الدونجوانية: سيكولوجيا الإغواء القهري

تعد الدونجوانية نمطاً سلوكياً قهرياً يتسم بالحاجة المستمرة لإغواء الشركاء وهجرهم، كآلية دفاعية للهروب من مشاعر الهشاشة النرجسية والعجز عن خوض علاقات حميمية حقيقية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 15 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 15 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل متلازمة دون جوان إحدى الظواهر النفسية والسلوكية الأكثر إثارة للجدل في التحليل النفسي والطب النفسي المعاصر، حيث تتجاوز مجرد الرغبة العابرة في التعددية العاطفية إلى نمط قهري دفاعي متجذر في البنية الشخصية. تهدف هذه الدراسة المعمقة إلى تفكيك الدونجوانية من أبعادها التاريخية، والتحليلية، والعصبية، كاشفةً النقاب عن الصراعات اللاشعورية التي تختبئ خلف قناع الإغواء الذي لا ينتهي.

متلازمة دون جوان (الدونجوانية)

1. التعريف الدقيق والموجز

تُعرّف الدونجوانية (Don Juanism) في الأدبيات النفسية والتحليلية بأنها نمط سلوكي ونفسي لاشعوري يتسم بالحاجة القهرية المستمرة لدى الرجل لإغواء النساء والدخول في علاقات جنسية أو عاطفية متتالية، مع العجز التام والواضح عن الحفاظ على استثمار عاطفي طويل الأمد أو الارتباط النفسي الحقيقي بعد إتمام عملية “الغزو”. هذا السلوك لا ينبع من فيض في الدافع الجنسي، بل يعمل كآلية دفاعية لمواجهة مشاعر دفينة من عدم الأمان، والدونية، وهشاشة الذات.

ويشير هذا المفهوم في التحليل النفسي إلى بنية شخصية معقدة يتم فيها اختزال الشريكة في مرتبة “الموضوع المُمتَلَك” الذي تنتهي قيمته النفسية بمجرد استسلامه لعملية الإغواء؛ مما يدفع الفرد إلى إعادة تكرار الدورة السلوكية القهرية بصورة لا نهائية بحثاً عن تأكيد نرجسي مؤقت لا يبلغ مرحلة الإشباع أبداً. يتقاطع هذا البناء في التشخيصات المعاصرة مع اضطراب الشخصية النرجسية وأنماط التعلق التجنبي القلق، فضلاً عن اندراجه تحت مظلة السلوك الجنسي القهري.

2. أصل المصطلح والاشتقاق اللغوي

تعود التسمية تاريخياً إلى الشخصية الأسطورية الإسبانية “دون خوان” (Don Juan)، التي ظهرت أول مرة في الأدب المدون على يد الكاتب المسرحي تيرسو دي مولينا (Tirso de Molina) في مسرحيته المشهورة “مخادع إشبيلية والضيف الحجري” (El burlador de Sevilla y convidado de piedra) المنشورة قرابة عام 1630. كان اللفظ “دون” (Don) يمثل لقباً تشريفياً نبيلاً في شبه الجزيرة الإيبيرية مشتقاً من الكلمة اللاتينية (Dominus) التي تعني “السيد”، في حين أن “خوان” (Juan) هو المقابل الإسباني للاسم العبري “يوحنان” ومعناه “الرب رحيم”.

انتقلت الشخصية لاحقاً عبر الأعمال الكلاسيكية لموليير، وموزارت في أوبرا “دون جوفاني”، ولورد بايرون. أما في ميدان علم النفس والطب العقلي، فقد دخل المصطلح المعجم السريري عبر أعمال المحللين النفسيين في الربع الأول من القرن العشرين، ولا سيما كتابات أوتو رانك (Otto Rank) عام 1922 في دراسته الرائدة “أسطورة دون جوان” (Die Don Juan-Gestalt)، التي حلل فيها الدلالات النفسية للأدب، ليتحول الاسم من مجرد بطل تراجيدي مستهتر إلى مصطلح تشخيصي يصف دينامية نفسية مرضية محددة ترتبط بالقهر التكراري.

3. الصيغة النحوية والدلالة الصرفية

في اللغة العربية، يُصاغ المصطلح كاسم مركب إضافي “دون جوان”، ويُشتق منه المصدر الصناعي بإضافة ياء النسبة المشددة والتاء المربوطة ليصبح “الدونجوانية”، وهي صيغة قياسية تدل على مذهب سلوكي أو نزعة نفسية أو متلازمة سريرية. ويُطلق على الشخص المتصف بهذه السمات نعت “الدونجوان” أو “الرجل الدونجواني”.

