أساسيتين للنضج الشخصي، وبالتالي تُصنف الدوغماتية عموماً كسمة عجز واختلال معرفي. ومع ذلك، تشير الدراسات العابرة للثقافات إلى أن الثقافات الفردانية ليست محصنة ضد الدوغماتية؛ بل تظهر فيها هذه السمة عبر التخندق الحاد حول الهويات الفرعية أو الأيديولوجيات العلمانية الليبرالية بصورة لا تقل جزماً وتعصباً عن الأشكال التقليدية.
كما تلعب الظروف البيئية والضغوط المجتمعية دوراً كبيراً؛ فالمجتمعات التي تعاني من عدم الاستقرار الاقتصادي، أو التهديدات الأمنية المزمنة، أو الصدمات التاريخية، تسجل مستويات عامة أعلى من الدوغماتية مقارنة بالمجتمعات المستقرة. يعمل التهديد الوجودي المشترك على تفعيل آليات الدفاع المعرفي الجمعي، مما يدفع الأفراد إلى التكتل الدوغماتي خلف مسلمات مطلقة لحماية الذات والهوية المشتركة من الانهيار.
13. الانتقادات والجدل والحدود المنهجية
على الرغم من القيمة التفسيرية العالية لمفهوم الدوغماتية، إلا أنه واجه نقوداً جوهرية في الأدبيات السيكولوجية:
يرتكز النقد الأول على صعوبة الفصل العملي بين شكل المعتقد ومحتواه؛ فرغم ادعاء المنظرين (مثل روكيتش) أن الدوغماتية تصف “كيف” يفكر الفرد وليس “بماذا” يفكر، إلا أن المقاييس السيكومترية غالباً ما تفشل في تجنب حمولة المحتوى. يرى بعض الباحثين أن بعض المعتقدات السياسية أو الدينية تحمل بطبيعتها نصوصاً قطعية تفرض الدوغماتية فرضاً، مما يجعل عزل السمة المعرفية الخالصة عن المعتقد الفعلي أمراً شديد التعقيد من الناحية الإجرائية.
يتعلق النقد الثاني بـ مشكلة التقرير الذاتي (Self-Report Bias)؛ حيث تعتمد أغلب المقاييس على اعتراف الشخص بنمط تفكيره. نادراً ما يصف الفرد الدوغماتي نفسه بأنه “منغلق العقل” أو “معاند للحقائق”، بل يرى نفسه شخصاً “مبدئياً” و”ثابتاً على الحق” ولديه يقين عقائدي سليم، مما قد يؤدي إلى انخفاض الصدق البنائي لتلك الاختبارات في حال غياب المقاييس الموضوعية المساندة.
علاوة على ذلك، يثور جدل نظري حول الوظيفة التكيفية للدوغماتية؛ حيث يُجادل فريق من علماء النفس التطوري بأن التفكير الدوغماتي واليقين الحاسم كانا ضروريين للبقاء البشري في فترات ما قبل التاريخ، عندما كانت التهديدات البيئية تتطلب قرارات فورية وحاسمة والتزاماً مطلقاً بحماية القبيلة، وأن التردد والشك الفلسفي المستمر قد يكون مكلفاً في بيئات الخطر المباشر.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتقاطع الدوغماتية مع العديد من المفاهيم السيكولوجية، غير أن بينها فروقاً دقيقة وحاسمة:
- التسلطية (Authoritarianism): تركز التسلطية على الخضوع للسلطة السياسية والاجتماعية وفرض النظام وتأييد القمع العقابي، بينما تركز الدوغماتية على بنية التفكير وأسلوب معالجة المعلومات عموماً، سواء تضمن ذلك نزعة سياسية تسلطية أم لا.
- التعصب (Prejudice): يُعبر التعصب عن موقف وجداني مسبق وسلبي موجه ضد جماعة معينة وأعضائها، في حين تمثل الدوغماتية قالباً معرفياً عاماً قد يقود إلى التعصب، لكنه يتجاوزه ليشمل كل مناحي المعرفة والكون.
- الجمود الفكري (Cognitive Rigidity): يمثل الجمود عجزاً في القدرة الإدراكية على الانتقال بين مهمة عقلية وأخرى، وهو بعد وظيفي محدد، بينما الدوغماتية هي منظومة متكاملة من سمات الشخصية والبنى العقائدية.
- الأصولية (Fundamentalism): تشير الأصولية إلى التمسك الحرفي بمجموعة من النصوص أو الأصول التأسيسية الدينية أو الأيديولوجية والتطلع للعودة إليها، بينما يمكن أن يكون الفرد دوغماتياً في نظرية علمية أو ذوق فني دون أن يرتبط بأصولية دينية أو نصية.
- نقيض المفهوم: التواضع الفكري (Intellectual Humility): وهو الاعتراف الصادق بمحدودية المعرفة الذاتية، وقابلية الذات للخطأ، والانفتاح الحقيقي على مراجعة الأفكار في ضوء أي براهين مضادة مستجدة.
15. الخلاصة والأفكار الأساسية
تُمثل الدوغماتية في منظور علم النفس بنية معرفية مغلقة وآلية دفاعية مركزية يلجأ إليها الإنسان هرباً من القلق، والغموض، وتحديات التعقيد المعرفي. لا تتحدد هذه السمة بطبيعة الفكرة التي يحملها الفرد بل بالطريقة غير القابلة للنقد التي يحتفظ بها داخل جهازه النفسي. تترك الدوغماتية آثاراً عميقة على الصحة النفسية، والتكيف الإدراكي، والاستقرار المجتمعي؛ إذ تُقوض ثقافة الحوار العقلاني وتُغذي مشاعر الاستقطاب والتعصب والعداء للجماعات الخارجية. تكمن الوقاية من التصلب الدوغماتي في تعزيز الفضائل الفكرية النقدية، وتدريب العقول على التفكير المرن، وتنمية التواضع المعرفي الذي يدرك أن الحقيقة الإنسانية نسبية ومفتوحة دوماً على البحث والمراجعة والتطور المستمر.
المراجع
- Altemeyer, B. (1996). The Authoritarian Specter. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674053052
- Kruglanski, A. W. (2004). The Psychology of Closed Mindedness. Psychology Press. https://doi.org/10.4324/9780203341803
- Rokeach, M. (1960). The Open and Closed Mind: Investigations into the Nature of Belief Systems and Personality Systems. Basic Books. https://archive.org/details/openclosedmindin0000roke
- Webster, D. M., & Kruglanski, A. W. (1994). Individual differences in need for cognitive closure. Journal of Personality and Social Psychology, 67(6), 1049–1062. https://doi.org/10.1037/0022-3514.67.6.1049
- Zmigrod, L. (2020). The cognitive and neural architecture of ideological dogmatism. Current Opinion in Behavioral Sciences, 34, 157–164. https://doi.org/10.1016/j.cobeha.2020.03.008