من الناحية الدلالية، يشير المصطلح في الاستعمال العربي العامي والاجتماعي إلى الرجل الجذاب المتعدد العلاقات، إلا أن الاستعمال النفسي والأكاديمي يخلع عنه هذا الطابع الإطرائي، محولاً اللفظ إلى توصيف مرضي لحالة من الإخفاق الوجداني والاضطراب العلائقي، حيث يمثل المصطلح سلوكاً قهرياً مدفوعاً بآليات دفاعية لاشعورية وليس قدرة فائقة على الحب أو الرومانسية.

4. التفسير المفهومي المفصل للأبعاد النفسية

تتجاوز الدونجوانية مجرد النشاط الجنسي المتعدد (Promiscuity)؛ إذ إنها تمثل بنية علائقية مشوهة تنطوي على ثلاث مراحل متكررة تسمى “دورة الإغواء الإلغائي”: الملاحقة الشغوفة، والانتصار الإغوائي، ثم التجريد الفوري من القيمة والهروب السريع. في المرحلة الأولى، يُظهر الدونجوان طاقة هائلة وتكريساً كاملاً لإسقاط دفاعات الطرف الآخر، مستخدماً مهارات تواصلية وبلاغية فائقة تكشف عن حساسية تكتيكية لنقاط الضعف العاطفية لدى الشريكة، ويبدو في هذه المرحلة وكأنه يرى في الضحية المرأة المثالية الوحيدة في العالم.

لكن بمجرد الوصول إلى القبول الجنسي أو العاطفي التام، تحدث النقلة النفسية المرضية؛ إذ تنهار الهالة المثالية التي نسجها الدونجوان حول الشريكة على الفور، وتتحول مشاعر الشغف الملتهبة إلى شعور بالاختناق، أو القرف، أو الملل المفاجئ، أو حتى العداء الصريح. هذا التراجع ليس قراراً واعياً مدفوعاً بالخيانة المتعمدة بقدر ما هو هروب لاشعوري ذعري من “الحميمية المهددة للذات”. فالاقتراب الحقيقي يفرض التزاماً ونزعاً للأقنعة، وهو ما لا تطيقه بنية الأنا الهشة لدى هذا النمط من الشخصيات.

إن جوهر الدينامية الدونجوانية يكمن في استخدام “الآخر” كمرآة عاكسة (Self-object) لترميم صورة الذات المشروخة. يحتاج الدونجوان إلى إثبات قدرته المستمرة على الإغواء ليؤكد لنفسه أنه مرغوب، وقوي، ومحصن ضد الهجر، مما يجعل كل علاقة جديدة بمثابة جرعة تثبيت نرجسي (Narcissistic Supply) مؤقتة المفعول، سرعان ما يتلاشى تأثيرها، ليعود الشعور بالفراغ الوجودي والهلع الداخلي، دافعاً إياه للبحث عن صيد جديد.

5. التطور التاريخي للمفهوم والتحول إلى السيكولوجيا

بدأ استيعاب الدونجوانية كظاهرة تستحق الفحص السريري مع بدايات التحليل النفسي الكلاسيكي. في عام 1910، وضع سيغموند فرويد (Sigmund Freud) اللبنات الأولى لتفسير هذه الظاهرة في مقالته الشهيرة “حول نوع خاص من الاختيار العاطفي لدى الرجال”، مبيناً أن بعض الرجال يقعون في نمط قهري لا يستطيعون فيه حب امرأة إلا إذا كانت مرتبطة بآخر أو ذات سمعة ملتبسة، حيث يسعون إلى “إنقاذها”، وهو نمط متجذر في الرغبات الأوديبية المحرمة والتثبيت الطفولي على صورة الأم التي لا يمكن الوصول إليها.

في عام 1922، نشر أوتو رانك عمله التأسيسي المعمق حول أسطورة دون جوان، مستخدماً أدوات التحليل النفسي لإثبات أن عداء دون جوان للآباء والمنافسين (المتمثل في قتل الكومندور في الرواية الأصلية) والبحث اللانهائي عن النساء يمثلان صراعاً ضارياً مع سلطة الأب ومحاولة يائسة لاستعادة وحدة الأم الأولى. ثم جاء المحلل النفسي النمساوي أوتو فينيشيل (Otto Fenichel) في عام 1945 في كتابه “النظرية التحليلية للعصاب” ليصيغ تعريفاً دقيقاً لما أسماه “الدونجوانية العصابية”، معتبراً إياها محاولة من الأنا لإثبات الفحولة العالية والهروب من قلق الإخصاء ورغبات المثلية الجنسية الكامنة غير الواعية.

مع الانتقال إلى حقبة الطب النفسي الوصفي في النصف الثاني من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين عبر الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، تراجع استخدام المصطلح كفئة تشخيصية مستقلة، ليدمج مفهومياً وسريرياً ضمن مظاهر اضطرابات أخرى، خصوصاً الشخصية النرجسية، واضطراب الشخصية الحدية، واضطراب السلوك الجنسي القهري (Compulsive Sexual Behavior Disorder) المدرج حديثاً في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11).

6. الأسس والأطر النظرية المفسرة

تتعدد الرؤى النظرية التي تفسر نشوء متلازمة دون جوان؛ إذ تتناول مدرسة التحليل النفسي الظاهرة من منظور العقدة الأوديبية غير المحلولة. فوفقاً لهذا الطرح، يمثل كل استسلام لأنثى جديدة محاولة لاواعية للظفر بالأم، ولكن نظراً لأن هذا الظفر محرّم غريزياً ويحيطه الشعور بالذنب، فإن الأنا تُسارع إلى تدمير الرابط والانتقال إلى موضوع بديل. يرى كارل أبراهام (Karl Abraham) أن الدونجوان يعيش خيبة أمل أولية من الأم؛ مما يولد لديه رغبة انتقامية لاواعية يسقطها على جميع النساء لاحقاً عبر إذلالهن والهجر المتعمد.

من منظور نظرية علاقات الموضوع (Object Relations Theory)، يفسر منظرون مثل أوتو كيرنبيرغ (Otto Kernberg) الدونجوانية بأنها انعكاس لتشوه في تنظيم الشخصية الحدية أو النرجسية. يفشل الفرد في تحقيق “ثبات الموضوع” (Object Constancy)، وهي القدرة على دمج الجوانب الإيجابية والسلبية للشخص المحبوب. وبناءً عليه، تنقسم رؤيته للنساء إلى نساء مثاليات بالمطلق (الملائكة) ونساء ساقطات ومجردات من القيمة؛ فما دامت الشريكة بعيدة المنال، تُحفظ في خانة المثالية، وبمجرد لمسها تسقط في خانة التدنيس، مما يحتم التخلص منها.

أما من منظور نظرية التعلق لجون بولبي، فإن الدونجوان يمثل التجسيد المتطرف لـ “نمط التعلق التجنبي القلق” (Dismissive-Avoidant Attachment). يخشى هذا الشخص الاعتماد العاطفي، إذ يرى في التقارب النفسي تهديداً وشيكاً بالابتلاع، أو الاستغلال، أو التخلي الصادم، فيستبق هذا السيناريو المتخيل بالتخلي هو أولاً، مستخدماً الانفصال السريع كدرع واقٍ لحماية استقلاليته الوهمية.

وفي إطار علم النفس التطوري، يجادل بعض الباحثين مثل ديفيد باس (David Buss) بأن الدونجوانية هي تفعيل متطرف لاستراتيجية التزاوج قصير المدى (Short-term mating strategy)، والتي تهدف في السياق البيولوجي البدائي إلى تعظيم النجاح التناسلي دون دفع كلفة الاستثمار الأبوي، وإن كانت هذه الاستراتيجية في صورتها النفسية الحديثة قد انحرفت لتصبح سلوكاً غير تكيفي يسبب الضيق النفسي والمعاناة للممارس ولشركائه على حد سواء.

7. المكونات والأنماط والأبعاد السلوكية

يمكن تقسيم متلازمة دون جوان إلى مجموعة من المكونات والأبعاد التي تتفاعل مشكلةً هذا النمط الإشكالي، ومنها:

  • الهوس بالمطاردة (The Thrill of the Chase): تركيز الطاقة النفسية حصرياً على مرحلة التودد وتفكيك دفاعات الطرف المقابل، حيث يكمن الإشباع في لحظة الإخضاع العاطفي وليس في العلاقة ذاتها.
  • البرود الوجداني المفاجئ (Affective Blunting): التحول الفجائي من فرط الاهتمام إلى اللامبالاة التامة، وغالباً ما يعقب أول لقاء حميم أو إعلان الشريكة عن حبها الصريح.
  • المثالية والتسقيط الإسقاطي: وضع الشريكة المستهدفة في مكانة التقديس، يليه إسقاط نقائص الذات عليها للشعور بالاشمئزاز منها وتبرير مغادرتها.
  • انعدام التعاطف الحقيقي: العجز عن إدراك الألم النفسي الذي يسببه للشريكة جراء التخلي غير المبرر، مع تبرير الموقف بأعذار واهية مثل “هي لم تعد تفهمني” أو “اكتشفت أنها ليست نصفِي الآخر”.
  • الاستعراضية النرجسية: الحرص على إبراز قصص الغرام كإنجازات ترفع من قيمته أمام أقرانه الذكور، وتغذي شعوره بالتفوق والجاذبية الاستثنائية.

8. النماذج التطبيقية والحالات التوضيحية

لتوضيح الديناميات السريرية للدونجوانية، يمكن تأمل حالة سريرية مستقاة من الممارسة التحليلية: تقدم (س)، وهو رجل في الثامنة والثلاثين من عمره، يشغل منصباً رفيعاً في الاستشارات المالية، إلى العلاج النفسي بسبب نوبات من الاكتئاب والشعور بفراغ وجودي حاد يعقبه إنهاء كل علاقة عاطفية. تميزت سيرته بنمط ثابت على مدى خمسة عشر عاماً؛ يدخل في علاقة شديدة الرومانسية تستمر من شهرين إلى أربعة أشهر، يغدق فيها على الشريكة الهدايا والاهتمام ويقنعها بأنه وجد حب حياته.

بمجرد أن تعبر الشريكة عن رغبتها في ترسيم العلاقة أو تبادله العواطف بصدق، يبدأ (س) بالشعور بالهلع واضطراب النوم، معتقداً فجأة أن صوتها مزعج، أو أن ذكاءها سطحي، أو أن مظهرها لم يعد يروق له. ينسحب بعد ذلك ببرود تام مسبباً صدمة شديدة للطرف الآخر، ليدخل في حزن سطحي عابر يليه بحث حموم عن امرأة جديدة عبر تطبيقات المواعدة لتبديد كآبته، مما يعيد تفعيل الدورة من جديد.

كشف التحليل النفسي لـ (س) عن نشأته في كنف أم مستبدة ومتطلبة نرجسياً كانت تستخدمه كملحق لتلبية احتياجاتها النفسية الخاصة مع معاقبته بالهجر الوجداني عند أي محاولة لإظهار الاستقلالية، في ظل غياب تام للأب المنهمك في عمله. كان سلوكه الدونجواني انتقاماً لاواعياً من صورة الأم المبتلعة؛ حيث يغوي البدائل النسائيات ليجعلهن رهن إشارته، ثم يهجرهن ليختبر متعة كونه هو “الهاجر” بدلاً من كونه الطفل المتروك والعاجز.

9. أساليب القياس والتقييم السريري

نظراً لعدم وجود فئة تشخيصية مستقلة باسم “متلازمة دون جوان” في الدلائل التشخيصية الحديثة الصادرة عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، فإن التقييم السريري يعتمد على حزمة من المقاييس المترابطة التي تقيس السمات المكونة للمتلازمة. يبدأ الفحص السريري من خلال المقابلة الإكلينيكية المنظمة لاضطرابات الشخصية وفق محاور الـ (DSM-5)، وتحديداً لتقييم اضطرابات الفئة (B) كالنرجسية والحدية والتمثيلية.

تستخدم أدوات سيكومترية دقيقة لتقييم السلوك الإغوائي القهري، مثل مقياس السلوك الجنسي المفرط (Hypersexual Behavior Inventory – HBI) الذي يقيس فقدان السيطرة واستخدام الجنس كآلية للتأقلم مع الضغوط، ومقياس النرجسية المرضية (Pathological Narcissism Inventory – PNI) لرصد جوانب العظمة والهشاشة النرجسية. كما يوظف مقياس تجارب العلاقات الوثيقة (Experiences in Close Relationships – ECR) لتقييم درجات التجنب والقلق في التعلق الوجداني.

10. التطبيقات والأهمية الإكلينيكية والمجتمعية

تكتسب دراسة الدونجوانية أهمية سريرية استثنائية في سياق العلاج النفسي الفردي والاستشارات الزوجية والأسرية؛ فالأفراد الذين يعانون من هذه المتلازمة نادراً ما يطلبون العلاج بسبب سلوكهم الإغوائي ذاته، بل يحضرون إلى العيادات النفسية بعد انهيارات حياتية، كأزمات منتصف العمر، أو مواجهة فضائح مدمرة، أو الإصابة بالاكتئاب السريري الناجم عن استنزاف آليات الدفاع وتراجع الجاذبية الجسدية مع تقدم العمر.

من الناحية العلاجية، يتطلب التعامل مع النمط الدونجواني استخدام العلاج التحليلي النفسي الطويل الأمد لفك الارتباط بين الغزو الجنسي وتقدير الذات، ومساعدة المريض على معايشة قلق الفراغ والحداد على الرغبات الطفولية غير المحققة. كما يُستخدم العلاج المعرفي السلوكي والعلاج بالمخططات (Schema Therapy) لتفكيك مخططات التفكير الخاطئة المتعلقة بالحميمية والاستحقاق وتطوير استراتيجيات سوية للتعامل مع مشاعر الوحدة.

11. الشواهد التجريبية والبحوث السريرية الحديثة

أكدت الأبحاث الحديثة في علم النفس العصبي والطب النفسي السلوكي الرؤى التحليلية القديمة ولكن بلغة علمية معاصرة؛ فقد أظهرت الدراسات التي قادها باحثون مثل مارتن كافكا (Martin Kafka) وروري ريد (Rory Reid) حول السلوك الجنسي القهري وفرط النشاط الجنسي أن هؤلاء الأفراد يظهرون أنماط استجابة عصبية في الدوائر الدوبامينية المشابهة لدوائر الإدمان؛ حيث يحدث إفراز الدوبامين في مرحلة التوقع والترقب (المطاردة)، في حين يهبط النشاط العصبي المكافئ بشكل حاد وفوري بعد بلوغ الهدف، مما يفسر التحول المزاجي السريع نحو النفور والضجر.

كما بينت الدراسات التي تناولت مفهوم “الثالوث المظلم” (Dark Triad) للشخصية، والذي يضم النرجسية والماكيافيلية والاعتلال النفسي (السيكوباتية)، ارتباطاً موجباً وثيقاً بين هذه السمات والسلوك الإغوائي قصير الأمد والاستغلالي. تشير النتائج الإحصائية إلى أن الأفراد ذوي الدرجات المرتفعة على هذا المقياس يستخدمون أساليب تلاعب عاطفي مكثفة لخداع الشركاء بغرض تحقيق أهداف جنسية نرجسية دون أدنى شعور بالذنب، وهو ما يطابق السمات الجوهرية للنمط الدونجواني.

12. الاعتبارات الثقافية والدراسات عبر الثقافات

يختلف التعبير عن الدونجوانية واستقبالها الاجتماعي باختلاف البنى الثقافية؛ ففي الثقافات التي تسود فيها النزعة الذكورية التقليدية (Machismo)، كما في بعض المجتمعات اللاتينية والمتوسطية، غالباً ما يُكافأ سلوك الدونجوان اجتماعياً ويُفسر خطأً كعلامة على الرجولة الفائقة والبراعة الاجتماعية، مما يسهم في إنكار المعاناة المرضية الكامنة وتأخير التدخل العلاجي.

على النقيض من ذلك، فإن السياقات الثقافية التي تؤكد على المساواة بين الجنسين والالتزام الأخلاقي المتبادل في العلاقات تميل إلى إدانة السلوك الدونجواني واعتباره شكلاً من أشكال الإيذاء العاطفي والتلاعب النفسي النرجسي. أما في المجتمعات المحافظة، فقد يتخذ هذا السلوك مسارات مستترة، مثل تعدد الزيجات غير المستقرة وسريعة الانهيار، أو الاستغراق في السلوكيات الإغوائية عبر الوسائط الرقمية كغرف الدردشة ومنصات التواصل الاجتماعي، هرباً من القيود الاجتماعية المفروضة على السلوك الواقعي.

13. الانتقادات والمناقشات والحدود النظرية

تعرض مفهوم الدونجوانية لانتقادات نظرية وفلسفية متعددة؛ حيث يرى تيار من علماء الاجتماع والناشطات النسويات أن إضفاء طابع علم النفس المرضي (Pathologizing) على سلوك الخداع والتلاعب الذكوري يمنح الممارسين مبرراً مجانياً للتملص من المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه الأضرار التي يلحقونها بالنساء، عبر تصويرهم كـ “ضحايا لمتلازمات نفسية خارجة عن إرادتهم” بدلاً من النظر إليهم كأشخاص يمارسون استغلالاً متعمداً للسلطة الذكورية.

كما وُجهت انتقادات لمفهوم التحليل النفسي الكلاسيكي لتركيزه الشديد على دور الأم في إحداث هذا الاضطراب، مما ينطوي على نوع من لوم الضحية أو إلقاء عبء الاضطرابات الذكورية بالكامل على التنشئة الوالدية للأمهات دون التفات كافٍ للتشوهات الثقافية والبنى المجتمعية الأبوية التي تغذي السلوك الاستهلاكي للجسد والآخر في العصر الحديث.

14. المصطلحات المقترنة والتمايزات المفاهيمية

تتداخل الدونجوانية مع عدة مفاهيم سريرية وسلوكية أخرى، وتتضح الفروق الجوهرية بينها على النحو الآتي:

  • عقدة كازانوفا (Casanova Complex): على الرغم من استخدامهما المتبادل أحياناً، إلا أن كازانوفا التاريخي كان يُظهر تقديراً حقيقياً وتفانياً ووجداً بالمرأة أثناء العلاقة ويسعى لإسعادها دون رغبة في إذلالها، في حين تتسم الدونجوانية بالعدوانية اللاشعورية والانتقام النفسي عبر الهجر المفاجئ.
  • الهوس الجنسي أو الساتيرية (Satyriasis): إفراط حاد وغير منضبط في الرغبة الجنسية الفيزيولوجية يطالب بالإشباع المادي البحت دون الاكتراث بعمليات الإغواء النفسي أو بناء الأوهام الرومانسية المميزة للدونجوان.
  • اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder): يفتقر السيكوباتي تماماً للمشاعر، ويكون سلوكه استغلالياً نفعياً أو مادياً، بينما يتحرك الدونجوان بدوافع داخلية لتسكين قلق العصاب والهشاشة النرجسية، محتفظاً ببعض الصراع الداخلي غير الواعي.

15. ملخص وخلاصة ختامية

تمثل الدونجوانية بناءً نفسياً مرضياً معقداً يتجاوز حدود السلوك الرومانسي المستهتر؛ إذ تشكل آلية دفاعية نرجسية تهدف إلى حماية الذات من مشاعر الهشاشة، والعجز، وقلق الفقدان عبر نمط قهري متكرر من الإغواء والهجر. ترتبط هذه الحالة بصراعات طفولية عميقة غير محلولة مع موضوعات الرعاية الأولى، وتتجلى سريرياً في العجز عن تحقيق الحميمية الحقيقية والشعور الدائم بالفراغ الوجودي، مما يتطلب استبصاراً علاجياً عميقاً في البيئة الإكلينيكية لإعادة بناء منظومة الارتباط الإنساني بصورة صحية وآمنة.

المراجع

فيما يلي أبرز المصادر والمراجع الأكاديمية المعتمدة التي تناولت الظاهرة وفقاً لأسلوب الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7th):

  • Freud, S. (1910). A special type of choice of object made by men (Contributions to the psychology of love I). Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, 11, 163-176.
  • Kernberg, O. F. (1995). Love relations: Normality and pathology. Yale University Press.
  • Rank, O. (1932). The Don Juan legend (D. G. Winter, Trans. & Ed.). Princeton University Press. (Original work published 1922).
  • Reid, R. C., Carpenter, B. N., Hook, J. N., Garos, S., Manning, J. C., Gilliland, R., … & Fong, T. (2012). Report of findings in a DSM-5 field trial for hypersexual disorder. The Journal of Sexual Medicine, 9(11), 2868-2877. https://doi.org/10.1111/j.1743-6109.2012.02936.x
  • World Health Organization. (2019). International statistical classification of diseases and related health problems (11th ed.). https://icd.who.int/

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 15). الدونجوانية: سيكولوجيا الإغواء القهري. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/don-juanism-psychology/
looti, Mohammed. “الدونجوانية: سيكولوجيا الإغواء القهري.” عرب سايكلوجي, 15 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/don-juanism-psychology/.
looti, Mohammed. “الدونجوانية: سيكولوجيا الإغواء القهري.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 15, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/don-juanism-psychology/.